الطب النفسيعلم النفس السريريمنهجية البحث العلمي

الحدث الضار: التأصيل المفاهيمي والتداعيات السريرية في العلوم النفسية

دراسة أكاديمية شاملة لمفهوم الحدث الضار في العلوم النفسية والطب النفسي، تتناول التأصيل المعرفي، والأنماط السريرية، والآليات العصبية الحيوية، والمحددات الأخلاقية للرصد والتقييم السريري.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 26 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 26 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يشكل مفهوم الحدث الضار (Adverse Event) ركيزة جوهرية في الأدبيات الطبية والسريرية والنفسية المعاصرة، حيث يعبر عن أي عارض غير ملائم أو غير مقصود يطرأ على الفرد أثناء تلقيه تدخلاً علاجياً أو تعرضه لظروف بيئية وسياقية ضاغطة، دون أن يشترط بالضرورة وجود علاقة سببية حتمية ومباشرة بين الحدث وذلك التدخل. وفي ميدان علم النفس السريري والطب النفسي، يكتسب هذا المفهوم أبعاداً متداخلة تتجاوز الملاحظة البيولوجية الصرفة لتشمل التدهور النفسي، والانتكاسات العاطفية، والصدمات المعاشية، والآثار العلاجية السلبية غير المرغوبة. إن التحديد الدقيق لماهية الأحداث الضارة وآليات رصدها لا يمثل مجرد إجراء تقني لضمان سلامة المرضى، بل يُعد استحقاقاً إبستمولوجياً وأخلاقياً يضمن ضبط جودة الممارسات النفسية وفهم ديناميات التغير السلوكي المعقدة في ظل التدخلات الدوائية والسلوكية المتنوعة.

المقدمة والتعريف المعجمي والمفاهيمي

يُعرَّف الحدث الضار في سياق التجارب السريرية والممارسات النفسية بأنه أي تغير سلبي يطرأ على الحالة الصحية أو الوظيفية أو النفسية للمشارك أو المريض بالتزامن الزمني مع استخدام بروتوكول علاجي، سواء كان هذا التدخل عقارياً أو علاجاً نفسياً كلامياً. ويميز علماء الأوبئة السريرية بدقة بين مصطلح الحدث الضار (Adverse Event) والتفاعل الدوائي الضار (Adverse Drug Reaction)؛ حيث يقتضي الأخير إثبات صلة سببية معقولة بين الدواء والأثر السلبي، بينما يظل الحدث الضار مظلة وصفية شاملة تسجل كل ظاهرة غير مرغوبة بغض النظر عن ثبوت أصلها السببي، وذلك تماشياً مع معايير منظمة الصحة العالمية وإرشادات المؤتمر الدولي للمواءمة (ICH).

وعند نقل هذا المفهوم إلى حقل علم النفس المرضي، يتسع المصطلح ليشمل “الأحداث الحياتية الضاغطة” أو “الأحداث الضائرة” (Adverse Life Events) التي يمر بها الفرد في مسار نموه، كالتعرض للإساءة أو الفقدان المفاجئ أو التفكك الأسري. في هذا الإطار، يُنظر إلى الحدث الضار بوصفه متغيراً مستقلاً أو وسيطاً يؤثر في الهشاشة النفسية (Diathesis-Stress Model)، مما يفجر اضطرابات وجدانية أو ذهانية كامنة. يتضح هنا التمايز الدقيق بين الحدث الضار بوصفه أثراً سلبياً ناتجاً عن التدخل الطبي، وبوصفه صدمة أو ضاغطاً نفسياً وجودياً ينشأ من البيئة الاجتماعية المحيطة بالفرد ويشكل مسار حياته النفسية.

فضلاً عن ذلك، ظهر في العقدين الأخيرين مفهوم “الآثار الجانبية للعلاج النفسي” (Adverse Effects of Psychotherapy)، وهو تطور حاسم يعترف بأن التدخلات غير الدوائية—مثل العلاج السلوكي المعرفي أو التحليل النفسي—قد تفضي بدورها إلى أحداث ضارة. وتتراوح هذه الأحداث بين تفاقم الأعراض الأولية، وظهور أعراض جديدة، وزيادة التبعية للمعالج، وانهيار العلاقات الأسرية، وصولاً إلى خطر الانتحار. ومن ثم، فإن المفهوم المعجمي للحدث الضار يتسم بمرونة دلالية تستوعب التفاعلات البيولوجية والنفسية والاجتماعية على حد سواء، مما يستوجب تفكيك أبعاده وفق أطر نظرية ومنهجية صارمة.

