الدفع بالجنون: معضلة الإرادة والمسؤولية الجنائية

استكشف مفهوم الدفع بالجنون في القانون وعلم النفس الجنائي: أصوله اللغوية وتطوره التاريخي، ومعاييره القضائية، وأدوات التقييم النفسي السريري لانعدام المسؤولية الجنائية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 30 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 30 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يشكل التقاطع بين العدالة الجنائية والعلوم السلوكية واحدة من أكثر المناطق تعقيداً وإثارة للجدل في الفقه القانوني المعاصر؛ إذ يقف القضاء حائراً أمام المعضلة الفلسفية والإنسانية الأزلية: كيف يُحاسب القانون فرداً تجرد من ملكة الإدراك أو حرية الاختيار بفعل اضطراب عقلي جسيم؟ يمثل الدفع بالجنون الآلية القانونية التي تترجم هذا التوازن الدقيق بين مقتضيات الردع والعدالة وحماية حقوق الأفراد غير القادرين على استيعاب أفعالهم أو السيطرة عليها.

الدفع بالجنون

1. التعريف الموجز

الدفع بالجنون (Insanity Defense) هو دفع قضائي موضوعي يقدمه محامي الدفاع في المحاكمات الجنائية، يقر بموجبه بارتكاب المتهم للفعل المادي المكون للجريمة، لكنه يطالب بإعفائه من المسؤولية الجنائية الكاملة نظراً لإصابته باضطراب نفسي أو عقلي حاد وقت ارتكاب الفعل، مما أفقده القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ أو إدراك ماهية سلوكه وطبيعته الإجرامية.

من الناحية المفاهيمية، لا يعد الجنون تشخيصاً طبياً أو تصنيفاً سريرياً معتمداً في أدلة التشخيص النفسي الحديثة، بل هو مصطلح قانوني وإجرائي بحت صاغته المحاكم لتحديد الحدود الأخلاقية والمعرفية للمسؤولية الجزائية. وتقتضي هذه القاعدة ألا يقتصر التجريم على وقوع السلوك المادي المجرد، بل يستوجب اقترانه بنية إجرامية مدركة وإرادة واعية وحرة توجه هذا السلوك، وهو ما يُعرف قانوناً بانعدام الأهلية الجنائية.

يترتب على نجاح هذا الدفع عموماً حكم بـ «البراءة لعلة الجنون» (Not Guilty by Reason of Insanity)، وهو حكم لا يعني الإطلاق الفوري لسراح المتهم، بل يقود في الغالب الأعم إلى إيداعه غير المحدد زمنياً في مؤسسة علاجية مغلقة تخضع لإشراف قضائي وطبي دقيق حتى يزول الخطر الذي يمثله على نفسه وعلى السلامة العامة.

2. أصل الكلمة والاشتقاق اللغوي

يعود الجذر اللغوي لمفردة «الجُنُون» في لسان العرب والمعاجم اللغوية العربية إلى مادة (ج-ن-ن)، وأصل معناها في لسان العرب هو السَّتْرُ والتغطية والخفاء؛ ومنه سُمي الجنين لاستتاره في بطن أمه، والجَنَّة لاستتارها بالأشجار، والمَجَنّ للدرع المستور خلفه. واصطلاحاً، أُطلق الجنون على زوال العقل أو استتار نوره وتغطيته، بحيث يفقد الشخص بصيرته وملكة التمييز والتفكير المنطقي السليم.

أما في التقاليد الغربية، فإن مصطلح (Insanity) مشتق من الكلمة اللاتينية insanitas، وهي كلمة مركبة من السابقة النافية (in-) بمعنى «غير»، والصفة (sanus) التي تعني «صحيح»، أو «سليم العقل»، أو «معافى»؛ وبالتالي تعني الكلمة حرفياً «انعدام السلامة العقلية» أو «السقم الذهني». وقد تطور هذا المصطلح تاريخياً عبر القانون العام الإنجليزي (English Common Law) ليتحول من وصف وصمي عام إلى مفهوم قانوني اجرائي دقيق يؤطر فقدان المسؤولية الأخلاقية عن الجرائم.

استقر استخدام مصطلح «الدفع بالجنون» في قاعات المحاكم والمدونات الجزائية المعاصرة للإشارة حصراً إلى الوسيلة الدفاعية التي تجرد الفعل من صفته الجرمية المعاقب عليها جنائياً، مع تمييزه الدقيق عن المفاهيم السريرية المعاصرة كـ «الذهان» (Psychosis) أو «الاضطراب العقلي الجسيم» (Severe Mental Disorder).

