يمثل الشعور بالواقعية إحدى الركائز الأكثر جوهرية وغموضاً في بنية الوعي الإنساني، إذ يشكل الخلفية الوجودية الصامتة التي تمنح خبراتنا اليومية صبغتها الملموسة ويقينها الراسخ. ومن دون هذا الرابط الوجداني المعرفي غير المرئي، تنفصل الذات عن محيطها لتتحول التجربة المعاشة إلى مشهد سينمائي باهت يفتقر إلى الحيوية والحضور الحقيقي. يستعرض هذا المقال الموسوعي التأصيل النظري، والفسيولوجي العصبي، والظاهراتي لمفهوم الشعور بالواقعية، مفككاً أبعاده السريرية ومآلات تصدعه في ضوء أحدث الدراسات النفسية والعصبية.
الشعور بالواقعية
1. التعريف الدقيق والموجز
يُعرَّف الشعور بالواقعية (Feeling of Reality / Sense of Reality) في علم النفس السريري والمعرفي بأنه الحالة الوجدانية-المعرفية الفطرية والتلقائية التي تضفي صفة الوجود الفعلي، والصلابة، والأصالة على المدركات الحسية الخارجية والعمليات الذهنية الداخلية على حد سواء. إنه اليقين المباشر وغير الاستدلالي بأن العالم الخارجي والذات المدركة كلاهما حقيقي وموجود في الزمان والمكان الراهنين.
ويمتد هذا المفهوم ليتجاوز مجرد الاستقبال الحسي الخام للمثيرات الفيزيائية؛ فهو يعبر عن عملية تكاملية عليا تدمج الإشارات الحسية الجسدية الواردة مع التوقعات المعرفية والسياق الانفعالي للفرد. عندما يتوافر هذا الشعور، يختبر الإنسان العالم الخارجي باعتباره متصلاً به، مؤثراً فيه، وقابلاً للتفاعل الحقيقي. في المقابل، فإن غياب هذا الشعور أو تراجعه لا يعني بالضرورة فقدان القدرة العقلية على الحكم المنطقي، بل يعني انحسار الصبغة الحيوية المباشرة التي تجعل الأشياء تبدو «حقيقية» على المستوى الذاتي.
وبذلك، فإن الشعور بالواقعية يمثل الأرضية الظاهراتية التي ينبثق منها السلوك الهادف؛ إذ بدون هذا الإحساس بالثبات الوجودي والواقعي، تفقد القرارات الإنسانية معناها التوجيهي، وتتحول المدركات إلى صور زائفة خالية من الحميمية والارتباط النفسي، مما يجعل منه شرطاً أساسياً للصحة النفسية والسلامة الإدراكية والتوافق التكيفي مع البيئة الاجتماعية والمادية.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي
ينحدر مصطلح «الشعور» في المعاجم العربية من الجذر الثلاثي (ش-ع-ر)، والذي يدل في أصله اللغوي على الإدراك الحسي اللطيف والفطنة الدقيقة للشيء، كما جاء في لسان العرب: «شعرت بالشيء إذا علمت به وفطنت له علماً يجري مجرى الحس». أما لفظ «الواقعية» فهو مشتق صناعي من الجذر (و-ق-ع)، وتدل دلالته الأصلية على السقوط أو الثبوت والحدوث المؤكد في حيز الوجود العيني، ومنه «الواقع» أي الحاصل الكائن لا المحتمل أو الوهمي.
وفي اللغات الغربية، يعود مصطلح (Reality) إلى الجذر اللاتيني (Res) بمعنى «الشيء» أو «الكائن المادي الحقيقي»، والذي اشتقت منه الكلمة اللاتينية المتأخرة (Realitas)، الدالة على الطبيعة الجوهرية للأشياء في ذاتها. أما اقترانه بكلمة (Feeling) المشتقة من الجرمانية القديمة (Fōlijan)، أو (Sense) المشتقة من اللاتينية (Sentire) بمعنى «يحس أو يختبر باطنياً»، فقد وُظف في الفلسفة وعلم النفس للدلالة على الإحساس الباطني بصلابة الأشياء وثبوتها العيني.
