يمثل السلوك التكميلي (Adjunctive Behavior)، والمعروف أيضاً في أدبيات علم النفس التجريبي والتحليل السلوكي بـ السلوك المستحث بجدول التعزيز (Schedule-Induced Behavior)، إحدى الظواهر السلوكية الفريدة التي حظيت باهتمام بالغ في العقود الأخيرة؛ نظراً لكونها تتحدى التصنيف الثنائي التقليدي للسلوك البشري والحيواني الذي يقسم الاستجابات إلى استجابية كلاسيكية أو إجرائية سكنرية. يشير هذا المفهوم إلى أنماط سلوكية مفرطة وغير متوقعة تنشأ تلقائياً وتتكرر بنمطية واضحة في الفترات الزمنية البينية الفاصلة بين تقديم المعززات الأولية المتكررة، على الرغم من أن هذا السلوك بحد ذاته لا يُشترط فيه الحصول على تعزيز مباشر ولا يرتبط وظيفياً بإتمام المهمة الأساسية المفروضة على الكائن الحي. يستعرض هذا المدخل المعجمي الموسع الأصول النظرية للسلوك التكميلي، مساره التاريخي، الخصائص المحددة له، ونماذجه التفسيرية، بالإضافة إلى إسقاطاته الإكلينيكية على فهم الاضطرابات النفسية كالإدمان والوسواس القهري وتخفيف التوتر العصبي.
التأصيل المفاهيمي للسلوك التكميلي
يُعرَّف السلوك التكميلي في إطار التحليل التجريبي للسلوك بأنه نشاط حركي أو فسيولوجي عالي التكرار يظهر كناتج ثانوي لجدولة التعزيز المتقطع؛ حيث يمارس الكائن الحي استجابات معينة بكثافة شاذة خلال الفاصل الزمني الذي يلي تلقي المكافأة مباشرة وقبل اقتراب موعد المعزز التالي. تتميز هذه الاستجابات بكونها ذات وتيرة متسارعة لا يمكن تبريرها بقوانين الاشتراط الإجرائي البسيطة؛ فالكائن الحي لا يتلقى مكافأة محددة على أداء هذا السلوك التكميلي، بل على العكس، قد يؤدي الانخراط فيه أحياناً إلى استهلاك طاقة جسدية كبيرة أو تأخير الحصول على المعزز الأساسي إذا ما تعارض معه زمنياً.
يطلق بعض الباحثين على هذه الظاهرة مسمى «السلوك البيني» (Interim Behavior) استناداً إلى تصنيف الأنظمة السلوكية، حيث ينقسم سلوك الكائن الحي في بيئات التعزيز المجدولة زمنياً إلى سلوك نهائي أو اقترابي يسبق تقديم المعزز، وسلوك تكميلي أو بيني يسيطر على الفترة التي تعقب التعزيز مباشرة. تتنوع هذه السلوكيات بحسب طبيعة النوع البيولوجي والبيئة المحيطة، وتتراوح بين الشرب المفرط للماء، وقضم الأظافر، والحركة المفرطة في قفص الاختبار، والعدوانية المفاجئة، ونتف الشعر، واللعق المتكرر للأسطح المجاورة، مما يدل على أن النمط الجيني يُملي جزءاً كبيراً من الشكل الطبوغرافي للسلوك في حين تملي شروط البيئة وتيرته الزمنية وسياقه التحفيزي.
من الناحية المعرفية والوظيفية، يمثل السلوك التكميلي نافذة جوهرية لفهم كيفية تفاعل الجهاز العصبي مع حالات الترقب والانتظار المفروضة بيئياً. فعندما يجد الفرد أو الحيوان نفسه في حالة استثارة دافعية عالية ناتجة عن الحرمان، مقترنة في الوقت عينه بعجز مؤقت عن تسريع الحصول على المكافأة نتيجة قيود الجدول الزمني، يولد هذا التناقض نوعاً من الاحتقان أو التوتر النفس-حركي. ومن هنا يبرز السلوك التكميلي بوصفه آلية تصريف فسيولوجية أو استراتيجية تكيفية غير واعية تهدف إلى تنظيم وتعديل مستويات الاستثارة القشرية وتحقيق الاستقرار الداخلي عبر تفريغ شحنات التوتر المتراكمة في أفعال حركية نمطية متكررة.
