تاريخ علم النفسعلم النفس المهنيمؤسسات أكاديمية

الجمعية البريطانية لعلم النفس (BPS)

تُعد الجمعية البريطانية لعلم النفس (BPS) الهيئة الأكاديمية والمهنية الرائدة في المملكة المتحدة المسؤولة عن تقنين وتطوير علوم النفس، وتحديد المعايير الأخلاقية والمناهج التدريبية التخصصية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 30 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 30 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُمثّل الجمعية البريطانية لعلم النفس (British Psychological Society – BPS) إحدى أقدم وأعرق الهيئات الأكاديمية والمهنية المكرسة لتطوير العلوم السلوكية والعصبية في العالم المعاصر. تأسست هذه المؤسسة الرائدة لتكون المظلة الجامعة للباحثين والممارسين في مجالات علم النفس، واضعةً المعايير الصارمة التي تحكم التعليم الجامعي، والتدريب التخصصي، والممارسة الإكلينيكية والمهنية المعتمدة. ومنذ مطلع القرن العشرين، لعبت الجمعية دوراً محورياً في تحويل الدراسات النفسية من مجرد تأملات فلسفية واختبارات معملية استكشافية إلى تخصص إكلينيكي وتطبيقي بالغ الدقة والتأثير المجتمعي.

لا يقتصر ثقل الجمعية على حدود المملكة المتحدة فحسب، بل يمتد تأثيرها النظري والمنهجي إلى شتى المؤسسات الدولية بفضل مساهماتها الاستثنائية في تقنين الممارسات البحثية وتطوير أدوات القياس السيكومتري. وتشكل أدبياتها الأخلاقية والمؤسسية نموذجاً يُحتذى به في حوكمة البحث العلمي، وتوجيه السياسات الاستشفائية، ودمج نتائج الأبحاث المعملية في البيئات الميدانية المتنوعة كالمستشفيات، والمدارس، ومقرات العمل المؤسسي. ومن هذا المنطلق، يمثل استكشاف بنيتها الفكرية والتنظيمية ركيزة أساسية لفهم تاريخ التطور المهني للعلوم النفسية الحديثة.

السياق التاريخي والنشأة المؤسسية

تعود الجذور الأولى لتأسيس الجمعية إلى الرابع والعشرين من أكتوبر عام 1901، حينما اجتمع عشرة من الأكاديميين والعلماء في كلية لندن الجامعية (University College London) بدعوة من الفيلسوف وعالم النفس البريطاني جيمس سولي (James Sully). كان الهدف الأساسي من هذا الاجتماع التأسيسي هو صياغة فضاء علمي مستقل مخصص للنهوض بالأبحاث السيكولوجية الصرفة، وفصلها منهجياً عن العلوم الفلسفية والطبية العامة التي كانت تحتضنها آنذاك. وتألفت الهيئة التأسيسية من قامات علمية بارزة مثل وليم ماكدوغال (William McDougall) وفريدريك بارتليت (Frederic Bartlett)، الذين أدركوا مبكراً الحاجة الملحة إلى منصة تجمع الجهود البحثية المشتتة تحت مظلة تخصصية واضحة المعالم.

في مستهل عهدها، عُرفت المؤسسة باسم “الجمعية النفسية” (The Psychological Society)، وكانت العضوية فيها مقصورة على نخبة ضيقة من المشتغلين بالأبحاث المخبرية الصارمة. غير أن التحولات المنهجية المتسارعة ونمو الاهتمام بتطبيقات علم النفس في التربية والطب والجيش خلال الحرب العالمية الأولى، فرضت توسيع القاعدة الجماهيرية والأكاديمية للمؤسسة. وفي عام 1906، اعتُمد الاسم الرسمي ليصبح “الجمعية البريطانية لعلم النفس”، تلاه قرار استراتيجي في عام 1919 بفتح باب العضوية للممارسين والمهتمين بتطبيقات هذا العلم، مما شكّل نقطة تحول جذرية من مجتمع أكاديمي مغلق إلى هيئة مهنية وطنية كبرى تسعى للتأثير في البنية الاجتماعية والصحية العامة.