وقد دخل المفهوم إلى الحقل النفسي الحديث بصفة رسمية عبر المدرسة النفسية والطبية الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولا سيما من خلال مصطلحات الطبيب النفسي الفرنسي بيير جانيه مثل وظيفة الواقع (Fonction du réel) وفقدان الشعور بالواقع (Perte du sentiment de réalité)، حيث نُقل المصطلح لاحقاً إلى الأدبيات الأنجلوساكسونية تحت مسمى (Feeling of Reality) ليعبر عن ذلك الامتزاج النوعي بين الإحساس الداخلي واليقين الإدراكي الخارجي.
3. النطق والبنية النحوية والصرفية
يُنطق المصطلح باللغة العربية الفصحى بضم الشين وعين مضمومة ممدودة: «الشُّعُورُ بالوَاقِعِيَّةِ»، ويُشكل تركيباً إضافياً يتلوه شبه جملة جار ومجرور. كلمة «الشعور» اسم مصدر ثلاثي من الفعل «شَعَرَ – يَشْعُرُ»، وموقعها الإعرابي يتحدد حسب موقعها في السياق؛ حيث تأتي مبتدأ مرفوعاً أو مفعولاً به منصوباً، وتعمل هنا كاسم دال على الحالة الذاتية المستمرة.
أما كلمة «الواقعية» فهي اسم منسوب مختوم بياء النسب والتاء المربوطة التي تفيد المصدرية الصناعية، مشتقة من اسم الفاعل «واقع». ويُستخدم المصطلح في النصوص العلمية إما بصفته تركيباً وصفياً اسمياً مجروراً بحرف الجر (الشعور بالواقعية)، أو بصيغة المضاف والمضاف إليه (إحساس الواقع)، وكلاهما يُستخدم للدلالة على الظاهرة السيكولوجية ذاتها دون تمايز جوهري في المعنى الاصطلاحي التخصصي.
ومن الناحية الصرفية والدلالية في الاستعمال السريري العربي، يُفضَّل استعمال «الشعور بالواقعية» بدلاً من مجرد «إدراك الواقع»؛ نظراً لأن «الإدراك» يحيل غالباً إلى العمليات العقلية المعرفية الباردة والتحليل المنطقي المجرد، في حين أن لفظ «الشعور» يحمل الشحنة الظاهراتية والوجدانية الكامنة وراء الإحساس الحي بالحضور الواقعي، وهو التمييز الدقيق الذي تحرص عليه أدبيات علم النفس التحليلي والظاهراتي.
4. الشرح المفهومي المفصل
يقوم مفهوم الشعور بالواقعية على فرضية مفادها أن وعي الإنسان بالعالم الخارجي لا يقتصر على تسجيل البيانات الفيزيائية عبر الحواس الخمس فحسب، بل يتطلب طبقة إضافية من المعالجة النفسية تمنح تلك البيانات معنى «الوجود الأصيل». هذه الطبقة هي التي تجعل الشجرة التي نراها تبدو كياناً حقيقياً مستقلاً في العالم الخارجي، وليست مجرد انعكاس ضوئي شبكي أو إسقاط خيالي عابر. إنها تمثل «شهادة الضمان» التي يصدرها الدماغ اللاواعي ليصادق بها على صحة المدخلات الحسية ومصداقيتها الذاتية.
ويمتد نطاق هذا المفهوم ليشمل ثلاثة مجالات حيوية: واقعية العالم الخارجي المحيط (الأشياء والأمكنة والأشخاص)، وواقعية الجسد والذات (اليقين بملكية الجسد والشعور بالفاعلية الشخصية)، وواقعية العمليات الذهنية ذاتها (القدرة على التمييز التلقائي بين الفكرة العابرة، والذكرى، والحلم، والمدرك الحسي الفعلي). وتشكل هذه المجالات الثلاثة معاً نسيج التجربة الذاتية السليمة المتماسكة.