3. النطق والصيغة الصرفية

يُلفظ المصطلح باللغة العربية الفصحى بِفَتْحِ الدال وسكون الفاء: «الدَّفْع»، يليه حرف الجر «بِـ»، ثم «الجُنُون» بضم الجيم وضم النون الأولى تليها واو ساكنة. وصيغته الصرفية: الدفع مصدر للفعل الثلاثي المجرد (دَفَعَ يَدْفَعُ دَفْعاً)، والجنون مصدر سماعي للفعل (جُنَّ) المبني للمجهول أو (جَنَّ يَجُنُّ). وفي السياق القضائي، يُعرب مفعولاً به أو مبتدأً بحسب موقعه في الجملة الترافعية، وتتعدد صيغه المشتقة مثل: «الدفع بانعدام المسؤولية لعاهة في العقل»، أو «انعدام الأهلية الجنائية».

تستخدم الصيغة الاصطلاحية للدلالة على الإجراء القانوني الفعلي الذي يثيره الدفاع، وتتطابق لغوياً وصرفياً في مختلف التشريعات العربية (مثل القانون الجنائي المصري، والمغربي، والأردني)، حيث يُشار إليه غالباً بعبارة: «مانع من موانع المسؤولية الجنائية المستند إلى عاهة العقل».

4. الشرح المفاهيمي المفصل

يرتكز القانون الجنائي الحديث في معظم دول العالم على ركنين أساسيين لإثبات الجريمة: الركن المادي (Actus Reus) المتمثل في ارتكاب الفعل غير المشروع ذاته، والركن المعنوي أو القصد الجنائي (Mens Rea) الذي يتطلب توافر الإرادة الحرة والوعي الكامل بطبيعة الفعل وعدم مشروعيته. يتدخل الدفع بالجنون عند هذا المفترق الحرج ليطعن في توافر الركن المعنوي؛ فالشخص الذي يعاني من خلل معرفي أو اضطراب انفعالي متطرف وقت ارتكاب الجريمة يفتقر إلى النية الجنائية الحقيقية، وبالتالي يغدو العقاب الجزائي التقليدي مجرداً من مسوغاته الأخلاقية والوظيفية.

يتطلب الفهم المتعمق للدفع بالجنون الإحاطة بحدوده الصارمة ونطاقه القانوني؛ إذ لا تؤهل كل إصابة بمرض نفسي المتهم للاستفادة من هذا الدفع. فالاضطرابات العصابية مثل القلق والاكتئاب الخفيف، واضطرابات الشخصية كالشخصية المعادية للمجتمع، لا ترقى بحسب الاتجاهات القضائية السائدة إلى مستوى «الجنون المسقط للمسؤولية». يتعين أن يبلغ الاضطراب مرتبة ينهار معها الاختبار الواقعي للواقع (Reality Testing)، كما في حالات الهلاوس السمعية والبصرية الآمرة الحادة، أو الضلالات الاضطهادية أو العظمية الراسخة التي تحكم تصرفات المريض وتجعله يتصرف تحت وطأة وهم مطلق.

علاوة على ذلك، يتمايز هذا المفهوم بحسب التوقيت الزمني المحدد لوقوع الجريمة؛ فالتركيز القضائي ينصب حصرياً على الحالة النفسية والإدراكية للمتهم في اللحظة الزمنية الدقيقة لارتكاب السلوك الإجرامي (Mental State at the Time of the Offense). ولا يعتد بالحالة النفسية الحالية للمتهم أثناء المحاكمة في تقرير البراءة بالجنون، إذ تخضع الأخيرة لتكييف قانوني منفصل تماماً يتعلق بمدى صلاحيته للمثول أمام المحكمة والمشاركة في الدفاع عن نفسه.

تتمحور الفلسفة الكامنة خلف الدفع بالجنون حول منع المعاقبة الظالمة لأولئك الذين جردتهم الطبيعة أو المرض من السيطرة العقلانية على مسارات حياتهم. إن معاقبة فاقد العقل تتنافى مع الأهداف الجوهرية للعقوبة الجنائية، وهي الردع العام والردع الخاص؛ فالشخص غير القادر على الربط المنطقي بين سلوكه وعواقبه لن يرتدع بالعقوبة، كما أن سائر أفراد المجتمع الأصحاء لن يتعلموا درساً رادعاً من معاقبة إنسان مدفوع بالهلاوس والضلالات العقلية القهرية.