التأصيل النظري والسياق المعرفي

يستند التأصيل المعرفي للأحداث الضارة في علم النفس إلى نماذج الضغط والتكيف، ونظريات التوازن الحيوي (Allostasis) والحمل الوبائي التكيفي (Allostatic Load). وتعود الجذور التاريخية لهذا الاهتمام إلى أعمال الباحث هانز سيلي في ثلاثينيات القرن العشرين حول متلازمة التكيف العامة، حيث تبيّن أن الكائن الحي يستجيب للمثيرات السلبية بسلسلة من التغيرات الفسيولوجية التي تهدف إلى البقاء، لكن استمرار هذه المثيرات دون معالجة يحولها إلى أحداث ضارة تستنزف الاحتياطي البيولوجي والنفسي. وقد أسهم هذا الطرح في تقعيد الفهم السريري لكيفية تحول الصدمات الحياتية إلى أحداث ممرضة تعيد هيكلة البنية النفسية للشخص وتؤثر في استجابته اللاحقة للتدخلات العلاجية.

في الموازاة مع ذلك، طوّر نموذج “الاستعداد والضغط” (Diathesis-Stress Model) رؤية عميقة لتفسير التباين الفردي في مواجهة الأحداث الضارة. يفترض هذا النموذج أن الأفراد يحملون درجات متفاوتة من الاستعداد الوراثي أو المعرفي للاضطراب، وأن الحدث الضار يعمل بمثابة القادح الذي يفجر هذا الاستعداد الكامن. وبالتالي، لا يمكن دراسة الحدث الضار ككيان موضوعي منفصل، بل يجب تحليله في ضوء التفاعل الديناميكي بين شدة المثير الخارجي والمنظومة الدفاعية الذاتية للفرد؛ فالحدث الذي قد يُعد ضاراً وصادماً لدى شخص ذي هشاشة نفسية عالية، قد يُمثل لدى شخص آخر تحدياً قابلاً للتكيف والنمو ما بعد الصدمة.

أما في سياق البحوث السريرية والتدخلات النفسية، فإن الإطار المعرفي يستند إلى مبدأ “عدم الإضرار” (Primum non nocere)، وهو أصل أخلاقي أبقراطي أُعيدت صياغته ضمن المعايير الأخلاقية لرابطة علم النفس الأمريكية (APA). وقد أدى تزايد الاهتمام بنماذج الممارسة القائمة على الأدلة إلى مساءلة الممارسات النفسية التقليدية، وإبراز حقيقة أن النوايا الحسنة للمعالج لا تضمن بالضرورة غياب الأحداث الضارة. وبذلك انتقل الحقل النفسي من التركيز الأحادي على دراسة “الفعالية الإيجابية” إلى تقييم شامل للموازنة بين المنافع والمخاطر، معترفاً بأن إغفال توثيق الأحداث الضارة يمثل قصوراً منهجياً يشوه الدلائل العلمية.

الأنماط والتصنيفات في العلوم النفسية والطب النفسي

تتعدد أشكال الأحداث الضارة في البيئات النفسية والسريرية بناءً على طبيعة التدخل ومستوى الشدة ومصدر الحدث، مما يستوجب وضع تصنيفات دقيقة تتيح للباحثين والممارسين التمييز بين الظواهر المختلفة. ويمكن إجمال أبرز هذه الأنماط في الفئات التالية:

  • الأحداث الضارة المرتبطة بالعلاجات الدوائية النفسية: وتشتمل على المضاعفات البيولوجية والفسيولوجية الناتجة عن مضادات الاكتئاب ومضادات الذهان ومثبتات المزاج، مثل المتلازمة الأيضية، والخلل الحركي المتأخر (Tardive Dyskinesia)، وتفاقم الأفكار الانتحارية في المراحل الأولى من العلاج، أو تبلد المشاعر الوجدانية الناجم عن مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية.
  • الأحداث الضارة الناتجة عن التدخل النفسي (Psychotherapy-induced Harm): وتتضمن التدهور السريري المباشر، أو نشوء أعراض ذعر وتوجس حادة نتيجة أساليب التعرض غير المضبوطة، أو ترسيخ ذكريات زائفة ومؤلمة بسبب تقنيات التنويم الإيحائي غير الدقيقة، بالإضافة إلى التبعية المرضية للعملية العلاجية والشعور بالعجز المكتسب.
  • الأحداث الحياتية والنمائية الضارة (Adverse Childhood Experiences – ACEs): وتغطي مساحة واسعة من صدمات الطفولة، بما في ذلك الإيذاء الجسدي، والجنسي، والنفسي، والإهمال الأسري، والعيش مع أفراد يعانون من الإدمان أو الاضطرابات العقلية الجسيمة، وهي أحداث تمارس تأثيراً تأسيسياً على بنية الدماغ والجهاز المناعي.
  • الأحداث الضارة الخطيرة (Serious Adverse Events – SAEs): وهي تصنيف إجرائي محدد في البروتوكولات البحثية يشير إلى أي حدث يؤدي إلى الوفاة، أو التهديد المباشر للحياة، أو يستدعي دخول المشفى أو تمديد الإقامة فيه، أو يتسبب في إعاقة مستديمة أو عجز وظيفي جسيم، مثل محاولات الانتحار الجادة أثناء تجارب الأدوية السريرية.

يتضح من هذا التصنيف أن دراسة الأحداث الضارة تتطلب وعياً بالحدود الفاصلة بين الآثار المتوقعة للعلاج (كالغثيان المؤقت في بداية تناول الدواء أو الحزن العابر أثناء استكشاف الصدمات القديمة في العلاج المعرفي) وبين الأحداث الضارة الفعلية التي تؤدي إلى تراجع حقيقي في جودة حياة المستفيد. ويبرز هنا التمييز الجوهري بين “عدم الاستجابة للعلاج” و”التدهور الناجم عن العلاج”؛ فالأول يعكس قصور التدخل في تحقيق التحسن المطلوب، بينما يعكس الثاني توليد ضرر مضاف لم يكن موجوداً قبل بدء المعالجة.

الآليات النفسية والعصبية الحيوية المفسرة

تعتمد الاستجابة للأحداث الضارة، سواء كانت ناجمة عن صدمات بيئية أو مضاعفات علاجية، على آليات بيولوجية ونفسية متشابكة تُحدث تحولات بنيوية ووظيفية في الجهاز العصبي. على المستوى العصبي الحيوي، يؤدي التعرض المفرط للأحداث الحياتية الضارة إلى اختلال تنظيم المحور الوطائي-النخامي-الكظري (HPA axis)، مما ينجم عنه إفراز مستمر وغير متزن لهرمون الكورتيزول. هذا الارتفاع المزمن يرتبط بضمور تشابكي وتراجع في حجم منطقة الحصين (Hippocampus)، المسؤولة عن الذاكرة السياقية والتنظيم الانفعالي، بالتزامن مع فرط استثارة في اللوزة الدماغية (Amygdala)، مما يجعل الجهاز العصبي في حالة تأهب مرضي مستمر لمواجهة المخاطر المحتملة.

وتشير بحوث علم التخلق (Epigenetics) إلى أن الأحداث الضارة في المراحل المبكرة من الحياة قادرة على إحداث تعديلات مستدامة في مثيلة الحمض النووي (DNA Methylation) وتغيير بنية الكروماتين دون المساس بالتسلسل الجيني الأساسي. هذه التغيرات التخلقية تؤثر في جينات مستقبلات الجلوكوكورتيكويد، مما يقلل من حساسية التغذية الراجعة السلبية للمحور الهرموني، ويترك أثراً بيولوجياً عميقاً يترجم على شكل ضعف مناعي والتهابات جهازية خفية مزمنة (Chronic Low-grade Inflammation). وقد ربطت الدراسات الحديثة بين هذه الآليات الالتهابية وارتفاع معدلات الإصابة باضطراب الاكتئاب الجسيم واضطرابات القلق لدى المعرضين للأحداث الضارة المزمنة.