تُوِّج هذا المسار التاريخي في عام 1965 حينما حظيت الجمعية بالمرسوم الملكي البريطاني (Royal Charter)، وهو اعتراف دستوري رفيع رسخ وضعها القانوني بوصفها الهيئة المعتمدة رسمياً في المملكة المتحدة لرعاية مصالح هذا التخصص وحماية الجمهور من الممارسات غير العلمية. وقد نص الميثاق الملكي بوضوح على أن الغاية الجوهرية للجمعية هي النهوض بأساليب نشر وتطبيق المعارف السيكولوجية، ووضع أعلى درجات الكفاءة المهنية، وضمان استقلالية العلوم النفسية في خدمة المجتمع وتطور الفرد.

على مدار العقود اللاحقة، واصلت الجمعية تطوير هياكلها التنظيمية لتواكب الانفجار المعرفي في مجالات العلوم العصبية والنفسية. فاستحدثت مسميات مهنية معتمدة، كـ “عالم النفس القانوني المعتمد” (Chartered Psychologist – CPsychol)، الذي أصبح المعيار الذهبي للجودة المهنية والأكاديمية داخل بريطانيا وخارجها. ويمثل هذا التطور التاريخي دليلاً ساطعاً على مرونة المؤسسة وقدرتها على الموازنة بين نقاء البحث الأكاديمي وضرورات التطبيق الميداني المتشابك مع الحياة اليومية للإنسان المعاصر.

الهيكل التنظيمي والشُّعب التخصصية

تعتمد الجمعية البريطانية لعلم النفس في تسيير أعمالها على هيكلية تنظيمية شبكية متقدمة تهدف إلى استيعاب التخصصات الدقيقة والفرعية داخل الحقل النفسي الواسع. وتتفرع هذه البنية إلى أقسام وشُعب مهنية (Divisions)، وأقسام أكاديمية تخصصية (Sections)، وفروع جغرافية تغطي مختلف أقاليم المملكة المتحدة. هذه الشُّعب لا تعمل ككيانات معزولة، بل تشكل شبكة متكاملة لتبادل الخبرات وتطوير السياسات العلاجية والمعرفية الموحدة.

تأتي في طليعة هذه الكيانات شعبة علم النفس الإكلينيكي (Division of Clinical Psychology – DCP)، والتي تعد من أضخم وأهم أقسام الجمعية وأكثرها تأثيراً في رسم مسارات الرعاية الصحية العامة. تُعنى هذه الشعبة بوضع المعايير السريرية للتقييم والتشخيص والعلاج النفسي للأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسية حادة ومزمنة، بالتعاون الوثيق مع منظومة الخدمات الصحية الوطنية (NHS). وتتفرع عنها كليات متخصصة مثل كلية علم نفس الأطفال والمراهقين، وكلية علم نفس الشيخوخة، وكلية الذهان والاضطرابات المعقدة.

أما على الصعيد التربوي والمدرسي، فتنهض شعبة علم النفس التربوي والنمائي (Division of Educational and Child Psychology) بمهمة دراسة آليات التعلم وصعوباته والاحتياجات التعليمية الخاصة لدى الأطفال والناشئة، وصياغة التدخلات المدرسية الشاملة. وإلى جانبها، تنشط شعبة علم النفس المهني والتنظيمي (Division of Occupational Psychology) التي تركز أبحاثها واستشاراتها على بيئات العمل، وتحسين الكفاءة الإنتاجية، وإدارة التوتر المؤسسي، وتطوير أساليب الاختيار والتوظيف القيادي وفق مقاييس سايكومترية علمية متقدمة.

علاوة على ذلك، تحتوي الجمعية على شعب بالغة الأهمية تستجيب للحاجات القضائية والصحية والبدنية، ومن أبرزها:

  • شعبة علم النفس الجنائي (Forensic Psychology): وتُعنى بتطبيق النظريات السيكولوجية داخل السجون والمحاكم ونظم العدالة الجنائية وتأهيل الجناة وتقييم شهادات الشهود.
  • شعبة علم النفس العصبي الإكلينيكي (Neuropsychology): وتختص بفهم وتشخيص وعلاج الآثار المعرفية والسلوكية المترتبة على إصابات الدماغ الرضية والسكتات الدماغية والأمراض العصبية التنكسية.
  • شعبة علم النفس الصحي (Health Psychology): وتهتم بدراسة السلوكيات المرتبطة بالصحة الجسدية، والوقاية من الأمراض المزمنة، وتطوير أساليب التثقيف الصحي المجتمعي.
  • شعبة علم النفس الرياضي والبدني (Sport and Exercise Psychology): وتهدف إلى دراسة العوامل النفسية المؤثرة في الأداء الحركي والرياضي الاحترافي وتعزيز الرفاه النفسي عبر النشاط البدني.