5. التطور التاريخي

مر مفهوم المسؤولية الجنائية للمضطربين عقلياً بتحولات جذرية عبر التاريخ القانوني الغربي والعالمي، عاكساً تطور المعرفة الطبية والتحولات الفلسفية للأخلاق والعدالة:

في القرون الوسطى المبكرة، كانت المحاكم الإنجليزية تطبق اختبارات بدائية قاسية، لعل أشهرها «اختبار الوحش الكاسر» (Wild Beast Test) الذي صاغه القاضي هنري دي براكتون في القرن الثالث عشر وأعاده القاضي روبرت تريسي عام 1724 في محاكمة إدوارد أرنولد؛ حيث نص الاختبار على أن المتهم لا يُعفى من العقاب إلا إذا كان مفتقراً تماماً للذاكرة والفهم، ولا يعلم ما يفعل أكثر مما يعلم الوحش البري الكاسر أو الدابة العمياء.

جاءت النقلة النوعية الكبرى عام 1843 إثر محاكمة الشاب الإسكتلندي دانيال ماكنوتن، الذي اغتال إدوارد دروموند السكرتير الخاص لرئيس الوزراء البريطاني روبرت بيل، متوهماً في إطار ضلالات اضطهادية حادة أن الحكومة تتآمر لقتله. أدت تبرئته إلى إثارة غضب الرأي العام والملكة فيكتوريا، مما دفع مجلس اللوردات البريطاني إلى صياغة معايير ملزمة عُرفت تاريخياً باسم قواعد ماكنوتن (M’Naghten Rules). نصت هذه القواعد على افتراض سلامة عقل كل متهم حتى يثبت بوضوح أنه وقت ارتكاب الفعل كان مصاباً بعيب في العقل ناتج عن مرض ذهني، بحيث لم يكن يعلم طبيعة وماهية الفعل الذي يرتكبه، أو إذا كان يعلمها، فإنه لم يكن يدرك أن ما يفعله كان خاطئاً.

مع تطور الطب النفسي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، انتقد علماء السلوك قواعد ماكنوتن لتركيزها الحصري على الجانب المعرفي (Cognitive) وإهمالها للجانب الإرادي (Volitional)؛ مما دفع بعض الولايات الأمريكية لتبني اختبار «الدافع القهري غير القابل للمقاومة» (Irresistible Impulse Test)، والذي يقر بإعفاء المتهم إذا كان يفهم خطأ فعله لكنه فقد السيطرة تماماً على دوافعه السلوكية نتيجة للمرض.

في عام 1954، قدم القاضي ديفيد بازيلون في محكمة استئناف مقاطعة كولومبيا «قاعدة دورهام» (Durham Rule)، والتي قررت براءة المتهم ببساطة إذا كان الفعل غير المشروع نتاجاً مباشراً لمرض عقلي أو عاهة نفسية. وعلى الرغم من حداثة هذه القاعدة ومرونتها، إلا أنها تعرضت لانتقادات لاذعة لمنحها سلطة مفرطة لخبراء الطب النفسي في قاعة المحكمة، مما أدى للتخلي عنها تدريجياً لصالح صياغة معهد القانون الأمريكي (ALI Model Penal Code) لعام 1962، التي جمعت بين الإدراك المعرفي والقدرة على تطويع السلوك لمتطلبات القانون.

شهد عام 1981 منعطفاً عاصفاً عندما أقدم جون هينكلي جونيور على محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي رونالد ريغان لإثارة إعجاب ممثلة هوليوودية، وتبرئته لاحقاً بالجنون عام 1982. ولد هذا الحكم صدمة سياسية واجتماعية هائلة دفعت الكونغرس الأمريكي إلى إصدار قانون إصلاح الدفع بالجنون لعام 1984 (IDRA)، والذي ألغى الشق الإرادي وحصر الدفع في العجز المعرفي التام، ونقل عبء الإثبات من عاتق الادعاء إلى عاتق الدفاع وفق معيار «الدليل الواضح والمقنع».

6. الأسس النظرية

يستند الدفع بالجنون إلى شبكة معقدة من النظريات الفلسفية والنفسية والقانونية التي تؤطر مفهوم العدالة والسلوك البشري:

ترتكز الأسس الفلسفية على مبدأ الحتمية والحرية الإرادية (Determinism vs. Free Will)؛ إذ تفترض المنظومة العقابية الكلاسيكية امتلاك الفرد للإرادة الحرة والقدرة المستقلة على الاختيار الأخلاقي العقلاني بين الخير والشر. بيد أن الطروحات النفسية الحيوية تؤكد أن الأمراض النفسية الشديدة كالذهان واضطرابات المزاج ثنائية القطب الحادة تُحدث خللاً وظيفياً وهيكلياً في الدوائر العصبية المسؤولة عن معالجة المعلومات واتخاذ القرار، مما يسلب الفرد حريته الإرادية ويخضعه لحتمية مرضية قاهرة تسقط معها أركان اللوم الأخلاقي الفلسفي.

