تمثل النواة المتكئة (Nucleus Accumbens) واحدة من أكثر البنى تحت القشرية إثارة لاهتمام الباحثين في حقول علم النفس العصبي والعلوم العصبية الإدراكية والسلوكية. تُعد هذه النواة بمثابة الجسر الوظيفي والمفترق الديناميكي الذي يربط بين الجهاز الحوفي، المسؤول عن معالجة المشاعر والانفعالات الأولية، والجهاز الحركي المخطط، الموكل بتنفيذ وتوجيه السلوك الحركي الهادف. إن فهم الآليات البيولوجية العميقة الكامنة وراء السلوك البشري المدفوع بالغاية، والتجارب الوجدانية المرتبطة باللذة، والأنماط السلوكية القهرية، يظل قاصراً دون تفكيك الخصائص البنيوية والكيميائية لهذه العقدة العصبية المركزية التي تحظى بموقع استراتيجي فريد داخل الدماغ البشري.
البنية التشريحية والتموضع الطوبوغرافي للنواة المتكئة
تحتل النواة المتكئة موقعاً محورياً في الجزء الأمامي القاعدي من الدماغ البشري، وتحديداً ضمن ما يُعرف في الأدبيات التشريحية بـ المخطط البطني (Ventral Striatum). تقع هذه النواة عند نقطة التقاء الجزء السفلي من رأس النواة المذنبة (Caudate Nucleus) مع الجزء الأمامي من البطانة (Putamen)، وتجاور مباشرة الحاجز الشفاف والقمع البصري. يمنح هذا الموضع الفريد النواة المتكئة إمكانية التفاعل الفيزيائي والوظيفي الوثيق مع شبكات عصبية تمتد من جذع الدماغ وتصل إلى قشرة الفص الجبهي، مما يجعلها منصة متقدمة لمعالجة وتكامل الإشارات الواردة من مستويات متعددة من الجهاز العصبي المركزي.
من الناحية المجهرية والخلوية، تتألف النواة المتكئة بنسبة تتجاوز خمسة وتسعين بالمئة من عصبونات إسقاطية شائكة متوسطة الحجم (Medium Spiny Neurons – MSNs)، وهي خلايا عصبية تستخدم حمض الغاما-أمينوبيوتيريك (GABA) كناقل عصبي تثبيطي أساسي. تتميز هذه العصبونات بكثافة تشجرية استثنائية وبوجود آلاف الأشواك التغصنية التي تستقبل مدخلات متشابكة من مختلف مناطق الدماغ القشرية وتحت القشرية. إضافة إلى ذلك، تحتوي النواة على نسبة ضئيلة ولكنها بالغة الأهمية من العصبونات البينية (Interneurons)، والتي تشمل العصبونات الكولينية الكبيرة غير الشائكة والعصبونات البينية المفرزة لمركبات النيتروجين والبروتينات المنظمة للإشارات الكهربائية، حيث تعمل هذه الخلايا كمنظمات محلية للنشاط الشبكي والتنسيق المتشابك الداخلي.
ترتبط النواة المتكئة بشبكة معقدة من المسارات الإسقاطية الواردة والصادرة التي تدمجها في الدارات العصبية الأوسع للدماغ. تستقبل النواة مدخلات غلوتاماتية استثارية واسعة النطاق من قشرة الفص الجبهي الإنسية، وقشرة الحزامية الأمامية، والقشرة الجبهية الحجاجية، واللوزة الدماغية (Amygdala)، والحصين (Hippocampus). وفي المقابل، ترسل النواة إسقاطاتها التثبيطية الغاباوية إلى الشاحبة البطنية (Ventral Pallidum)، والمنطقة السقيفية البطنية، والمادة السوداء، والمهاد النخاعي الظهري، مما يتيح لها التأثير المباشر على الحلقات القشرية المخططة المهادية القشرية المسؤولة عن المبادرة الحركية والتحكم التنفيذي وصياغة القرارات.
