الاضطرابات الإدراكيةطب الأعصاب السلوكيعلم النفس العصبي

عمه تمييز المواد: دراسة في الأسس العصبية النفسية والسريرية

عمه تمييز المواد (Ahylognosia) هو اضطراب عصبي إدراكي يتمثل في العجز عن التعرف على خامات ومواد الأجسام وأنسجتها وأوزانها عن طريق اللمس، مع سلامة الإحساس الأولي. تعرّف على أسبابه، وتشخيصه، وعلاجه.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 26 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 26 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُمثّل عمه تمييز المواد (Ahylognosia) أحد أكثر الاضطرابات العصبية الإدراكية دقة وتخصّصاً في مجال علم النفس العصبي وطب الأعصاب السلوكي. يُعرّف هذا الاضطراب سريرياً بأنه الفقدان النوعي أو العجز المكتسب عن التعرّف على الخصائص الفيزيائية والمادية للأشياء والأسطح — مثل الملمس، والكثافة، والوزن، والناقلية الحرارية — عن طريق اللمس المجرد، على الرغم من سلامة المسارات الحسية الأولية وعدم وجود ضعف بيّن في الحد الأدنى للإحساس السطحي أو العميق. يُسلط هذا الخلل الضوء على الفارق الجوهري بين عملية الإحساس الخام التي تقوم بها المستقبلات الطرفية، وعملية الإدراك المعرفي المعقدة التي تتطلب معالجة تكاملية داخل القشرة المخية الترابطية، مما يجعله نافذة بالغة الأهمية لفهم الكيفية التي يبني بها الدماغ البشري تمثيلاته للمحيط المادي الملموس.

التأصيل المفاهيمي واللغوي للاضطراب

يعود الأصل اللغوي للمصطلح إلى اللغة اليونانية القديمة؛ حيث تتألف الكلمة من سابقة النفي "a-" (بمعنى انعدام أو فقدان)، متبوعة بكلمة "hyle" (التي تعني المادة أو الهيولى الفيزيائية)، واللاحقة "gnosis" (التي تشير إلى المعرفة أو الإدراك الواعي). وبذلك يُشير المصطلح حرفياً إلى "انعدام معرفة المادة". وفي الأدبيات الطبية الكلاسيكية والمعاصرة، يتم تصنيف هذا العارض كشكل جزئي وتخصصي للغاية من أشكال العمه اللمسي (Tactile Agnosia)، إذ يميز الباحثون بدقة بين العجز عن إدراك ماهية مادة الشيء (مثل الخشب مقابل المعدن أو القطن مقابل الحرير) وبين العجز عن إدراك شكله الهندسي الفراغي، وهو ما يُعرف بـ "عمه تمييز الأشكال" (Amorphognosia).

إن التمييز المفاهيمي بين هذه الحالات لم يكن مجرد ترف اصطلاحي، بل تأسس على ملاحظة أن المرضى المصابين بتلف في مناطق معينة من الفص الجداري قد يحتفظون بالقدرة الكاملة على وصف الشكل الخارجي لمجسم ما (مثل القول بأنه مكعب أو كرة) عند لمسه وأعينهم مغلقة، لكنهم يعجزون عجزاً تاماً عن تحديد ما إذا كان هذا المجسم مصنوعاً من الحديد البارد أو الخشب الدافئ أو الإسفنج اللين. هذا الانفصال الوظيفي يؤكد وجود مسارات قشرية مستقلة ومسؤولة عن معالجة المكونات التركيبية للخامات والمواد بشكل منفصل عن معالجة السمات المورفولوجية والهندسية للأشياء.

علاوة على ذلك، يجب الفصل بين عمه تمييز المواد وما يُعرف بـ "اللارمزية اللمسية" (Tactile Asymbolia)؛ ففي الأخيرة يكون المريض قادراً على تمييز المادة وإدراك الشكل، إلا أنه يعجز عن استدعاء الدلالة اللغوية أو المعنى الرمزي للشيء لاستخدامه في السياق السليم، في حين يتوقف الخلل في عمه تمييز المواد عند المستوى الإدراكي الحسي الأدنى المرتبط بالخصائص البنيوية الذاتية للمادة المدركة.

