يمثل مفهوم الدفاع الإيجابي (Affirmative Defense) أحد أهم محاور الالتقاء الجوهرية والحرجة بين المنظومة القضائية والعلوم السلوكية والطب النفسي الشرعي؛ إذ إنه يشير إلى استراتيجية دفاعية يقر فيها المتهم بارتكاب السلوك المادي المكون للجريمة، لكنه يطرح وقائع وأدلة جديدة ومستقلة — ترتبط غالباً باعتلالات نفسية، أو عقلية، أو فسيولوجية عصبية — تفضي إلى نفي مسؤوليته الجنائية كلياً أو تخفيف وطأتها القانونية. وتستند هذه الآلية إلى حقيقة أن العدالة الجنائية لا تعاقب على الفعل المادي المجرد، بل تشترط تزامنه مع إرادة حرة ووعي وإدراك مدرك للشرعية والمآلات الأخلاقية والقانونية. ونتيجة لذلك، ينهض علم النفس الشرعي بدور حاسم في تفكيك بنية هذا الدفاع، عبر تقييم الحالة العقلية للمتهم لحظة ارتكاب الجرم وتقصي مدى توافر القصد الجنائي المطلوب للمساءلة القانونية.
المفهوم النظري والتأصيل القانوني-النفسي للدفاع الإيجابي
في البنية الكلاسيكية للقانون الجنائي، يتطلب تجريم أي سلوك اكتمال ركنين أساسيين: الركن المادي للجريمة (Actus Reus)، والذي يمثل النشاط الإجرامي الخارجي المحظور، والركن المعنوي أو القصد الجنائي (Mens Rea)، المتمثل في النية الآثمة، والوعي، والإرادة الحرة لتنفيذ هذا السلوك. في الدفوع الجنائية التقليدية، يسعى الدفاع إلى إثارة الشك المعقول حول ارتكاب المتهم للفعل أصلاً، مثل تقديم حجة الغياب أو نفي التورط. في المقابل، يعمل الدفاع الإيجابي بطريقة مختلفة تماماً؛ إذ إنه يسلّم ضمناً بوقوع الركن المادي، لكنه يزعم أن هناك ظرفاً مانعاً للمسؤولية أو مبرراً للسلوك يسلب الفعل صفته الآثمة أو يجرد المتهم من الأهلية الجنائية اللازمة لإدانته.
من الناحية النفسية السلوكية، يتصل هذا الدفاع مباشرة بنظريات الإرادة الحرة، والحتمية البيولوجية، والنضج الإدراكي، والاضطرابات النفسية الحادة. فالافتراض القضائي الأساسي ينطلق من أن الإنسان العادي راشد، ومتمتع بالقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وقادر على توجيه سلوكه وفقاً لهذا التمييز. إلا أن الاضطرابات النفسية والعصبية الجسيمة قد تحدث اختلالات كبرى في كيمياء الدماغ، أو تؤدي إلى وساوس قهرية، أو هلاوس سمعية وبصرية، أو نوبات انفصام تجعل الفرد فاقداً للإدراك العقلي أو غير قادر على كبح جماح دوافعه القهرية. هنا تتدخل العلوم النفسية لتزود المحكمة بأطر علمية لتحديد ما إذا كان المتهم يعاني من تشوه إدراكي حقيقي ينزع عنه الركن المعنوي.
ومن الخصائص الإجرائية الحاسمة للدفاع الإيجابي مسألة انتقال عبء الإثبات (Burden of Proof). في حين أن الادعاء العام يتحمل عادةً عبء إثبات جميع أركان الجريمة بما لا يدع مجالاً للشك المعقول، فإن إثارة دفاع إيجابي تلقي بعبء الإثبات — أو عبء تقديم الأدلة الأولية على الأقل — على عاتق المتهم وفريقه الدفاعي. ويتعين على الخبراء النفسيين تقديم تقييمات إكلينيكية متماسكة وموثوقة تثبت توافر الشروط التشخيصية والقانونية الدقيقة للدفاع المطروح وفق معايير قانونية صارمة تعتمد غالباً على «رجحان الأدلة» أو «الدليل الواضح والمقنع».