التمايز الوظيفي والتركيبي: اللب مقابل القشرة
ينقسم التركيب التشريحي للنواة المتكئة وظيفياً ونسيجياً إلى قسمين رئيسيين متمايزين: اللب (Core) والقشرة (Shell). هذا التقسيم الثنائي ليس مجرد توصيف مظهري، بل يعكس تبايناً عميقاً في الاتصالات العصبية، والملامح الكيميائية الخلوية، والأدوار السلوكية المنوطة بكل قطاع. يُظهر كل جزء منهما استجابات متباينة للمحفزات البيئية والتنبيهات الدوائية، مما يسلط الضوء على تخصص داخلي معقد يخدم وظائف متكاملة داخل الجهاز العصبي المعني بالمكافأة والسلوك الغائي.
يمثل “اللب” الامتداد الطبيعي للمخطط الظهري، ويتشارك معه في العديد من الخصائص المورفولوجية والوظيفية. يستقبل اللب إسقاطات عصبية مكثفة من القشرة الحركية الإضافية والقشرة الحزامية الأمامية، وتتجه مخرجاته أساساً نحو الشاحبة تحت اللسانية والنوى تحت المهادية والمسارات الحركية المخططة. بناءً على ذلك، يضطلع لب النواة المتكئة بدور حاسم في ترجمة الدوافع التحفيزية إلى استجابات حركية إجرائية، والتعلم الإشراطي الكلاسيكي والإجرائي، وتسهيل تنفيذ السلوكيات المكتسبة المرتبطة بأدلة بيئية مشروطة تشير إلى اقتراب الحصول على مكافأة مادية أو رمزية.
في المقابل، تمثل “القشرة” امتداداً هيكلياً ووظيفياً للمنظومة الحوفية الممتدة (Extended Amygdala)، وتتميز بخصائص تشريحية رخوة نسبياً ومحتوى غني بالببتيدات العصبية. تستقبل القشرة مدخلات أولية من اللوزة القاعدية الوحشية، والحصين البطني، وقشرة الفص الجبهي البطنية الإنسية، وترسل مخرجاتها التثبيطية إلى الشاحبة البطنية، والوطاء (Hypothalamus)، والمنطقة السقيفية البطنية. ترتبط قشرة النواة المتكئة ارتباطاً وثيقاً بالمعالجة العاطفية، والحالات التحفيزية الداخلية كالجوع والعطش، والتقييم اللحظي للقيمة الذاتية للمكافآت (Hedonic Processing)، والتأقلم مع المستجدات البيئية المثيرة للتوتر أو البهجة.
الهندسة الكيميائية العصبية ونواقل الإشارة
تعتمد كفاءة النواة المتكئة في أداء مهامها الحيوية على مصفوفة معقدة من التفاعلات بين أنظمة النواقل العصبية والمعدلات العصبية الداخلية. يأتي في مقدمة هذه الأنظمة الدوبامين (Dopamine)، الذي يُفرز بواسطة الألياف العصبية الميزوليمبية الناشئة من خلايا A10 المتمركزة في المنطقة السقيفية البطنية (Ventral Tegmental Area – VTA). يُعد التدفق الدوباميني إلى النواة المتكئة الإشارة الكيميائية الحاسمة التي تعدل النشاط الاستثاري للمدخلات القشرية، وتعمل على وسم الأحداث البيئية بأهميتها التحفيزية وتعزيز روابط التعلم القائمة على التنبؤ بالأحداث الحيوية.
