الصحة النفسية المجتمعيةعلم النفس السريريعلم نفس الشيخوخة

رعاية البالغين النهارية: التأطير النظري والأبعاد النفسية والاجتماعية

مدخل موسوعي مفصل يستعرض مفهوم رعاية البالغين النهارية من منظور علم النفس وصحة كبار السن، متناولاً النماذج التشغيلية، والتدخلات المعرفية، وتخفيف عبء الرعاية الأسرية، والتحديات الإكلينيكية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 26 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 26 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تمثل رعاية البالغين النهارية إحدى أهم الركائز المؤسسية في منظومة الرعاية الاجتماعية والنفسية المعاصرة، حيث تقدم نموذجاً تكاملياً يجمع بين الدعم الصحي والإشراف النفسي والدمج المجتمعي للأفراد الذين يعانون من تراجع وظيفي أو معرفي. يتيح هذا النمط من التدخل فرصة نادرة للمستفيدين للحفاظ على استقلاليتهم وكرامتهم الإنسانية داخل محيطهم الطبيعي، متيحاً في الوقت ذاته متنفساً حيوياً للأسر ومقدمي الرعاية الذين يواجهون ضغوطاً منهكة ومزمنة. إن فهم الأبعاد العميقة لهذه الخدمة يتطلب تحليلاً رصيناً ينطلق من علوم الشيخوخة والطب النفسي والعمل الاجتماعي، لاستكشاف أثرها البالغ على جودة الحياة والتكيف العصبي والنفسي.

المفهوم والتعريف الاصطلاحي لرعاية البالغين النهارية

تُعرّف مراكز رعاية البالغين النهارية من الناحية الإكلينيكية والاجتماعية بأنها منشآت منظمة ومصممة لتقديم خدمات غير سكنية تشمل الدعم الصحي، والتحفيز الذهني، والمساندة الاجتماعية للبالغين وكبار السن الذين يعانون من درجات متفاوتة من القصور الجسدي أو التدهور الإدراكي المعرفي. تركز هذه البرامج على فترات محددة خلال النهار، مما يتيح للأفراد تلقي العناية التخصصية دون الحاجة إلى اللجوء إلى الإيداع المؤسسي الدائم أو الانتقال غير الضروري إلى دور الرعاية السكنية المغلقة. ينطلق هذا المفهوم من الفلسفة القائلة بأن بيئة الفرد المألوفة ومحيطه الأسري يشكلان عنصراً علاجياً بحد ذاته لا ينبغي تجريد المريض منه ما دامت الرعاية المجتمعية ممكنة ومتاحة.

في سياق الصحة النفسية، تتجاوز هذه الخدمة مجرد الإشراف الوقائي لتصبح تدخلاً علاجياً متعدّد الأوجه يستهدف مواجهة العزلة والانعزال السلوكي. فالكثير من البالغين الذين يتعرضون لإعاقات مزمنة أو أمراض ترتبط بالتقدم في السن يفقدون شبكات التواصل العفوية، الأمر الذي يدفعهم نحو دوائر مغلقة من الاكتئاب وتدني تقدير الذات. وتعمل البرامج النهارية على إعادة بناء الشبكات العلائقية في سياق آمن ومنظم، يضمن استثارة الفاعلية الشخصية، ويعزز الإحساس بالانتماء والمواطنة الفاعلة، محولاً اليوم المعيشي من مساحة للفراغ والاضطراب إلى مسار منتظم محفز للتفاعل الحيوي.

وتتميز رعاية البالغين النهارية بمرونتها الوظيفية، حيث يتم تكييف الخطط العلاجية والتأهيلية وفقاً للاحتياجات الفردية لكل مستفيد بناءً على تقييم شامل يشترك فيه أطباء الشيخوخة، والأخصائيون النفسيون، وأخصائيو العلاج الوظيفي، والتمريض. هذا التخصيص الدقيق يضمن تقديم استجابة نوعية للتحديات الفردية، سواء كانت متعلقة بإعادة التأهيل بعد السكتات الدماغية، أو السيطرة على الاضطرابات المزاجية، أو إبطاء وتيرة التدهور العصبي المعرفي، مما يجعل المفهوم شاملاً لمستويات الوقاية الثانوية والثالثية في الطب النفسي المجتمعي.