المعايير الأخلاقية والميثاق المهني لممارسة علم النفس

يحتل “ميثاق الأخلاقيات والسلوك المهني” (Code of Ethics and Conduct) الصادر عن الجمعية البريطانية لعلم النفس مكانة تأسيسية في صياغة الهوية المهنية لعلماء النفس. لا يُنظر إلى هذا الميثاق بوصفه لائحة قانونية جافة للعقوبات، بل هو إطار إرشادي وفلسفي عميق ينظم طبيعة العلاقة العلاجية والبحثية، ويحمي حقوق المستفيدين من التدخلات النفسية، ويحافظ على هيبة التخصص ونزاهته العامة أمام المجتمع.

يرتكز الميثاق الأخلاقي للجمعية على أربعة مبادئ أخلاقية أساسية تشكل بوصلة الممارس والباحث في كافة أفعالهم وتدخلاتهم:

1. مبدأ الاحترام (Respect)

يقضي هذا المبدأ بوجوب إدراك الكرامة الإنسانية الكامنة لكل فرد دون تمييز على أساس العرق، أو النوع، أو الدين، أو التوجه الفكري، أو الإعاقة. يفرض هذا المعيار التزاماً تاماً بالسرية المهنية، وحماية الخصوصية الشخصية للعميل، والحصول على الموافقة المستنيرة (Informed Consent) المستندة إلى فهم كامل لطبيعة التقييم أو العلاج. كما يشمل الاعتراف بحق الفرد في تقرير مصيره واستقلاليته الذاتية في اتخاذ القرارات العلاجية متى ما كان متمتعاً بالأهلية القانونية والإدراكية اللازمة.

2. مبدأ الكفاءة (Competence)

يتطلب هذا المبدأ من كل مختص نفسي العمل حصراً ضمن حدود كفاءته الشخصية، المعرفية، والمهنية. ويُلزِم الممارس بالاعتراف بالحدود المعرفية وتجنب تقديم استشارات أو علاجات خارج نطاق تخصصه وتدريبه المعتمد. وتفرض الجمعية ممارسات مستمرة لمراجعة الأدبيات الحديثة والتدريب المهني المستمر (Continuing Professional Development – CPD) والإشراف الإكلينيكي الدوري، وذلك لضمان أن كل تدخل يُبنى على أفضل الأدلة العلمية المتاحة (Evidence-Based Practice).

3. مبدأ المسؤولية (Responsibility)

يؤكد هذا المحور على وعي الأخصائي بعواقب أفعاله وتأثيرها على حياة الأفراد والمجتمع. ويتجلى ذلك في التجنب الصارم للإضرار بالمريض (Non-maleficence)، والابتعاد التام عن استغلال الثقة أو النفوذ أو تبعية العميل المهنية، وتحاشي تكوين علاقات مزدوجة (Dual Relationships) مثل إقامة علاقات شخصية أو تجارية مع المرضى أو متلقي التدريب، مع الالتزام بالإبلاغ عن أي ممارسات غير آمنة أو غير أخلاقية قد تضر بسلامة المستفيدين.

4. مبدأ النزاهة (Integrity)

يشدد مبدأ النزاهة على الصدق، والشفافية، والعدالة في جميع التعاملات المهنية والأكاديمية. ويتضمن ذلك تمثيل المؤهلات والخبرات الشخصية بدقة فائقة دون تضليل، والوضوح التام في المعاملات المالية، وتجنب التضليل في الأبحاث والتجارب النفسية إلا تحت شروط بحثية استثنائية وبموافقة لجان الأخلاقيات، مع الالتزام بعقد جلسات تفريغ نفسي وإفصاح معرفي (Debriefing) فور انتهاء التجربة لضمان سلامة المشاركين واستقرارهم النفسي.

الاعتماد الأكاديمي والتدريب المهني

تضطلع الجمعية البريطانية لعلم النفس بدور محوري واستراتيجي في حوكمة التعليم الجامعي والدراسات العليا المتخصصة في علم النفس داخل المملكة المتحدة وفي بعض المؤسسات الدولية المعتمدة. فالجمعية هي الهيئة المخولة بمنح “قاعدة العضوية التأسيسية المعتمدة” (Graduate Basis for Chartered Membership – GBC)، وهي الاعتماد الإجباري الذي يجب أن يحصل عليه خريج البكالوريوس ليتمكن لاحقاً من التقدم لبرامج الدكتوراه والتدريب التخصصي العيادي والمهني.

