العمليات المعرفيةعلم النفس المعرفي

الفئة المخصصة لغرض محدد: المفهوم والأسس المعرفية في علم النفس

تُعد الفئة المخصصة لغرض محدد (Ad Hoc Category) في علم النفس المعرفي بناءً مفهومياً ينشئه الفرد آنياً لتحقيق هدف معين، وتكشف عن المرونة الفائقة للذاكرة العاملة والوظائف التنفيذية في تنظيم المعرفة البشرية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 26 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 26 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل مفهوم الفئة المخصصة لغرض محدد (Ad Hoc Category) أحد أبرز المنعطفات النظرية في علم النفس المعرفي، إذ يعيد صياغة فهمنا لكيفية تنظيم العقل البشري للمعرفة وتوليد المفاهيم استجابة للمواقف المتغيرة. فعلى خلاف الفئات التصنيفية الثابتة والراسخة في الذاكرة طويلة المدى، تكشف الفئات المخصصة عن قدرة مذهلة يتمتع بها الجهاز الإدراكي في بناء هياكل مفاهيمية آنية وموجهة نحو أهداف محددة لحل مشكلات مستجدة. وتبرز هذه العملية كدليل قاطع على المرونة العالية التي تتسم بها المنظومة الفكرية للإنسان، حيث تلتقي فيها عمليات التفكير الإبداعي، والتخطيط التنفيذي، والانتباه الانتقائي لصياغة حلول آنية تلبي متطلبات السياق البيئي والاجتماعي.

مدخل نظري ومفهوم الفئات المخصصة

تُعرَّف الفئة المخصصة لغرض محدد في أدبيات علم النفس المعرفي بأنها بناء مفهومي مؤقت يُنشئه الفرد بصورة عفوية ومرنة لتحقيق غاية محددة أو معالجة موقف خاص لا تسعفه فيه التصنيفات التقليدية الجاهزة. وكان عالم النفس المعرفي البارز لورانس بارسالو (Lawrence W. Barsalou) أول من صاغ هذا المفهوم بدقة في مطلع ثمانينيات القرن العشرين، مقدماً نموذجاً يتحدى النظريات الكلاسيكية التي كانت تحصر المعرفة الإنسانية في شبكات هرمية صلبة وساكنة. ومن الأمثلة الكلاسيكية التي طرحها بارسالو لتوضيح هذه الفكرة: «أشياء يجب إنقاذها من منزل يحترق»، أو «أطعمة مناسبة لنظام غذائي لإنقاص الوزن»، أو «وسائل لقضاء عطلة بأقل التكاليف المادية».

إن ما يميز هذه الفئات هو عدم وجود تمثيل مسبق ومتماسك لها في الذاكرة الدلالية قبل نشوء الحاجة إليها؛ إذ إن الشخص العادي لا يحتفظ بقائمة مسبقة ومخزنة تحت عنوان «الأشياء التي نأخذها معنا في رحلة تخييم مفاجئة» بالمعنى الذي يحتفظ به بمفهوم «الطيور» أو «الأثاث». ومع ذلك، بمجرد أن يستدعي الموقف صياغة هذا الهدف، يتمكن الفرد بسرعة فائقة ودقة متناهية من تجميع عناصر متباينة جذرياً من مستودع الذاكرة—مثل بطانية، وولاعة، وحقيبة إسعافات، ومصباح يدوي—ودمجها ضمن فئة واحدة متماسكة وظيفياً، رغم انعدام أي تشابه مادي أو تصنيفي مباشر بين هذه العناصر في الأصل.

يعكس هذا التوليد الآني قدرة الدماغ البشري على تجاوز الخصائص الفيزيائية الظاهرة للأشياء والتركيز على الخصائص الوظيفية والغائية. وتتسم هذه الفئات بأنها سياقية بدرجة عالية، وتتغير معايير تضمين العناصر فيها بحسب تغير الأولويات الذاتية والظروف الخارجية؛ فالأولويات في حريق المنزل قد تضع ألبومات الصور العائلية في مرتبة نموذجية أعلى بكثير من التلفاز، لا لكونها أكثر قيمة نقدية أو تشابهاً من الناحية الفيزيائية، بل لأنها تحقق «المثال الأعلى» للهدف، وهو إنقاذ ما لا يمكن استبداله نهائياً من ذكريات عاطفية وثيقة الصلة بالهوية الفردية.