تتوزع على أسطح العصبونات الشائكة المتوسطة داخل النواة طائفتان أساسيتان من مستقبلات الدوبامين التي تمارس تأثيرات بيولوجية متضادة؛ هما مستقبلات النمط الأول (D1-like receptors) ومستقبلات النمط الثاني (D2-like receptors):
- مستقبلات النمط الأول (D1): ترتبط ببروتينات G الاستثارية (Gs/olf)، ويؤدي تنشيطها إلى رفع مستويات أحادي فوسفات الأدينوزين الحلقي (cAMP) وتحفيز المسار الإسقاطي المباشر الذي يعزز السلوكيات الاقترابية، ويسهل ترسيخ الذكريات المرتبطة بالمكافأة، ويدعم الانخراط الفاعل في العمل الموجه نحو الهدف.
- مستقبلات النمط الثاني (D2): ترتبط ببروتينات G التثبيطية (Gi/o)، ويؤدي تحفيزها إلى خفض إنتاج cAMP وتثبيط مسارات الإشارة داخل الخلوية، مشكلة المسار غير المباشر المسؤول عن كبح السلوكيات غير المجدية وتعديل الحساسية تجاه عواقب الأفعال السلبية أو غياب المكافآت المتوقعة.
إلى جانب الدوبامين، يشكل الناقلان العصبيان الغلوتامات والغابا (GABA) الركيزة الأساسية لنقل المعلومات المتشابكة اللحظية؛ حيث توفر المدخلات الغلوتاماتية القادمة من الحصين والقشرة الجبهية معلومات سياقية وتنفيذية حول “أين وكيف ومتى” يجب التصرف، بينما تحدد المستقبلات الغاباوية مستوى العتبة التثبيطية الكلي لمنع الإثارة المفرطة. وعلاوة على ذلك، تزخر النواة المتكئة، ولا سيما منطقة القشرة، بشبكة كثيفة من مستقبلات الأفيونيات الداخلية (مستقبلات ميو وكابا ودلتا الأفيونية)، إلى جانب مستقبلات القنب الداخلي (Endocannabinoids)، والتي تلعب دوراً متفرداً في ترجمة الأثر الحسي اللذيذ للمكافآت وتثبيط مشاعر الألم والمعاناة الجسدية والنفسية.
النواة المتكئة وديناميكيات المكافأة: التمييز بين الرغبة والإعجاب
شهدت الأبحاث النفسية العصبية المعاصرة تحولاً جذرياً في فهم دور النواة المتكئة في معالجة المكافآت بفضل النظريات المتقدمة التي قادها كينت بيريدج وتيري روبنسون، والتي أكدت ضرورة الفصل النظري والتجريبي بين مكونين نفسيين متمايزين للمكافأة: الرغبة التحفيزية (Incentive Salience / “Wanting”) والتلذذ الحسي أو الإعجاب (Hedonic Impact / “Liking”). كانت النظرة الكلاسيكية السائدة تفترض خطأً أن الدوبامين في النواة المتكئة هو المسؤول المباشر عن توليد شعور المتعة والابتهاج، إلا أن الأدلة التجريبية الحديثة دحضت هذا الافتراض وقدمت نموذجاً تفسيرياً أكثر دقة وإحكاماً.
وفقاً لهذا النموذج العصبي المتقدم، فإن التدفق الدوباميني داخل لب وقشرة النواة المتكئة يرتبط ارتباطاً حصرياً بآلية “الرغبة التحفيزية”. تتولى هذه الآلية تحويل التمثيلات العقلية المحايدة للمثيرات البيئية إلى محفزات جذابة وبارزة تجبر الكائن الحي على توجيه انتباهه وحشده الحركي نحوها، حتى في غياب أي متعة ذاتية فورية. عندما يتم استئصال خلايا الدوبامين أو حجب مستقبلاته داخل النواة المتكئة لدى الحيوانات المخبرية، فإنها تظل قادرة على إظهار تعبيرات وجهية تدل على الاستمتاع الحسي بالمحاليل السكرية، لكنها تفقد بالكامل أي دافع ذاتي للحركة أو السعي نحو الحصول على تلك السكريات، مما يثبت أن الدوبامين يقود دافع التقصي والطلب وليس شعور الاستمتاع الفعلي.
