تُعد أدوية مضادات الكولين (Anticholinergic Drugs) من بين الفئات العلاجية الأكثر تأثيراً وتعقيداً في تاريخ الطب النفسي وطب الأعصاب الحديث؛ إذ تشكل حجر زاوية في فهم التوازنات الكيميائية العصبية الدقيقة داخل الجهاز العصبي المركزي والطرفي على حد سواء. تعمل هذه العقاقير بصورة رئيسية على تثبيط الإشارات العصبية التي ينقلها الناقل العصبي الحيوي الأستيل كولين، مما يُحدث سلسلة من الاستجابات الفسيولوجية والسلوكية التي تتراوح بين التحكم في الآثار الجانبية الحركية المعوقة، وصولاً إلى إحداث تغيرات معرفية وإدراكية عميقة قد تصل إلى مرحلة الهذيان والتدهور الإدراكي إذا لم تُضبط بدقة بالغة.
مدخل تعريفي ومفاهيمي لمضادات الكولين
تُعرف أدوية مضادات الكولين في الأدبيات الصيدلانية والنفسية بأنها مركبات كيميائية ترتبط بشكل تنافسي أو غير تنافسي بمستقبلات الأستيل كولين، مانعة إياه من تفعيل مساراته الخلوية الطبيعية. ينقسم الجهاز الكوليني إلى فئتين رئيسيتين من المستقبلات: المستقبلات النيكوتينية (Nicotinic Receptors) وهي قنوات أيونية تقع بشكل أساسي في الوصلات العصبية العضلية والعقد الذاتية، والمستقبلات المسكارينية (Muscarinic Receptors) المقترنة بالبروتين ج (G-protein-coupled receptors)، والتي تتوزع بكثافة في الدماغ وأنسجة الأعضاء الحشوية، وهي المستهدف الأكبر لمعظم الأدوية المستخدمة في الطب النفسي.
في سياق العلوم العصبية والنفسية، يحظى الجهاز الكوليني باهتمام استثنائي نظراً لدوره المحوري في تنظيم العمليات المعرفية العليا، مثل الانتباه، والذاكرة العاملة، وترسيخ المعلومات طويلة الأمد، فضلاً عن تنظيم التوازن بين الاستثارة والتثبيط الحركي. عندما يتم حجب هذه المستقبلات المركزية بواسطة مضادات الكولين، يتأثر الأداء العصبي بصورة جذرية، مما يستوجب فهماً عميقاً لديناميكيات الدواء وتأثيراته المعقدة على البنية الإدراكية والشخصية للمريض.
تاريخياً، ارتبطت مضادات الكولين باكتشاف أشباه القلويات الطبيعية (Alkaloids) مثل الأتروبين والسكوبولامين المستخرجين من نباتات الفصيلة الباذنجانية كست الحسن (Belladonna). ومع تطور العلوم الصيدلانية في منتصف القرن العشرين، جرى تصنيع جزيئات اصطناعية وشبه اصطناعية استهدفت السيطرة على الاضطرابات الحركية الناتجة عن أدوية الذهان، لتتحول هذه الفئة من مجرد علاجات تلطيفية للأعراض الحركية إلى موضوع خصب للأبحاث المرتبطة بشيخوخة الدماغ، واضطرابات المزاج، والفيزيولوجيا المرضية للذهان.
التصنيف الدوائي والكيميائي لمضادات الكولين
تتعدد تصنيفات مضادات الكولين وفقاً لخصائصها البنيوية وقدرتها على النفاذ إلى الحائل الدموي الدماغي (Blood-Brain Barrier). يمكن تقسيم هذه المركبات إلى مركبات أمينية ثلاثية (Tertiary Amines) وأخرى رباعية (Quaternary Amines). تمتاز المركبات الثلاثية، مثل البنزتروبين (Benztropine) والتريhexيفينيديل (Trihexyphenidyl)، بقدرتها العالية على اختراق الجهاز العصبي المركزي بفضل ذائبيتها الدهنية العالية، وهو ما يمنحها الفعالية السريرية في الطب النفسي، وفي الوقت ذاته يجعلها مصدراً رئيسياً للتأثيرات الجانبية المعرفية والذهانية.
