الإدراك الحسي والانتباهعلم النفس المعرفي

العمى الانتباهي: المفهوم والآليات العصبية والتطبيقات في علم النفس الإدراكي

دراسة أكاديمية موسعة لمفهوم العمى الانتباهي (Inattentional Blindness) في علم النفس المعرفي، مستعرضة آلياته العصبية، ونماذجه التجريبية، ومخاطره وتطبيقاته الميدانية في الطب والسلامة.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 28 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 28 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُمثّل العمى الانتباهي (Inattentional Blindness) إحدى أكثر الظواهر إثارة للدهشة في حقل علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب الإدراكي، كاشفاً عن الهوة السحيقة بين ما تستقبله حواسنا وما يعيه عقلنا بالفعل. تكشف هذه الظاهرة النفسية المعقدة عن أن الرؤية البصرية لا تقتصر على وقوع الفوتونات الضوئية على شبكية العين وسلامة الجهاز البصري الفسيولوجي فحسب، بل تتطلب بالضرورة تخصيص موارد انتباهية واعية لمعالجة المدخلات الحسية وإدراكها الواعي. من خلال تفكيك هذه الظاهرة، يتضح بجلاء أن أدمغتنا تقوم بفلترة قاسية ومستمرة للعالم الخارجي، مما يجعلنا غير مدركين لأحداث وأشياء بارزة تقع مباشرة ضمن مجال رؤيتنا المركزي، لمجرد أن انتباهنا مُوجّه نحو مهمة إدراكية أخرى.

المفهوم والتعريف الإجرائي للعمى الانتباهي

يُعرَّف العمى الانتباهي بأنه الفشل النفسي والإدراكي للفرد في ملاحظة منبه بصري غير متوقع يقع على مرأى ومسمع منه بشكل جلي، وذلك نتيجة انشغاله الذهني بمهمة انتباهية تتطلب تركيزاً معرفياً مكثفاً. لا يعود هذا الإخفاق على الإطلاق إلى أي خلل عضوي في الحدقة أو القرنية أو الشبكية أو المسارات العصبية البصرية الأساسية، بل يُعد إخفاقاً وظيفياً على مستوى المعالجة الانتباهية الواعية ذات الترتيب الأعلى (Higher-order Cognitive Processing). وبناءً على ذلك، فإن الشخص في هذه الحالة “يرى” بالمعنى الفيزيولوجي، لكنه “لا يدرك” بالمعنى المعرفي والواعي، حيث تُفقد الصورة في ممرات الانتقاء الحسي قبل أن تصل إلى عتبة الوعي التقريري.

في سياق النماذج المعرفية، يُنظر إلى هذه الظاهرة بوصفها دليلاً تجريبياً قاطعاً على محدودية السعة الانتباهية للبشر؛ فالنظام المعرفي البشري يمتلك ميزانية طاقة محددة مخصصة لتمثيل المنبهات البيئية والتفاعل معها. عندما يتم استهلاك هذه الميزانية الانتباهية بالكامل في تتبع خصائص محددة—مثل اللون، أو الحركة، أو العد الحسابي—تصبح المعالجة القشرية للمنبهات الهامشية أو غير المتوقعة محجوبة وظيفياً. هذا القصور الإدراكي ليس عيباً تطورياً بل هو في جوهره آلية تكيفية بالغة الأهمية تحمي الدماغ البشري من الانغماس في سيل لا نهائي من المشتتات والمدخلات الحسية غير ذات الصلة بالسياق الآني.

يتداخل المفهوم أحياناً مع ظواهر إدراكية أخرى لكنه ينفرد عنها بخصائص محددة؛ فالعمى الانتباهي يتطلب غياب التوقع التام من جانب المفحوص، ووجود منبه مرئي واضح تماماً وفي متناول البصر المباشر. كما يفترض أن الشخص كان ليرى المنبه دون أدنى شك لو أنه لم يكن منخرطاً في مهمة انتباهية موازية. هذا التوصيف الإجرائي الصارم هو ما أتاح لعلماء النفس المعرفي تحويل الظاهرة من مجرد ملاحظة فلسفية عابرة حول طبيعة الوعي إلى موضوع بحثي خاضع للتجريب المخبري الصارم والقياس النفسي-الفيزيائي الدقيق.