أما على الصعيد النفسي والمعرفي، فإن التعرض للأحداث الضارة أثناء التدخلات العلاجية أو الحياتية يؤدي إلى تخلخل “المخططات المعرفية الأساسية” (Core Cognitive Schemas). وفقاً لنظرية الصدمة المعرفية، يمتلك الأفراد افتراضات ضمنية حول أمان العالم وقابليته للتنبؤ وجدارة الذات بالتقدير. وعند وقوع حدث ضار جسيم، تتهاوى هذه الافتراضات فجأة، مما يدفع الفرد إلى تبني آليات دفاعية تفككية أو اجترار معرفي سلبي يعزز مشاعر انعدام الحيلة واليأس. كما أن الأحداث الضارة الناتجة عن العلاقات العلاجية المشوهة تضرب الثقة البينشخصية في الصميم، مما يولد مقاومة شديدة تحول دون استفادة المريض من أي رعاية طبية أو نفسية لاحقة.

المنهجيات القياسية وأدوات الرصد والتقييم

يتطلب توثيق الأحداث الضارة في الأبحاث النفسية والتجارب الإكلينيكية اعتماد منهجيات رصد متقدمة تتسم بالموضوعية والشمولية وتتجاوز مجرد الاعتماد على الإبلاغ التلقائي العفوي من قبل المريض. تشير الأدلة المنهجية إلى أن الإبلاغ الحر غير الموجه يقلل من المعدل الحقيقي للأحداث الضارة بنسب تصل إلى 70%، حيث يتردد المرضى في الإفصاح عن الأعراض السلبية لاعتقادهم بأنها جزء لا يتجزأ من مسار العلاج المحتوم أو خشية إحباط المعالج. لذلك، طُوّرت استبيانات مقننة تُراجع الأجهزة العضوية والأعراض النفسية بأسلوب منهجي ومجدول زمنياً لتفادي هذا الانحياز.

في ميدان الطب النفسي الدوائي، يُعد استخدام “معايير المصطلحات الشائعة للأحداث الضارة” (CTCAE) التابعة للمعهد الوطني للسرطان، ونظام قواميس المصطلحات الطبية الموحدة (MedDRA) المعيار الذهبي لتصنيف الأحداث ودرجات شدتها من الدرجة الأولى (طفيفة) إلى الدرجة الخامسة (الوفاة). تُمكن هذه المعايير الباحثين من قياس شدة الأعراض العصبية والنفسية مثل الأرق، وارتفاع التوتر، والهلوسات التفاعلية، وتحديد مدى ارتباطها الزمني والسببي بالجرعات الدوائية الممنوحة وفق خوارزميات سببية صارمة، مثل مقياس نارانجو (Naranjo Algorithm) الذي يزن الأدلة المرجحة للعلاقة السببية.

وعلى صعيد العلاج النفسي، شهد العقد الماضي ولادة مقاييس رائدة مخصصة لرصد الآثار الضارة للتدخلات الكلامية، ومن أبرزها “استبيان الآثار السلبية” (Negative Effects Questionnaire – NEQ). يقيم هذا المقياس مجالات متعددة تشمل: تدهور الأعراض، والآثار الوجودية السلبية، وعيوب العلاقة العلاجية، وتأثر العلاقات الاجتماعية الشخصية، مع التمييز الدقيق بين الضرر الناتج مباشرة عن العلاج والأضرار المتولدة عن ظروف خارجية طارئة في حياة المريض. إن دمج هذه الأدوات ضمن التجارب المعشاة ذات الشواهد (RCTs) بات مطلباً حاسماً لضمان الشفافية العلمية ونزاهة النتائج المنشورة.

الآثار السريرية والتداعيات العلاجية والوقائية

تفرض احتمالية وقوع الأحداث الضارة على الممارسين السريريين تبني استراتيجيات وقائية وتدخلية متعددة المستويات للحد من تداعياتها الكارثية على استمرارية الخطة العلاجية وسلامة المريض. يمثل “التحالف العلاجي المتين” خط الدفاع الأول؛ إذ أظهرت الدراسات السريرية أن متانة الرابطة بين المعالج والمسترشد تعمل كعامل حماية يخفف من وطأة التدهور الانفعالي المؤقت ويحول دون تحوله إلى حدث ضار ينهي العملية العلاجية بالانسحاب المفاجئ. يتطلب ذلك قدراً عالياً من اليقظة الإكلينيكية للتعرف المبكر على مؤشرات التدهور أو الاستياء الصامت لدى متلقي العلاج ومعالجتها بمرونة وشفافية فورية.