في المقابل، يتولد المكون الوجداني لـ “التلذذ” (Liking) من خلال مناطق تشريحية متناهية الصغر داخل النواة المتكئة تُعرف باسم المراكز الساخنة اللذيذة (Hedonic Hotspots). تقع إحدى هذه البقع المجهرية المركزية في الجزء الظهري الإنسي من قشرة النواة المتكئة، ولا تتجاوز سعتها ملليمتراً مكعباً واحداً في أدمغة القوارض. يتم تحفيز هذه المراكز الساخنة عبر الإفراز الموضعي للأفيونيات الداخلية (مثل الإندورفين والإنكيفالين) والقنب الداخلي، والتي تحفز مستقبلات ميو الأفيونية (Mu-opioid receptors)، مؤدية إلى تضخيم الإحساس باللذة الناتجة عن المستهلكات الحيوية كالطعام والجنس والتواصل الاجتماعي، دون الحاجة المباشرة إلى إطلاق الدوبامين.
لا يقتصر دور النواة المتكئة على ثنائية الرغبة واللذة، بل يمتد ليشمل حسابات التكلفة والجهد (Cost-Benefit Computation) وصنع القرارات القائمة على الطاقة المبذولة. تعمل النواة كمعالج مركزي يقارن بين المجهود العضلي أو الذهني المطلوب لإنجاز مهمة معينة والقيمة المتوقعة للمكافأة الناتجة عنها. تؤدي مستويات الدوبامين الكافية داخل النواة المتكئة إلى تحفيز الكائن الحي على تجاوز العقبات وبذل طاقة بدنية شاقة لتحقيق أهداف عالية القيمة، في حين يؤدي نقص النشاط في هذه المنطقة إلى تفضيل الخيارات السهلة ذات المكافآت المتواضعة، وهي ظاهرة محورية تفسر سلوكيات العجز وانخفاض الهمة المشاهدة في الاضطرابات السلوكية المتنوعة.
النواة المتكئة في علم الأمراض النفسية: الإدمان والتعزيز المرضي
يعد الخلل الوظيفي في النواة المتكئة حجر الزاوية في فهم آليات الإدمان واضطرابات تعاطي المواد المخدرة، فضلاً عن الإدمانات السلوكية مثل القمار القهري وإدمان الإنترنت. تتمتع جميع العقاقير المسببة للإدمان—بما في ذلك الكوكايين، والأمفيتامين، والنيكوتين، والكحول، والمواد الأفيونية—بقدرة مشتركة على زيادة تركيز الدوبامين خارج الخلوي في النواة المتكئة، وبشكل خاص داخل القشرة، بمستويات تفوق بمراحل الإشارات الفسيولوجية الطبيعية الناتجة عن المكافآت البقائية كالغذاء والماء.
يؤدي هذا التحفيز الكيميائي الهائل والمتكرر إلى إحداث تغييرات جزيئية وهيكلية عميقة ودائمة في المشابك العصبية التابعة للنواة المتكئة، وهي حالة تُعرف في علم الأدوية العصبي بـ اللدونة العصبية التكيفية المرضية (Maladaptive Neuroplasticity). تتضمن هذه التغيرات زيادة إفراز عوامل النسخ الجيني طويلة الأمد مثل البروتين النووي DeltaFosB، الذي يستمر وجوده لأسابيع وشهور داخل العصبونات الشائكة المتوسطة، مما يعيد برمجة التعبير الجيني ويؤدي إلى زيادة كثافة وتفرع الأشواك التغصنية غير الناضجة، ويجعل الدارات العصبية شديدة الحساسية للمنبهات المقترنة بالمادة المخدرة.
مع استمرار التعاطي والانتقال من الاستخدام الطوعي إلى القهري، تنشأ حالة من التكيف البيولوجي المتوازن (Allostasis) تتسم بما يلي:
- انخفاض حساسية مستقبلات الدوبامين: تراجع ملموس في كثافة وتوافر مستقبلات النمط الثاني (D2) في النواة المتكئة، مما يؤدي إلى تبلد الاستجابة للمكافآت الطبيعية وتراجع الشعور بالمتعة من الحياة اليومية.