التطور التاريخي للدفاعات النفسية الإيجابية
يرجع التاريخ القضائي للدفاعات الإيجابية النفسية إلى قرون مضت، حيث كانت المجتمعات البدائية والقديمة تميز أحياناً وبصورة بدائية بين الشخص العاقل والمجنون في العقاب. غير أن التأسيس المنهجي الحديث للدفوع النفسية بدأ في إنجلترا عام 1843 مع المحاكمة الشهيرة لدانيال ماكنوتن (Daniel M’Naghten)، الذي حاول اغتيال رئيس الوزراء البريطاني روبرت بيل نتيجة لأوهام ارتيابية هذيانية، فقتل سكرتيره بالخطأ. وقد برأته المحكمة لثبوت جنونه، مما أدى إلى صدمة سياسية وقضائية نتج عنها صياغة ما يعرف تاريخياً بـ قواعد ماكنوتن (M’Naghten Rules)، والتي شكلت النموذج الإدراكي المعرفي الأساسي للدفاع الإيجابي بالجنون لأكثر من قرن.
ركزت قواعد ماكنوتن حصراً على الجانب المعرفي؛ حيث اشترطت لتبرئة المتهم إثبات أنه لحظة ارتكاب الفعل، وتحت تأثير مرض عقلي، لم يكن يفهم طبيعة الفعل ونوعيته، أو إذا كان يفهم ذلك، لم يكن يدرك أن ما يفعله كان خاطئاً. ومع تطور علم النفس الحديث وعلم وظائف الأعضاء، بدأ علماء النفس والقانونيون يدركون أوجه القصور في هذا الاختبار الصارم؛ إذ إن هناك حالات مرضية يعلم فيها المريض تماماً أن سلوكه خاطئ قانونياً وأخلاقياً، لكنه يكون عاجزاً عن السيطرة على سلوكه نتيجة قوى قهرية دافعة، مما قاد المحاكم الأمريكية لاحقاً إلى ابتكار اختبار «الدافع الذي لا يقاوم» (Irresistible Impulse Test).
شهد القرن العشرون ثورات تشريعية متعددة استجابت للتطورات في الطب النفسي، ومن أبرزها قاعدة دورهام (Durham Rule) لعام 1954 في الولايات المتحدة، والتي نصت على أن المتهم لا يعد مسؤولاً جنائياً إذا كان تصرفه غير القانوني مجرد «نتاج لمرض عقلي أو عيب دماغي». غير أن هذه القاعدة واجهت انتقادات حادة لأنها منحت الخبراء النفسيين سلطة تقديرية واسعة كادت تحل محل هيئة المحلفين. لاحقاً، صاغ معهد القانون الأمريكي (ALI) في «قانون العقوبات النموذجي» معياراً توافقياً يدمج البعدين المعرفي والإرادي، مشترطاً افتقار المتهم للقدرة الجوهرية على تقدير عدم مشروعية سلوكه أو توجيه سلوكه ليتوافق مع متطلبات القانون.
وفي عام 1981، عقب محاكمة جون هينكلي جونيور لمحاولته اغتيال الرئيس الأمريكي رونالد ريغان وتبرئته على أساس الجنون، أصيب الرأي العام والقضائي بصدمة بالغة أفضت إلى إصدار قانون إصلاح الدفاع بالجنون لعام 1984 (Insanity Defense Reform Act). وقد أعاد هذا التشريع تضييق الخناق على الدفوع النفسية بحذف المعيار الإرادي، وقصر الدفاع على فقدان القدرة المعرفية على الإدراك الشديد، ونقل عبء الإثبات كلياً على عاتق الدفاع، مشكلاً العصر الحديث للتقييم النفسي الجنائي المنضبط والصارم إجرائياً وعلمياً.