من زاوية نظرية العقاب (Penal Theory)، يتعارض إنزال العقوبة الجنائية بغير المدركين مع الفلسفة النفعية (Utilitarianism) وفلسفة القصاص العادل (Retributivism). فالنفعية، التي يُعد جيريمي بينثام من روادها، ترى أن إيقاع الألم أو العقاب لا يبرره سوى منع شر أكبر من خلال الردع؛ وتطبيق العقاب على من تغيب عنه الملكات العقلية يمثل قسوة عقيمة لا تحقق أي نفع ردعي عام أو خاص. أما من منظور القصاص الأخلاقي، فإن الفرد لا يستحق العقاب إلا إذا كانت لديه القدرة على فهم شناعة فعله واختياره طواعية.

أما من المنظور النفسي المعرفي، فإن الأسس تعتمد على نظرية معالجة المعلومات والقدرة على اختبار الواقع (Reality Testing). تذهب هذه النظرية إلى أن الإدراك البشري السليم يتطلب استقبال المثيرات البيئية، وتفسيرها ومقارنتها بالمعايير الاجتماعية المخزونة في الذاكرة طويلة المدى، ثم اتخاذ قرار سلوكي موجه نحو الهدف. وعندما تطرأ اختلالات بيوكيميائية في الدماغ، تنهار هذه الآلية المعرفية؛ مما يولد هلاوس سمعية آمرة أو معتقدات ضلالية لا تتزعزع تفصل الجاني تماماً عن الواقع المعاش، وتجعله يتصرف بناءً على منظومة إدراكية موازية ومشوهة تبرر له أفعاله ذاتياً.

7. المكونات والأنواع والأبعاد الرئيسية

يتألف التكييف القانوني للدفع بالجنون من مكونات بنيوية، وتتفرع عنه أنماط قضائية تختلف بحسب الاختصاص المعمول به، وتتلخص في الأبعاد التالية:

  • البُعد المعرفي (Cognitive Prong): يركز على عجز المتهم عن استيعاب وفهم طبيعة الفعل وسياقه المادي (كأن يعتقد أنه يقطع ثمرة بينما هو يقطع عنق شخص آخر)، أو عجزه عن إدراك عدم مشروعية الفعل وخطئه من الوجهة الأخلاقية والاجتماعية والقانونية.
  • البُعد الإرادي أو السلوكي (Volitional Prong): يتمثل في فقدان المتهم لقوة السيطرة على أفعاله ومقاومة الدوافع المرضية الضاغطة، حتى وإن كان مدركاً على المستوى النظري البحت أن تصرفه مخالف للقانون.
  • غير مذنب لعلة الجنون (Not Guilty by Reason of Insanity – NGRI): التكييف الأكثر تقليدية والذي يؤدي إلى تبرئة المتهم من التهمة الجنائية الموجهة إليه، وإحالته الإلزامية إلى مشفى نفسي قضائي لتلقي العلاج تحت إشراف قضائي حتى يتم التحقق من زوال الخطورة الجرمية.
  • مذنب ولكنه مريض عقلياً (Guilty but Mentally Ill – GBMI): بديل تشريعي استحدثته عدة ولايات أمريكية للحد من أحكام البراءة؛ يقضي بثبوت الإدانة الجنائية والمسؤولية على المتهم، مع التوجيه بإيداعه في منشأة علاجية حتى استقرار حالته، ثم نقله لاستكمال ما تبقى من فترة محكوميته داخل السجون العادية.
  • الجنون المؤقت (Temporary Insanity): حالة يفقد فيها الجاني أهليته العقلية والإدراكية حصراً أثناء ارتكاب الواقعة تحت وطأة نوبة ذهانية حادة أو اضطراب انشقاقي مفاجئ، مع استعادته لكامل قواه الذهنية بعد انقضاء الحادثة بفترة وجيزة.

8. أمثلة وحالات توضيحية

تكشف السوابق القضائية التاريخية والحديثة عن التباين الحاد في تطبيق معايير الدفع بالجنون وتأثيرها على مسار العدالة الجنائية والرأي العام:

تعد قضية دانيال ماكنوتن (1843) المثال الكلاسيكي الأبرز؛ حيث كان يعاني من مرض الفصام المصحوب بضلالات اضطهادية، موقناً بأن حزب المحافظين البريطاني يلاحقه للتنكيل به وقتله. وقد قضت المحكمة ببراءته لعدم قدرته المعرفية على استيعاب الواقع الحقيقي، وأودع مصحة بيثليم الملكية حتى وفاته، وأسست هذه القضية المبدأ المعرفي الذي لا يزال يشكل ركيزة القوانين الإنجليزية والأمريكية إلى يومنا هذا.