السياق الفكري والتاريخي لنظريات التصنيف المعرفي

لفهم الأهمية الثورية التي انطوى عليها مفهوم الفئات المخصصة، لا بد من استعراض السياق التاريخي لتطور نظريات التصنيف والقولبة المفهومية في الفلسفة وعلم النفس المعرفي. لعقود طويلة، سيطرت ما تُعرف بـ «النظرية الكلاسيكية في التصنيف» المستمدة من فلسفة أرسطو، والتي افترضت أن المفاهيم تُعرف بمجموعات صارمة من الشروط الضرورية والكافية؛ فلكي ينتمي كائن إلى فئة معينة، يجب أن يمتلك مجموعة من السمات المحددة سلفاً وبشكل ثنائي قطعي، بحيث تكون الفئات واضحة الحدود وبنية الانتماء فيها مطلقة لا تقبل التدرج أو النسبية.

شهدت سبعينيات القرن العشرين تحولاً جذرياً على يد الباحثة إليانور روش (Eleanor Rosch) وزملائها، الذين قدموا «نظرية النمط الأولي» (Prototype Theory) وما يتصل بها من «البنية المتدرجة» (Graded Structure). أثبتت روش تجريبياً أن المفاهيم البشرية لا تقوم على حدود حاسمة، بل تتمحور حول «نماذج أولية» تجسد متوسط سمات الفئة أو أكثرها شيوعاً، حيث يُنظر إلى العصفور على أنه عينة أكثر نموذجية من البطريق في فئة الطيور. ورغم أن هذا النموذج شكّل قفزة هائلة في فهمنا لطبيعة الفئات الطبيعية والمصنوعة، فإنه ظل يفترض ضمنياً أن هذه الفئات شائعة ومخزنة سلفاً، وتعتمد في تنظيمها على التشابه الإدراكي أو التشابه العائلي السطحي بين العناصر المكونة لها.

جاءت إسهامات لورانس بارسالو لتسد فجوة جوهرية تجاهلتها النماذج السابقة؛ إذ لاحظ أن الإنسان يبتكر يومياً عدداً لا يحصى من الفئات التي لا تشترك عناصرها في سمات شكلية أو مورفولوجية متقاربة، ولا تملك نموذجاً أولياً ناتجاً عن تكرار التعرض الإدراكي. أظهرت أبحاث بارسالو الرائدة أن البنية المتدرجة ليست ميزة حصرية للفئات التصنيفية الشائعة الراسخة، بل هي ظاهرة معرفية شاملة تنطبق حتى على الفئات المنشأة آنياً، مما دفع علم النفس المعرفي إلى الاعتراف بأن آليات التصنيف تتجاوز مجرد مطابقة السمات إلى تجميع المعلومات في ضوء الأهداف المعقدة والنوايا السلوكية للأفراد.

الخصائص البنيوية والوظيفية للفئات المخصصة

تشترك الفئات المخصصة لغرض محدد مع الفئات التصنيفية التقليدية في امتلاكها لما يسمى البنية المتدرجة (Graded Structure)، ولكن مع وجود فروق جوهرية في الميكانيزم الحاكم لهذا التدرج. ففي الفئات التقليدية مثل «الفاكهة»، تتحدد نموذجية العنصر بمدى قربه من المتوسط الحسابي للسمات الشائعة للفئة كالمذاق السكري والاستدارة والحجم. أما في الفئات المخصصة، فإن النموذجية تتحدد عبر مفهوم المُثُل العليا (Ideals)، وهي الخصائص المثالية التي يجب أن تتوفر في العنصر ليحقق الغاية المرجوة بأقصى كفاءة ممكنة؛ فالقيمة الوظيفية هي المعيار السيادي الذي يحكم التصنيف.

تتمثل السمة البنيوية الثانية في انعدام أو تدني مستوى الارتباط البيني للسمات الفيزيائية السطحية بين أعضاء الفئة؛ إذ كيف يمكن المقارنة الفيزيائية بين بطاقة ائتمان، وكلب أليف، ووثيقة ولادة، وخاتم زواج؟ لا يوجد مقياس مورفولوجي أو حسي يجمع هذه الأشياء في العالم الخارجي. إن الرابط الوحيد الذي يضفي تماسكاً مفهومياً على هذه الكينونات غير المتجانسة هو ارتباطها جميعاً بالهدف المشترك: «أشياء يجب نقلها فوراً عند إخلاء مسكن مهدد بالفيضان». ويطلق علماء الإدراك على هذا التماسك اسم التماسك القائم على الهدف (Goal-derived Coherence)، والذي يعكس معالجة دلالية عليا تتجاوز الإدراك الحسي المجرد.

