تُمثّل النمذجة الضمنية إحدى أعمق التقنيات السلوكية المعرفية التي استطاعت سد الفجوة بين العمليات الذهنية الداخلية والتطبيقات السلوكية الواقعية، موفرةً أداة تدخل علاجي فعالة لا تعتمد بالضرورة على البيئة الخارجية لتقديم النماذج الحية. من خلال تسخير طاقة التصور الذهني الموجّه، استطاع المعالجون النفسيون مساعدة الأفراد على مواجهة مخاوفهم، وبناء مهارات تكيفية جديدة، وإعادة تشكيل منظومتهم الاستجابية دون الحاجة إلى التعرض الفعلي المباشر في المراحل الأولى للعلاج.
النمذجة الضمنية (Covert Modeling)
1. التعريف الدقيق والموجز
النمذجة الضمنية (Covert Modeling) هي تقنية تدخل سلوكية-معرفية إكلينيكية يقوم فيها الفرد بتخيّل شخص آخر (أو تخيل ذاته) وهو يؤدي السلوك المستهدف بنجاح وكفاءة في ظل ظروف بيئية أو انفعالية محددة، متبوعاً بتلقي تعزيز إيجابي أو خفض لمستوى القلق، وذلك بهدف اكتساب السلوك المرغوب أو تعزيزه أو إطفاء الاستجابات غير المرغوبة. وتندرج هذه التقنية ضمن إطار الإشراط الضمني والتعلم بالملاحظة عبر الوسائط التخيلية دون الحاجة لوجود نموذج مادي محسوس.
يتجاوز هذا الأسلوب مجرد التخيل العابر؛ إذ يُعد إجراءً علاجياً منظماً يعتمد على بناء سيناريوهات عقلية تفصيلية ومضبوطة بدقة بالغة. يسترشد العميل في هذه العملية بتعليمات المعالج الإكلينيكي لتوليد صور ذهنية حية وديناميكية تمثل النموذج وهو يواجه الموقف المثير (مثل التحدث أمام الجمهور، أو الاقتراب من كائن مسبب للرهاب) ويتعامل معه باتزان. تكمن القوة الجوهرية لهذه التقنية في قدرة الجهاز العصبي على معالجة التمثيلات الذهنية بطريقة تحاكي الخبرة الواقعية، مما يؤدي إلى إعادة تنظيم المسارات المعرفية وتعديل التوقعات الذاتية حول الكفاءة والقدرة.
تُمارس النمذجة الضمنية كجزء من العلاجات السلوكية المعرفية الحديثة، حيث تُستخدم لتدريب العميل على مهارات توكيد الذات، وعلاج الرهاب النوعي، والحد من القلق الاجتماعي، والتعامل مع الوساوس القهرية، وتعديل العادات غير التكيفية. إنها تمثل جسراً آمناً وتدريجياً ينقل الفرد من حالة العجز التام إلى امتلاك الجاهزية السلوكية في الواقع الفعلي.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي
يعود الأصل اللغوي للمصطلح في اللغة الإنجليزية إلى تركيب وصفي يجمع بين كلمتين: الأولى هي Covert المشتقة من الفرنسية القديمة covert (اسم مفعول من فعل covrir أي يغطي أو يستر، والمتجذرة من اللاتينية cooperire)، وتفيد معنى الخفي، المستتر، أو غير الظاهر للحواس الخارجية. أما الكلمة الثانية فهي Modeling المشتقة من الإيطالية modello واللاتينية modellus (تصغير modus أي مقياس، نمط، أو معيار)، وتُترجم إلى المحاكاة السلوكية أو الاقتداء بنمط معين.
في اللغة العربية، اشتُق مصطلح «النمذجة» من جذر «ن-م-ذ-ج»، وهو لفظ مولّد يُعنى بصياغة الشيء وفق نموذج أو مثال يُحتذى، في حين يُشتق لفظ «الضمنية» من الجذر «ض-م-ن» الذي يحمل دلالات الاحتواء والاستتار والبطون؛ فالأمر الضمني هو ما انطوى في النفس وخفي عن العيان ولم يظهر صراحةً في الحيز الخارجي. وهكذا يُشير المصطلح العربي بدقة متناهية إلى عملية النمذجة التي تتم في الفضاء الذهني الباطن للمتعلم.