في المقابل، تحمل المركبات الرباعية شحنة كهربائية موجبة دائمة تقلل إلى حد كبير من عبورها إلى داخل النسيج الدماغي، مما يحد من نشاطها في الجهاز العصبي الطرفي، كما هو الحال مع الإبراتروبيوم (Ipratropium) المستخدم في علاج أمراض الجهاز التنفسي. ومن المنظور النفسي، يُعد هذا التمييز جوهرياً للغاية لتحديد احتمالية تسبب العقار في اضطرابات الإدراك أو الهذيان لدى المرضى المعرضين للخطر.
علاوة على ذلك، تُصنف المستقبلات المسكارينية بحد ذاتها إلى خمسة أنواع فرعية (M1 إلى M5):
- المستقبلات M1: تتركز في القشرة المخية، والحصين (Hippocampus)، والعقد القاعدية، وتلعب الدور الأساسي في معالجة الذاكرة والانتباه.
- المستقبلات M2: تنتشر في القلب وجذع الدماغ، وتعمل كمستقبلات ذاتية تنظم إفراز الأستيل كولين وسرعة نبضات القلب.
- المستقبلات M3: تتواجد أساساً في العضلات الملساء والغدد الإفرازية، ومسؤولة عن إفراز اللعاب وحركة الجهاز الهضمي والحدقة.
- المستقبلات M4: تتوافر بكثافة في المخطط (Striatum)، وتشارك بصورة حيوية في تنظيم إفراز الدوبامين والتوازن الحركي العصبي.
- المستقبلات M5: تنتشر في المادة السوداء والمنطقة السقيفية البطنية، وترتبط بمسارات المكافأة والوظائف الوعائية الدماغية.
غالباً ما تفتقر الأدوية الكلاسيكية إلى الانتقائية العالية لمستقبل دون غيره، مما يؤدي إلى ظهور حزمة واسعة من التأثيرات المتداخلة التي تجمع بين الفوائد السريرية والأضرار غير المرغوبة على وظائف الأعضاء المختلفة.
آلية العمل العصبية الحيوية والتفاعل مع الدوبامين
ترتكز آلية العمل الأساسية لمضادات الكولين في الجهاز العصبي المركزي على تعديل التوازن الحساس بين الناقلين العصبيين الرئيسيين: الدوبامين والأستيل كولين. في النواة المخططية (Corpus Striatum) التابعة للعقد القاعدية، يمارس الدوبامين تأثيراً تثبيطياً على العصبونات البينية الكولينية (Cholinergic Interneurons)، في حين يُحدث الأستيل كولين تأثيراً استثارياً عبر مسارات الحركة غير المباشرة. هذا التوازن المتضاد هو ما يضمن انسيابية الحركات الإرادية وتناسقها التام.
عندما تُعطى الأدوية المضادة للذهان التقليدية (مثل الهالوبيريدول أو الكلوربرومازين)، فإنها تُغلق مستقبلات الدوبامين من النوع D2 بقوة، مما يؤدي إلى رفع فرملة التثبيط المفروضة على العصبونات الكولينية. ينتج عن هذا الإفراط الكوليني النسبي ظهور ما يُعرف بالأعراض خارج الهرمية (Extrapyramidal Symptoms – EPS)، والتي تشمل التخشب العضلي، والرعاش الشبيه بمرض باركنسون، والخلل الحركي الحاد. وهنا يأتي دور مضادات الكولين المركزية لتعطيل المستقبلات المسكارينية وإعادة ضبط كفتي الميزان بين الدوبامين والأستيل كولين، مما يرفع التشنج ويعيد الاسترخاء الحركي للجسد.
لكن هذا التدخل الحركي لا ينفصل عن التأثير القشري؛ ففي مناطق مثل قشرة الفص الجبهي والحصين، يتسبب غلق المستقبلات الكولينية في تعطيل انتقال الإشارات التشابكية اللازمة للتكيف اللدائني طويل الأمد (Long-Term Potentiation – LTP). هذا التعطيل يؤثر سلباً على قدرة الخلايا العصبية على تسجيل الذكريات الجديدة ومعالجة المدخلات الحسية، مما يفسر التراجع الملحوظ في الأداء التنفيذي لدى الأفراد الخاضعين لهذه العلاجات لفترات زمنية ممتدة.