علاوة على ذلك، تتميز هذه الفئات بمرونة حدودها وسرعة تفككها؛ فبمجرد زوال الموقف أو تحقق الهدف، غالباً ما يفقد هذا التجمع المفهومي تفرده الاستدعائي، ولا يتحول بالضرورة إلى مدخل دائم في المعجم اللغوي أو الذهني للشخص، ما لم يتكرر استخدام الفئة بانتظام حتى تكتسب سمة الرسوخ. إنها تمثل نتاجاً لعمليات معالجة موجهة ببيانات السياق وحاجات اللحظة الراهنة، مما يجعل استقرارها المعرفي مرهوناً بديمومة الهدف الذي نشأت لأجله، وهو ما يمنح العقل البشري خفة استثنائية في تخصيص الموارد الإدراكية دون إثقال كاهل البنية التخزينية طويلة الأجل.

الآليات المعرفية والعصبية لتشكيل الفئات المخصصة

يتطلب تشكيل الفئات المخصصة واستخدامها تنسيقاً معقداً بين منظومات إدراكية وعصبية متعددة، يأتي في طليعتها نظام الوظائف التنفيذية والذاكرة العاملة. فعندما يواجه الفرد موقفاً يستدعي بناء فئة ظرفية، تبدأ شبكة التوجيه التنفيذي بتثبيت الهدف في الذاكرة العاملة بصورة مستمرة، ليعمل بمثابة مرشح اختياري (Selective Filter) يحدد أي المعلومات المسترجعة من الذاكرة طويلة المدى ذات صلة بالموضوع، وأيها يجب تثبيطه وكفه بوصفه تشويشاً غير وظيفي.

على المستوى العصبي الإدراكي، تشير الدراسات التي تستخدم تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) إلى أن توليد هذه الفئات يستدعي تنشيطاً كثيفاً في قشرة الفص الجبهي، وتحديداً القشرة الجبهية الأمامية الظهرانية (DLPFC) المسؤولة عن معالجة الأهداف والتحكم المعرفي المرن، والقشرة الجبهية الأمامية البطنية (VLPFC) المسؤولة عن الانتقاء الدلالي النشط. يتيح هذا التنشيط الجبهي السيطرة على المسارات الترابطية الخلفية في الفص الصدغي، مما يمكّن الفرد من استخراج سمات نادرة أو غير بارزة للأشياء واستخدامها لخدمة الهدف الراهن، كأن يُنظر إلى الطوبة الثقيلة على أنها «أداة لتثبيت الأوراق كي لا تطير مع الرياح» بدلاً من وظيفتها النمطية كأداة بناء.

كما ترتبط هذه العملية بنظرية الإدراك المتجسد (Embodied Cognition) والمحاكاة الإدراكية، حيث يفترض بارسالو في أعماله اللاحقة أن بناء الفئات المخصصة يعتمد على قيام الدماغ بمحاكاة عقلية حركية وحسية لكيفية تحقيق الهدف في العالم الواقعي. فعند التفكير في «أشياء يمكن الوقوف عليها للوصول إلى رف مرتفع»، يُجري النظام المعرفي محاكاة لثبات الأجسام وقدرتها على تحمل الوزن ومقدار ارتفاعها، مستدعياً تجارب حركية سابقة لتقييم مدى ملاءمة كل عنصر للهدف، مما يبرهن على أن هذه الفئات ليست مجرد رموز مجردة بل هي متجذرة في تفاعل الجسم الحركي مع محيطه الفيزيائي.

الفروق الجوهرية بين الفئات المخصصة والفئات التصنيفية التقليدية

لتوضيح الطبيعة المتفردة للفئات المخصصة، يقدم الجدول المفاهيمي التالي مقارنة تحليلية مفصلة بينها وبين الفئات التصنيفية التقليدية (مثل الثدييات، والملابس، والأدوات):