وتتحدد تخوم المفهوم من خلال التمييز الصارم بين الوجود الموضوعي للأشياء وبين الخبرة النفسية بوجودها؛ فالأول مسألة أنطولوجية تتعلق بالكون المستقل عن المراقب، بينما الثاني مسألة فينومينولوجية وسيكولوجية ترتبط بمدى «حيوية» هذا الوجود وتأثيره الانفعالي والمعرفي داخل الجهاز النفسي. إن انهيار هذه التخوم يؤدي إلى ما يُعرف في الطب النفسي بالانفصال عن الواقع، حيث يبقى العالم موجوداً مادياً كما يدركه العقل تحليلياً، لكنه يفقد معناه النفسي المباشر بالنسبة للذات المعانية.
وعلاوة على ذلك، يرتبط الشعور بالواقعية بنظرية المعالجة التنبؤية (Predictive Processing) في العلوم العصبية المعاصرة؛ إذ يرى علماء الأعصاب أن الدماغ يُعد محركاً للاستدلال وتوليد التوقعات، وما نختبره كـ«واقع» هو في حقيقته أفضل نموذج تنبؤي داخلي يُنشئه الدماغ لمطابقة الإشارات الحسية القادمة من العالم الخارجي؛ فإذا تطابقت التنبؤات مع المدخلات الحسية وترافقت مع نغمة وجدانية حشوية ملائمة، ترسخ الشعور بالواقعية في أقصى درجاته الاستقرائية.
5. التطور التاريخي للمفهوم
تعود الجذور الفلسفية للمفهوم إلى تساؤلات الشك الديكارتي في القرن السابع عشر، حين تساءل رينيه ديكارت عما إذا كان إحساسنا بالواقع مجرد حلم متواصل أو وهم تصنعه حواس خادعة. غير أن التحول الجوهري نحو دراسة «الشعور بالواقعية» كظاهرة نفسية تجريبية وسريرية لم يبدأ إلا في نهايات القرن التاسع عشر على يد رواد علم النفس والطب النفسي الحديث.
في عام 1890، أفرد الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي وليام جيمس فصلاً تأسيسياً كاملاً في كتابه المرجعي «مبادئ علم النفس» (The Principles of Psychology) تحت عنوان «إدراك الواقع» (The Perception of Reality). وقد جادل جيمس بأن الإيمان بواقعية الشيء ينبع بالأساس من ارتباط هذا الشيء بحياتنا الانفعالية والدوافع العملية؛ فالأشياء التي تثير اهتماماتنا وتستفز انفعالاتنا هي وحدها التي تكتسب صفة الحقيقة والواقعية المطلقة في وعينا، بينما تتوارى المدركات المحايدة والمجردة في مناطق الشك واللاواقعية.
وفي مطلع القرن العشرين، قدّم الطبيب النفسي الفرنسي بيير جانيه (Pierre Janet) في كتابه البارز «الهواجس والوهن النفسي» (Les Obsessions et la Psychasthénie, 1903) تصنيفاً سريرياً دقيقاً، معتبراً أن أعلى درجات الوظيفة النفسية تكمن في ما أسماه «وظيفة الواقع» (La fonction du réel)، وهي القدرة العقلية التي تتطلب قدراً هائلاً من الطاقة والتوتر النفسي (Tension psychologique) لدمج الحاضر في الوعي والتفاعل معه حياً وملموساً. وأكد جانيه أن تدهور هذا التوتر يؤدي مباشرة إلى فقدان الشعور بالواقع واجترار الشكوك القهرية.
تلا ذلك إسهامات المدرسة الظاهراتية، ولا سيما مع كارل ياسبرز (Karl Jaspers) في كتابه «الباثولوجيا النفسية العامة» (1913)، حيث حلل ياسبرز الفارق بين الإدراك الحسي الصرف والوعي بوجود المدرك (Daseinsbewusstsein). ومع تطور نظريات التحليل النفسي مع سيغموند فرويد، تبلور مفهوم «مبدأ الواقع» واختبار الواقع، ليتحول التركيز في النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين نحو النماذج العصبية الحيوية وأبحاث النظم الانفصالية والمعالجة التنبؤية المتطورة.