الأنماط الرئيسية للدفاع الإيجابي في الطب النفسي الشرعي
1. الدفع بالجنون وانعدام الأهلية الجنائية (The Insanity Defense)
يعد الدفع بالجنون الصورة الأكثر شهرة ونضجاً بين الدفاعات الإيجابية ذات الطبيعة النفسية. من المهم التمييز تأصيلياً بين مصطلح «المرض النفسي» (Mental Illness) بوصفه توصيفاً طبياً إكلينيكياً يستند إلى أدلة التشخيص كالدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، ومصطلح «الجنون» (Insanity) بوصفه توصيفاً قانونياً بحتاً. ليس كل اضطراب نفسي يرقى لمستوى الجنون القانوني المعفي من العقاب؛ بل يجب أن يصل المرض النفسي أو العقلي إلى درجة من الجسامة تعطل وظائف الوعي والتمييز بشكل جذري ومباشر أثناء ارتكاب السلوك الإجرامي.
تتمحور هذه الاستراتيجية حول إثبات وجود صلة سببية وثيقة بين الاضطراب العقلي الشديد — كالفصام البارانويدي الحاد، أو نوبات الهوس المصحوبة بأعراض ذهانية، أو الاضطرابات الوجدانية ثنائية القطب ذات الطابع الانفصالي — وبين ارتكاب الجريمة. عند قبول المحكمة لهذا الدفاع الإيجابي، فإن الحكم لا يكون البراءة المطلقة والإطلاق الفوري لسراح المتهم، بل صدور حكم «غير مذنب بسبب الجنون» (NGRI)، يتبعه إيداع إجباري غير محدد المدة في مصحة نفسية جنائية مغلقة يخضع فيها الشخص للعلاج حتى تزول خطورته على نفسه وعلى المجتمع.
2. نقص الأهلية والمسؤولية الجنائية المخففة (Diminished Capacity)
على خلاف الدفع بالجنون الذي يسعى إلى الإعفاء الشامل من المسؤولية الجنائية، يعد دفاع نقص الأهلية أو المسؤولية المخففة دفاعاً إيجابياً جزئياً. بموجب هذا الدفاع، لا يطالب المتهم بنيل البراءة التامة، بل بتقديم أدلة طبية ونفسية تثبت أن قدراته العقلية وقت الحادث كانت ضعيفة ومحدودة لدرجة تجعله عاجزاً عن تشكيل النية المحددة أو القصد الجنائي الخاص الضروري لإدانته بالجريمة الأشد، مثل تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.
يقوم علماء النفس الشرعيون في هذه الحالات بتقييم العوامل التي حدت من وعي الفرد، مثل الإعاقات الإدراكية الخفيفة، أو الرضوض الدماغية الخفيفة إلى المتوسطة، أو الاضطرابات النفسية التي لا تصل إلى مرحلة الذهان الكامل ولكنها تؤثر بصورة جوهرية على التحكم التنفيذي للدماغ والتخطيط المعرفي. نجاح هذا الدفاع يترتب عليه عادة تعديل وصف التهمة الجنائية إلى درجة أدنى — مثل تخفيض تهمة القتل العمد إلى القتل غير العمد أو القتل الخطأ — مما يترتب عليه خفض العقوبة السجنية بصورة ملموسة.
3. السلوك اللاإرادي العصبي والنفسي أو الأوتوماتيزم (Automatism)
يمثل الأوتوماتيزم أحد أدق الدفاعات الإيجابية التي تتقاطع فيها دراسات طب الأعصاب السلوكي وعلم النفس العصبي. يُعرّف الأوتوماتيزم بأنه حالة من أداء أفعال وسلوكيات جسدية معقدة دون أي توجيه واعٍ من الإرادة الحرة، حيث ينفصل الجسد وظيفياً عن السيطرة الإدراكية العليا للدماغ. وفي مثل هذه السياقات، لا ينتفي فقط القصد الجنائي (Mens Rea)، بل يمتد الطعن أيضاً لينفي صفة الطواعية عن الركن المادي ذاته (Actus Reus).