الاستخدامات السريرية في الممارسة النفسية
تحتل مضادات الكولين مكانة استراتيجية في إدارة الآثار السلبية الناجمة عن مضادات الذهان. يُعد علاج خلل التوتر الحاد (Acute Dystonia) أحد أبرز الاستخدامات الطارئة؛ إذ يعاني المريض في هذه الحالة من تقلصات عضلية مؤلمة ومفاجئة تصيب عضلات الرقبة (الصرع العنقي)، وعضلات العين (نوبة تدوير العينين)، أو تشنج عضلات البلعوم واللسان. يُعد الحقن الوريدي أو العضلي لمضادات الكولين، مثل الميسيلات بنزتروبين، علاجاً سريع الفعالية ومنقذاً للحياة في هذه السيناريوهات الحرجة.
كما تُستخدم هذه الفئة على نطاق واسع في معالجة المتلازمة الباركنسونية المحتثة بالأدوية (Pseudoparkinsonism)، والتي تتظاهر على هيئة بطء في الحركة (Bradykinesia)، وتصلب شبيه بالأنبوب الرصاصي، ورعاش أثناء الراحة، وغياب تعابير الوجه العاطفية (Masked Facies). تسهم الجرعات الفموية المنتظمة من مضادات الكولين في تخفيف هذه الأعراض الحركية المعيقة، مما يعزز امتثال المريض للخطة العلاجية النفسية الشاملة ويقلل من وصمة المرض الجسدية الظاهرة.
من جهة أخرى، يمتد استخدام مضادات الكولين ليشمل متلازمة تململ الساقين أو التململ الحركي الحاد (Akathisia)، على الرغم من أن الأدلة العلمية تدعم استخدام حاصرات بيتا (مثل البروبرانولول) أو البنزوديازيبينات كخط أول لعلاجها. ومع ذلك، قد تُضاف مضادات الكولين في الحالات المعقدة التي تتداخل فيها أعراض التململ مع الرعاش والتصلب، بشرط مراقبة استجابة المريض الحركية والنفسية بصورة دورية ومستمرة لتفادي الاستخدام غير المبرر.
في السنوات الأخيرة، برز اهتمام بحثي متجدد بخصائص بعض مضادات الكولين، ولا سيما السكوبولامين، في علاج الاضطرابات المزاجية. أظهرت دراسات سريرية مكثفة أن التسريب الوريدي للسكوبولامين بجرعات محسوبة يمارس تأثيراً مضاداً للاكتئاب واليأس يتميز بالسرعة الفائقة، متجاوزاً بذلك بطء الاستجابة المعتاد في مضادات الاكتئاب التقليدية. يُعزى هذا التأثير إلى قدرة السكوبولامين على إحداث تحفيز سريع للمسارات الجلوتاماتية وإفراز عوامل التغذية العصبية المستمدة من الدماغ (BDNF)، مما يفتح آفاقاً جديدة في تطوير علاجات الجيل القادم للاكتئاب المقاوم للعلاج.
العبء الكوليني والتدهور المعرفي
على الرغم من الفوائد الحركية المثبتة، تبرز معضلة كبرى في الطب النفسي تُعرف بمفهوم العبء الكوليني الكلي (Anticholinergic Burden – ACB). يشير هذا المصطلح إلى الأثر التراكمي الناجم عن استخدام أدوية متعددة تمتلك جميعها خصائص مضادة للكولين، حتى لو لم تكن مصنفة رسمياً ضمن هذه الفئة، مثل مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات (كالكلوميبرامين والأميتريبتيلين)، وبعض مضادات الذهان غير التقليدية (كالأولانزابين والكلوزابين)، ومضادات الهيستامين، وأدوية السلس البولي.
يتجلى العبء الكوليني في الجهاز العصبي المركزي عبر تدهور تدريجي في القدرات العقلية والوظائف التنفيذية. يعاني المرضى المعرضون لمستويات مرتفعة من هذا العبء من بطء في سرعة المعالجة الذهنية، وصعوبة في الاحتفاظ بالمعلومات في الذاكرة قصيرة المدى، وضعف في القدرة على حل المشكلات والتنقل بين المهام الإدراكية المختلفة. وقد أثبتت الدراسات الطولية أن هذا التدهور لا يقتصر على التأثير اللحظي للعقار، بل قد يترك آثاراً سلبية دائمة على اللدونة العصبية، لا سيما عند استمرار العلاج لشهور أو سنوات دون تقييم دقيق.