  • الأصل والنشأة: تنشأ الفئات التقليدية تاريخياً واجتماعياً نتيجة للتكرار والاتفاق اللغوي وتراكم الخبرات البيولوجية عبر أجيال، في حين تُولد الفئات المخصصة فجأة استجابة لحاجات فردية ومواقف طارئة أو خاصة.
  • أساس التماسك: يقوم التماسك في الفئات التصنيفية على التشابه في السمات البنيوية والمورفولوجية والفيزيائية المشتركة، بينما يستند التماسك في الفئات المخصصة حصرياً إلى مدى خدمة العناصر لهدف موحد ومحدد.
  • البنية التخزينية: تُخزن الفئات التقليدية كوحدات معجمية ودلالية مستقرة ومتصلة في الذاكرة طويلة المدى، أما الفئات المخصصة فتُبنى آنياً ومؤقتاً داخل الذاكرة العاملة عن طريق إعادة تجميع المعارف المسترجعة.
  • محددات النموذجية: تتحدد النموذجية في الفئات الشائعة بمدى اقتراب العنصر من مركز توزيع السمات أو النمط الأولي المتوسط، بينما تتحدد في الفئات المخصصة بدرجة الاقتراب من «المُثُل العليا» الوظيفية المرتبطة بالهدف.
  • التسمية اللغوية: تمتلك الفئات التقليدية أسماء معجمية صريحة وموجزة من كلمة واحدة غالباً (مثل: شجرة، أثاث)، في حين توصف الفئات المخصصة بعبارات لغوية طويلة وجمل وصفية ومركبة (مثل: مستلزمات يجب شراؤها لترميم الطابق الأرضي).

هذا التباين لا يعني وجود انفصال تام بين النوعين؛ إذ يوضح بارسالو أن تكرار استخدام فئة مخصصة معينة على نطاق واسع في ثقافة ما قد يؤدي إلى «مأسستها» وتحولها تدريجياً إلى فئة تصنيفية تقليدية. ومن الأمثلة المعاصرة على ذلك فئات مثل «وجبات سريعة» أو «معدات رياضية منزلية»، والتي بدأت تاريخياً كفئات مخصصة لأهداف حياتية مستجدة، ثم ما لبثت أن استقرت في المعاجم الذهنية والثقافية وأصبحت تمتلك تمثيلات مخزنة بصفة مستقلة في الذاكرة الدلالية للأفراد.

التطبيقات السريرية والعملية في علم النفس

لا يقتصر مفهوم الفئات المخصصة لغرض محدد على التنظير الأكاديمي المجرد، بل يمتد ليمثل أداة تفسيرية وتدخلية بالغة القوة في العديد من المجالات التطبيقية، لا سيما في حل المشكلات، والعلاج النفسي، واتخاذ القرارات الإستراتيجية. في سياق حل المشكلات الإبداعي والتفكير التباعدي، يمثل التحرر من الفئات التقليدية وتوليد الفئات المخصصة المفتاح الأساسي لتجاوز ظاهرة «الجمود الوظيفي» (Functional Fixedness)؛ حيث إن القدرة على إعادة تصنيف الأشياء وفق أهداف طارئة تمكّن المبتكرين من استخدام المواد المتوفرة بطرق غير مسبوقة لتجاوز الأزمات وتطوير الحلول الهندسية والتقنية.

وفي مجال العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، يلعب تشكيل الفئات المخصصة دوراً محورياً في إعادة الهيكلة المعرفية. فالمرضى الذين يعانون من اضطرابات القلق أو الاكتئاب يقعون في كثير من الأحيان ضحية تصنيفات صلبة ومشوهة للواقع؛ وهنا يوجه المعالج المريض لتكوين فئات مخصصة موجهة بالتعافي، مثل: «أنشطة يمكنني ممارستها لتقليل التوتر عند الشعور بنوبة هلع»، أو «أدلة تشير إلى أنني شخص قادر على الإنجاز رغم الفشل الأخير». بناء هذه الفئات يتطلب جهداً ذهنياً مقصوداً يعيد توجيه الانتباه التنفيذي نحو تجارب وخبرات إيجابية كانت مهمشة، مما يساهم في تغيير المنظومة الدلالية الداخلية للمريض بصورة تدريجية وفعالة.

كما تظهر التطبيقات النفسية العصبية أهمية هذا المفهوم في تقييم مرضى التلف الدماغي الجبهي واضطرابات طيف التوحد والفصام؛ إذ يواجه هؤلاء الأفراد صعوبات ملحوظة في المرونة الإدراكية، ويعجزون غالباً عن إنتاج فئات مخصصة جديدة عند تبدل السياق، متمسكين بالتصنيفات الحسية السطحية. على صعيد آخر، يُوظف هذا المفهوم بكثافة في علم نفس المستهلك وسلوك المستهلك والتسويق، حيث تصمم الشركات متاجرها ومواقعها الإلكترونية استناداً إلى فئات مخصصة تسهل قرارات الشراء (مثل: «هدايا لعيد الأم بأقل من خمسين دولاراً»، أو «أدوات تحتاجها في أول شقة لك»)، مما يخفف العبء المعرفي الواقع على المستهلك ويحفز دافعية الشراء لديه بتطابق الفئة المعروضة مع أهدافه اللحظية.