التطور التاريخي في أدبيات علم الأعصاب

تعود الجذور الأولى لملاحظة اضطرابات الإدراك اللمسي المعقد إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولا سيما مع أبحاث أطباء الأعصاب الألمان والفرنسيين مثل كارل فيرنيكه (Carl Wernicke) وهاينريش هيد (Henry Head). كان فيرنيكه من أوائل من اقترحوا نموذجاً ثنائي المرحلة للإدراك اللمسي؛ حيث تفترض المرحلة الأولى تشفير الإحساس اللمسي الأولي (Primary Tactile Sensation)، تليها مرحلة التوليف التكاملي للمدركات في الذاكرة اللمسية لتكوين صورة ذهنية عن المادة والشكل. وقد مهّد هذا الطرح لظهور مفهوم التفكك بين الإحساس والإدراك.

وفي منتصف القرن العشرين، قام عالم الأعصاب الفرنسي جان ديلاي (Jean Delay) بوضع تصنيف منهجي رائد للاضطرابات اللمسية القشرية في عام 1935، حيث قسّم فقدان التعرف اللمسي إلى ثلاثة مستويات سريرية رئيسية: الأول هو عمه تمييز الأشكال (Amorphognosia)، والثاني هو عمه تمييز المواد والخصائص الفيزيائية (Ahylognosia)، والثالث هو فقدان الرمزية اللمسية أو العمه الاستبصاري اللمسي (Tactile Asymbolia). شكّل هذا التقسيم حجر الزاوية في التقييم الإكلينيكي العصبي لعقود متتالية، إذ وفّر إطاراً دقيقاً لتحديد موضع العجز الحسي داخل المنظومة المعرفية للمخ.

مع تطور تقنيات التصوير العصبي الوظيفي والفيزيولوجيا العصبية المتقدمة في الربع الأخير من القرن العشرين، تمت مراجعة فرضيات ديلاي وتأكيد صحتها الفيزيولوجية من خلال دراسات الآفات الدماغية البؤرية، حيث أثبتت الدراسات الحديثة أن استخلاص المعلومات المرتبطة بنعومة السطح، أو التردد الاهتزازي الميكانيكي، أو مقاومة الانضغاط يعتمد على دوائر قشرية فرعية شديدة التخصص تختلف في ديناميكياتها العصبية عن الدوائر المخصصة لتحديد الحواف والزوايا والأبعاد الثلاثية للمجسمات.

الأسس العصبية والتشريحية للاضطراب

يتطلب الإدراك الطبيعي لخصائص المواد تكاملاً وظيفياً وثيقاً بين المستقبلات اللمسية المحيطية والمسارات الصاعدة، وصولاً إلى الشبكات العصبية داخل الفص الجداري. تبدأ الإشارات الميكانيكية والحرارية الدقيقة من جسيمات مايسنر (Meissner’s corpuscles)، وأقراص ميركل (Merkel discs)، وجسيمات باتشيني (Pacinian corpuscles)، وتنتقل عبر الأعصاب المحيطية إلى الحبل الشوكي ومنه عبر المسار الفتيلي الإنسي (Medial Lemniscal Pathway) إلى النواة البطنانية الخلفية الجانبية في المهاد (VPL Thalamus)، لتصل أولاً إلى القشرة الحسية الجسدية الأولية (S-I) الواقعة في التلفيف خلف المركزي (Brodmann areas 3b, 1, 2).

تُظهر الأدلة الإكلينيكية العصبية أن حدوث عمه تمييز المواد يرتبط في المقام الأول بآفات تصيب القشرة الحسية الجسدية الثانوية (S-II) والباحات الترابطية الجدارية، وخاصة الفصيص الجداري السفلي والباحات الواقعة في عمق الشق الجانبي (المسلك الجداري-الغشائي). هذه المناطق تُعد مسؤولة عن التشفير المتقدم للتوزيع الطيفي للاهتزازات الدقيقة الناتجة عن حركة الجلد فوق الأسطح، وتحليل التوصيل الحراري السريع الذي يخبر الدماغ ما إذا كان الجسم موصلاً للحرارة كالمعادن أم عازلاً كالخشب والنسيج.