التطور التاريخي والسياق الاجتماعي لمنظومة الرعاية النهارية

تعود الجذور الأولى لمنظومة الرعاية النهارية في المجال النفسي إلى تجارب الطب النفسي الاجتماعي في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، وبخاصة في بريطانيا والاتحاد السوفيتي، حيث تم استخدام المستشفيات النهارية لتقليل فترات البقاء داخل المصحات النفسية ومساعدة المرضى على إعادة الاندماج الاجتماعي. غير أن تبلور المفهوم الخاص بالبالغين وكبار السن بصورته المستقلة المعاصرة بدأ بالظهور الفعلي في سبعينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، استجابةً للتحولات الديموغرافية المتسارعة المتمثلة في شيخوخة السكان، وتغير بنية الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية التي تعمل فيها النساء خارج المنزل، مما أدى إلى حدوث فجوة حادة في الرعاية غير الرسمية.

خلال العقود اللاحقة، تحولت الرعاية النهارية من مجرد مبادرات خيرية أو مجتمعية متفرقة إلى قطاع منظم تحكمه معايير إكلينيكية وتشريعية دقيقة. وقد ارتبط هذا التحول بالانتقال النظري في الطب النفسي من النموذج الطبي البيولوجي الخالص إلى النموذج الحيوي النفسي الاجتماعي (Biopsychosocial Model). أظهرت الدراسات العلمية حينها أن الاحتجاز طويل الأمد في المؤسسات يسرّع وتيرة التدهور العقلي لدى المسنين ويفقدهم الكفاءة الذاتية، مما شجع السياسات العامة للدول المتقدمة على دعم الرعاية النهارية باعتبارها بديلاً إنسانياً وأقل تكلفة اقتصادية على أنظمة الرعاية الصحية الحكومية.

أما في العالم المعاصر، فقد أخذت هذه المراكز طابعاً أكثر تعقيداً واحترافية؛ إذ أصبحت تشمل مرافق متطورة للتأهيل الإدراكي، والعيادات المدمجة للصحة النفسية، وبرامج التدخل لأزمات الأمراض التنكسية العصبية. كما امتد تطبيقها ليشمل البالغين الأصغر سناً الذين يعانون من إصابات دماغية رضية، أو أمراض عصبية مزمنة كالتصلب اللويحي، أو إعاقات نمائية معقدة. يعكس هذا التطور التاريخي استجابة منهجية لتطور فهم المجتمع لحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى النفسيين في العيش بكرامة والمشاركة المجتمعية.

النماذج التشغيلية والوظيفية لمراكز الرعاية النهارية

تنقسم مراكز رعاية البالغين النهارية عموماً إلى ثلاثة نماذج رئيسية تختلف باختلاف الفلسفة العلاجية ومستوى الخدمات المقدمة والجمهور المستهدف. النموذج الأول هو “النموذج الاجتماعي” (Social Model)، والذي يركز بالأساس على الأنشطة الاجتماعية، والتفاعل الجماعي، والترفيه الهادف، وتقديم التغذية الصحية المتوازنة. يستهدف هذا النموذج فئة البالغين القادرين على الحركة والتواصل الأساسي ولكنهم يعانون من العزلة الاجتماعية أو الاكتئاب الخفيف، حيث تعمل الأنشطة الثقافية والفنية والحركية الجماعية على رفع الروح المعنوية وتحسين كفاءة التوافق النفسي العام دون الحاجة إلى إشراف تمريضي مكثف.

أما النموذج الثاني فهو “النموذج الطبي أو الصحي” (Medical/Health Model)، الذي يُعرف غالباً بمراكز الرعاية الصحية للبالغين النهارية. يوفر هذا النموذج مستويات متقدمة من الرقابة السريرية؛ إذ يضم طواقم تمريضية مقيمة، وأخصائيي علاج طبيعي، وأخصائيي تخاطب، وإشرافاً طبياً دورياً. يُوجَّه هذا النموذج للمرضى الذين يحتاجون إلى متابعة دورية للعلامات الحيوية، أو إدارة معقدة للأدوية، أو تأهيل جسدي مكثف عقب الجلطات الدماغية والإصابات الحادة، إلى جانب المعالجة النفسية لمصاحبات الأمراض العضوية المزمنة كفشل القلب والقصور الكلوي.