القياس والتجريب في دراسة الفئات المخصصة

واجه الباحثون في علم النفس المعرفي تحديات منهجية استثنائية عند محاولة فحص الفئات المخصصة تجريبياً داخل المختبر؛ نظراً لغياب الثبات المطلق لطبيعة هذه الفئات وسرعة زوالها وتبدلها تبعاً لتغير الأهداف الشخصية للأفراد. ومع ذلك، طور لورانس بارسالو وزملاؤه بروتوكولات تجريبية صارمة لاختبار خصائصها؛ حيث اشتملت التصاميم التجريبية الأولى على مهام تقييم النموذجية، وزمن الاستجابة، وتوليد العناصر الحر، لاختبار ما إذا كانت هذه الفئات تُظهر سلوكاً بنيوياً مماثلاً للفئات المعرفية الثابتة والمعروفة مسبقاً لدى المشاركين.

في تجارب بارسالو المفصلية المنشورة في عام 1983، طُلب من المشاركين توليد عناصر تنتمي إما لفئات شائعة (مثل ملابس، أسلحة) أو لفئات مخصصة (مثل أشياء تخرجها من البيت المحترق، طرق لربط الأشياء). وأظهرت النتائج أنه على الرغم من أن الفئات المخصصة تفتقر إلى الألفة التراكمية، إلا أن المشاركين أظهروا اتفاقاً إحصائياً دالاً حول العناصر الأكثر نموذجية داخل هذه الفئات المنشأة حديثاً. والأكثر دهشة كان أن درجات النموذجية في الفئات المخصصة كانت ترتبط بقوة بمدى تطابق العنصر مع «المثال الأعلى» للهدف، وليس بتردد توارد العنصر في الخبرة اليومية أو تشابهه مع بقية العناصر في الفئة.

كما كشفت دراسات قياس زمن الرجع (Reaction Time) أن استرجاع الأعضاء النموذجية للفئات المخصصة يتم بسرعة تفوق بكثير استرجاع الأعضاء غير النموذجية، وهي ظاهرة متطابقة مع ما يُرصد في الفئات التقليدية. هذا التوافق الإمبريقي دفع المجتمع العلمي إلى الإقرار بأن الجهاز المعرفي يوظف مبادئ معالجة موحدة للتعامل مع المفاهيم، بغض النظر عما إذا كانت تلك المفاهيم عريقة في تاريخ الفرد التطوري والشخصي أو أنها وليدة الثواني القليلة الماضية، مما وضع حداً للجدل حول ما إذا كانت الفئات المخصصة مجرد ارتباك دلالي مؤقت أم أنها منظومة تمثيلية حقيقية بالغة الأهمية.

الانتقادات والمناقشات المعاصرة

على الرغم من القبول الواسع النطاق الذي حظيت به نظرية بارسالو حول الفئات المخصصة، إلا أنها أثارت نقاشات حادة ومستمرة بين علماء النفس الإدراكي وفلاسفة العقل. تركزت أبرز الانتقادات حول صعوبة التحديد الدقيق للحدود الفاصلة بين ما يُعد «فئة مخصصة» وما يمثل «مفهوماً مركباً» ناتجاً عن التركيب اللغوي المعتاد؛ حيث جادل بعض اللغويين المعرفيين بأن دمج الأهداف مع العناصر لا يستلزم افتراض آليات تصنيف جديدة، بل يمكن تفسيره عبر القواعد التركيبية الدلالية (Compositional Semantics) التي تتيح للغة إنتاج عدد لا نهائي من المعاني عبر توليف الكلمات البسيطة.

انتقاد آخر تعلق بالسؤال التطوري: هل الفئات المخصصة ظاهرة بشرية فريدة تعتمد على التفكير الرمزي المتقدم واللغة، أم أنها تتواجد لدى الكائنات الحية الأخرى؟ تشير دراسات علم النفس المقارن وسلوك الحيوان إلى أن بعض الرئيسيات والطيور الذكية (كالغرابيات) قادرة على استخدام أدوات غير مألوفة لحل مشاكل الوصول إلى الطعام، وهو ما قد يُفسر بأنه شكل أولي من أشكال تكوين الفئات الموجهة بالهدف؛ إلا أن افتقار الحيوانات إلى اللغة يجعل من الصعب الجزم بوجود بنية متدرجة أو تمثيل مفهومي واعٍ لتلك الفئات كما يحدث لدى الإنسان.