ومن الحالات المعاصرة المؤثرة، محاكمة أندريا ييتس (2001 و2006) في ولاية تكساس الأمريكية؛ إذ قامت ييتس بإغراق أطفالها الخمسة في حوض الاستحمام. وقد كشفت التحقيقات السريرية أنها كانت تعاني من ذهان ما بعد الولادة واكتئاب جسيم مصحوب بضلالات دينية اعتقدت بموجبها أن الشيطان قد استحوذ عليها وأن إغراق أطفالها هو السبيل الوحيد لإنقاذ أرواحهم من الجحيم الأبدي. ورغم إدانتها في المحاكمة الأولى عام 2002، إلا أن استئناف الحكم عام 2006 انتهى إلى تبرئتها لعلة الجنون بعد إثبات استجابتها لضلالات ذهانية قاهرة أفقدتها القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب الأخلاقي في ذلك التوقيت، وأُودعت في مصحة نفسية مغلقة للأمراض العقلية.

وفي المقابل، تجسد محاكمة القاتل المتسلسل جيفري دامر (1992) الفشل في الاستناد لهذا الدفع؛ فرغم اعتراف التقارير الطبية بإصابته باضطرابات شخصية حادة واضطرابات انحراف جنسي معقدة، إلا أن المحكمة وهيئة المحلفين رفضت الدفع بالجنون استناداً إلى التخطيط المسبق، وإخفاء معالم الجرائم، وحرصه على عدم ارتكاب أفعاله في حضور الشرطة، مما أثبت بوضوح احتفاظه بالإدراك التام لعدم مشروعية سلوكه وقدرته على ضبط تصرفاته لتجنب القبض عليه.

9. القياس والتقييم النفسي الجنائي

يمثل التقييم النفسي الشرعي (Forensic Psychological Assessment) للدفع بالجنون أحد أكثر إجراءات الطب النفسي الشرعي تعقيداً ودقة؛ نظراً لطبيعته الرجعية الاسترجاعية (Retrospective Assessment)، حيث يُطلب من الخبير إعادة بناء وتحديد الحالة العقلية للمتهم في لحظة زمنية ماضية انقضت ربما منذ شهور أو سنوات عديدة.

يعتمد الفحص الشامل على منهجية تكاملية تبدأ بالمقابلات السريرية المعمقة، وفحص دقيق لسجلات المتهم النفسية والطبية السابقة للجريمة، وتحليل إفادات شهود العيان وسجلات الشرطة وتفريغات كاميرات المراقبة، بالإضافة إلى نتائج التحاليل السمومية للتأكد من عدم وجود مواد مؤثرة على العقل أحدثت ذهاناً مستحثاً بالمخدرات والذي لا يُعفى صاحبه في الغالب من المسؤولية.

يستعين علماء النفس الشرعي بمقاييس مقننة مخصصة لتقييم المسؤولية الجنائية، من أبرزها:

  • مقاييس روجرز لتقييم المسؤولية الجنائية (Rogers Criminal Responsibility Assessment Scales – R-CRAS): أداة قياس بنائية موحدة تهدف إلى مساعدة الخبير على تقييم مستوى الخلل النفسي والسيطرة السلوكية ومستوى الفهم المعرفي وقت ارتكاب الجريمة بطريقة منهجية قابلة للقياس الكمي والنوعي.
  • تقييم التمارض وادعاء المرض العقلي (Malingering Assessment): خطوة إلزامية محورية لاستبعاد تزييف أو تضخيم الأعراض بهدف الإفلات من العقاب الجنائي؛ ويتم استخدام اختبارات متخصصة ذات مصداقية علمية عالية مثل «مقابلة الفحص المنظم للأعراض المبلغ عنها» (SIRS-2)، واختبار الشخصية متعدد الأوجه لمينيسوتا (MMPI-2-RF / MMPI-3) عبر مقاييس الصدق والتحقق من المبالغة في الإعاقة.

تؤكد الجمعية الأمريكية للطب النفسي على أن دور الخبير السريري يقتصر على تقديم التشخيص الدقيق وتوضيح كيفية تأثير المرض على وظائف المتهم الإدراكية والسلوكية، دون الإجابة المباشرة على «المسألة النهائية» (The Ultimate Issue) المتمثلة في كون المتهم مجنوناً أو غير مجنون قانوناً؛ حيث يظل هذا القرار اختصاصاً حصرياً واستئثارياً للقاضي أو هيئة المحلفين.