تضع لجان الاعتماد الأكاديمي التابعة للجمعية معايير دقيقة للمقررات الجامعية تتطلب توازناً صارماً بين النظريات السيكولوجية والمنهجيات الإحصائية والتطبيقية. ويشترط في البرامج المؤهلة لنيل اعتراف الجمعية أن تغطي سبعة مجالات معرفية جوهرية تشمل: علم النفس المعرفي، وعلم النفس الحيوي/الفسيولوجي، وعلم النفس النمائي، وعلم النفس الاجتماعي، والفروق الفردية والشخصية، والمناهج الإحصائية والتجريبية المتقدمة، إضافة إلى إنجاز مشروع بحثي تجريبي مستقل يخضع للإشراف الأكاديمي الصارم ويجسد قدرة الطالب على التفكير النقدي الرصين.

وعلى مستوى الدراسات العليا والتدريب التخصصي، تشرف الجمعية على مواءمة برامج تدريب دكتوراه علم النفس السريري (DClinPsy)، ودكتوراه علم النفس التربوي (DEdPsy)، والدبلومات المهنية المتخصصة. تتطلب هذه البرامج إتمام آلاف الساعات من الممارسة السريرية الميدانية المباشرة الخاضعة لإشراف استشاري دقيق، إلى جانب إجراء أطروحات بحثية تقدم إسهامات أصيلة تسهم في حل المشكلات النفسية المعاصرة وتخدم البنى المجتمعية.

ورغم أن التنظيم القانوني والتسجيل المهني الإلزامي لممارسة المهنة في بريطانيا قد انتقل في عام 2009 إلى “مجلس المهن الصحية والرعاية” (Health and Care Professions Council – HCPC) بموجب التشريعات الحكومية، إلا أن الجمعية احتفظت بدورها الأكاديمي القيادي بوصفها الهيئة المعتمدة لمنح درجة “الأخصائي القانوني المعتمد” (Chartered Psychologist)، واستمرت في رسم المناهج الدراسية، وتقييم الجامعات، ومراقبة جودة مخرجات التعليم النفسي بوصفها الحارس الأكاديمي لتطور هذا التخصص.

النشر العلمي والمجلات الأكاديمية الصادرة عن الجمعية

تُعد الجمعية البريطانية لعلم النفس من أبرز ناشري الأدبيات والأبحاث النفسية عالمياً، حيث تمتلك وتدير بالشراكة مع دور النشر العالمية المرموقة (مثل Wiley-Blackwell) باقة من أرفع المجلات العلمية المحكمة ذات التأثير المرتفع. تهدف هذه الدوريات إلى تغطية كافة الفروع المعرفية والإمبريقية لعلم النفس وتقديم دراسات رصينة ترسم معالم المعرفة النفسية الحديثة وتوجه ممارسيها في مختلف أرجاء المعمورة.

تضم محفظة الجمعية من المجلات الرائدة ما يلي:

  • المجلة البريطانية لعلم النفس (British Journal of Psychology): الدورية الأم والأعرق، وتختص بنشر أحدث الأبحاث التجريبية المعمقة في علم النفس المعرفي، الحسي، والإدراكي العام، وتستقبل أبحاثاً من كافة مراكز الأبحاث الدولية الرائدة.
  • المجلة البريطانية لعلم النفس الإكلينيكي (British Journal of Clinical Psychology): المنصة الأبرز لنشر الدراسات حول مسببات الاضطرابات النفسية وطرق التقييم الإكلينيكي، والتجارب السريرية العشوائية الموجهة لاختبار فاعلية بروتوكولات العلاج النفسي المتنوعة.
  • المجلة البريطانية لعلم النفس التربوي (British Journal of Educational Psychology): وتركز على آليات التحصيل الدراسي والتعلم اللغوي والمعرفي والعلاقات النفسية والاجتماعية في البيئات المدرسية والجامعية.
  • المجلة البريطانية لعلم النفس الاجتماعي (British Journal of Social Psychology): وتُعنى بالدراسات النظرية والتجريبية التي تبحث في ديناميات الجماعات، والتحيز الاجتماعي، وتكوين الهوية، والاتجاهات السلوكية العامة.
  • المجلة البريطانية لعلم النفس الصحي (British Journal of Health Psychology): وتختص بالأبحاث البينية التي تربط السلوك البشري بالأمراض المزمنة والمناعة النفسية وتعزيز أنماط الحياة الصحية.