أما النموذج الثالث، وهو الأكثر تعقيداً وحساسية، فيتمثل في “البرامج التخصصية لمرضى الخرف والتدهور المعرفي” (Dementia-Specific Model). تم تصميم هذا النموذج بعناية فائقة لتلبية الاحتياجات الفريدة لمرضى متلازمات الخرف مثل مرض ألزهايمر والخرف الوعائي. تمتاز البيئات الفيزيقية في هذه المراكز بأنها مغلقة وآمنة تمنع التجوال الخطر والضياع، مع استخدام تقنيات العمارة الموجهة للذاكرة كالإشارات اللونية والإضاءة المهدئة. وتعتمد هذه المراكز كادراً مدرباً تدريباً عالياً على إدارة السلوكيات التحدّية كالانفعالية، والعدوانية، ومتلازمة الغروب، من خلال تدخلات بيئية وسلوكية بعيدة عن الإفراط الدوائي.

الأبعاد النفسية والوظائف المعرفية للمستفيدين

يمثل الحفاظ على الكفاءة المعرفية أحد أهم الميادين الإكلينيكية التي تثبت فيها الرعاية النهارية فعاليتها العميقة. فالتحفيز الذهني المنظم الذي يتلقاه البالغون في هذه المراكز — من خلال تمارين استرجاع الذاكرة، والألعاب العقلية، وحل المشكلات التفاعلية — يسهم في تعزيز ما يُعرف في علم النفس العصبي بـ “الاحتياطي المعرفي” (Cognitive Reserve). هذا التحفيز الدائم ينشط المرونة العصبية التكيفية، ويساعد الدماغ على ابتكار مسارات تعويضية لمقاومة الآثار التخريبية التي تفرضها العمليات التنكسية، مما يؤدي إحصائياً إلى إبطاء تدهور القدرات التنفيذية وحفظ مهارات التكيف اليومي لفترات أطول.

ومن الزاوية النفسية الانفعالية، تعمل برامج الرعاية النهارية كحاجز وقائي صلب ضد التدهور الاكتئابي وظاهرة القلق الوجودي التي تصيب المسنين والمرضى المزمنين. إن الانخراط في روتين يومي منظم يستلزم الاستيقاظ، والاستعداد، ومغادرة المنزل، والالتقاء بالآخرين يكسر حالة العجز المتعلم والاستسلام التي تفرضها جدران العزلة المنزلية. تشير الدراسات السريرية إلى أن المرضى الذين يواظبون على حضور هذه المراكز يُظهرون انخفاضاً ملحوظاً في درجات مقاييس الاكتئاب، وتحسناً في تنظيم الإيقاع اليومي والنوم، وتراجعاً في مشاعر انعدام القيمة وفقدان المعنى.

علاوة على ذلك، توفر البيئة الاجتماعية لهذه المراكز مساحة ديناميكية للتعبير التلقائي وتفريغ الشحنات الوجدانية المكبوتة. فوجود الفرد بين أقران يشاركونه مرحلته العمرية أو تحدياته الصحية ينزع عنه الشعور بوصمة المرض أو العجز الاستثنائي، مما يعيد تطبيع حالته النفسية. هذا الاحتكاك المستمر ينمي آليات التعاطف والمشاركة، ويعزز استجابات المزاح والبهجة، ويطلق النواقل العصبية المرتبطة بالاستقرار الانفعالي كالناقل الدوباميني والأوكسيتوسين، مما ينعكس بصورة إيجابية ملموسة على مجمل الحالة السيكولوجية للمستفيد.

تخفيف العبء النفسي عن مقدمي الرعاية الأسرية

لا تنحصر فوائد رعاية البالغين النهارية في المستفيد المباشر فحسب، بل تمتد بشكل حاسم لتشمل البيئة الأسرية، وتحديداً مقدمي الرعاية غير الرسميين (Informal Caregivers). يُعد رعاية مريض مصاب بمرض مزمن أو خرف من أكثر التجارب الإنسانية استنزافاً للطاقة النفسية والجسدية، وتؤدي في كثير من الحالات إلى متلازمة الاحتراق النفسي لمقدم الرعاية (Caregiver Burnout)، المتسمة بالإنهاك الانفعالي، والاكتئاب السريري، والقلق المزمن، وتدهور المناعة الجسدية. تقدم مراكز الرعاية النهارية تدخلاً نوعياً يعرف بـ “خدمات الرعاية البديلة المؤقتة” (Respite Care)، والتي تمنح الأسر وقتاً دورياً مستقطعاً لالتقاط الأنفاس وإدارة شؤون حياتهم الشخصية والمهنية.