10. التطبيقات والأهمية العملية

يمتد الأثر التطبيقي للدفع بالجنون ليتجاوز أسوار قاعات المحاكم الجنائية، ملقياً بظلاله المباشرة على قطاعات متعددة تشمل المنظومة القضائية، ومرافق الرعاية الصحية والطب النفسي، والسياسات العقابية العامة:

في الممارسة القضائية، يؤدي إثارة هذا الدفع إلى تغيير استراتيجي في إدارة الدعوى الجزائية، إذ تفرض القوانين إجراءات إحالة قسرية إلى لجان طبية محايدة متخصصة، مما يطيل أمد التقاضي ويستدعي تقديم شهادات الخبراء المتعارضة، وتتطلب مناقشة هذه التقارير إلماماً واسعاً من القضاة والمحامين بالمصطلحات والمفاهيم النفسية والسريرية الدقيقة.

أما على صعيد المشافي النفسية القضائية، فإن قبول الدفع يترتب عليه إيداع الجناة في أجنحة أمنية مشددة تدمج بين الرقابة الاحترازية والعلاج النفسي الدوائي والتأهيلي طويل المدى. ولا يخضع خروج هؤلاء الأفراد للحدود الزمنية للعقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات للجريمة المرتكبة، بل يرتبط ارتباطاً مطلقاً بتقييم دوري شامل لمدى زوال خطورتهم الجرمية على المجتمع وقدرتهم على التكيف السليم، مما يجعل احتجاز بعضهم يمتد في كثير من الأحيان لفترات أطول بكثير من العقوبة السجنية التي كانوا سينالونها في حال إدانتهم العادية.

وعلى مستوى السياسة التشريعية والأخلاقية، يرسخ هذا الإجراء ثقة المجتمع في الطابع الإنساني للعدالة؛ إذ يعكس مجتمعاً متحضراً يرفض الانتقام الأعمى ويدرك الفروق الدقيقة بين الشر الجنائي والابتلاء المرضي، مما يسهم في مكافحة الوصمة الاجتماعية المحيطة بالمرضى النفسيين ويعزز حمايتهم من العقوبات الجائرة بما فيها عقوبة الإعدام.

11. الأبحاث والأدلة التجريبية

أسفرت الدراسات المسحية والأبحاث الميدانية في مجال علم النفس القانوني والعدالة الجنائية عن معطيات تجريبية دحضت العديد من التصورات الخاطئة الشائعة حول هذا الدفع القضائي:

أظهرت دراسة رائدة شهيرة أجراها الباحث ستيدمان وفريقه (Steadman et al., 1993) شملت ثماني ولايات أمريكية، أن نسبة استخدام الدفع بالجنون لا تتجاوز 1% تقريباً (نحو 0.9%) من إجمالي القضايا الجنائية المنظورة في المحاكم، وأن المحاكم لا تقبل هذا الدفع إلا في نحو 25% فقط من تلك النسبة الضئيلة، مما يعني أن نجاح الدفع بالجنون لا يتعدى 2 إلى 3 حالات لكل ألف قضية جنائية تُعرض على القضاء، وهو ما يفند الاعتقاد العام السائد بأنه ثغرة قانونية واسعة يستغلها المجرمون للهروب من العقاب.

وفي دراسات لاحقة تناولت اتجاهات المحلفين والمجتمع، كشفت أبحاث بوست وسلوفينكو (Perlin, 2000) أن الرأي العام يُبدي تشككاً مستمراً وانحيازات مسبقة سلبية حيال هذا الدفع، مدفوعاً بتهويل وسائل الإعلام للجرائم النادرة ذات الطابع المأساوي، مما يولد تخوفاً مفرطاً لدى المحلفين من الإفراج السريع عن الجناة وارتكابهم لجرائم جديدة، على الرغم من أن الأبحاث الإحصائية تؤكد انخفاض معدلات العود الجرمي لدى المودعين في المشافي القضائية مقارنة بنظرائهم من المفرج عنهم من السجون التقليدية.

كما أثبتت الدراسات المقارنة أن الأفراد الذين يحصلون على حكم بالبراءة لعلة الجنون يقضون في المتوسط فترات احتجاز قسري داخل المصحات تماثل، وأحياناً تزيد بشكل ملحوظ عن، فترات العقوبة المقررة لنفس الجرائم في السجون الجنائية، لاسيما في جرائم القتل والاعتداءات العنيفة، مما يبطل الزعم القائل بأن الدفع يمثل وسيلة «سهلة» للإفلات التام من المسؤولية.