إلى جانب هذه الدوريات الأكاديمية الصارمة، تصدر الجمعية مجلتها الشهرية الشهيرة “ذا سايكولوجست” (The Psychologist)، وهي المطبوعة الثقافية والعلمية الرسمية الموجهة لأعضاء الجمعية والمجتمع العلمي الأوسع. تتميز هذه المجلة بمقالاتها الاستشرافية التي تطرح نقاشات نقدية حول قضايا الساعة من منظور سيكولوجي، وتقدم مساحات لمراجعة الكتب، واستعراض المقابلات مع رواد الفكر النفسي، وإثارة النقاشات العامة حول مآلات المهنة والتحديات المستقبلية التي تواجه ممارسيها.

المساهمات المعاصرة والتأثير في السياسات العامة

لم تعد الجمعية البريطانية لعلم النفس حبيسة المختبرات أو القاعات الدراسية، بل تحولت في العقود الأخيرة إلى فاعل أساسي في صناعة السياسات العامة والتشريعات الصحية والاجتماعية. وتعمل الجمعية كحلقة وصل بالغة التأثير بين العلماء وصناع القرار، حيث ترفع استشاراتها المتخصصة إلى البرلمان البريطاني واللجان الوزارية المختلفة، وتساهم بفعالية في صياغة الإرشادات التوجيهية الصادرة عن المعهد الوطني للتميز في الصحة والرعاية (NICE) لعلاج الاكتئاب، والقلق، والفصام، واضطرابات الشخصية.

برز هذا الدور بشكل لافت خلال الأزمات الصحية والاجتماعية الكبرى، لا سيما أثناء تفشي جائحة كوفيد-19. أنشأت الجمعية خلايا استجابة استشارية متخصصة قدمت إرشادات عملية للحكومة والجمهور حول الآثار النفسية لسياسات الإغلاق، وآليات دعم الكوادر الطبية المصابة بالإرهاق النفسي، وإدارة الصدمات الجماعية، وسبل مكافحة خطاب التشكيك في اللقاحات من خلال فهم التحيزات المعرفية والدوافع السلوكية لدى الأفراد.

كما تقود الجمعية اليوم حركات مجتمعية نشطة تركز على العدالة النفسية ومكافحة الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي. وقد أطلقت تقارير رائدة تعيد تعريف مفهوم “المرض العقلي”، وتدعو إلى تبني نماذج تفسيرية شمولية تتجاوز النظرة الطبية البيولوجية الاختزالية، مؤكدة على دور الصدمات النفسية، والظروف المعيشية، والفقر، والتهميش الاجتماعي كعوامل مسببة للاضطراب النفسي، مما شجع على تطوير خدمات الصحة النفسية المجتمعية والمراعية للصدمات (Trauma-Informed Services).

وفي مجال القضايا العالمية الكبرى، تنخرط الجمعية بعمق في دراسة التأثيرات النفسية للأزمات المناخية، حيث شكلت مجموعات عمل متخصصة في “سيكولوجيا المناخ” (Climate Psychology). تهدف هذه المبادرات إلى تحليل أسباب الإنكار المناخي، وتطوير استراتيجيات سلوكية لتحفيز السلوكيات البيئية الإيجابية، بالإضافة إلى تقديم الدعم الإكلينيكي للأشخاص الذين يعانون من القلق البيئي (Eco-Anxiety) في ظل التحولات المناخية المتسارعة.

التقييم النقدي والتحديات المؤسسية

على الرغم من المسيرة الحافلة للجمعية والمكانة العلمية المرموقة التي تحظى بها، إلا أنها واجهت ولا تزال تواجه حزمة من الانتقادات والنقاشات الإبستيمولوجية والتنظيمية من داخل الحقل النفسي ومن خارجه. تركزت هذه النقاشات حول جدلية الهوية المهنية، وإصلاح أطر الحوكمة، ومدى قدرة المؤسسات التقليدية على التحرر من الأنماط المعرفية الكلاسيكية.