السياق التاريخي وتطور النماذج التجريبية

تعود الجذور الأولى لاستكشاف حدود الانتباه البصري إلى أعمال عالم النفس الأمريكي أولريك نيسر (Ulric Neisser) في سبعينيات القرن العشرين، وتحديداً دراساته الرائدة عام 1975 حول الانتباه البصري الانتقائي. صمم نيسر وزملاؤه مهام تجريبية تتضمن عرض مقاطع فيديو متراكبة شبه شفافة لفريقين من اللاعبين يمررون كرات السلة، وطُلب من المشاركين عد التمريرات الخاصة بأحد الفريقين. في خضم العرض، كانت امرأة تحمل مظلة مفتوحة تمر عبر المشهد بخطى ثابتة؛ والمفاجأة المذهلة أن غالبية المشاركين لم يلحظوا وجود المرأة على الإطلاق، مما شكّل أول إثبات مخبري موثق لقصور الإدراك في حضور المشتتات غير المتوقعة.

على الرغم من إسهامات نيسر التأسيسية، إلا أن صياغة مصطلح “العمى الانتباهي” رسمياً وتأسيسه كنظرية متكاملة لم تحدث إلا في عام 1998 عبر الأبحاث المكثفة التي قادها عالما النفس إيرفين روك (Irvin Rock) وأريين ماك (Arien Mack) في كتابهما المرجعي Inattentional Blindness. ابتكر الباحثان منهجية محكمة تركز على شاشة حاسوب تومض فيها علامة تقاطع لبضعة أجزاء من الثانية، حيث يُطلب من الخاضع للتجربة الحكم على أي الذراعين أطول، وفي المحاولة الرابعة يظهر جسم هندسي غير متوقع بالقرب من مركز التثبيت البصري. كشفت النتائج عن أن نسبة كبرى من الأفراد يعجزون تماماً عن الإبلاغ عن رؤية هذا المنبه الجديد، حتى عندما يقع مباشرة في بؤرة تركيز العين.

بلغت هذه السلسلة من الأبحاث ذروتها الأكاديمية والشعبية في عام 1999 مع التجربة الأيقونية التي أجراها كريستوفر شابريس (Christopher Chabris) ودانييل سيمونز (Daniel Simons) والمعروفة بـ “تجربة الغوريلا الخفية”. في هذه التجربة، عُرض مقطع فيديو لفريقين يرتدي أحدهما قمصاناً بيضاء والآخر سوداء، وطُلب من الخاضعين للتجربة إحصاء تمريرات الفريق الأبيض بدقة متناهية. وأثناء اللعب، دخل شخص يرتدي زي غوريلا أسود بالكامل، ووقف في منتصف الكادر وضرب على صدره ثم غادر بهدوء بعد أن قضى قرابة تسع ثوانٍ كاملة في المشهد. وأظهرت النتائج الصادمة أن ما يقارب 50% من المشاركين لم ينتبهوا لوجود الغوريلا مطلقاً، مما كرس هذا النموذج التجريبي كدليل ساطع على أننا قد نكون عمياناً تماماً عما هو جلي وبديهي عندما يوجه انتباهنا نحو وجهة مغايرة.

الآليات العصبية والمعرفية المفسرة للظاهرة

لتفسير كيفية حدوث العمى الانتباهي على المستوى المعرفي، استند الباحثون إلى نظريات الاختناق الانتباهي ومصفيات المعالجة المبكرة والمتأخرة. وفقاً لنموذج الانتباه الانتقائي، لا يمكن للمعلومات الحسية المتدفقة عبر العصب البصري أن تصل كلها إلى مستوى الإدراك الصريح والذاكرة العاملة (Working Memory). يتم تصفية هذه المنبهات في مسارات المعالجة الحسية استناداً إلى الأهداف الانتباهية الموجهة من القشرة المخية قبل الجبهية (Prefrontal Cortex)؛ فعندما يتم ضبط مرشح الانتباه لاستبعاد أي منبه داكن اللون ومتحرك لحساب المنبهات البيضاء، فإن الدماغ يقوم بإخماد (Inhibition) استباقي للمعلومات ذات الخصائص المشابهة لزي الغوريلا الداكن، مما يمنعها من إحداث تفاعل إدراكي واعٍ.