بالإضافة إلى ذلك، يلعب القشر الجزيري (Insular Cortex) والباحة الحركية الإضافية أدواراً مساندة وحرجة؛ فالقشر الجزيري يشارك في إضفاء القيمة اللمسية الانفعالية والحرارية للمواد، في حين تضمن الدوائر العصبية الرابطة بين الفص الجداري والقشر الحركي تعديل ضغط الأصابع وحركتها بدقة متناهية، وهو السلوك المعروف بـ "إجراءات الاستكشاف اللمسي" (Exploratory Procedures). وبدون هذا التنسيق العصبي الوثيق، يتعذر على القشرة المخية استخلاص المؤشرات الفيزيائية الصغرى التي تُميّز خامة عن أخرى، مما يؤدي إلى ظهور الأعراض السريرية لعمه المواد.

المظاهر السريرية والسمات الإدراكية

تتجلى المظاهر السريرية للمريض المصاب بعمه تمييز المواد في صورة عجز بارز يقتصر عادة على اليد المقابلة لجهة الإصابة الدماغية (Contralateral Hand)، في حالة الآفات الدماغية أحادية الجانب. عند إغلاق عيني المريض ووضع قطع مختلفة من المواد في كفه، فإنه يفشل في التمييز بين الصوف والحرير، أو بين لوح زجاجي مصقول ولوح معدني بارد، أو بين قطعة من الخشب وأخرى من البلاستيك الصلب، على الرغم من تأكيده الشعور بوجود شيء يلامس جلده أو يضغط عليه.

يواجه هؤلاء المرضى أيضاً خللاً حاداً في إدراك "الوزن الذاتي" للمواد، أو ما يُسمى فقدان حس تمييز الثقل (Baragnosis)، حيث يعجزون عن مقارنة كثافة الأجسام المتساوية في الحجم. كما يتعطل لديهم استشعار النعومة والخشونة؛ فلو مُررت أصابعهم على درجات متباينة من أوراق الصنفرة، فإنهم يعجزون عن ترتيبها تصاعدياً من الأكثر خشونة إلى الأكثر نعومة، مما يشير إلى فشل المنظومة القشرية في ترجمة الترددات المكانية اللمسية إلى إدراك شعوري نوعي.

ومن السمات الفريدة لهذا الاضطراب أن الأداء البصري يظل سليماً تماماً؛ فبمجرد أن يُسمح للمريض بفتح عينيه والنظر إلى الأداة أو المادة، يتعرف عليها فوراً دون أي تردد وبدقة لغوية تامة. هذا التباين الحاد بين القناة البصرية السليمة والقناة اللمسية المعطوبة هو الذي يثبت الطبيعة النوعية للعمه الحسي الجداري، مستبعداً أي فرضية تتعلق بالتدهور المعرفي العام أو فقدان الذاكرة الدلالية اللغوية للكلمات والمفاهيم.

التشخيص الفارقي في الممارسة النيورولوجية

يمثل التشخيص الفارقي الدقيق حجر الزاوية في توصيف عمه تمييز المواد، نظراً لتشابه بعض أعراضه الظاهرية مع اضطرابات حسية وعصبية أخرى. يتطلب إثبات هذا التشخيص استبعاد ثلاثة مستويات من الاعتلالات العصبية:

  • الاعتلال العصبي الحسي المحيطي وجذع الدماغ: يجب التأكد أولاً من سلامة العتبات الحسية الأولية؛ فإذا كان المريض يعاني من تنميل شديد، أو انعدام في حس اللمس الخفيف (Light Touch)، أو اعتلال في مسار استشعار درجات الحرارة والألم في الأعصاب الطرفية، فإن التشخيص يُوجه نحو اعتلال الأعصاب المحيطية أو آفة نخاعية/جذعية وليس عمه تمييز المواد القشري.
  • عمه تمييز الأشكال (Amorphognosia): يرتكز الفحص هنا على تقديم أجسام هندسية مجردة (مكعبات، أهرامات، كرات، حلقات ملساء مصنوعة من نفس المادة). إذا نجح المريض في تحديد أشكالها وفشل حصراً في تحديد نوع خاماتها، تأكدت الإصابة بعمه تمييز المواد، أما إذا عجز عن إدراك الشكل فإن التشخيص يتجه نحو عمه الأشكال أو عمه الفراغ الحسي.
  • الحبسة التسموية (Anomic Aphasia): قد يعجز بعض المرضى المصابين بحبسة كلامية عن نطق اسم المادة (كأن يعجز عن قول كلمة "قطن")، لكنه يدرك ماهيتها؛ ويتم التمييز عبر تقديم خيارات غير لفظية كأن يُطلب منه الإشارة إلى صورة الشيء المطابق لملمس المادة أو فرز العينات وفقاً لتماثلها الملمسي. إذا نجح في المطابقة غير اللفظية، فالمشكلة لغوية صرفة وليست عمه تمييز المواد.

الأسباب المرضية والفيزيولوجيا المرضية الشائعة

ينشأ عمه تمييز المواد نتيجة لآفات بؤرية محددة تعطل القشرة الجدارية أو المسالك البيضاء تحت القشرية التي تربط بين مراكز المعالجة الحسية المتعددة. وتأتي في مقدمة هذه الأسباب السكتات الدماغية الإقفارية أو النزفية، وخاصة تلك التي تصيب فروع الشريان الدماغي الأوسط (Middle Cerebral Artery) المغذي للباحات الجدارية والصدغية الجدارية، حيث يؤدي انقطاع التروية عن التلفيف خلف المركزي والباحة الحسية الثانوية إلى تلف مباشر في الخلايا العصبية المسؤولة عن فك تشفير السمات اللمسية.

تُعد الرضوض الدماغية الرضحية (Traumatic Brain Injury) سبباً بارزاً آخر، لا سيما في الإصابات النافذة أو الكدمات الجدارية الناتجة عن حوادث الاصطدام. كما يمكن للأورام الدبقية الأولية أو النقائل الدماغية المتمركزة في الفصيص الجداري السفلي أن تُحدث ضغطاً تدريجياً على المسارات الترابطية، مما يسبب ظهور العمه اللمسي بشكل تدريجي قد يُساء تفسيره في مراحله الأولى كنوع من التشتت أو الإهمال الحسي البسيط.

وفي بعض السياقات النادرة، يمكن أن يظهر عمه تمييز المواد كعرض مبكر لمتلازمات التدهور العصبي البؤري، مثل متلازمة الضمور القشري الخلفي (Posterior Cortical Atrophy) أو في المراحل الأولية من التنكس القشري القاعدي (Corticobasal Degeneration)، حيث تبدأ الخلايا العصبية في الفصوص الجدارية بالتنكس التدريجي، مما يتسبب في تفكك شبكات التكامل متعدد الحواس قبل أن تتأثر الوظائف المعرفية التنفيذية والذاكرة الصريحة بصورة شاملة.

بروتوكولات التقييم العصبي النفسي

يقتضي التقييم الدقيق للاضطراب تطبيق بطاريات حسية عصبية مقننة تفصل بين الأبعاد الإدراكية المختلفة تحت شروط حجب الرؤية التام (باستخدام عصبة عينين أو حاجز بصري مائل). يبدأ الفاحص باختبار العتبات الحسية الأساسية، مثل اختبار وخز الإبرة، وحس الاهتزاز باستخدام الشوكة الرنانة (128 هرتز)، واختبار التمييز بين نقطتين (Two-Point Discrimination)، لضمان أن الإشارات الأولية تصل بكفاءة إلى القشرة الدماغية.