إن تمكين مقدم الرعاية من التحرر لعدة ساعات نهاراً يقلل من مشاعر الحصار والعزلة التي تفرضها مسؤوليات المتابعة على مدار الساعة. هذا التباعد المؤقت والمنتظم يتيح لمقدم الرعاية إعادة بناء موارده النفسية، وممارسة الأنشطة الاجتماعية، والحصول على قسط كافٍ من الراحة دون الإحساس بالذنب، لكونه يدرك أن قريبه يتلقى عناية متخصصة في بيئة آمنة. وقد أثبتت الدراسات المقارنة أن أسر المستفيدين من الرعاية النهارية يسجلون مستويات أقل بكثير من هرمونات التوتر (مثل الكورتيزول)، ويتمتعون بمرونة نفسية أعلى في مواجهة تقلبات المرض المزمن.

بالإضافة إلى ذلك، ينعكس هذا التحسن في الحالة النفسية لمقدم الرعاية مباشرةً على طبيعة العلاقة مع المريض نفسه. فعندما تقل مستويات الإجهاد، تتراجع وتيرة التفاعلات الانفعالية السلبية، وينخفض معدل الصراعات والتوترات المنزلية، وتتقلص مخاطر الإساءة غير المقصودة أو الإهمال الناجم عن الإرهاق. كما أن العديد من مراكز الرعاية تقدم برامج دعم نفسي وجلسات إرشاد أسري لمقدمي الرعاية، مما يكسبهم مهارات سلوكية وتواصلية متقدمة للتعامل مع السلوكيات المربكة للمريض، ويساعدهم على بناء استراتيجيات مواجهة تكيفية وفعالة.

البرامج العلاجية والأنشطة التأهيلية المطبقة

تعتمد مراكز رعاية البالغين النهارية على ترسانة من البرامج العلاجية المتنوعة غير الدوائية التي تم اختبارها إكلينيكياً لتعزيز الرفاه النفسي والجسدي. من أبرز هذه التدخلات “العلاج بالتذكر” (Reminiscence Therapy)، وفيه يتم تشجيع المشاركين على استرجاع الذكريات الإيجابية وسرد قصص حياتهم واستعراض الصور والأشياء القديمة. يسهم هذا العلاج في تعزيز الهوية الشخصية، واستدعاء مشاعر الإنجاز، ومقاومة تفكك السيرة الذاتية لدى كبار السن، كما يوفر للمرضى الذين يعانون من تراجع في الذاكرة قصيرة المدى فرصة لاستثمار الذاكرة بعيدة المدى التي تظل متماسكة لفترات أطول، مما يشعرهم بالثقة والاقتدار.

وتشكل برامج العلاج بالفن والموسيقى ركناً أساسياً في الأنشطة اليومية؛ إذ تتيح القنوات الإبداعية غير اللفظية تفريغاً انفعالياً آمناً للأفراد الذين فقدوا القدرة على التعبير اللغوي الواضح بسبب تدهور معرفي أو حبسة كلامية. لقد أظهرت الأبحاث أن الاستماع إلى الموسيقى المألوفة للمريض والتفاعل مع الإيقاع يقللان بشكل دراماتيكي من السلوكيات العدوانية والتململ الحركي، وينشطان مسارات المكافأة الدماغية. بالمثل، يوفر العلاج الوظيفي المكيّف والتمارين الحركية الخفيفة تدريباً ممتازاً للحفاظ على المهارات الحركية الدقيقة والاتزان الجسدي، مما يقلل من مخاطر السقوط ويزيد من درجة الاعتماد على الذات في أداء أنشطة الحياة اليومية.

كما تطبق هذه المراكز أسلوب “العلاج الموجه نحو الواقع” (Reality Orientation) والتحفيز الحسي (Sensory Stimulation)، مثل استخدام تقنيات سنوزلين (Snoezelen) التي تعتمد على غرف مصممة بعناصر ضوئية ولمسية وعطرية وصوتية مهدئة. تساعد هذه التقنيات على تنظيم الجهاز العصبي للمرضى الذين يعانون من القلق والتشوش الشديد، مما يخلق حالة من الاسترخاء العميق ويقلل الحاجة إلى المهدئات الدوائية ومضادات الذهان التي غالباً ما تحمل آثاراً جانبية خطيرة على كبار السن.