أحد أبرز التحديات التي أثارت نقاشات حادة تمثل في قرار الحكومة البريطانية لعام 2009 بنقل الصلاحيات التنظيمية وحماية ألقاب الممارسين السريريين إلى مجلس المهن الصحية والرعاية (HCPC). رأى العديد من أعضاء الجمعية في ذلك الخطوة تراجعاً عن استقلالية التخصص ونزعاً لسيادة علماء النفس على شؤونهم المهنية، في حين اعتبر آخرون أن الانتقال كان خطوة ضرورية للفصل بين “الهيئة الممثلة لمصالح الأعضاء” و”الهيئة الرقابية المحايدة لحماية المستهلك”. تطلب هذا التغيير من الجمعية إعادة تعريف استراتيجيتها ورسالتها للتركيز على القيادة الفكرية والتطوير المعرفي بدلاً من دور الضابط التنظيمي الصارم.

من الناحية المعرفية والإبستيمولوجية، واجهت الجمعية في السنوات الأخيرة مطالبات متزايدة بالانخراط في حركة “تفكيك الاستعمار في علم النفس” (Decolonizing Psychology). ووجه النقاد، بمن فيهم باحثون ينتمون إلى أقليات إثنية وثقافية، انتقادات للمناهج المعتمدة من قبل الجمعية لاحتوائها على تحيزات غربية وأوروبية مركزية في فهم الذات والسلوك الإنساني. واستجابت الجمعية لهذه الانتقادات بتشكيل لجان متخصصة للمساواة والتنوع والشمول (EDI)، بهدف مراجعة معايير اعتماد المناهج الأكاديمية وإدماج نظريات نفسية تعبر عن التعددية الثقافية وتلبي احتياجات المجتمعات المتنوعة.

كذلك، تخوض الجمعية نقاشاً مستمراً يتعلق بـ “أزمة التكرار والتكرارية” (Replication Crisis) التي ضربت العلوم النفسية عالمياً، حيث تزايدت الضغوط نحو تشجيع سياسات “العلم المفتوح” (Open Science)، وإلزام المجلات التابعة للجمعية بنشر بروتوكولات الأبحاث مسبقاً (Pre-registration)، وتسهيل الوصول المجاني للبيانات الأولية، وذلك للحد من التحيزات الأكاديمية وتعزيز موثوقية الدراسات النفسية ومصداقيتها أمام المجتمع العلمي الدولي.

خاتمة

تظل الجمعية البريطانية لعلم النفس (BPS) ركناً أساسياً في تطور الصرح العلمي للممارسات النفسية على مستوى العالم. فعبر تاريخها الممتد لأكثر من قرن وربع، استطاعت هذه المؤسسة الانتقال بعلم النفس من تخوم التكهنات الفلسفية إلى صلب العلوم التطبيقية ذات المنهجيات الصارمة والأثر الاجتماعي المباشر. ومن خلال الجمع الحكيم بين التدريب النظري والعملي، ووضع المواثيق الأخلاقية الصلبة، ودعم الأبحاث الرائدة، تواصل الجمعية دورها بوصفها حارساً للمعايير المهنية ومحفزاً للابتكار المعرفي، مما يجعلها مرجعاً لا غنى عنه لأي باحث أو ممارس يسعى لفهم أبعاد النفس الإنسانية وخدمة رفاهيتها وكرامتها.

المراجع

  • British Psychological Society. (2018). Code of Ethics and Conduct. Leicester: British Psychological Society.
  • Bunn, G. C., Lovie, A. D., & Richards, G. D. (Eds.). (2001). Psychology in Britain: Historical Essays and Personal Reflections. Leicester: BPS Books.
  • Hall, J., Pilgrim, D., & Turpin, G. (Eds.). (2015). Clinical Psychology in Britain: Historical Perspectives. Leicester: British Psychological Society.
  • Lunt, I. (1999). The regulation of psychological practice and training in the United Kingdom. European Psychologist, 4(2), 103-108.
  • Richards, G. (2000). The British Psychological Society: The first 100 years. The Psychologist, 13(12), 608-613.
  • Turpin, G., & Coleman, G. (2010). Clinical psychology and the Health Professions Council: The transition to statutory regulation. Clinical Psychology Forum, 206, 11-15.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 30). الجمعية البريطانية لعلم النفس (BPS). عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/al-jamiyah-al-britaniyah-li-ilm-al-nafs-bps/
looti, Mohammed. “الجمعية البريطانية لعلم النفس (BPS).” عرب سايكلوجي, 30 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/al-jamiyah-al-britaniyah-li-ilm-al-nafs-bps/.
looti, Mohammed. “الجمعية البريطانية لعلم النفس (BPS).” عرب سايكلوجي. سبتمبر 30, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/al-jamiyah-al-britaniyah-li-ilm-al-nafs-bps/.