عقب ذلك، يتم الشروع في الاختبارات الإدراكية المتخصصة في تمييز المواد:

  • اختبار تمييز الخشونة والنعومة: تُعرض على المريض ألواح مغطاة بمقاييس دقيقة من حبيبات السيليكون أو أوراق الصنفرة المتدرجة كيميائياً، ويُطلب منه تحديد الزوج المطابق، أو ترتيب ثلاث عينات تصاعدياً حسب ملمسها.
  • اختبار التوصيل الحراري والملمس المعدني: تُقدم قضبان أسطوانية متطابقة في القطر والوزن لكنها مصنوعة من خامات مختلفة ذات ناقلية حرارية متباينة (نحاس، ألومنيوم، خشب، سيراميك، تفلون)، ويُقيَّم قدرة المريض على فرز المواد "الباردة" من المواد "الدافئة" استناداً إلى سرعة امتصاصها لحرارة الجلد.
  • اختبار التماسك والمرونة (Compliance): استخدام كرات مصنوعة من الرغوة والبوليمرات ذات درجات صلابة ومرونة مختلفة، وملاحظة قدرة المريض على إدراك الكثافة المادية ومقاومة الضغط باليد المصابة مقارنة باليد السليمة.

يتضمن التقييم الشامل أيضاً تسجيل استراتيجيات الحركة الاستكشافية التي يستخدمها المريض؛ فالمرضى المصابون بهذا العمه غالباً ما يُظهرون حركات مسح لمسية عشوائية أو غير ملائمة لطبيعة السطح، حيث يفقدون التغذية الراجعة الداخلية التي توجه الضغط الخفيف للأصابع للتعرف على الملمس السطحي، أو الضغط العميق للتعرف على الامتثال والصلابة.

الأثر الوظيفي على مهارات الحياة اليومية

على الرغم من أن عمه تمييز المواد قد يبدو اضطراباً معزولاً داخل العيادة التشخيصية، إلا أن آثاره الوظيفية على مهارات الحياة اليومية بالغة الخطورة وتُخلّ بـ التحكم الحركي الدقيق. فالإنسان يعتمد في كل لحظة على التغذية الراجعة اللمسية المادية لضبط مقدار القوة العضلية المطلوبة لإمساك الأشياء؛ فالإمساك بكوب زجاجي رقيق يتطلب ضغطاً وتعاملاً يختلف جوهرياً عن الإمساك بقدح حديدي أو عبوة بلاستيكية خفيفة الوزن.

يعاني المصاب من إسقاط الأشياء المتكرر أو سحق المواد الهشة بين أصابعه، لأنه يعجز عن الإدراك التلقائي لطبيعة المادة التي يتعامل معها، مما يضطره إلى الاعتماد المفرط والمرهق ذهنياً على المراقبة البصرية المباشرة لكل حركة يقوم بها. يمتد هذا التأثير إلى المهام المهنية الدقيقة، والطهي، واستخدام الأدوات الحادة، وارتداء الملابس؛ حيث يتعذر على المصاب التمييز بمجرد اللمس بين ظهر القماش وبطّانته، أو التعامل مع الأزرار والمشابك المعدنية والبلاستيكية دون فحص بصري مستمر.

يؤدي هذا العجز المستمر إلى شعور بالإحباط والإنهاك الإدراكي، وقد يقود المرضى إلى تفادي استخدام اليد المتأثرة بصورة لا واعية، وهي ظاهرة تُعرف سريرياً بـ "الإهمال المكتسب" (Learned Non-Use)، مما يسرّع من تراجع المهارات الحركية الدقيقة ويُقلص استقلالية المريض وجودة حياته العامة.

استراتيجيات التأهيل العصبي المعرفي والتعويضي

يواجه التأهيل العصبي لحالات عمه تمييز المواد تحدياً كبيراً نظراً للطبيعة التخصصية للإصابة، إلا أن برامج التأهيل العصبي الحديثة المستندة إلى مبادئ اللدونة العصبية (Neuroplasticity) حققت نتائج واعدة. يرتكز العلاج على تحفيز إعادة التنظيم القشري من خلال تدريبات إعادة التثقيف الحسي المكثف (Sensory Re-education Programs)؛ حيث يُطلب من المريض لمس المواد مع التوجيه البصري والمقارنة الشفهية، ثم محاولة لمسها مجدداً مع إغلاق العينين لتثبيت التمثيل القشري المتجدد.