علاوة على ذلك، ربطت أبحاث الوبائيات العصبية الحديثة بين الاستخدام التراكمي طويل الأمد لمضادات الكولين وارتفاع معدلات الإصابة بـالخرف، وخاصة مرض الزهايمر. يُعتقد أن التثبيط المزمن للمسارات الكولينية يسرع من ترسب بروتينات الأميلويد والتاو غير الطبيعية، أو يحد من قدرة الدماغ الاحتياطية (Cognitive Reserve) على مقاومة العمليات التنكسية، مما يفرض على الأطباء النفسيين واختصاصيي الأعصاب توخي أقصى درجات الحذر عند وصف هذه المركبات لكبار السن.
التسمم المضاد للكولين والذهان المحتث دوائياً
يُمثل التسمم الحاد بمضادات الكولين (Anticholinergic Toxicity) حالة طبية ونفسية إسعافية تتطلب تدخلاً عاجلاً وفهماً تفريقياً دقيقاً. تنتج هذه المتلازمة إما عن تناول جرعات زائدة بقصد إيذاء النفس، أو نتيجة التراكم الدوائي التدريجي لدى المرضى الذين يعانون من قصور في وظائف الكبد أو الكلى. تشمل الأعراض الطرفية الكلاسيكية للتسمم جفاف الأغشية المخاطية الشديد، واحمرار الجلد وسخونته نتيجة توقف إفراز العرق، وتوسع حدقة العين المستمر مع ضبابية الرؤية، واحتباس البول، وتسرع ضربات القلب الحاد.
أما على الصعيد المركزي، فتتجلى متلازمة التسمم بما يُعرف بـالهذيان الكوليني (Cholinergic Delirium)، وهو اضطراب حاد في الوعي والانتباه مصحوب بتقلبات مزاجية وسلوكية عنيفة. يظهر المريض غالباً في حالة من الارتباك الشديد والاضطراب الحركي والتمتمة غير المفهومة، مع حركات التقاط عشوائية باليدين للأشياء غير الموجودة (Carphologia)، مما يعكس وجود هلوسات بصرية ولمسية حية ومرعبة.
تمثل هذه الظاهرة معضلة تشخيصية خطيرة في الأقسام النفسية؛ حيث قد يُساء تفسير الهذيان الناتج عن مضادات الكولين على أنه تدهور في الحالة الذهانية الأصلية للمريض (مثل انفصام الشخصية)، مما يدفع الطبيب غير المتنبه إلى رفع جرعة مضادات الذهان، وهو ما يفاقم المشكلة الكولينية ويقود المريض إلى حلقة مفرغة قد تنتهي بالوفاة بسبب الانهيار القلبي الوعائي أو فرط الحرارة الخبيث. يرتكز علاج التسمم الحاد على إيقاف جميع الأدوية المسببة فوراً، وتقديم الرعاية الداعمة، واستخدام عقار الفيزوستيغمين (Physostigmine) – وهو مثبط قابل للعكس لإنزيم الأسيتيل كولين إستراز – في الحالات الشديدة لتمكينه من عبور الحاجز الدموي الدماغي واستعادة التوازن العصبي المفقود.
إساءة الاستخدام والاعتماد النفسي على مضادات الكولين
على الرغم من الصورة التقليدية لمضادات الكولين كأدوية غير إدمانية بالمفهوم الصارم، إلا أن الممارسة السريرية تؤكد وجود ظاهرة واسعة النطاق تتمثل في إساءة استخدامها (Abuse) والاعتماد النفسي عليها، ولا سيما عقار التريhexيفينيديل (المعروف تجارياً بـ الأرتين – Artane) والبيبيريدين (Akineton). يعمد بعض المرضى النفسيين، وبخاصة المصابون بالفصام أو اضطرابات الشخصية، إلى تناول جرعات تفوق الحدود العلاجية بحثاً عن تأثيرات نفسية خاصة تشمل النشوة الخفيفة (Euphoria)، والتسامي المزاجي، وتقليل المشاعر السلبية المرتبطة بتبلد العاطفة الذهاني.