12. الاعتبارات الثقافية وعبر الثقافات

تتباين معايير الدفع بالجنون وآليات التعامل معه تبايناً جوهرياً باختلاف المرجعيات الثقافية والدينية والأنظمة القانونية المتباينة حول العالم:

في إطار الشريعة الإسلامية والفقه الجنائي الإسلامي المقارن، تتأصل قاعدة إسقاط العقوبة عن فاقد الأهلية في الحديث النبوي الشريف: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المبتلى (وفي رواية: المجنون) حتى يعقل». وقد انبثقت عن هذا النص الشرعي في التشريعات العربية المعاصرة نصوص قانونية واضحة تجعل «عاهة العقل» أو فقدان الإدراك مانعاً مطلقاً من موانع العقاب والمسؤولية الجنائية (كما هو الحال في المادة 62 من قانون العقوبات المصري والمواد المقابلة لها في القوانين العربية)، مع توجيه الحاكم القضائي بحجز المريض في مأوى علاجي آمن درءاً لضرره وحفاظاً على المجتمع.

أما من زاوية الأنظمة القانونية، ففي حين تعتمد بلدان القانون العام (Common Law) كبريطانيا والولايات المتحدة نظام المحلفين والمنازعات القضائية المفتوحة بين خبراء الدفاع والادعاء، تميل دول القانون المدني اللاتيني (Civil Law) كفرنسا وألمانيا ومعظم الدول العربية إلى تفويض لجان طبية قضائية رسمية محايدة تعينها المحكمة لتقديم تقرير حاسم حول الأهلية العقلية، حيث يؤخذ برأي اللجان الطبية في أغلب الأحوال كدليل فني قاطع يحدد مصير المحاكمة.

ثقافياً، تؤثر التفسيرات الشعبية في بعض المجتمعات التقليدية على كيفية فهم الأعراض النفسية؛ حيث قد يُفسر الذهان أو السلوك الفصامي أحياناً على أنه «مس شيطاني» أو «سحر» أو اختلال روحي، مما قد يدفع ذوي الجاني لتفضيل العلاجات الشعبية والروحية أو إنكار المرض النفسي خجلاً من الوصمة الاجتماعية، وهو ما يعقد مهمة الفحص النفسي الشرعي الدقيق ويحتم على الخبراء مراعاة الحساسية الثقافية أثناء تقييم الدوافع والضلالات التفسيرية للجريمة.

13. الانتقادات والمناظرات والقيود

يثير الدفع بالجنون موجات متواصلة من النقد والمناظرات الفقهية والأخلاقية من جهات متعددة تشمل الفلاسفة ورجال القانون وعلماء النفس أنفسهم:

يتركز النقد القضائي والاجتماعي الأساسي حول صعوبة التيقن العلمي والشك الدائم في ادعاء المرض (Malingering)؛ إذ يرى المعارضون أن الفحوص النفسية لا ترقى إلى مستوى الأدلة المادية الصلبة كالبصمات والحمض النووي، بل تعتمد في شق كبير منها على الاستبطان والتقرير الذاتي للمتهم، مما يفتح الباب أمام الجناة الأذكياء لتمثيل الجنون والتخلص من العقاب المستحق، الأمر الذي يراه الضحايا وذووهم هدراً لحقهم في القصاص والعدالة المنصفة.

من جهتهم، يواجه علماء النفس والطب النفسي معضلة مهنية وأخلاقية ترتبط بمحدودية الفحص الرجعي؛ فالطبيب النفسي يمارس عمله بعد وقوع الجريمة بمدد قد تطول، ولا يملك أي وسيلة موضوعية قطعية لإعادة بناء الدوائر المعرفية للمتهم وقت إطلاق الرصاصة أو توجيه الطعنة. وتؤدي هذه الطبيعة التقديرية إلى ظهور «معركة الخبراء» (Battle of Experts) في قاعات المحاكم، حيث يقدم خبراء الادعاء وخبراء الدفاع تقييمات متناقضة جذرياً حول نفس الشخص، مما يُضعف من هيبة الطب النفسي ومصداقيته العلمية أمام المحكمة والرأي العام.

أما على المستوى التشريعي، فقد أدى الاستياء العام من بعض أحكام البراءة الصادمة إلى قيام عدد محدود من الولايات الأمريكية (مثل أيداهو، وكانساس، ويوتا، ومونتانا) بإلغاء الدفع بالجنون من قوانينها تماماً، مكتفية بالسماح للمتهم بإثبات غياب القصد الجنائي فقط دون وجود دفع مستقل بالجنون؛ وهو إجراء واجه طعوناً دستورية واسعة وقوبل بانتقادات حقوقية لاعتباره تراجعاً عن المعايير الإنسانية الدولية التي تضمن حماية المرضى ذوي الإعاقات العقلية الجسيمة.