في العصر الرقمي الحالي، تتجه الأبحاث المعاصرة نحو دراسة كيفية تفاعل الفئات المخصصة مع نظم الذكاء الاصطناعي ونماذج اللغة الكبيرة (LLMs). تُظهر نماذج معالجة اللغات الحديثة كفاءة ملحوظة في توليد استجابات للفئات المخصصة بناءً على التضمين الدلالي وسياق التلقين (Prompting)؛ مما يفتح آفاقاً جديدة لاختبار ما إذا كانت هذه الخوارزميات تماثل العقل البشري في توظيف «المُثُل العليا»، أم أنها تعتمد حصرياً على الأنماط الإحصائية المعقدة للارتباط بين الكلمات، وهو نقاش يعيد تجديد السؤال الفلسفي حول طبيعة القصدية والمعنى الإنساني الأصيل.

خاتمة

تظل الفئات المخصصة لغرض محدد دليلاً ساطعاً على عبقرية التصميم المعرفي للإنسان وديناميكيته الاستثنائية؛ فهي تكشف أن العقل ليس مجرد خزانة ثابتة للملفات الدلالية المسبقة الصنع، بل هو منظومة حيوية ونشطة قادرة على النمذجة وإعادة التشكيل اللحظي استجابة لمطالب البيئة وغايات البقاء. لقد أحدث هذا المفهوم نقلة نوعية في نظريات علم النفس المعرفي بنقله من التصور الساكن للبنى المفهومية إلى تصور حركي سياقي يدمج بين المعالجة الدلالية والتوجيه التنفيذي والتصرف الهادف. ومن خلال فهم الكيفية التي نشكل بها هذه الفئات ونتصرف بناءً عليها، نكتسب رؤى غير مسبوقة ليس فقط حول حل المشكلات والإبداع الفكري، بل حول جوهر المرونة المعرفية التي تميز الكائن البشري في مواجهة تعقيدات الحياة المتجددة دوماً.

المراجع

  • Barsalou, L. W. (1983). Ad hoc categories. Memory & Cognition, 11(3), 211-227. https://doi.org/10.3758/BF03196968
  • Barsalou, L. W. (1985). Ideals, central tendency, and frequency of instantiation as determinants of graded structure in categories. Journal of Experimental Psychology: Learning, Memory, and Cognition, 11(4), 629-654. https://doi.org/10.1037/0278-7393.11.4.629
  • Barsalou, L. W. (1991). Deriving categories to achieve goals. In G. H. Bower (Ed.), The Psychology of Learning and Motivation: Advances in Research and Theory (Vol. 27, pp. 1-64). Academic Press. https://doi.org/10.1016/S0079-7421(08)60122-X
  • Barsalou, L. W. (1999). Perceptual symbol systems. Behavioral and Brain Sciences, 22(4), 577-660. https://doi.org/10.1017/s0140525x99002149
  • Medin, D. L., & Schaffer, M. M. (1978). Context theory of classification learning. Psychological Review, 85(3), 207-238. https://doi.org/10.1037/0033-295X.85.3.207
  • Murphy, G. L. (2002). The Big Book of Concepts. MIT Press.
  • Rosch, E. (1975). Cognitive representations of semantic categories. Journal of Experimental Psychology: General, 104(3), 192-233. https://doi.org/10.1037/0096-3445.104.3.192
  • Rosch, E., & Mervis, C. B. (1975). Family resemblances: Studies in the internal structure of categories. Cognitive Psychology, 7(4), 573-605. https://doi.org/10.1016/0010-0285(75)90024-9

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 26). الفئة المخصصة لغرض محدد: المفهوم والأسس المعرفية في علم النفس. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/ad-hoc-category-cognitive-psychology/
looti, Mohammed. “الفئة المخصصة لغرض محدد: المفهوم والأسس المعرفية في علم النفس.” عرب سايكلوجي, 26 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/ad-hoc-category-cognitive-psychology/.
looti, Mohammed. “الفئة المخصصة لغرض محدد: المفهوم والأسس المعرفية في علم النفس.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 26, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/ad-hoc-category-cognitive-psychology/.