علاوة على ذلك، تستوجب الإدارة الرشيدة للأحداث الضارة تطبيق مبادئ “الرعاية الواعية بالصدمات” (Trauma-Informed Care). إن فهم التاريخ التراكمي للأحداث الضائرة التي تعرض لها المريض في طفولته يمنح الطبيب النفسي والمعالج فهماً عميقاً لردود فعله غير النمطية تجاه العلاجات المقترحة؛ فالأفراد الذين عانوا من انتهاكات سابقة للحدود قد يختبرون إصرار المعالج على كشف التفاصيل الدقيقة للصدمة بوصفه حدثاً ضاراً ومعيداً لإنتاج الصدمة (Retraumatization). بناءً عليه، يجب معايرة جرعة التدخل النفسي بما يتناسب مع سعة نافذة التحمل (Window of Tolerance) لدى المريض تجنباً لإغراقه في استثارة مفرطة أو تفكك وجداني معطل.

وفي الممارسة الدوائية النفسية، تبرز أهمية بروتوكولات المراقبة البيولوجية الصارمة للوقاية من الأحداث الضارة الجسيمة. يشمل ذلك الفحوص الدورية لوظائف الكبد والكلى، وتخطيط القلب الكهربائي لرصد استطالة موجة QTc، والمتابعة الوزنية والأيضية المستمرة عند وصف مضادات الذهان غير النمطية. وعند رصد أي حدث ضار، يجب تفعيل خطة متدرجة تتضمن خفض الجرعة، أو إيقاف العقار تدريجياً، أو التحول إلى بديل دوائي ذي ملف أمان أفضل، مع التوثيق الكامل والشامل في السجل الطبي لضمان عدم تكرار الخطأ مستقبلاً ضمن منظومة الرعاية الصحية المتكاملة.

المحددات الأخلاقية والقانونية في التعامل مع الأحداث الضارة

ترتبط إدارة الأحداث الضارة في الأبحاث والممارسات النفسية بحزمة معقدة من المسؤوليات الأخلاقية والموجبات القانونية التي لا تحتمل التساهل. تأتي في مقدمة هذه المحددات عملية “الموافقة المستنيرة” (Informed Consent)، والتي لا ينبغي النظر إليها كاستمارة شكلية يوقع عليها المريض لمرة واحدة، بل كمسار تواصلي مستمر وديناميكي. يلتزم الممارس أو الباحث باطلاع المريض بلغة واضحة ومفهومة على كافة المخاطر المتوقعة والأحداث الضارة المحتملة المرتبطة بالتدخل العلاجي، مع توضيح الفارق بين المعاناة النفسية المقبولة في مسار العلاج والضرر غير المبرر، ومنح المريض كامل الحرية في مراجعة قراره وسحب موافقته دون أدنى مساس بحقه في تلقي الرعاية البديلة.

وعند وقوع حدث ضار جسيم أثناء تجربة سريرية، تنص القوانين الإرشادية الدولية على ضرورة الإبلاغ الفوري للجان مراجعة الأخلاقيات المؤسسية (IRBs) والهيئات الرقابية الدوائية ضمن أطر زمنية محددة بدقة (غالباً ما تكون خلال 24 إلى 48 ساعة في حالات الوفاة أو التهديد المباشر للحياة). يترتب على إخفاء هذه البيانات أو تأخير الإبلاغ عنها مسؤوليات قانونية وجنائية جسيمة، فضلاً عن تعليق التجربة السريرية بأكملها وسحب التراخيص البحثية. إن الشفافية في إعلان الأحداث الضارة هي الضمانة الوحيدة لمنع تعريض مجتمعات المرضى لمخاطر غير محسوبة والحفاظ على المصداقية المجتمعية للبحث العلمي.

كما يبرز البعد الأخلاقي الحساس في مسألة “المصارحة بالإضرار” (Duty of Candor) في العيادات والمشافي النفسية؛ فعندما يتعرض المريض لتدهور ناتج عن خطأ علاجي أو حدث ضار غير متوقع، يقع على عاتق الفريق الطبي التزام أخلاقي بتقديم اعتذار صادق وشرح وافٍ للأسباب والإجراءات المتخذة لمعالجة الضرر والحد من آثاره. إن ثقافة الانفتاح والمصارحة تقلل من النزاعات القانونية والدعاوى القضائية الناتجة عن سوء الممارسة، وتسهم في تعزيز البيئة الآمنة التي تُعلي من شأن سلامة المريض فوق الاعتبارات الدفاعية للمؤسسات العلاجية.