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة

تتداخل مع مفهوم الدفع بالجنون عدة مصطلحات ومفاهيم قانونية ونفسية تستلزم تفريقاً دقيقاً منعاً للخلط والالتباس المفاهيمي:

  • الأهلية للمحاكمة (Competency to Stand Trial): تشير حصراً إلى الحالة النفسية والعقلية للمتهم أثناء سير إجراءات المحاكمة الحالية، ومدى قدرته على فهم طبيعة الاتهامات الموجهة إليه، والتعاون الفعال مع محاميه؛ في حين يركز الدفع بالجنون على حالته وقت وقوع الجريمة في الماضي. فقد يكون المتهم غير مؤهل للمحاكمة مؤقتاً لكنه لم يكن مجنوناً وقت الجريمة، والعكس صحيح.
  • المسؤولية المخففة (Diminished Capacity): دفع قضائي لا يسعى لتبرئة المتهم كلياً لعلة الجنون، بل يهدف إلى إثبات معاناته من قصور ذهني أو انفعالي حد من قدرته على تشكيل القصد الجنائي التام (كالسبق والإصرار والترصد)، مما يؤدي لتخفيف وصف الجريمة والعقوبة المقررة (كالنزول من القتل العمد مع سبق الإصرار إلى القتل غير العمد أو الضرب المفضي إلى الموت).
  • السكر غير الاختياري (Involuntary Intoxication): حالة يفقد فيها الفرد سيطرته الإدراكية نتيجة لتناول مواد مسكرة أو مخدرة أُعطيت له بالإكراه أو بالحيلة أو بجهل تام منه، وتُعامل قانوناً معاملة الجنون في إسقاط المسؤولية الجنائية؛ وذلك بخلاف السكر الاختياري (Voluntary Intoxication) الذي لا يعد في الغالب مانعاً من موانع العقاب.
  • التصرف التلقائي غير الإرادي (Automatism): حالة يرتكب فيها الفرد فعلاً مادياً دون أي تدخل أو تحكم من الإرادة الواعية (كما في نوبات الصرع الحركي الشديد، أو السير أثناء النوم، أو الارتجاج الدماغي الحاد)، وتختلف عن الجنون في أنها لا تتطلب بالضرورة وجود مرض أو عاهة عقلية مزمنة، وتؤدي في حال ثبوتها إلى براءة تامة ومطلقة دون إيداع في مشفى نفسي قضائي.

15. ملخص وخلاصة ختامية

يجسد الدفع بالجنون التوازن الجوهري الذي تقيمه العدالة الجنائية الحديثة بين حتمية معاقبة الجريمة كفعل إرادي واعٍ، والالتزام الأخلاقي بعدم تجريم أولئك الذين أفقدهم المرض العقلي الجسيم ملكة التمييز وحرية الاختيار. ورغم اختلاف المعايير المعتمدة عبر العصور، من اختبارات «الوحش الكاسر» البدائية إلى «قواعد ماكنوتن» المعرفية وتعديلاتها المعاصرة، فإن المحور الثابت يظل واحداً: لا مسؤولية جزائية ولا لوم أخلاقي دون وعي بالقصد الجنائي.

إن التقييم النفسي والطب النفسي الشرعي يمثلان حجر الزاوية في تفعيل هذا الدفع من خلال أدوات الفحص الموضوعية والمقننة التي تهدف إلى كشف التمارض وإعادة بناء المشهد النفسي للمتهم وقت الجريمة. ورغم الانتقادات والجدل المتجدد في أوساط المجتمع والقانون، يظل الدفع بالجنون ضمانة إنسانية دستورية تكفل سيادة القانون وعدالة المحاكمة، وتحول دون انزلاق العقوبة الجنائية إلى مجرد انتقام عشوائي يطال فئات عاجزة تستوجب الرعاية والعلاج بدلاً من السجن والعقاب.

المراجع

  • American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
  • Melton, G. B., Petrila, J., Poythress, N. G., Slobogin, C., Otto, R. K., & Mossman, D. (2018). Psychological evaluations for the courts: A handbook for mental health professionals and lawyers (4th ed.). Guilford Press.
  • Perlin, M. L. (2000). The jurisprudence of the insanity defense. Carolina Academic Press.
  • Rogers, R., & Shuman, D. W. (2000). Conducting insanity evaluations (2nd ed.). Guilford Press.
  • Steadman, H. J., McGreevy, M. A., Donnelly, J. P., Clark, C. R., & Callahan, L. A. (1993). Before and after Hinckley: Evaluating insanity defense reform. University of Chicago Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 30). الدفع بالجنون: معضلة الإرادة والمسؤولية الجنائية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/al-dafe-bil-junun-insanity-defense/
looti, Mohammed. “الدفع بالجنون: معضلة الإرادة والمسؤولية الجنائية.” عرب سايكلوجي, 30 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/al-dafe-bil-junun-insanity-defense/.
looti, Mohammed. “الدفع بالجنون: معضلة الإرادة والمسؤولية الجنائية.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 30, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/al-dafe-bil-junun-insanity-defense/.