تلعب نظرية الحمل المعرفي (Cognitive Load Theory) التي طورتها العالمة نيلي لافي (Nilli Lavie) دوراً محورياً في تفكيك هذه الظاهرة من خلال التمييز بين الحمل الإدراكي والحمل التشغيلي؛ فإذا كانت المهمة تتطلب جهداً إدراكياً عالياً (Perceptual Load)، كأن تكون التفاصيل البصرية معقدة وسريعة الحركة، فإن الموارد الحسية تُستنفد في المراحل الأولى للمعالجة، مما يؤدي إلى حجب حتمي للمنبهات غير المتوقعة وارتفاع معدلات العمى الانتباهي بشكل حاد. أما إذا كان الحمل الإدراكي منخفضاً، فإن الفائض من الموارد الانتباهية ينسكب تلقائياً لمعالجة المشتتات والمنبهات الجانبية، مما يمكّن الفرد من إدراك العناصر الدخيلة بسهولة ويسر.

على الصعيد العصبي والفسيولوجي، أظهرت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وتخطيط كهربية الدماغ (EEG) أن المنبهات غير المدركة في حالات العمى الانتباهي قد تؤدي بالفعل إلى تنشيط القشرة البصرية الأولية (V1 وV2)، مما يعني أن الدماغ يسجل المنبه كإشارة فيزيائية مجردة. ومع ذلك، فإن هذا النشاط يفشل في الانتقال إلى الشبكة الجبهية-الجدارية (Frontoparietal Network) المسؤولة عن الوعي الواعي والتحكم التنفيذي. يتجلى هذا الانقطاع العصبي في غياب أو اضمحلال الموجة الدماغية المعروفة بـ (P300)، وهي استجابة كهربائية للمنبهات غير المتوقعة تظهر بعد حوالي 300 ملي ثانية من الحدث، وغياب هذه الموجة يمثل التوقيع الكهروفسيولوجي الصريح لعدم بلوغ المنبه شواطئ الوعي الإنساني.

المحددات والعوامل المؤثرة في قابلية الوقوع تحت العمى الانتباهي

تتضافر مجموعة من العوامل السياقية والشخصية والفيزيائية لتحديد احتمالية إخفاق الفرد في رصد المنبهات البصرية غير المتوقعة، ويأتي في مقدمتها البروز البصري مقابل البروز المعرفي للمنبه. فالسطوع أو الحجم أو اللون الفاقع للمنبه (البروز الفيزيائي) لا يضمنان بالضرورة لفت الانتباه كما هو شائع؛ بل إن ما يحسم الإدراك هو مدى تطابق خصائص هذا المنبه مع “المخطط الانتباهي” (Attentional Set) الذي يتبناه الفرد لإنجاز مهمته الحالية. فإذا كان الشخص يبحث عن دوائر حمراء، فإنه قد يرصد شكلاً هندسياً أحمر غير متوقع بسهولة فائقة، بينما قد يعمى تماماً عن صليب أزرق ضخم ومتحرك يمر عبر ذات المساحة البصرية.

كما تؤدي المتغيرات الفردية دوراً بالغ الحساسية في تفسير التباينات بين الأشخاص، وفي صدارتها سعة الذاكرة العاملة (Working Memory Capacity – WMC). تشير الأدلة البحثية المستفيضة إلى أن الأفراد الذين يتمتعون بسعة ذاكرة عاملة أعلى يظهرون قدرة أكبر على توجيه انتباههم بصرامة نحو المهمة الأساسية، مما يجعلهم في بعض السياقات المعقدة أكثر عرضة للعمى الانتباهي مقارنة بغيرهم، لأن آليات الكبح لديهم تعمل بكفاءة استثنائية لعزل المشتتات. ومع ذلك، تشير أبحاث موازية إلى أن امتلاك موارد معرفية فائضة يمكن أن يتيح، في مهام معينة، فرصة لمسح البيئة المحيطة دون الإخلال بالمهمة الرئيسية، مما يبرز الطبيعة الديناميكية للتفاعل بين سعة المعالجة ومتطلبات السياق التجريبي.