السياق التاريخي والاكتشاف التجريبي: تجارب جون فولكنر
يعود الفضل في إرساء حجر الأساس لدراسة السلوك التكميلي إلى العالم والباحث السلوكي جون فولكنر (John L. Falk) في مطلع ستينيات القرن العشرين. ففي عام 1961، وخلال إجرائه تجارب كلاسيكية على الفئران الجائعة المعتمدة على جدول تعزيز بفاصل زمني متغير (Variable Interval Schedule) للحصول على حبيبات الطعام، لاحظ فولكنر ظاهرة غير متوقعة تماماً أثارت دهشة المجتمع العلمي؛ فعندما كان الطعام يُقدم بجرعات صغيرة كل بضع دقائق، بدأت الفئران تشرب كميات مهولة وغير طبيعية من المياه من الزجاجة المتوفرة داخل القفص، متجاوزة بكثير احتياجاتها البيولوجية الطبيعية.
أظهرت ملاحظات فولكنر الدقيقة أن الفئران كانت تستهلك ما يقرب من نصف وزن أجسامها من الماء خلال جلسة تجريبية مدتها بضع ساعات فقط، وهي حالة أطلق عليها اسم الاستسقاء المستحث بالجدول (Schedule-Induced Polydipsia – SIP). لم يكن هذا الشرب الاستسقائي ناتجاً عن عطش حقيقي ناشئ عن جفاف الجسم أو التوازن الأسموزي؛ بل كان مدفوعاً حصرياً بطبيعة الجدول الزمني لتقديم الطعام. فإذا تم تقديم نفس الكمية الإجمالية من الطعام دفعة واحدة، كان استهلاك الفئران للماء ينخفض فوراً إلى المستويات الفسيولوجية الطبيعية، مما أكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الجدولة المتقطعة هي المحرك الأساسي لهذه الاستجابة المفرطة.
قادت هذه التجربة الثورية فولكنر، وتلاه بعد ذلك العديد من المنظرين في المدرسة السلوكية، إلى إدراك وجود صنف كامل من السلوكيات التي تخضع لقوانين مختلفة تماماً عن الاشتراط الاستجابي البافلوفي والاشتراط الإجرائي السكنري. فتحت هذه النتائج الباب واسعاً لإعادة قراءة التجارب النفسية المعملية، وأدت إلى تدشين برامج بحثية مكثفة سعت لدراسة ما إذا كان السلوك التكميلي يقتصر على الحيوانات المختبرية أو يمتد ليشكل ركيزة مركزية في تفسير العديد من الأنماط السلوكية الإنسانية غير المنطقية والمعقدة.
الخصائص الفسيولوجية والسلوكية المحددة للظاهرة
يتميز السلوك التكميلي بحزمة من الخصائص الفريدة التي تجعله بارزاً بوضوح عن غيره من السلوكيات؛ وتأتي في مقدمة هذه الخصائص علاقته المقلوبة والمنحنية بطول الفاصل الزمني للتعزيز (Inverted-U Shaped Function). فإذا كان الفاصل الزمني بين التعزيزات قصيراً جداً (بضع ثوانٍ)، فإن وتيرة السلوك التكميلي تكون منخفضة لعدم وجود متسع زمني كافٍ للتعبير عنه. ومع زيادة الفاصل الزمني إلى مدى معتدل، يرتفع السلوك التكميلي بصورة تصاعدية حادة حتى يبلغ ذروته القصوى؛ غير أنه إذا زاد الفاصل الزمني بدرجة مفرطة، يبدأ السلوك في الانحسار تدريجياً لتبدد الارتباط النفسي والفسيولوجي بحالة الترقب والتعزيز السابق.
تتمثل الخاصية الثانية في ارتباطه الوثيق بمستويات الحرمان؛ فالسلوك التكميلي لا يظهر إلا في ظل وجود حالة حرمان دافعي أولية ترتبط بالمعزز الرئيسي، كالجوع أو الحاجة إلى مكافأة مرغوبة بشدة. كما يتسم بتوقيته الحرج، حيث يظهر مباشرة في الثواني الأولى التي تلي استهلاك المعزز الأساسي، فيما يُعرف باسم “السلوك ما بعد التعزيز” (Post-reinforcement Phenomenon)؛ مما يجعله سلوكاً تعويضياً ينشأ في فترات الانخفاض اللحظي للاحتمالية الفورية لتكرار التعزيز، ثم ينحدر سريعاً حين يقترب موعد المعزز اللاحق ليفسح المجال لاستجابات البحث الفعالة.