التحديات الإكلينيكية والأخلاقية والمجتمعية

على الرغم من المنافع الجمة التي تحققها مراكز الرعاية النهارية، إلا أن تطبيقها يواجه حزمة معقدة من التحديات الميدانية والنسقية. يبرز في مقدمتها حاجز “الوصمة الاجتماعية” والمشاعر الثقافية المرتبطة بالتقصير الأسري؛ إذ تنظر بعض الثقافات والمجتمعات التقليدية إلى إلحاق القريب بمركز رعاية — حتى لو كان نهارياً — باعتباره تخلياً عن الواجب الأخلاقي وبر الوالدين. هذا الحاجز الثقافي يولد صراعاً نفسياً حاداً ومشاعر ذنب لدى الأبناء ومقدمي الرعاية، مما يؤخر طلب المساعدة حتى مراحل متقدمة وشديدة الإنهاك من المرض، حيث تصبح التدخلات النهارية أقل جدوى وصعوبة في التطبيق.

أما على الصعيد الإكلينيكي والنفسي، فإن مرحلة الانتقال والالتحاق الأولي بالمركز تمثل أزمة تكيف حادة لبعض المستفيدين تُعرف بـ “صدمة النقل” (Relocation Stress). قد يُظهر المريض مقاومة شديدة، وخوفاً من التخلي، وارتفاعاً مؤقتاً في حدة القلق والارتباك الإدراكي عند انتزاعه من بيئته المنزلية المألوفة ووضعه في سياق غريب يضم غرباء. يتطلب هذا التحدي بروتوكولات دمج تدريجية غاية في الدقة والحساسية يقودها فريق مدرب لتأسيس رابطة ثقة وتأمين الشعور بالأمان، مما يتطلب استثماراً زمنياً وبشرياً قد لا يكون متاحاً دائماً في المراكز المكتظة.

وتتعاظم التحديات اللوجستية والاقتصادية المتمثلة في شح التمويل وغياب التغطية التأمينية الشاملة لهذه الخدمات في كثير من الدول، مما يجعلها امتيازاً مقتصراً على الفئات الميسورة، ويحرم الفئات الأكثر هشاشة وتهميشاً من الوصول إليها. كما تبرز إشكاليات أخلاقية معقدة تتعلق بالموافقة المستنيرة للأشخاص ذوي الكفاءة الإدراكية المتراجعة، والحدود الفاصلة بين الحماية وإدارة المخاطر وبين تقييد الاستقلالية والحرية الفردية أثناء التواجد في المركز، إلى جانب صعوبة استبقاء الكوادر التمريضية والنفسية المؤهلة نظراً لصعوبة العمل وتدني الأجور النسبية في هذا القطاع.

الآفاق المستقبلية في ظل التحولات الديموغرافية والتقنية

يمر مجال رعاية البالغين النهارية بمرحلة تحول ثورية مدفوعة بالتقدم التكنولوجي المتسارع والاحتياجات المتزايدة لمجتمعات تشيخ بسرعة غير مسبوقة. يتجه المستقبل نحو دمج حلول “الصحة النفسية الرقمية” و”التطبيب عن بُعد” ضمن المنظومات النهارية، عبر ما يُطلق عليه اليوم “الرعاية النهارية الهجينة أو الافتراضية”. يتيح هذا النمط تقديم جلسات التحفيز المعرفي، والمجموعات العلاجية الداعمة، والمراقبة الصحية عن بُعد في أيام عدم تواجد المستفيد في المركز، مما يضمن استمرارية التدخل وتوسيع مظلة التغطية لتشمل أولئك القاطنين في مناطق ريفية أو نائية تفتقر للمنشآت المتخصصة.

كما تكتسب تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والحساسات الحيوية دوراً متعاظماً في تصميم برامج رعاية مخصصة فائقة الدقة. يمكن للأنظمة الذكية تحليل أنماط الحركة، والتغيرات الدقيقة في الصوت والملامح، والبيانات الفسيولوجية للتنبؤ بنوبات الهياج النفسي أو تفاقم أعراض الاكتئاب قبل وقوعها السريري، مما يسمح للفريق الإكلينيكي بإجراء تعديلات استباقية على البيئة المحيطة والأنشطة. إضافة إلى ذلك، تشهد البيئات التأهيلية إدخال تقنيات الواقع الافتراضي الغامر (Virtual Reality) لإنشاء بيئات استرخاء طبيعية أو تجارب تنشيط للذاكرة تحاكي أماكن مألوفة من ماضي المستفيدين، مما يرفع من دافعية المشاركة ويعزز من مستويات جودة الحياة.