تتضمن البروتوعية الحديثة استخدام التحفيز اللمسي المتدرج، وتدريب المريض على تقنيات الاستكشاف النشط للأصابع، بالتركيز على تحفيز الأنماط الاهتزازية والحرارية عبر أجهزة إلكترونية تقدم ردود فعل لمسية اصطناعية (Haptic Feedback Devices). كما يتم دمج التدريب متعدد الحواس (Cross-modal Training)، الذي يربط بين الصوت الصادر عن احتكاك اليد بالمادة وبين الإحساس الموضعي، لتعزيز مسارات بديلة في القشرة الصدغية والجدارية للتعويض عن المنطقة المتضررة.

وعلى الصعيد التعويضي (Compensatory Strategies)، يُدرب المعالجون الوظيفيون المريض على استخدام البصر كقناة حسية بديلة بشكل ممنهج، ووضع علامات بصرية بارزة على الأدوات ذات المواد المختلفة في البيئة المنزلية، واستخدام مقابض مكسوة بمطاط خاص ذي احتكاك ثابت لتقليل الاعتماد على استشعار خصائص المواد في الحفاظ على قبضة محكمة، مما يرفع من مستوى أمان المريض ويحد من خطر الحوادث المنزلية.

خاتمة

يظل عمه تمييز المواد شاهداً إكلينيكياً بالغ العمق على التعقيد الفريد الذي تتسم به البنية المعرفية للمخ البشري، حيث لا يقتصر اللمس على نقل نبضات فيزيائية صامتة، بل يرقى إلى مرتبة فك شفرة الوجود المادي للعالم الخارجي وبناء وعي نوعي بخصائص الأشياء من حولنا. إن التمييز الدقيق بين المكونات الحسية البسيطة والعمليات التكاملية الترابطية داخل الفص الجداري لا يُسهم فقط في دقة التشخيص النيورولوجي، بل يرسم المسار العلمي لتصميم أدوات تأهيلية مبتكرة تعتمد على اللدونة القشرية والتقنيات اللمسية الحديثة لاستعادة هذا البعد الإدراكي المفقود وتأمين جودة حياة أفضل للمرضى المصابين بتلف القشرة الدماغية.

المراجع

  • Delay, J. (1935). Les Astéréognosies: Pathologie du toucher, clinique, physiologie, topographie. Masson et Cie.
  • Benton, A. L. (1989). Tactile agnosia. In F. Boller & J. Grafman (Eds.), Handbook of Neuropsychology (Vol. 3, pp. 161–178). Elsevier.
  • Caselli, R. J. (1991). Rediscovering tactile agnosia. Mayo Clinic Proceedings, 66(2), 129–142. https://doi.org/10.1016/S0025-6196(12)60484-X
  • Reed, C. L., Caselli, R. J., & Farah, M. J. (1996). Tactile agnosia: Underlying impairment and implications for normal tactile object recognition. Brain, 119(3), 875–888. https://doi.org/10.1093/brain/119.3.875
  • Roland, P. E. (1987). Somatosensory detection of microgeometry, macrogeometry and kinesthesia after localized lesions of the cerebral hemispheres in man. Brain Research Reviews, 12(1), 43–94. https://doi.org/10.1016/0165-0173(87)90014-9
  • Binkofski, F., Kunesch, E., Classen, J., Seitz, R. J., & Freund, H. J. (2001). Tactile apraxia: Uncoupling of tactile input and motor output. Neurology, 56(6), 819–820. https://doi.org/10.1212/wnl.56.6.819
  • Lederman, S. J., & Klatzky, R. L. (2009). Haptic perception: A tutorial. Attention, Perception, & Psychophysics, 71(7), 1439–1459. https://doi.org/10.3758/APP.71.7.1439

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 26). عمه تمييز المواد: دراسة في الأسس العصبية النفسية والسريرية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/ahylognosia-tactile-agnosia-material-recognition/
looti, Mohammed. “عمه تمييز المواد: دراسة في الأسس العصبية النفسية والسريرية.” عرب سايكلوجي, 26 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/ahylognosia-tactile-agnosia-material-recognition/.
looti, Mohammed. “عمه تمييز المواد: دراسة في الأسس العصبية النفسية والسريرية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 26, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/ahylognosia-tactile-agnosia-material-recognition/.