تُعزى هذه الظاهرة بيولوجياً إلى قدرة مضادات الكولين المركزية على إحداث زيادة غير مباشرة في إطلاق الدوبامين في نواة الأكمبنس (Nucleus Accumbens)، وهي المركز الأساسي لمنظومة المكافأة والتعزيز في الدماغ البشري. يؤدي هذا التنشيط الدوباميني غير المباشر، المترافق مع حالة الانفصال الخفيف عن الواقع، إلى تعزيز سلوك البحث القهري عن الدواء، وظهور علامات التحمل (Tolerance) التي تدفع المريض لزيادة الجرعة تدريجياً لتحقيق ذات الأثر النفسي.
يواجه المريض عند محاولة التوقف الفجائي عن تناول هذه المركبات ما يُعرف بـمتلازمة الارتداد الكوليني (Cholinergic Rebound Syndrome). تتسم هذه الحالة بفرط نشاط الجهاز العصبي اللاودي، وتتضمن أعراضاً جسدية ونفسية حادة مثل الغثيان، والقيء الشديد، والإسهال، والتعرق الغزير، والأرق الحاد، ونوبات القلق والهلع، وتدهور عابر في الأعراض الحركية. لتجنب هذه الانتكاسة المعقدة، يتوجب على المعالجين النفسيين تطبيق استراتيجيات السحب التدريجي البطيء للعقار مع تقديم الدعم السلوكي والمعرفي للمريض.
الاعتبارات السريرية في طب النفس الشيخوخي
يمثل كبار السن الفئة الأكثر هشاشة وتأثراً بالأدوية ذات الخصائص المضادة للكولين، نتيجة للتغيرات الفسيولوجية الطبيعية المرتبطة بالتقدم في العمر. تشمل هذه التغيرات انخفاض الاحتياطي العصبي الكوليني في الدماغ، وتراجع كفاءة الحاجز الدموي الدماغي، وبطء استقلاب الأدوية وإطراحها عبر الكبد والكلى. بناءً على ذلك، أدرجت الجمعية الأمريكية لطب الشيخوخة معظم مضادات الكولين ضمن معايير بيرز (Beers Criteria) للأدوية التي يُحتمل أن تكون غير ملائمة للمسنين، مشددة على ضرورة تجنبها ما لم تكن هناك ضرورة سريرية قصوى لا تتوفر لها بدائل أكثر أماناً.
عند كبار السن، قد تثير الجرعات الضئيلة من مضادات الكولين اضطرابات سلوكية وإدراكية حادة، مثل تفاقم نوبات الارتباك الليلي (Sundowning)، وزيادة خطر السقوط والكسور الناتجة عن انخفاض ضغط الدم الانتصابي وضعف التوافق العضلي البصري. علاوة على ذلك، فإن الآثار الطرفية مثل احتباس البول قد تؤدي إلى مضاعفات بولية وخيمة، كالإنتانات البولية الحادة والقصور الكلوي، فضلاً عن تفاقم مشكلات الإمساك المزمن وانسداد الأمعاء الوظيفي.
تتعقد المسألة العلاجية بشكل خاص عند مرضى الخرف المصحوبين بأعراض ذهانية أو اضطرابات سلوكية؛ إذ إن إعطاء مضادات الكولين لعلاج الآثار الحركية لمضادات الذهان في هذه الحالات يُلغي التأثير العلاجي لأدوية الخرف الأساسية، مثل مثبطات الكولين إستراز (دونيبيزيل، ريفاستيجمين، وجالانتامين)، مما يؤدي إلى تدهور معرفي متسارع ودخول المريض في دوامة علاجية متناقضة تضر بصحته العامة ونوعية حياته.
الإرشادات العلاجية والبدائل الدوائية الحديثة
في ضوء المخاطر المتزايدة المرتبطة بمضادات الكولين، شهدت الممارسات السريرية الحديثة تحولاً جذرياً نحو تقنين استخدامها والبحث عن بدائل علاجية آمنة. تنص الإرشادات النفسية المعاصرة على عدم استخدام مضادات الكولين كإجراء وقائي روتيني عند بدء العلاج بمضادات الذهان، بل يجب قصر استخدامها على الحالات التي تظهر فيها الأعراض خارج الهرمية بوضوح، مع إعادة تقييم الحاجة للاستمرار في العلاج كل ثلاثة إلى ستة أشهر لمحاولة سحبها تدريجياً.