علاوة على ذلك، يتسم السلوك التكميلي بنمطيته وتكراره الميكانيكي المستمر دون علامات واضحة على الإشباع السريع؛ فالجرذان التي تشرب الماء تكميلياً تستمر في الشرب حتى مع امتلاء مثانتها وتخفيف بلازما الدم لدرجات خطيرة، والإنسان الذي يمارس عادات تكميلية كالتدخين المتتابع أو القضم المستمر يستمر في نشاطه دون التفات للإشارات الفسيولوجية المنبهة للشبع. تتكامل هذه الخصائص لتمنح السلوك التكميلي صبغة شبه قهرية تتشابه بدرجة مذهلة مع اضطرابات طيف الوسواس القهري والسلوكيات النمطية في البشر.
الأطر النظرية والتفسيرات المقترحة لآلية الحدوث
قدم علماء النفس العصبي والباحثون السلوكيون عدة نظريات متكاملة لشرح آليات حدوث السلوك التكميلي، ومن أبرزها نظرية الإزاحة السلوكية (Displacement Behavior Theory) المستعارة من علم الإيثولوجيا (علم سلوك الحيوان). تفترض هذه النظرية أنه عندما يُثار الكائن الحي بدافع بيولوجي قوي (كالبحث عن الطعام)، ثم يُحبط هذا الدافع أو يتعطل تعبيره الكامل بسبب عوائق بيئية أو زمنية، فإن طاقة الإثارة الفائضة لا تتلاشى، بل يتم تصريفها وتحويلها إلى قناة سلوكية أخرى تكون متاحة فورياً في البيئة المحيطة، مما يفسر لجوء الفرد إلى استجابات تبدو ظاهرياً غير متصلة بالموقف الأصلي كلياً.
من زاوية أخرى، تقترح نظرية الاستثارة المثلى (Optimal Arousal Theory) التي طورها باحثون مثل ويجنر (Wayner) أن فترات الانتظار المفروضة بين التعزيزات ترفع من النشاط الاستثاري للجهاز العصبي المركزي وخاصة مسارات المهاد وتحت المهاد. يؤدي هذا النشاط الاستثاري المفرط إلى جعل الحيوان أو الإنسان في حالة استنفار حركي شامل؛ وبما أن الحركة الهادفة نحو المعزز غير مجدية في ذلك التوقيت، يلجأ الجهاز العصبي إلى تفعيل برامج سلوكية فطرية كامنة لتصريف هذه الإثارة وحماية الدماغ من فرط التنشيط غير المجدي.
أما من منظور تحليل السلوك الكمي، فقد صاغ جون ستادون (John Staddon) وبيتر كيلين (Peter Killeen) نماذج رياضية وديناميكية تصف السلوك التكميلي بوصفه جزءاً من الانتقال المنظم للحالات التحفيزية للكائن الحي (Motivational State Transitions). يرى ستادون أن تقديم المعزز يحدث تثبيطاً مؤقتاً للاستجابات الموجهة نحو الهدف، مما يفسح المجال للسلوكيات البينية المتنافسة لتسيطر على الميدان الحركي؛ ومع تلاشي هذا التثبيط مع مرور الوقت، تستعيد السلوكيات المرتبطة بالهدف الأساسي السيطرة التامة، مما يجعل السلوك التكميلي ظاهرة طبيعية تعكس التنافس بين الأنظمة التحفيزية المختلفة داخل الكائن.
المقارنة التمايزية: السلوك التكميلي في مقابل السلوك الإجرائي والاستجابي
لكي يتضح المفهوم بصورة قاطعة، لا بد من إجراء مقارنة نسقية تبين الفروق الجوهرية بين السلوك التكميلي والأنماط السلوكية التقليدية الأخرى المعترف بها في الأدبيات النفسية، كما يوضح الجدول المفاهيمي التالي:
- السلوك الاستجابي (الكلاسيكي): سلوك انعكاسي يتم استدعاؤه قسرياً وبشكل لا إرادي عبر مثير شرطي يسبقه زمنياً، وتتحكم فيه الاستجابات الفسيولوجية التلقائية للجهاز العصبي الذاتي دون تدخل الإرادة.