إلى جانب ذلك، تبرز عوامل أخرى لا تقل أهمية، نلخص أبرزها في النقاط التالية:

  • التشابه الحسي والشكلي: ترتفع معدلات الكشف عن المنبه غير المتوقع كلما تشابهت سماته (كاللون أو سرعة الحركة أو الشكل الهندسي) مع الهدف المحدد للمهمة التي يركز عليها الفرد.
  • المسافة المكانية وبؤرة التثبيت: يؤدي ظهور المنبه الدخيل بالقرب من النقطة المركزية للتثبيت البصري إلى تقليل فرص حدوث العمى الانتباهي نسبياً، وإن كان لا يمنعه كلياً.
  • الخبرة والتخصص المهني: يطور الخبراء في مجالات معينة استراتيجيات مسح بصري مؤتمتة تقلل من استهلاك الموارد الواعية، إلا أن هذه الخبرة قد تتحول إلى قيد انتباهي صارم يحجب المنبهات الخارجة عن نطاق التوقع الاحترافي.
  • الحالة الفسيولوجية والانفعالية: تؤدي حالات الإجهاد البدني، والنعاس، والتشتت العاطفي إلى تقليص المدى الانتباهي، مما يجعل الأفراد أكثر هشاشة وعرضة للإخفاق الإدراكي البصري.

الفروق الجوهرية بين العمى الانتباهي والظواهر الإدراكية المقاربة

غالباً ما يقع خلط معرفي بين العمى الانتباهي وظواهر بصرية ونفسية موازية تدرس عيوب الإدراك والانتباه، ولعل أبرزها ظاهرة عمى التغير (Change Blindness). يتمثل الفارق الجوهري بينهما في أن عمى التغير ينطوي على الفشل في ملاحظة تحول أو تعديل يطرأ على مشهد بصري موجود بالفعل بين زمنين مختلفين (بين الصورة أ والصورة ب)، وعادة ما يتخلل هذا التغير فاصل زمني قصير أو وميض بصري يربك مسار الحركة. أما في العمى الانتباهي، فإن المنبه غير المتوقع يقتحم المشهد ويبقى فيه بشكل متصل ومستمر في الوقت الفعلي أثناء المعالجة، دون أي ومضات حجب أو انقطاعات زمنية، ومع ذلك يعجز الجهاز المعرفي عن تسجيله.

كما يختلف العمى الانتباهي جذرياً عن ظاهرة الرمشة الانتباهية (Attentional Blink)، والتي تمثل قصوراً زمنياً بحتاً في معالجة المعلومات المتتابعة؛ حيث يعجز الدماغ عن تمييز منبه بصري ثانٍ يظهر بعد المنبه الأول المستهدف بفاصل زمني وجيز يتراوح بين 200 إلى 500 ملي ثانية ضمن دفق بصري سريع جداً. في المقابل، لا يرتبط العمى الانتباهي بقيد زمني فائق السرعة، فالمنبه قد يتواجد لعدة ثوانٍ متواصلة تحت أنظار الفرد دون أن يسترعي انتباهه، ما يؤكد أن العلة هنا تكمن في طبيعة التوجيه الانتباهي ذاته لا في عتبة المعالجة الزمنية المؤقتة للمشابك العصبية.

كذلك يجب استبعاد الخلط بين هذه الظاهرة وبين المتلازمات العصبية المرضية الناتجة عن أضرار هيكلية في الدماغ، مثل الإهمال النصفي (Hemispatial Neglect) الذي ينجم غالباً عن جلطات أو آفات في الفص الجداري الأيمن ويجعل المريض يتجاهل النصف المقابل من الفضاء الحسي بالكامل. فالعمى الانتباهي ليس مرضاً عصبياً ولا خللاً بنيوياً، بل هو سمة تشغيلية اعتيادية تحدث لدى جميع البشر الأصحاء، وتزول فور توجيه الانتباه نحو المنبه المعني أو التنبيه إلى وجوده مسبقاً، مما يعيد ضبط آليات الوعي لتسجيله على الفور وبدقة متناهية.

التطبيقات الميدانية والمخاطر في الحياة اليومية

لا تتوقف ارتدادات العمى الانتباهي عند أروقة المختبرات السيكولوجية، بل تمتد لتلقي بظلالها الخطيرة على قطاعات حساسة في الواقع المعاش، وفي مقدمتها السلامة المرورية وقيادة المركبات. يمثل العمى الانتباهي المسؤول الأول عن فئة الحوادث المعروفة بـ “نظرتُ ولكني لم أرَ” (Look-but-failed-to-see)، حيث يصطدم السائق بدراجة نارية أو أحد المشاة رغم خلو المسار البصري تماماً ووجود المنبه في خط نظره المباشر. يحدث هذا الإخفاق المميت لأن السائق يكون منشغلاً ذهنياً بمحادثة عبر الهاتف أو غارقاً في البحث عن شاحنات وسيارات كبيرة، مما يجعل دماغه يقمع أو يتجاهل الأشكال البصرية غير المتوافقة مع قالبه الانتباهي النشط كالدرّاجات أو المشاة.