خاتمة واستشراف مستقبلي

في الختام، يمثل مفهوم الحدث الضار في العلوم النفسية والطبية نقطة التقاء محورية تترابط عندها المعايير المنهجية والأطر الفسيولوجية العصبية والالتزامات الأخلاقية السريرية. إن الانتقال من النظرة التقليدية التبسيطية التي تختزل الأحداث الضارة في مجرد تفاعلات كيميائية سلبية إلى فهم تركيبي يستوعب التأثيرات النفسية والاجتماعية للتدخلات العلاجية ولصدمات مسار الحياة يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ طب نفسي سريري أكثر دقة وإنسانية. ويتطلب استيعاب هذا المفهوم جهداً علمياً مستمراً لتوحيد المصطلحات وتطوير أدوات القياس لتجاوز الصمت البحثي الذي رافق طويلاً دراسة الآثار السلبية للتدخلات النفسية غير الدوائية.

ويحمل المستقبل آفاقاً واعدة من خلال دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في التنبؤ بوقوع الأحداث الضارة قبل تبلورها السريري، وذلك عبر تحليل ملفات البصمة الجينية والمؤشرات الحيوية الرقمية المستمرة كأنماط النوم والنشاط الحركي والتقلبات الصوتية. سيتيح هذا التطور صياغة “طب نفسي تشخيصي دقيق” قادر على تخصيص التدخلات المناسبة لكل فرد بما يرفع معدلات الشفاء إلى حدها الأقصى ويقلص احتمالية التعرض للأحداث الضارة إلى الحد الأدنى، مؤكداً في المحصلة النهائية أن جوهر الشفاء لا ينفصل أبداً عن يقظة الضمير العلمي في حماية الكائن الإنساني من كل أشكال الأذى غير المقصود.

المراجع

  • American Psychological Association. (2017). Ethical principles of psychologists and code of conduct (with 2016 amendments). https://www.apa.org/ethics/code
  • Felitti, V. J., Anda, R. F., Nordenberg, D., Williamson, D. F., Spitz, A. M., Edwards, V., Koss, M. P., & Marks, J. S. (1998). Relationship of childhood abuse and household dysfunction to many of the leading causes of death in adults: The Adverse Childhood Experiences (ACE) Study. American Journal of Preventive Medicine, 14(4), 245–258. https://doi.org/10.1016/S0749-3797(98)00017-8
  • Linden, M. (2013). How to define, find, and classify side effects in psychotherapy: From unwanted events to adverse treatment reactions. Clinical Psychology & Psychotherapy, 20(4), 286–296. https://doi.org/10.1002/cpp.1765
  • McEwen, B. S. (1998). Protective and damaging effects of stress mediators. New England Journal of Medicine, 338(3), 171–179. https://doi.org/10.1056/NEJM199801153380307
  • Naranjo, C. A., Busto, U., Sellers, E. M., Sandor, P., Ruiz, I., Roberts, E. A., Janecek, E., Domecq, C., & Greenblatt, D. J. (1981). A method for estimating the probability of adverse drug reactions. Clinical Pharmacology & Therapeutics, 30(2), 239–245. https://doi.org/10.1038/clpt.1981.154
  • Rozental, A., Kottorp, A., Boettcher, J., Andersson, G., & Carlbring, P. (2016). Negative effects of psychological treatments: An exploratory factor analysis of the Negative Effects Questionnaire for monitoring and reporting adverse events. PLOS ONE, 11(6), Article e0157504. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0157504
  • World Health Organization. (2020). Pharmacovigilance: Ensuring the safe use of medicines. World Health Organization. https://www.who.int/teams/regulation-prequalification/regulation-and-safety/pharmacovigilance

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 26). الحدث الضار: التأصيل المفاهيمي والتداعيات السريرية في العلوم النفسية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/adverse-event-psychology/
looti, Mohammed. “الحدث الضار: التأصيل المفاهيمي والتداعيات السريرية في العلوم النفسية.” عرب سايكلوجي, 26 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/adverse-event-psychology/.
looti, Mohammed. “الحدث الضار: التأصيل المفاهيمي والتداعيات السريرية في العلوم النفسية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 26, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/adverse-event-psychology/.