- السلوك الإجرائي (السكنري): سلوك إرادي هادف تحركه نتائجه وتبعاته اللاحقة، حيث يزداد تكراره أو ينقص وفقاً لنظام التعزيز والعقاب المصاحب له وظيفياً؛ فالاستجابة هنا وسيلة فعالة لتغيير البيئة الخارجية.
- السلوك التكميلي: سلوك وسطي لا يُستدعى قسرياً بمثير محدد كالسلوك الاستجابي، ولا تدعمه عواقب معززة مباشرة كالسلوك الإجرائي، بل هو سلوك ناشئ ومستحث ذاتياً بواسطة الهيكل الزمني لبيئة التعزيز المتقطع؛ حيث يعمل كنشاط ملء للفراغ الزمني الناجم عن ترقب المكافأة.
يكمن التحدي الأكبر في التمييز الدقيق بين السلوك الإجرائي والتكميلي؛ ففي بعض الحالات قد يتحول السلوك التكميلي بمرور الوقت إلى سلوك إجرائي إذا قامت البيئة المحيطة عن غير قصد بمكافأته، أو إذا اكتسب في حد ذاته خصائص تعزيزية ذاتية (Autoincentive). على سبيل المثال، قد يبدأ تدخين السجائر لدى موظف في أوقات الانتظار المتوترة بين تسليم المعاملات كسلوك تكميلي لتخفيف التوتر، ولكنه سرعان ما يكتسب دعماً إجرائياً وفارماكولوجياً مستقلاً بفعل النيكوتين، مما يجعله نمطاً هجيناً معقداً يستلزم تدخلاً علاجياً مزدوج الوجهة.
تؤكد هذه المفارقة على أن الحدود الفاصلة بين فئات السلوك ليست صلبة أو غير قابلة للاختراق، بل إن السلوكيات التكميلية تمثل جسراً بيولوجياً وسلوكياً يربط بين الدوافع الفطرية المنفعلة والسلوكيات الهادفة الإرادية. وهذا ما يمنحها أهمية بحثية استثنائية في محاولة فك شفرة السلوك البشري المعقد الذي يبدو في كثير من الأحيان متناقضاً مع منطق المنفعة المباشرة والتعزيز السلوكي الكلاسيكي.
النماذج الحيوانية والامتدادات الإكلينيكية في السلوك الإنساني
لا يقتصر السلوك التكميلي على النطاق المعملي للجرذان والحمام، بل يمتد بعمق ليقدم أطراً تفسيرية رائدة للعديد من الأنماط السلوكية الشاذة والاضطرابات الإكلينيكية لدى البشر. فعند تعريض الأفراد لجداول عمل أو مهام ترقب تتضمن فترات انتظار دورية مع مستويات عالية من التوتر والحرمان من المكافأة الفورية، تتطور لديهم سلوكيات تكميلية مفرطة وشبيهة إلى حد التطابق بتلك المرصودة في الحيوانات المختبرية.
من أبرز هذه التجليات الإنسانية ظاهرة الاستهلاك التكميلي للمواد؛ حيث أظهرت الدراسات النفسية أن الإفراط في التدخين، وتناول المشروبات الكحولية، وتعاطي الأطعمة السريعة المليئة بالسكريات والدهون، يرتفع بمعدلات مذهلة خلال فترات الترقب والفراغ الإجباري بين فترات الإنجاز أو التعزيز الوظيفي. فالشخص الذي يجلس في غرفة انتظار متوترة أو يعمل في وظيفة قائمة على استجابات متقطعة غير متزامنة، يميل إلى التهام المسليات أو شرب القهوة المتكرر ليس بدافع الجوع أو العطش، وإنما كاستجابة تكميلية مستحثة بجدول الترقب.
كذلك تبرز التطبيقات الإكلينيكية بوضوح في فهم وتفسير السلوكيات الحركية المتكررة واضطرابات السيطرة على الاندفاع (Impulse-Control Disorders). تندرج عادات مثل قضم الأظافر (Onychophagia)، ونتف الشعر المرضي (Trichotillomania)، والتململ الحركي، وهز الساقين، والنقر المتكرر بالأصابع، ضمن منظومة السلوكيات التكميلية التي تنشط عندما يواجه الفرد موقفاً يتطلب انتباهاً معلقاً دون القدرة على التصرف الإجرائي الفوري، مما يجعل هذه الحركات بمثابة صمامات أمان لتفريغ الإثارة العصبية الزائدة.