في المجال الطبي، تحديداً في تخصصات الأشعة التشخيصية، برزت دراسات صادمة أثبتت وجود العمى الانتباهي بين كبار الأطباء والمختصين. في دراسة تاريخية أجراها تافين درو وزملاؤه عام 2013 بعنوان “The Invisible Gorilla Strikes Again”، وُضعت صورة لغوريلا صغيرة بحجم علبة الثقاب داخل صور أشعة مقطعية لرئتين مصابتين بعقيدات سرطانية، والمذهل أن 83% من أطباء الأشعة المحترفين فشلوا في رصد الغوريلا رغم أن متتبعات حركة العين (Eye-trackers) أثبتت أن أبصارهم سقطت مباشرة على موضع الغوريلا لعدة مئات من الملي ثوانٍ، وذلك لأن انتباههم الصارم كان منصباً حصرياً على فحص العقيدات الرئوية واستبعادها.

تمتد هذه التداعيات إلى قطاعي الطيران والمؤسسات القضائية والأمنية، حيث أدى اعتماد الطيارين على الشاشات العلوية الشفافة (Head-Up Displays – HUDs) أحياناً إلى حوادث اصطدام مدرجية كارثية نتيجة تركيز الطيار على البيانات الرقمية المعروضة على الزجاج، مما حجب إدراكه لوجود طائرة حقيقية تعبر المدرج أمامه مباشرة. أما في المجال الجنائي، فإن شهادات العيان قد تصبح موضع تشكك عميق؛ إذ يثبت علم النفس الجنائي أن الشاهد الذي يركز بكل جوارحه على سلاح الجريمة (Weapon Focus Effect) قد يقع ضحية للعمى الانتباهي حيال ملامح وجه الجاني أو ثيابه، مما يدحض الافتراض القانوني الساذج بأن الرؤية بالعين تستلزم حتماً الإدراك الكامل والتذكر الدقيق لكافة عناصر المشهد.

الجدل الأكاديمي والاتجاهات النقدية المعاصرة

على الرغم من الرسوخ التجريبي للظاهرة، إلا أنها كانت وما تزال مادة لسجالات علمية وفلسفية محتدمة، تتركز بالأساس حول ما يُعرف بـ الإدراك الضمني مقابل الوعي التقريري. يتساءل فلاسفة العقل وعلماء الأعصاب: هل المنبه غير الملاحظ في العمى الانتباهي يُمحى تماماً من الجهاز العصبي دون أن يُحدث أي أثر، أم أنه يُعالج دلالياً ومعرفياً تحت مستوى الإدراك الصريح (Subliminal Processing)؟ تُظهر بعض التجارب المعتمدة على التهيئة الإدراكية (Priming) أن الدماغ قد يتأثر بالمعنى الدلالي للمنبه غير المرئي—مثل كلمة محظورة أو شكل مألوف—مما يشير إلى أن العمى قد يكون حصراً في التقرير اللفظي الواعي (Conscious Reportability) وليس في عمليات التحليل الدماغي الأولي.

أحد أبرز الاعتراضات المنهجية التي واجهتها الظاهرة كان ما طرحه عالم النفس جيريمي وولف (Jeremy Wolfe) وآخرون تحت مسمى “فقدان الذاكرة الانتباهي” (Inattentional Amnesia). تفترض هذه الفرضية النقدية البديلة أن المشاركين في التجارب قد يدركون بالفعل المنبه غير المتوقع في اللحظة الزمنية التي يظهر فيها، إلا أنهم يعجزون عن تشفير هذا الإدراك العابر ونقله إلى الذاكرة المتوسطة أو الطويلة المدى، مما يجعلهم ينسونه بالكامل بحلول الوقت الذي يطرح فيه الفاحص سؤاله الاسترجاعي بعد انتهاء المهمة بثوانٍ معدودة. يثير هذا الطرح تحدياً منهجياً جوهرياً حول قدرة الاختبارات المعرفية الاسترجاعية على التمييز بدقة بين العجز الإدراكي اللحظي والعجز التخزيني التذكري.