دخل المصطلح ميدان علم النفس السلوكي الإكلينيكي في مطلع سبعينيات القرن العشرين، وتحديداً عبر أبحاث عالم النفس الأمريكي جوزيف كوتيلا (Joseph R. Cautela)، الذي قاد حركة رائدة لتوسيع مبادئ الإشراط السلوكي الكلاسيكي والإجرائي لتشمل العمليات التخيلية والباطنية، واضعاً أسس ما يُعرف بحزمة «الإشراط الضمني» (Covert Conditioning).
3. الصيغة النحوية والاستعمال اللغوي
تُصنف «النمذجة الضمنية» في قواعد اللغة العربية كتركيب وصفي يتألف من مبتدأ موصوف (النمذجة) وهو مصدر صناعي قياسي، ونعت (الضمنية) وهو اسم منسوب يؤكد الصفة الباطنية للفعل. ويشيع استخدامها في الأدبيات السيكولوجية بصيغة الاسم المفرد المعرف بأل: «النمذجة الضمنية»، وتُستعمل أيضاً مضافة كقولنا: «تقنية نمذجة السلوك ضمنياً».
تتعدد الترجمات العربية للمصطلح في السياقات الأكاديمية بحسب المدارس الفكرية للدول العربية؛ حيث تُترجم أحياناً بـ «النمذجة التخيلية»، أو «النمذجة المستترة»، أو «النمذجة الباطنة»، إلا أن «النمذجة الضمنية» هي الأكثر انتشاراً ومطابقة للمصطلح الإنجليزي المقابل (Covert Modeling). في الكتابات المتخصصة، تُستخدم العبارة كاسم تقنية علاجية محددة تختلف بوضوح عن «النمذجة الصريحة» (Overt Modeling) التي تشير إلى النماذج الواقعية المباشرة.
4. الشرح المفاهيمي التفصيلي والأبعاد النظرية
تقوم النمذجة الضمنية على فرضية مفادها أن العمليات التخيلية تخضع لذات القوانين السلوكية والفسيولوجية التي تحكم السلوك الظاهري الملاحظ. فبدلاً من أن يراقب الفرد نموذجاً حياً في الغرفة الإكلينيكية، أو يتابع فيلماً تعليمياً يجسد الأداء السلوكي، يُطلب منه إغلاق عينيه وبناء صورة ذهنية دقيقة لنموذج افتراضي. يتضمن هذا السيناريو محاكاة لكافة المتغيرات البيئية المثيرة، واستجابات النموذج الجسدية والمعرفية، والنتيجة المعززة المترتبة على ذلك السلوك.
يمتد نطاق هذه التقنية ليشمل عدة حدود فاصلة وأبعاد وظيفية؛ فهي ليست استرخاءً سلبياً ولا تخيلاً حراً غير موجّه، بل هي إعادة بناء إدراكي منظمة. يتم ضبط محتوى السيناريو ليتناول العناصر الثلاثة للموقف السلوكي: المثيرات القبلية (Antecedents)، والسلوك المستهدف (Behavior)، والمثيرات البعدية المعززة (Consequences). وبناءً على ذلك، يتم استثارة منظومة الاستجابة العصبية دون الاضطرار لتحمل المخاطر أو مشاعر الخوف الغامرة المرتبطة بالواقع الفعلي.
تلعب خصائص النموذج المُتخيّل دوراً جوهرياً في فاعلية التدخل؛ إذ أظهرت الدراسات أن النموذج قد يكون «نموذج إتقان» (Mastery Model) يُظهر شجاعة تامة وكفاءة لا تشوبها شائبة من البداية، أو «نموذج مواجهة وتكيف» (Coping Model) يبدأ بإظهار شيء من التردد أو التوتر ثم ينجح في التغلب عليه تدريجياً عبر توظيف مهارات المواجهة. ويُعد هذا الأخير أكثر فاعلية في خفض حدة الرهاب وتحسين الكفاءة الذاتية لدى العملاء الذين يعانون من مستويات قلق مرتفعة، نظراً لقرب النموذج من واقعهم الذاتي وسهولة التماهي معه.