يقسم الطب النفسي العصبي الأوتوماتيزم إلى نوعين رئيسيين: الأوتوماتيزم غير المجنون (Non-insane Automatism)، والناجم عن عوامل خارجية مستقلة كإصابات الرأس الحادة، أو انخفاض سكر الدم الحاد المسبب للصدمة، أو نوبات التسمم الدوائي غير الإرادي، أو نوبات باراسومنيا المتمثلة في اضطراب السير أثناء النوم (Sleepwalking) وعنف النوم؛ والأوتوماتيزم المتصل بمرض باطني (Insane Automatism)، كالصرع النفسي الحركي واعتلالات الفص الصدغي. ويكون دور الخبير النفسي والعصبي هنا فاصلاً في إثبات انعدام الاستجابة الإدراكية والوعي التام خلال وقوع الحادث عبر فحوص التخطيط الدماغي والتقييم النفسي الميداني.
4. متلازمة الشخص المعنف والدفاع النفسي عن النفس (Battered Syndrome)
تعد متلازمة الشخص المعنف (وبالأخص متلازمة المرأة المعنفة – Battered Woman Syndrome) تطوراً نوعياً في مجال الدفاعات الإيجابية النفسية التي ترتكز على الصدمة التراكمية. يُستخدم هذا الدفاع غالباً لتأسيس مبرر قانوني للدفاع الشرعي عن النفس في الحالات التي تقدم فيها الضحية الخاضعة لتعنيف منزلي مستمر ومزمن على قتل المعنِّف في أوقات قد لا تشهد هجوماً مادياً وشيكاً وفق التعريف القانوني التقليدي (كالقتل أثناء نوم المعنِّف أو استرخائه).
يستند هذا الدفاع إلى تشخيصات نفسية عميقة تشمل «العجز المتعلم» (Learned Helplessness) واضطراب ما بعد الصدمة المفرط (PTSD)، حيث ينهار إحساس الضحية بأي أفق للنجاة القانونية أو الإفلات الواقعي من بطش المعنِّف. ويوضح الخبير النفسي الشرعي لهيئة المحكمة أن المتهمة تعيش حالة رعب وهلع ترقبي مزمن يجعلها تشعر باقتراب خطر الموت الحتمي بصورة تتجاوز المنظور الإدراكي للشخص السليم، مما يدخل السلوك ضمن إطار رد الفعل الوقائي الضروري وفق إدراكها المشوه تحت وطأة التعذيب النفسي والجسدي المزمن.
5. الإكراه الشديد والاضطرابات التفارقية الحادة (Duress & Dissociation)
ينص الدفع بالإكراه النفسي كدفاع إيجابي على أن الشخص أقدم على السلوك الإجرامي نتيجة لتهديد حقيقي وشيك بالموت أو الأذى الجسدي الجسيم، مما يسلب إرادته الاختيارية. على الصعيد النفسي الشرعي، يتصل هذا الدفاع غالباً بالحالات التي يعاني فيها الشخص من استلاب تام للإرادة أو وقوعه تحت وطأة آليات التفكك والافتراق النفسي (Dissociation)، حيث تنفصل العمليات الإدراكية، والهوية، والذاكرة عن مسرح الأحداث المباشر هرباً من صدمة قاهرة.
تتضمن هذه الحالات فحص مدى قابلية الفرد للإيحاء المفرط، والانقياد المرضي، واختبار الشخصية بحثاً عن مؤشرات اضطراب الشخصية التابعة، ومدى استجابة الجهاز العصبي للمحفزات القمعية الخارجية. يوضح الخبير النفسي للمحكمة الكيفية التي أدت بها تلك الضغوط الشديدة إلى انهيار الوظائف التكيفية للشخصية، مما دفعه لارتكاب الفعل تحت وطأة عجز نفسي كامل عن المقاومة أو الرفض.