بالإضافة إلى ذلك، تثير مسألة الصدق الإيكولوجي (Ecological Validity) لبيئات الاختبار تساؤلات ملحة؛ فالعديد من التجارب المخبرية تستند إلى بيئات اصطناعية وشاشات مسطحة ثنائية الأبعاد تفتقر إلى الغنى الديناميكي والحسي الذي يتسم به العالم الطبيعي الحقيقي ثلاثي الأبعاد. ومع ذلك، تدفع الأبحاث المعاصرة التي توظف تقنيات الواقع الافتراضي (Virtual Reality) والتتبع البصري المتطور باتجاه تأكيد أن الظاهرة تظل قائمة وبقوة حتى في البيئات الغامرة، مما يثبت أن هذه الخاصية الانتباهية متجذرة بعمق في البنية التطورية للدماغ البشري وليست مجرد وهم تجريبي ناجم عن قيود المختبر.

خاتمة

يقف العمى الانتباهي كشاهد ساطع على أن إدراكنا للعالم ليس تسجيلاً فوتوغرافياً محايداً للواقع، بل هو بناء معرفي نشط وخاضع لانتقاء دقيق تمليه أهدافنا وتوقعاتنا وتوزيع مواردنا الانتباهية المحدودة. لقد أعادت هذه الظاهرة صياغة فهمنا لطبيعة الوعي البشري، موضحةً أن الإبصار العضوي ما هو إلا البوابة الأولى، في حين أن الإدراك الصريح هو ثمرة تخصيص انتباهي واعٍ. تكمن القيمة العظمى لفهم العمى الانتباهي في كسر وهم المعرفة الكلية؛ فمن خلال إدراكنا لقصورنا الإدراكي الذاتي، نستطيع تصميم بيئات عمل أكثر أماناً، وتحسين تدريب الكوادر في المجالات الحيوية كالطب والطيران وقيادة المركبات، وصياغة أنظمة ذكاء اصطناعي وواجهات تقنية تأخذ في الحسبان نقاط الضعف الكامنة في الانتباه البشري للحد من الأخطاء الكارثية وتعزيز سلامة المجتمعات.

المراجع

  • Chabris, C. F., & Simons, D. J. (2010). The Invisible Gorilla: How Our Intuitions Deceive Us. Crown Archetype.
  • Drew, T., Võ, M. L. H., & Wolfe, J. M. (2013). The invisible gorilla strikes again: Sustained inattentional blindness in expert observers. Psychological Science, 24(9), 1848–1853. https://doi.org/10.1177/0956797613479386
  • Lavie, N. (2005). Distracted and confused?: Selective attention under the load. Trends in Cognitive Sciences, 9(2), 75–82. https://doi.org/10.1016/j.tics.2004.12.004
  • Mack, A., & Rock, I. (1998). Inattentional Blindness. MIT Press.
  • Neisser, U. (1979). The control of information pickup in selective looking. In A. D. Pick (Ed.), Perception and its development: A tribute to Eleanor J. Gibson (pp. 201–219). Lawrence Erlbaum Associates.
  • Simons, D. J., & Chabris, C. F. (1999). Gorillas in our midst: Sustained inattentional blindness for dynamic events. Perception, 28(9), 1059–1074. https://doi.org/10.1068/p281059
  • Wolfe, J. M. (1999). Inattentional amnesia. In V. Coltheart (Ed.), Fleeting Memories: Cognition of Brief Visual Stimuli (pp. 71–94). MIT Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 28). العمى الانتباهي: المفهوم والآليات العصبية والتطبيقات في علم النفس الإدراكي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/al-ama-al-intibahi-attentional-blindness/
looti, Mohammed. “العمى الانتباهي: المفهوم والآليات العصبية والتطبيقات في علم النفس الإدراكي.” عرب سايكلوجي, 28 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/al-ama-al-intibahi-attentional-blindness/.
looti, Mohammed. “العمى الانتباهي: المفهوم والآليات العصبية والتطبيقات في علم النفس الإدراكي.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 28, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/al-ama-al-intibahi-attentional-blindness/.