ختاماً، يتطلب المستقبل تحولاً بنيوياً في السياسات الاجتماعية والصحية من خلال تبني نماذج “الرعاية المتمحورة حول الشخص” (Person-Centered Care) بشكل كامل، حيث لا يُنظر للمستفيد كمتلقٍ سلبي للخدمة أو مجموعة من الأعراض المرضية، بل ككيان إنساني متكامل يمتلك تاريخاً، ورغبات، وخيارات ينبغي احترامها وإدماجها في صياغة خطته اليومية. إن الاستثمار المستدام في تطوير مرافق الرعاية النهارية للبالغين ودعمها تشريعياً ومالياً لم يعد خياراً ترفيهياً، بل هو ضرورة استراتيجية تفرضها متطلبات العدالة الاجتماعية والصحة العامة لضمان شيخوخة كريمة وآمنة لكافة أفراد المجتمع.

تُعد رعاية البالغين النهارية نموذجاً حضارياً وإنسانياً متقدماً يعيد صياغة مفهوم الدعم النفسي والاجتماعي للفئات الضعيفة، محققة التوازن الدقيق بين الرعاية المتخصصة والبقاء في المحيط الأسري الطبيعي. ومن خلال وظائفها المتعددة في تعزيز القدرات المعرفية، والحد من الاكتئاب، وتخفيف الضغوط النفسية الحارقة عن كواهل الأسر، تؤكد هذه المنظومة مكانتها كأداة لا غنى عنها في بنية الطب النفسي الوقائي والمعاصر. إن المضي قدماً في تطوير هذه الخدمات يضمن تحويل سنوات العمر الممتدة إلى مرحلة مفعمة بالكرامة والمعنى والتفاعل الإنساني الخلاق.

المراجع

  • Brodaty, H., & Donkin, M. (2009). Family caregivers of people with dementia. Dialogues in Clinical Neuroscience, 11(2), 217–228. https://doi.org/10.31887/DCNS.2009.11.2.217
  • Gaugler, J. E., & Zarit, S. H. (2001). The impact of adult day service programs on family caregivers of persons with dementia: Clinical and policy implications. International Journal of Geriatric Psychiatry, 16(4), 373–381. https://doi.org/10.1002/gps.347
  • Gitlin, L. N., Belle, S. H., Burgio, L. D., Czaja, S. J., Mahoney, D., Gallagher-Thompson, D., Burns, R., Hauck, W. W., & Schulz, R. (2003). Effect of multicomponent interventions on caregiver burden and depression: The REACH multisite trial. American Journal of Geriatric Psychiatry, 11(5), 561–572.
  • Kitwood, T. (1997). Dementia reconsidered: The person comes first. Open University Press.
  • Orellana, K., Manthorpe, J., & Tinker, A. (2018). Day centres for older people: Attenders’ perspectives on purpose, outcomes and experiences. Ageing & Society, 38(11), 2292–2314. https://doi.org/10.1017/S0144686X17000583
  • Schulz, R., & Sherwood, P. R. (2008). Physical and mental health effects of family caregiving. American Journal of Nursing, 108(9 Suppl), 23–27. https://doi.org/10.1097/01.NAJ.0000336406.45248.4c
  • Zarit, S. H., Gaugler, J. E., & Jarrott, S. E. (1999). Useful services for families in dementia care: Adult day services. In Dementia Care: The Quality of Life (pp. 147–164). Springer.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 26). رعاية البالغين النهارية: التأطير النظري والأبعاد النفسية والاجتماعية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/adult-day-care-psychology/
looti, Mohammed. “رعاية البالغين النهارية: التأطير النظري والأبعاد النفسية والاجتماعية.” عرب سايكلوجي, 26 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/adult-day-care-psychology/.
looti, Mohammed. “رعاية البالغين النهارية: التأطير النظري والأبعاد النفسية والاجتماعية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 26, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/adult-day-care-psychology/.