تتضمن استراتيجيات إدارة الأعراض الحركية المعاصرة ما يلي:
- تعديل جرعة مضاد الذهان: خفض جرعة الدواء المسبب للأعراض إلى أدنى حد علاجي فعال لتقليل إغلاق مستقبلات D2.
- التبديل إلى مضادات الذهان غير التقليدية (Atypical Antipsychotics): اختيار أدوية ذات قابلية أقل لإحداث الأعراض خارج الهرمية، مثل الكويتيابين، أو الأريبيبرازول، أو اللوراسيدون.
- استخدام بدائل غير كولينية: الاعتماد على أدوية مثل الأمانتادين (Amantadine)، وهو مركب يعزز النشاط الدوباميني ويعدل مستقبلات NMDA الجلوتاماتية دون إحداث عبء كوليني مركزي، مما يجعله بديلاً ممتازاً للتحكم في الأعراض الباركنسونية لدى الفئات الحساسة.
- حاصرات بيتا والبنزوديازيبينات: استخدام البروبرانولول كخيار مفضل لعلاج التململ الحركي، واستخدام الجرعات المنخفضة من اللورازيبام للتعامل مع التوترات العضلية المؤقتة.
تتكامل هذه الاستراتيجيات مع التقييم الدوري لمؤشرات العبء الكوليني باستخدام المقاييس السريرية المعتمدة (مثل مقياس ACB ومقياس ARS)، بهدف الحفاظ على الصحة الإدراكية والعصبية العامة للمريض وضمان جودة حياة مستدامة توازن بين الاستقرار النفسي والكفاءة المعرفية.
خاتمة
تمثل أدوية مضادات الكولين سيفاً ذا حدين في الترسانة الدوائية للطب النفسي والعلوم العصبية السلوكية؛ ففي الوقت الذي توفر فيه راحة حركية فورية وتنقذ المرضى من الآلام الناتجة عن الخلل الحركي الحاد، فإنها تفرض في المقابل ضريبة معرفية وفسيولوجية باهظة تمتد من تشوش الانتباه البسيط إلى مخاطر الهذيان التسممي والخرف الدائم. إن الممارسة الطبية الحديثة تتطلب من الطبيب النفسي نهجاً نقدياً متزناً يعتمد على التقييم المستمر للفوائد والمخاطر، وتجنب الوصفات التراكمية، وتبني البدائل العلاجية الأقل ضرراً بالوظائف العصبية والمعرفية للمرضى.
المراجع
- American Psychiatric Association. (2020). The American Psychiatric Association Practice Guideline for the Treatment of Patients With Schizophrenia (3rd ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890424841
- Beers, M. H., & American Geriatrics Society. (2019). American Geriatrics Society 2019 updated AGS Beers Criteria® for potentially inappropriate medication use in older adults. Journal of the American Geriatrics Society, 67(4), 674–694. https://doi.org/10.1111/jgs.15767
- Coupland, C. A., Hill, T., Dening, T., Morriss, R., Moore, M., & Hippisley-Cox, J. (2019). Anticholinergic drug exposure and the risk of dementia: A nested case-control study. JAMA Internal Medicine, 179(8), 1084–1093. https://doi.org/10.1001/jamainternmed.2019.1067
- Dolder, C. R., & Jeste, D. V. (2003). Anticholinergic side effects and cognitive impairment in schizophrenia. Schizophrenia Bulletin, 29(4), 849–863. https://doi.org/10.1093/oxfordjournals.schbul.a007050
- Gray, S. L., Anderson, M. L., Dublin, S., Hanlon, J. T., Hubbard, R., Walker, R., Yu, O., Crane, P. K., & Larson, E. B. (2015). Cumulative use of strong anticholinergics and incident dementia: A prospective cohort study. JAMA Internal Medicine, 175(3), 401–407. https://doi.org/10.1001/jamainternmed.2014.7740
- Sadock, B. J., Sadock, V. A., & Ruiz, P. (2017). Kaplan and Sadock’s Comprehensive Textbook of Psychiatry (10th ed.). Wolters Kluwer.
- Stahl, S. M. (2021). Stahl’s Essential Psychopharmacology: Neuroscientific Basis and Practical Applications (5th ed.). Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/9781108975292