وفي مجال الطب النفسي، يرى باحثون أن بعض أعراض اضطراب الوسواس القهري (Obsessive-Compulsive Disorder) تمثل انحرافاً حاداً ومزمناً للآلية الفطرية للسلوك التكميلي. فالأفعال القهرية النمطية مثل غسل اليدين المتكرر أو التحقق المستمر من الأقفال تتقاطع في خصائصها الإجرائية مع أنماط السلوك التكميلي؛ حيث تفشل آليات التثبيط الذاتية في الدماغ، مما يؤدي إلى استمرار السلوك بصورة مستحثة تكرارية تتجاوز حدود المنطق الوظيفي وتتحول إلى طقوس استنزافية مرهقة.
الأسس العصبية الحيوية والعوامل النفسية الفسيولوجية
تضافرت نتائج الدراسات العصبية في العقود الأخيرة لتكشف النقاب عن البنية البيولوجية الكامنة وراء السلوك التكميلي؛ حيث ارتبط هذا النمط السلوكي باضطراب أو تفعيل مفرط في مسارات الدوبامين في الدماغ، لا سيما المسار الدوباميني الوسطي الطرفي (Mesolimbic Dopaminergic Pathway). تشير الدلائل إلى أن إفراز الدوبامين في النواة المتكئة (Nucleus Accumbens) لا يرتبط فقط بالتعزيز وتوقع المكافأة، بل يلعب دوراً محورياً في تعديل مستويات الاستثارة الحركية العامة؛ مما يؤدي، في ظل جداول التعزيز المتقطع، إلى تدفق دوباميني غير متزامن يحفز الأنماط الحركية البدائية والنمطية التكميلية.
إلى جانب الدوبامين، تؤدي هرمونات المحور الوطائي-النخامي-الكظري (HPA Axis)، وتحديداً هرمونات التوتر مثل الكورتيكوستيرون في الحيوانات والكورتيزول في الإنسان، دوراً تشغيلياً جوهرياً في هذه الظاهرة. يؤدي الحرمان وجداول الترقب إلى رفع مستويات هذه الهرمونات في الدم، مما يخلق حالة من الإجهاد الفسيولوجي الملحوظ؛ وقد أثبتت الدراسات المقارنة أن تمكين الكائن الحي من ممارسة السلوك التكميلي (كاللعق أو الحركة أو القضم) يسهم بصورة مباشرة وقابلة للقياس في خفض مستويات الكورتيزول وتقليل معدل ضربات القلب، مما يثبت الوظيفة البيولوجية التهدئية لهذا السلوك كآلية ذاتية لإعادة التوازن (Homeostasis).
كما بينت أبحاث التصلب الوراثي والتصوير الدماغي أن الخلل في قشرة الفص الجبهي الأمامي (Prefrontal Cortex)—المسؤولة عن الكبح الإرادي للاندفاعات—يقلل من القدرة على تثبيط السلوكيات التكميلية النمطية فور انطلاقها. يفسر ذلك سبب كون بعض الأفراد أكثر عرضة من غيرهم لإظهار هذه الأنماط السلوكية الشاذة، حيث تجعلهم بنيتهم العصبية الفسيولوجية أقل قدرة على تنظيم الاستثارة الناتجة عن الانتظار والترقب مقارنة بنظرائهم.
التداعيات العلاجية والتدخلات النفسية السلوكية
يحمل الفهم العميق للسلوك التكميلي تطبيقات علاجية حاسمة في مضمار العلاج السلوكي المعرفي وتعديل السلوك التطبيقي (ABA). فالخطأ الشائع الذي يقع فيه المعالجون والآباء أحياناً هو محاولة علاج السلوك التكميلي عبر أساليب العقاب أو المنع القسري، معتقدين أنه سلوك إجرائي هادف ومقصود؛ غير أن محاولة قمع هذا السلوك دون معالجة الهيكل الزمني وجدول التعزيز الذي ولّده غالباً ما تبوء بالفشل وتؤدي إلى تصعيد التوتر الداخلي وظهور سلوكيات تكميلية بديلة وأكثر ضرراً.
تتمثل الاستراتيجية العلاجية الأولى والأكثر كفاءة في إعادة هيكلة البيئة الزمنية. إذا كان السلوك التكميلي مستحثاً بانتظام بفترات انتظار طويلة ومتوترة، فإن تقليص هذه الفترات، أو جعلها متوقعة وشفافة عبر استخدام المؤشرات البصرية والمؤقتات، يقلل بصورة جذرية من فرط الاستثارة، وبالتالي يقضي على المحفز الرئيسي لظهور الاستجابات التكميلية كالقضم والتململ.