- الفرط التحسسي التحفيزي للمنبهات المشروطة: ترسيخ ارتباطات ذهنية وعصبية عنيفة بين المؤشرات البيئية المحيطة بالتعاطي والتدفق الدوباميني، مما يفجر رغبة قهرية عارمة (Craving) تؤدي إلى الانتكاس الحتمي حتى بعد فترات طويلة من الامتناع.
- انحراف المسار من البطني إلى الظهري: انتقال التحكم الإجرائي في السلوك من حلقات المخطط البطني (النواة المتكئة) المسؤولة عن السلوك الموجه بالهدف والمكافأة، إلى حلقات المخطط الظهري المسؤولة عن العادات الآلية الصلبة والسلوكيات القهرية غير الخاضعة للسيطرة الإرادية الواعية.
اضطرابات المزاج وفقدان التلذذ: القصور الوظيفي في الدائرة المحفزة
لا تتجلى اعتلالات النواة المتكئة في فرط النشاط والتعزيز الزائد فحسب، بل تمثل المركز البيولوجي الرئيسي لمتلازمات العجز والقصور التحفيزي، وعلى رأسها فقدان التلذذ (Anhedonia) الذي يعد العرض التشخيصي الجوهري لـ اضطراب الاكتئاب الجسيم (Major Depressive Disorder – MDD). يُعرَّف فقدان التلذذ بعجز الفرد المزمن عن اختبار مشاعر الفرح أو الاهتمام بالأنشطة التي كانت مصدر بهجة في السابق، وهو ما يعكس انهياراً هيكلياً ووظيفياً في دارات المكافأة تحت القشرية.
أظهرت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وجود انخفاض كبير في تفاعلية النواة المتكئة لدى مرضى الاكتئاب عند تعرضهم لمثيرات إيجابية أو أثناء انتظارهم لمكافآت نقدية أو اجتماعية. لا يقتصر هذا القصور على ضعف الإشارات الدوبامينية المنبثقة من المنطقة السقيفية البطنية، بل يتعداه إلى اضطراب النقل العصبي الغلوتاماتي الوارد من قشرة الفص الجبهي والحصين، مما يؤدي إلى فشل النواة في تكوين وتثبيت تمثيلات دقيقة لقيمة المكافأة، وبالتالي عجز المريض عن تقدير الجدوى من بذل أي جهد نفسي أو جسدي لتغيير واقعه.
علاوة على ذلك، تلعب العمليات الالتهابية المزمنة دوراً تخريبياً في وظائف النواة المتكئة؛ إذ يؤدي ارتفاع السيتوكينات الالتهابية المحيطية والمركزية (مثل إنترلوكين-6 وعامل نخر الورم ألفا) إلى تعطيل مسار تخليق الدوبامين وخفض مستويات تعبير ناقلاته، فضلاً عن تنشيط مسار الكينورينين الذي ينتج أحماضاً سامة تؤذي المشابك العصبية في المخطط البطني. يتسبب هذا التثبيط البيولوجي المستمر في نشوء متلازمة الإنهاك النفسي العصبي وفقدان الدافعية الذاتية (Avolition)، مما يحول دون استجابة المريض لمحاولات العلاج النفسي القائمة على التنشيط السلوكي ما لم يتم استعادة التوازن الكيميائي الحيوي لهذه النواة.