منهجية التقييم النفسي الشرعي في الدفوع الإيجابية
تتطلب الدفوع الإيجابية تقييماً نفسياً جنائياً فائق الدقة، يختلف جوهرياً عن التقييم الإكلينيكي العلاجي التقليدي؛ فالهدف الأساسي ليس تخفيف معاناة المريض أو تقديم خطة علاجية، بل تقصي الحالة العقلية الاسترجاعية (Retrospective Assessment) بدقة تشريحية لمعرفة وضع المتهم في لحظة تاريخية محددة في الماضي انقضت بمجرد وقوع الفعل الجرمي.
تبدأ المنهجية بمراجعة موسعة لكافة الوثائق القانونية وسجلات الضبط الجنائي، ومحاضر الاستجواب الفوري عقب الجريمة، والتقارير الطبية السابقة، وسجلات الصحة النفسية التاريخية للمتهم. ويعمل الأخصائي النفسي الشرعي على إجراء مقابلات إكلينيكية متعمقة مع المتهم ومقابلة أسرته وشهود العيان لتقاطع البيانات وتأكيد استمرارية الأعراض وعدم نشوئها المفاجئ كمحاولة للتهرب القضائي والمسؤولية الجنائية.
كما يعتمد الخبير على بطارية متكاملة من الاختبارات النفسية العصبية والمعرفية لتقييم الذكاء، والتفكير التجريدي، واختبارات الشخصية الموضوعية الشاملة مثل مقياس منيسوتا المتعدد الأوجه للشخصية الإصدار الثالث (MMPI-3). فضلاً عن ذلك، تُجرى فحوص متقدمة للكشف عن التمارض والتصنع المرضي (Malingering) باستخدام أدوات متخصصة كاستبيان تقييم الأعراض المبلغ عنها ذاتياً (SIRS-2) واختبار كفاءة الذاكرة لتزييف الأعراض (TOMM)، لاستبعاد أي ادعاء كاذب للاعتلالات النفسية يهدف لتضليل العدالة.
التحديات الإجرائية والمعايير الأخلاقية لشهادة الخبير النفسي
تواجه الدفاعات الإيجابية القائمة على أسباب نفسية مجموعة شائكة من التحديات الإجرائية والأخلاقية المعقدة في المحاكم الحديثة. يقع التحدي الأكبر على عاتق الخبير النفسي الذي يتعين عليه الحفاظ على استقلالية علمية مطلقة ورفض الانزلاق نحو دور «محامي الدفاع المقنع»؛ فالخبير الشرعي مدين بالولاء للحقيقة العلمية وللمحكمة حصراً، ولا يجوز له تطويع التفسيرات الإكلينيكية لخدمة مصالح أحد أطراف الخصومة القضائية تحت وطأة الضغوط المالية أو التعاطف الإنساني.
ومن الإشكاليات القضائية العميقة ما يعرف بقضية «المسألة النهائية» (The Ultimate Issue). ينقسم الفقه القضائي حول ما إذا كان يحق للخبير النفسي أن يصرح مباشرة أمام المحلفين بأن المتهم كان «مجنوناً قانونياً» أو «فاقداً للأهلية تماماً» وقت الفعل، أم أن واجبه يقتصر على تبيان التشخيص الطبي والنفسي والأثر الإدراكي وترك التكييف القانوني النهائي كحق أصيل لهيئة المحكمة وقضاتها. وقد اتجهت التشريعات الحديثة، ولا سيما التعديلات الفيدرالية لقواعد الإثبات، إلى منع الخبراء من الإدلاء بآراء حاسمة حول المسألة النهائية لضمان عدم مصادرة دور المحكمة.
علاوة على ذلك، يبرز التحدي المجتمعي المتمثل في الوصمة والشكوك العامة؛ إذ يسود في كثير من الأوساط الشعبية تصور خاطئ بأن الدفاعات النفسية الإيجابية ليست سوى «ثغرة قانونية ذكية» يلجأ إليها الجناة الأذكياء للإفلات من العقاب العادل. وتكشف الدراسات الإحصائية الجنائية العالمية بطلان هذا الزعم؛ إذ إن الدفع بالجنون مثلاً لا يُثار إلا في أقل من 1% من القضايا الجنائية الكبرى، ولا يلقى القبول الفعلي من المحاكم إلا في نسبة ضئيلة جداً لا تتجاوز ربع تلك القضايا، مما يؤكد أن المنظومة القضائية والنفسية تفرض فلاتر تقييم صارمة للغاية تصعب اختراقها.