5. التطور التاريخي ورواد الأسلوب
يعود الفضل التاريخي في تدشين هذا المفهوم إلى أوائل السبعينيات من القرن العشرين، عندما طرح جوزيف كوتيلا (Joseph R. Cautela) في عام 1971 مقالته التأسيسية حول النمذجة الضمنية كامتداد لمنظومته الإجرائية المعروفة بـ «الإشراط الضمني». كان كوتيلا يسعى لتطبيق الفكر السلوكي الراديكالي المستند إلى مبادئ ب. ف. سكينر على الظواهر التي لا يمكن رصدها خارجياً كالتفكير والتصور الذهني، معتبراً أن الصور الذهنية تعمل بمثابة استجابات ومثيرات تخضع لقوانين التعزيز والعقاب.
في التوقيت نفسه، كانت نظرية التعلم الاجتماعي لعالم النفس البارز ألبرت باندورا (Albert Bandura) تشهد نضجاً استثنائياً، حيث ركزت أبحاث باندورا على مفهوم التعلم بالملاحظة (Observational Learning) ومحاكاة النماذج. ورغم أن باندورا ركّز في البداية على النمذجة الحية والمصورة، إلا أنه أشار صراحة إلى أن الترميز الرمزي والتمثيلات العقلية الداخلية للنماذج تشكل الآلية المعرفية الأساسية التي تكمن خلف اكتساب السلوكيات وتخزينها، مما أضفى شرعية نظرية هائلة على أفكار كوتيلا.
شهدت منتصف السبعينيات وأوائل الثمانينيات قفزة نوعية في تقنين واختبار التقنية على يد عالم النفس ألان كازدين (Alan E. Kazdin). أجرى كازدين سلسلة من الدراسات التجريبية المحكمة لتقييم المتغيرات المؤثرة في النمذجة الضمنية، مثل: تأثير تشابه خصائص النموذج مع العميل، وتأثير تنوع النماذج المتخيلة، وتأثير إدراج عواقب التعزيز مقابل غيابها. رسخت تجارب كازدين موقع النمذجة الضمنية كأداة معيارية قائمة على الأدلة ضمن الترسانة العلاجية لـ العلاج السلوكي المعرفي (CBT).
6. الأسس والمنطلقات النظرية
تستند النمذجة الضمنية إلى تكامل نظري يجمع بين أطر معرفية وسلوكية وعصبية متعددة:
- النظرية المعرفية الاجتماعية (Social Cognitive Theory): تؤكد على أن التعلم لا يتطلب دائماً استجابة حركية فورية وتعزيزاً مباشراً، بل يمكن أن يتم عبر معالجة المعلومات المستقاة من النماذج الرمزية. تفعّل النمذجة الضمنية العمليات الأربع التي حددها باندورا: الانتباه (Attention)، والاحتفاظ أو التخزين الرمزي (Retention)، والإنتاج الحركي (Motor Reproduction)، والدافعية والتعزيز البديل (Motivation).
- فرضية التكافؤ الوظيفي في علم النفس العصبي (Functional Equivalence Hypothesis): تفترض هذه الرؤية أن التخيل الحركي ينشط شبكات القشرة المخية ذاتها (مثل القشرة الحركية الإضافية، والقشرة أمام الحركية، والمخيخ) التي تنشط أثناء التنفيذ الفعلي للسلوك. وبالتالي، فإن تخيل نموذج يقوم بعمل ما يسهم في تثبيت المخططات الحركية والعصبية اللازمة للأداء الواقعي.
- نموذج المعالجة البيولوجية الإخبارية لبيتر لانغ (Bio-informational Theory of Imagery): يرى لانغ أن الصورة الذهنية ليست مجرد صورة بصرية، بل شبكة تتألف من مثيرات حسية (Stimulus propositions) واستجابات جسدية وانفعالية (Response propositions). تعمل النمذجة الضمنية على تعديل مقترحات الاستجابة السلبية واستبدالها باستجابات هادئة وتكيفية عبر التدريب المتكرر.
7. المكونات والأنواع والأبعاد الرئيسة
تتضمن النمذجة الضمنية مجموعة من العناصر البنيوية والأنواع الإكلينيكية المصنفة بحسب طبيعة النموذج والهدف العلاجي:
- نموذج الإتقان مقابل نموذج التكيف (Mastery vs. Coping Model): في نموذج الإتقان، يتخيل العميل شخصاً يتمتع بثقة مطلقة ينجز السلوك بلا أي خوف. أما في نموذج التكيف، يظهر النموذج بعض علامات القلق الأولية، ثم يستعمل فنيات التنفس العميق والحديث الذاتي الإيجابي للتغلب عليها، وهو النمط الأنسب لإزالة التحسس والرهاب.