الاضطرابات العصابية والذهانية: الفصام والوسواس القهري
تحظى النواة المتكئة بأهمية محورية في تفسير الأعراض الإيجابية والسلبية لمرض الفصام (Schizophrenia) عبر ما يُعرف بفرضية “الأهمية الشاذة المعزوة للمثيرات” (Aberrant Salience Hypothesis). تفترض هذه النظرية أن الخلل في إفراز الدوبامين الميزوليمبي بطريقة فوضوية وغير متزامنة مع المثيرات البيئية الواقعية يؤدي إلى قيام قشرة النواة المتكئة بإسباغ دلالات بالغة الخطورة والأهمية التحفيزية على أحداث وتفاصيل محايدة تماماً لا تستحق الانتباه. يدفع هذا التقييم المنحرف قشرة الفص الجبهي إلى بناء أوهام وتفسيرات اضطهادية لتبرير تلك المشاعر التحفيزية الغامضة، في حين يؤدي العجز المتزامن في الاستجابة للمكافآت الحقيقية إلى ظهور الأعراض السلبية كالانعزال الاجتماعي والتبلد الانفعالي.
وفي سياق آخر، تبرز النواة المتكئة كعنصر حاسم في الاعتلال الوظيفي لدارات القشرة الجبهية الحجاجية-المخططية-المهادية المسؤولة عن اضطراب الوسواس القهري (Obsessive-Compulsive Disorder – OCD). تشير النماذج الفيزيولوجية المرضية إلى وجود خلل في التوازن الوظيفي بين المسارات المباشرة وغير المباشرة التي تمر بالنواة المتكئة والشاحبة البطنية، مما يعطل آليات التثبيط الضرورية لإيقاف الأفكار الاقتحامية، ويولد شعوراً مزمناً وغامضاً بالنقص أو القلق (Not-just-right experience). يترجم المريض هذا التوتر عبر تكرار سلوكيات قهرية حركية أو ذهنية في محاولة عقيمة لخفض النشاط الحوفي المفرط داخل النواة المتكئة والمناطق المرتبطة بها.
التدخلات العلاجية الحديثة والتحفيز العميق للدماغ
بفضل التطور المتسارع في جراحة الأعصاب الوظيفية، انتقلت النواة المتكئة من كونها مجرد هدف للأبحاث النظرية إلى مستهدف علاجي مباشر للتدخلات الجراحية المتقدمة في الحالات المستعصية التي تفشل فيها العلاجات الدوائية والنفسية التقليدية. يأتي في طليعة هذه التدخلات تقنية التحفيز العميق للدماغ (Deep Brain Stimulation – DBS)، التي تتضمن زراعة أقطاب كهربائية ميكروسكوبية بدقة متناهية داخل لب أو قشرة النواة المتكئة لتعديل إشاراتها الكهربائية غير المتوازنة بواسطة نبضات مستمرة ومضبوطة خارجياً.
أظهرت التجارب السريرية الرائدة نتائج واعدة لتطبيق تقنية التحفيز العميق للنواة المتكئة في علاج حالتين نفسيتين مستعصيتين بشكل خاص:
- الاكتئاب المقاوم للعلاج (Treatment-Resistant Depression): تؤدي النبضات الكهربائية عالية التردد في النواة المتكئة إلى تخفيف فوري ومستدام لأعراض فقدان التلذذ، واستعادة القدرة على المبادرة وتوقع المشاعر الإيجابية، وذلك من خلال إعادة ضبط التزامن العصبي المضطرب بين المخطط البطني وقشرة الحزامية تحت الركبة (Brodmann Area 25).
- اضطرابات الإدمان القهري الحاد: استُخدم التحفيز الموجه للب النواة المتكئة لإعادة التوازن التنظيمي للنشاط الدوباميني والمشابك الغلوتاماتية، مما أسهم في كسر حلقة الرغبة القهرية العارمة وتقليل نوبات الانتكاس لدى مدمني المواد الأفيونية والكحول الذين استنفدوا كافة سبل الاستشفاء المتاحة.