مستقبل الدفاعات الإيجابية في عصر البيولوجيا العصبية والذكاء الاصطناعي
يشهد ميدان القانون الجنائي تحولاً نوعياً متسارعاً بفعل التطورات الهائلة في علوم الأعصاب الحديثة وتقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET). يفتح ما بات يُعرف اليوم بفقه «القانون العصبي» (Neuro-law) آفاقاً جديدة وغير مسبوقة للدفاعات الإيجابية، حيث تتجاوز الأدلة النفسية حدود الملاحظات السلوكية والمقابلات التشخيصية لتستند إلى أدلة مادية وبيولوجية مباشرة على وجود خلل بنيوي أو وظيفي في قشرة الفص الجبهي، أو تلف في اللوزة الدماغية المسؤولة عن تنظيم الانفعالات ومشاعر الخوف والعدوانية.
يطرح هذا التطور إشكاليات فلسفية وقانونية عميقة تمس جوهر فكرة «المسؤولية الأخلاقية»؛ فإذا كان بمقدور متهم يعاني من ورم في الدماغ أو طفرة جينية مرتبطة بنواقل عصبية معينة أن يثبت بيولوجياً أن دماغه دفعه لارتكاب السلوك العدواني، فهل يشكل ذلك أساساً قانونياً كافياً لإقامة دفاع إيجابي يرتكز على الحتمية البيولوجية العصبية؟ تتجه الأبحاث المعاصرة نحو مقاربة تكاملية لا تلغي المسؤولية، ولكنها تعيد تشكيل مفاهيم العدالة لتتحول من مجرد إيقاع العقاب الانتقامي إلى برامج التدخل العصبي-العلاجي وإعادة التأهيل السلوكي الهادف لحماية المجتمع ومعالجة الجذور البيولوجية والنفسية للجريمة.
خاتمة
يظل الدفاع الإيجابي في علم النفس الجنائي والمنظومة القانونية تجسيداً ساطعاً لمحاولة القانون ترسيخ العدالة الموضوعية والأخلاقية بدلاً من الاكتفاء بالعدالة الشكلية الميكانيكية. ومن خلال إدراك حقيقة أن الأفعال الإنسانية مدفوعة بتعقيدات هائلة في الوعي، والإدراك، والبيولوجيا العصبية، والأمراض النفسية، يوفر هذا النظام نافذة قانونية لحماية أولئك الذين سُلبت إرادتهم أو تشوهت بصيرتهم تحت وطأة اختلالات عقلية ونفسية قاهرة. إن مستقبل هذا الحقل العلمي والمهني مرهون بالحفاظ على معايير تقييم نفسية جنائية رصينة وموضوعية توازن بحزم بين صيانة حقوق المتهمين ذوي الاضطرابات النفسية من جهة، وصون أمن المجتمع وحماية العدالة الجنائية من التلاعب من جهة أخرى.
المراجع
- American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
- Blackburn, R. (1993). The psychology of criminal conduct: Theory, research and practice. John Wiley & Sons.
- Grisso, T. (2003). Evaluating competencies: Forensic assessments and instruments (2nd ed.). Kluwer Academic/Plenum Publishers.
- Melton, G. B., Petrila, J., Poythress, N. G., Slobogin, C., Otto, R. K., Mossman, D., & Condie, L. O. (2018). Psychological evaluations for the courts: A handbook for mental health professionals and lawyers (4th ed.). Guilford Press.
- Morse, S. J. (2015). Criminal law and common sense: An essay on the perils and promise of neuroscience. Marquette Law Review, 99(1), 39–74.
- Rogers, R., & Bender, S. D. (2018). Clinical assessment of malingering and deception (4th ed.). Guilford Press.
- Slobogin, C. (2006). Minding justice: Laws that deprive people with mental disability of life and liberty. Harvard University Press.