- نموذج الآخر مقابل النمذجة الذاتية الضمنية (Covert Self-Modeling): قد يتخيل العميل شخصاً آخر يشبهه في العمر والجنس والظروف، أو قد يُوجّه لتخيل نفسه مستقبلاً وهو يتصرف بالمهارة المستهدفة بعد أن تخلص من التردد، مما يرفع إحساس الكفاءة الذاتية بطريقة مباشرة.
- النماذج المتعددة (Multiple Models): تعريض الذهن لعدة شخصيات مختلفة تتصرف بفاعلية داخل السيناريو التخيلي، مما يسهم في تعميم الاستجابة عبر بيئات وسياقات متعددة وتجنب ارتباط السلوك بشخصية واحدة.
- التعزيز البديل الضمني (Covert Vicarious Reinforcement): تخيل النموذج وهو يحظى باستحسان اجتماعي، أو مكافأة مادية، أو راحة نفسية عميقة عقب الأداء الناجح، مما يوفر شحنة دافعية تدعم تكرار السلوك.
8. أمثلة وحالات تطبيقية واقعية
لتوضيح الآلية في الممارسة الإكلينيكية، نستعرض حالتين نموذجيتين:
الحالة الأولى: رهاب التحدث أمام الجمهور: عانى «خالد» (32 عاماً) من تجنب مستمر لتقديم العروض التقديمية في عمله نتيجة قلق حاد. قام المعالج بتصميم جلسات نمذجة ضمنية يُغمض فيها خالد عينيه، ويتخيل زميلاً له يشبهه في المستوى الوظيفي يصعد إلى المنصة. يلاحظ خالد ارتعاش يد الزميل في البداية (نموذج تكيف)، ثم يراه يبتسم للحضور، ويأخذ نفساً عميقاً، ويبدأ في استعراض الشرائح بوضوح. يتخيل خالد الجمهور وهو يصفق بإعجاب للزميل في نهاية العرض (تعزيز بديل). بعد تكرار هذه الجلسات مع إدخال عناصر النمذجة الذاتية، انخفضت درجات القلق الاستباقي لدى خالد وتمكن من تقديم عرضه بنجاح.
الحالة الثانية: تدريب توكيد الذات ورفض الطلبات غير المنطقية: تقدمت «منى» بطلب مساعدة للتغلب على عجزها عن قول «لا» لزملائها في العمل. تم استخدام النمذجة الضمنية لتخيل امرأة هادئة وواثقة يُطلب منها أداء عمل إضافي يتعارض مع مهامها؛ تبتسم المرأة بلطف وترفض بنبرة حازمة ومحترمة قائلة: «أعتذر، جدولي ممتلئ تماماً اليوم ولا يمكنني المساعدة». تخيلت منى الطرف الآخر وهو يتقبل الرفض باحترام دون أي غضب، مما خفف المعتقدات المشوهة لدى منى حول العواقب الكارثية المترتبة على توكيد الذات.
9. أساليب القياس والتقييم الإكلينيكي
يتطلب التطبيق الإكلينيكي الرصين للنمذجة الضمنية إخضاع العميل لتقييمات مسبقة ومستمرة تشمل:
- تقييم حيوية ووضوح التخيل: استخدام مقاييس سيكومترية معيارية مثل استبيان حيوية الصور البصرية (VVIQ) للتأكد من قدرة المفحوص على استحضار صور ذهنية واضحة ومستقرة، حيث ترتبط حيوية التخيل طردياً بالنتائج العلاجية.
- مقياس وحدات الانزعاج الذاتية (SUDS): يُطلب من العميل تقييم مستوى القلق والانزعاج (من 0 إلى 100) أثناء استحضار المشهد التخيلي للتأكد من حدوث تفاعل انفعالي مناسب دون حدوث استثارة شديدة تعيق التعلم.
- اختبارات الأداء السلوكي (Behavioral Avoidance Tests – BAT): قياس المسافة أو الدرجة التي يستطيع بها العميل الاقتراب من المثير الحقيقي قبل جلسات النمذجة وبعدها، لتحديد مدى انتقال الأثر من المجال الذهني إلى السلوك الفعلي الملاحظ.