إلى جانب التدخلات الجراحية، تتركز الجهود الدوائية المعاصرة على تطوير جزيئات نوعية قادرة على تعديل مستقبلات الغلوتامات ومستقبلات الأفيونيات الفرعية (مثل مستقبلات كابا الأفيونية ومعدلات النمط الظاهري لمستقبلات D3) داخل النواة المتكئة بدقة استهدافية عالية، بهدف تقليل الآثار الجانبية الإدمانية أو التثبيطية للعقاقير، وتوفير خيارات علاجية غير باضعة تعيد بناء اللدونة العصبية الصحية للمريض النفسي.
خاتمة
تثبت الحقائق التشريحية والفسيولوجية المتراكمة أن النواة المتكئة تشكل المعالج البيولوجي المركزي الذي يحدد طبيعة تفاعل الإنسان مع واقعه المادي والوجداني. فمن خلال موقعها الرابط بين أجهزة المشاعر ومحركات التنفيذ، وتمايزها الدقيق بين اللب والقشرة، ومصفوفة مستقبلاتها الحساسة للدوبامين والأفيونيات والغلوتامات، تقف هذه النواة وراء أسمى مساعي الإنجاز البشري والسلوك الموجه، كما تكمن وراء أعمق آلام الانكسار النفسي في الاكتئاب والإدمان. إن التقدم المستمر في كشف أسرار النواة المتكئة لا يثري فهمنا للذات الإنسانية وطبيعة الإرادة والدافعية فحسب، بل يفتح آفاقاً علاجية ثورية تمكن الطب النفسي المعاصر من استعادة توازن الدماغ وتحرير الإرادة البشرية من أسر الاضطراب والعجز.
المراجع
- Berridge, K. C., & Robinson, T. E. (2016). Liking, wanting, and the incentive-sensitization theory of addiction. American Psychologist, 71(8), 670–679. https://doi.org/10.1037/amp0000059
- Cardinal, R. N., Parkinson, J. A., Hall, J., & Everitt, B. J. (2002). Emotion and motivation: the role of the amygdala, ventral striatum, and prefrontal cortex. Neuroscience & Biobehavioral Reviews, 26(3), 321–352. https://doi.org/10.1016/S0149-7634(02)00007-6
- Everitt, B. J., & Robbins, T. W. (2016). Drug addiction: updating actions to habits to compulsions ten years on. Annual Review of Psychology, 67, 23–50. https://doi.org/10.1146/annurev-psych-122414-033457
- Floresco, S. B. (2015). The nucleus accumbens: mechanisms of action for dopamine, glutamate, and beyond. Annual Review of Psychology, 66, 25–52. https://doi.org/10.1146/annurev-psych-010213-115553
- Nestler, E. J. (2014). Epigenetic mechanisms of drug addiction. Neuropharmacology, 76, 259–268. https://doi.org/10.1016/j.neuropharm.2013.04.004
- Russo, S. J., & Nestler, E. J. (2013). The brain reward circuitry in mood disorders. Nature Reviews Neuroscience, 14(9), 609–625. https://doi.org/10.1038/nrn3381
- Salamone, J. D., & Correa, M. (2012). The mysterious motivational functions of mesolimbic dopamine. Neuron, 76(3), 470–485. https://doi.org/10.1016/j.neuron.2012.10.021
- Schlaepfer, T. E., Bewernick, B. H., Kayser, S., Mädler, B., & Coenen, V. A. (2013). Deep brain stimulation of the human reward system for major depression—rationale, outcomes, and outlook. Neuropsychopharmacology, 38(7), 1265–1274. https://doi.org/10.1038/npp.2013.90
- Sesack, S. R., & Grace, A. A. (2010). Cortico-Basal Ganglia reward network: microcircuitry. Neuropsychopharmacology, 35(1), 27–47. https://doi.org/10.1038/npp.2009.93
- Volkow, N. D., Morales, M., & Baler, R. D. (2019). The dopamine motive system: implications for drug and food addiction. Nature Reviews Neuroscience, 20(6), 369–380. https://doi.org/10.1038/s41583-019-0159-8