تتمثل الاستراتيجية الثانية في تطبيق بروتوكولات التدريب على عكس العادة (Habit Reversal Training – HRT) مقترنة بإتاحة الاستجابات البديلة التوافقية (Compatible Alternative Responses). في هذه المقاربة، يتم مساعدة العميل على إدراك الإشارات الفسيولوجية والبيئية المبكرة التي تسبق اندلاع السلوك التكميلي، ثم توجيه طاقة الاستثارة نحو نشاط حركي حميد غير مدمر، مثل الضغط على كرة إسفنجية لتخفيف التوتر، أو ممارسة تمارين التنفس البطني العميق، مما يسمح بتصريف التوتر العصبي دون الانزلاق إلى إيذاء الجسد أو تشويه المظهر الاجتماعي.
بالإضافة إلى ذلك، يلعب تدريب الأفراد على مهارات تحمل الضغوط واليقظة الذهنية (Mindfulness) دوراً جوهرياً في فك الارتباط الشرطي والفسيولوجي بين مشاعر الترقب غير المريحة والاندفاع الحركي؛ حيث يتعلم الفرد كيفية معايشة حالات عدم اليقين والانتظار دون الحاجة الملحة إلى اللجوء إلى أنشطة استهلاكية أو حركية وسواسية كاستجابة دفاعية تلقائية.
خاتمة وتقييم نقدي للمفهوم
في الختام، يظل السلوك التكميلي أحد أعظم الاكتشافات التي وسعت المدارك النظرية لعلم النفس السلوكي، وكسرت الهيمنة الميكانيكية لنموذج المثير-الاستجابة والتعزيز الكلاسيكي. لقد أثبتت هذه الظاهرة بما لا يدع مجالاً للشك أن الكائن الحي ليس مجرد متلقٍ سلبي للمحفزات، ولا آلة نفعية بحتة لا تتحرك إلا بموجب العواقب والمكاسب، بل هو منظومة بيولوجية ونفسية ديناميكية شديدة الحساسية للتوازنات الزمنية والمحفزات الاستثارية التي تفرضها البيئة.
يقف السلوك التكميلي شاهداً على قدرة الجهاز العصبي على ابتكار استراتيجيات تكيفية لمواجهة حالات العجز والإحباط والانتظار، حتى لو بدت تلك الاستراتيجيات للوهلة الأولى غير عقلانية أو مفرطة في الضرر. يفرض هذا الفهم المتعمق على الباحثين والمعالجين السلوكيين في عالمنا المعاصر ضرورة النظر إلى الإنسان في كليته التفاعلية، وتحليل بيئته التحفيزية بدقة متناهية، بدلاً من الاكتفاء بالمعالجة السطحية للأعراض الظاهرة؛ مما يمهد الطريق لتدخلات نفسية وإكلينيكية أكثر إنسانية وفاعلية ورسوخاً علمياً.
المراجع
- Falk, J. L. (1961). Production of polydipsia in normal rats by an intermittent food schedule. Science, 133(3447), 195-196. https://doi.org/10.1126/science.133.3447.195
- Falk, J. L. (1971). The nature and determinants of adjunctive behavior. Physiology & Behavior, 6(5), 577-588. https://doi.org/10.1016/0031-9384(71)90209-5
- Killeen, P. R., & Hanson, S. J. (1989). Emergent behavior: Modeling the execution of adjunctive responding. Journal of Experimental Psychology: Animal Behavior Processes, 15(4), 375-392. https://doi.org/10.1037/0097-7403.15.4.375
- Staddon, J. E. (1977). Schedule-induced behavior. In W. K. Honig & J. E. Staddon (Eds.), Handbook of Operant Behavior (pp. 125-152). Prentice-Hall.
- Wayner, M. J. (1970). The motor control of schedule-induced polydipsia. Annals of the New York Academy of Sciences, 157(2), 1176-1211. https://doi.org/10.1111/j.1749-6632.1969.tb12944.x
- Wetherington, C. L. (1982). Is adjunctive behavior a third class of behavior? Neuroscience & Biobehavioral Reviews, 6(3), 329-350. https://doi.org/10.1016/0149-7634(82)90045-8