10. التطبيقات ومجالات الاستخدام الإكلينيكي والتربوي
تتنوع مجالات تطبيق النمذجة الضمنية خارج حدود العيادة النفسية لتشمل:
العلاج النفسي والطب النفسي: تُعد الخيار الأمثل للعملاء الذين يعانون من مستويات رهاب حادة تجعلهم يرفضون العلاج بالتعرض المباشر في البداية. كما تُستخدم في برامج إدارة الغضب، وعلاج إدمان المواد عبر تخيل نماذج تقاوم الرغبة الملحة في التعاطي، والاضطرابات الجنسية النفسية المنشأ عبر محاكاة تجارب خالية من القلق الأدائي.
علم النفس الرياضي وتطوير الأداء: يستعين الرياضيون المحترفون بالنمذجة الضمنية لتخيل أبطال متميزين (أو تخيل أنفسهم) وهم ينفذون حركات معقدة بدقة متناهية تحت الضغط التنافسي، مما يسهم في تطوير الذاكرة الحركية وبناء الصلابة النفسية.
السياقات التربوية والمهنية: تدريب الطلاب والقادة على مهارات التفاوض، وإدارة الصراعات، والقيادة التكيفية، من خلال استعراض سيناريوهات عقلية لحلول إبداعية ومواقف تفاعلية معقدة قبل الانخراط في التطبيق العملي.
11. الأدلة التجريبية والبحوث العلمية
أثبتت أبحاث ألان كازدين في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي فاعلية النمذجة الضمنية عبر تجارب منضبطة عشوائياً (RCTs). في إحدى دراساته الكلاسيكية حول الأفراد الخجولين غير المؤكدين لذواتهم، وُجد أن المشاركين الذين تعرضوا لنمذجة ضمنية تعتمد على نماذج تكيف متعددة أظهروا تحسناً ذا دلالة إحصائية في السلوك التوكيدي والحديث اللفظي المباشر مقارنة بمجموعات الضبط والنمذجة السلبية.
كشفت الدراسات التلوية (Meta-analyses) اللاحقة أن فاعلية النمذجة الضمنية تقترب كثيراً من فاعلية النمذجة المصورة بالفيديو (Videotape Modeling) والنمذجة الحية، وتتفوق عليها في مرونة التعديل، حيث يمكن للمعالج تكييف السيناريو التخيلي بدقة متناهية ليناسب خصوصية مخاوف كل عميل دون تكاليف إنتاج أو مواقف تصوير معقدة.
أكدت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) في العقدين الأخيرين أن التخيل الحركي للنماذج ينشط مناطق الدماغ المسؤولة عن الخلايا العصبية المرآتية (Mirror Neuron System)، مما يقدم دعماً بيولوجياً قوياً لفرضية أن الدماغ البشري يتعلم عبر المحاكاة الذهنية بنفس الآليات المستخدمة في الملاحظة البصرية الحية.
12. الاعتبارات الثقافية والسياقية
تتأثر فاعلية وتطبيق النمذجة الضمنية بالمتغيرات الثقافية؛ إذ ينبغي على المعالج الانتباه لخصوصية النماذج المتخيلة ومدى ملاءمتها للمنظومة القيمية للمجتمع. في المجتمعات الجمعية (كالعديد من الثقافات العربية والشرقية)، يختلف مفهوم السلوك التوكيدي المقبول عن المجتمعات الفردية الغربية؛ إذ يجب تصميم النموذج المتخيل بحيث يحقق التوكيد الذاتي دون الإخلال بآداب التوقير والاحترام العائلي والاجتماعي، تجنباً لإحداث صراع قيمي داخلي لدى العميل.
كذلك تلعب الخلفيات الدينية والروحية دوراً في مدى تقبل العميل لتقنيات التخيل؛ فبعض العملاء قد يخلطون بين التصور الذهني العلمي الموجه وبين بعض الممارسات الباطنية، مما يقتضي من المعالج تقديم صياغة نفسية تثقيفية (Psychoeducation) واضحة توضح الأسس العصبية والمعرفية للإجراء لبناء الثقة والامتثال العلاجي.
13. الانتقادات والجدل والحدود المنهجية
رغم الفاعلية المؤكدة، واجهت النمذجة الضمنية عدة انتقادات وتحديات منهجية:
- الاعتماد الحرج على قدرات التخيل: تفقد التقنية قيمتها لدى الأفراد الذين يعانون من «اللانافتاستيا» (Aphantasia – فقدان القدرة على تكوين صور بصرية ذهنية) أو أولئك الذين يعانون من تشتت انتباه حاد يعيق الحفاظ على ثبات السيناريو الذهني.
- صعوبة الرقابة المباشرة: لا يستطيع المعالج معرفة ما يراه العميل في عقله بصورة موضوعية، فقد يدخل العميل تفاصيل غير مرغوبة أو مشوهة معرفياً في السيناريو دون وعي، مما يقلل من الفاعلية التدخلية مقارنة بالنمذجة الحية القابلة للرصد المباشر.
- العبء المعرفي: يتطلب توليد المشاهد المعقدة وضبط تفاصيلها طاقة ذهنية ومعرفية كبيرة، وهو ما قد يسبب إرهاقاً سريعاً لبعض العملاء المصابين بالاكتئاب الجسيم أو التدهور المعرفي.
14. المصطلحات المقارنة والفروق الدقيقة
لتجنب الخلط الشائع في الأدبيات السريرية، نوضح الفروق بين النمذجة الضمنية والمفاهيم المتقاربة:
- النمذجة الصريحة (Overt Modeling): تتضمن مراقبة نموذج بشري واقعي أو مادة مرئية مسجلة تؤدي السلوك، بينما تتم النمذجة الضمنية بالكامل داخل المخيلة دون مدخلات بصرية خارجية.
- البروفة السلوكية الذهنية (Mental Rehearsal): يركز فيها الفرد حصرياً على تخيل نفسه وهو يمارس المهارة التي يعرفها بالفعل لصقلها، بينما تركز النمذجة الضمنية في الأساس على اكتساب المهارة عبر مراقبة «نموذج» وتلقيه تعزيزاً بديلاً.
- إزالة التحسس المنهجي (Systematic Desensitization): تهدف إلى كسر الرابطة بين المثير والقلق عبر التخيل المقترن بالاسترخاء العضلي المتبادل، في حين تركز النمذجة الضمنية على التعلم المعرفي وحل المشكلات وتقليد استراتيجيات التكيف التي يمارسها النموذج.
- الحساسية الضمنية (Covert Sensitization): تقنية تنفيرية تُقرن السلوك غير المرغوب بتخيل مثيرات منفرة للغاية (كالغثيان) لخفض جاذبيته، في حين أن النمذجة الضمنية تركز على بناء سلوكيات إيجابية واكتساب استجابات تكيفية.
15. خلاصة واستنتاجات ختامية
تظل النمذجة الضمنية ابتكاراً بارزاً أثرى مدرسة العلاج السلوكي المعرفي؛ حيث استطاعت توظيف طاقة العقل البشري في صناعة بيئات محاكاة آمنة، تُكسب المتعلم مهارات وسلوكيات شجاعة دون تعريضه للمخاطر المباشرة. ومن خلال مراعاة الفروق الفردية في جودة التخيل، وتصميم سيناريوهات تراعي البعد الثقافي والواقعي، أثبتت هذه التقنية مكانتها كإجراء علاجي محكم يربط الفكر بالسلوك، ويُمكّن الإنسان من إعادة صياغة واقعه انطلاقاً من إعادة بناء تخيلاته الداخلية.
المراجع
- Bandura, A. (1977). Social Learning Theory. Prentice-Hall. https://www.simplypsychology.org/bandura.html
- Cautela, J. R. (1971). Covert modeling. In Paper presented at the meeting of the Association for Advancement of Behavior Therapy, Washington, D.C.
- Kazdin, A. E. (1974). Covert modeling, model similarity, and counterconditioning in the reduction of avoidance behavior. Journal of Abnormal Psychology, 83(6), 649–659. https://doi.org/10.1037/h0037500
- Kazdin, A. E. (1979). Effects of covert modeling and coding of modeled stimuli on assertive behavior. Behaviour Research and Therapy, 17(1), 53–61. https://doi.org/10.1016/0005-7967(79)90048-5
- Spiegler, M. D., & Guevremont, D. C. (2010). Contemporary Behavior Therapy (5th ed.). Wadsworth, Cengage Learning.