6. الأسس والمنطلقات النظرية
تتعدد المقاربات النظرية التي تصدت لتفسير نشوء الشعور بالواقعية، وتأتي في مقدمتها الظاهراتية النفسية التي ترى أن الإحساس بالواقعية ليس استنتاجاً فكرياً نقوم به، بل هو «وضع طبيعي» قبلي (Natural Attitude) نوجد بموجبه منغمسين في العالم مسبقاً كما أشار إدموند هوسرل وموريس ميرلو بونتي؛ حيث يتجسد الواقع عبر الجسد المعاش الذي يحتك بالمقاومة الفيزيائية للبيئة، مما يجعل الإحساس بالواقع موازياً للشعور بالتجسد الحركي والتفاعلي المستمر.
أما من المنظور الفرويدي والتحليلي النفسي، فإن الشعور بالواقعية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنشوء الأنا وتمايزه التدريجي عن الهو عبر آلية اختبار الواقع (Reality Testing). يرى التحليل النفسي أن الرضيع لا يمتلك شعوراً أولياً بالواقع، بل يعيش في مرحلة من التمركز النرجسي والامتزاج الهلوسي؛ وفقط حين تصطدم رغباته بإحباطات العالم الخارجي وعدم استجابة البيئة الفورية له، يبدأ في تمييز الحدود الفاصلة بين ما هو داخلي ذاتي (خيالات ورغبات) وما هو خارجي موضوعي (واقع مستقل)، مما يولد الإحساس المتماسك بالواقع الخارجي.
وفي إطار علم النفس المعرفي الحسابي والعلوم العصبية، تطرح نظرية «الاستدلال النشط والمعالجة التنبؤية» لأنيك سيث (Anil Seth) وكارل فريستون (Karl Friston) تفسيراً ثورياً للشعور بالواقعية. تفترض هذه النظرية أن الدماغ مغلف في جمجمة مظلمة لا تصلها سوى نبضات كهربائية مبهمة، ويقوم الدماغ بمهمة حاسمة هي التنبؤ بمصادر هذه الإشارات عبر محاكاة واقعية داخلية محكمة (Controlled Hallucination)؛ وعندما تكون أخطاء التنبؤ في أدنى مستوياتها، ويتم ربط هذه التنبؤات بالإدراك الحشوي الداخلي للأعضاء (Interoception)، تنبثق التجربة الواعية بوصفها «واقعاً حقيقياً لا لبس فيه».
7. المكونات الرئيسة والأنواع والأبعاد
يتألف الشعور بالواقعية من منظومة من الأبعاد والمكونات المتفاعلة التي يمكن تصنيفها على النحو الآتي:
- البُعد الإدراكي الخارجي (واقعية البيئة): ويشمل الشعور بصلابة، وعمق، وأصالة العالم المكاني المحيط، بما في ذلك التماسك البصري والسمعي للأشياء، والتأكد المباشر من أنها موجودة في الفضاء الخارجي المستقل عن الذات وليست مجرد خيالات بصرية.
- البُعد الجسدي الداخلي (الشعور بالتجسيد): الوعي الحميم بملكية الجسد (Body Ownership) والإحساس بأن الأحاسيس العضوية والحشوية الصادرة من العضلات والأحشاء تنتمي إلى كينونة الفرد الواقعية، وهو الأساس الحسي البيولوجي الذي يرتكز عليه الوعي بالذات.
- بُعد الفاعلية السببية (Sense of Agency): الإدراك التلقائي بأن الفرد هو المحرك والمؤلف الفعلي لأفعاله وحركاته وأفكاره، وأن هذه الأفعال تنتج آثاراً حقيقية وملموسة في البيئة المحيطة.
- البُعد الوجداني والانفعالي (الحيوية الوجدانية): الرنين العاطفي المصاحب للمدركات، والذي يخلع عليها طابع الدفء أو المعنى الذاتي؛ إذ يثبت علم النفس أن المثيرات التي تتجرد من صبغتها الانفعالية تبدو فوراً وكأنها باهتة ومصطنعة وغير واقعية.
- البُعد الزماني المتصل: الإحساس بتدفق الزمن الواقعي واستمراريته في الحاضر المستمر (Lived Present)، والربط السلس بين الماضي الحي والتوقعات المستقبلية دون انقطاع مباغت في نسيج المعايشة.
8. أمثلة وحالات توضيحية واقعية
تتضح طبيعة الشعور بالواقعية بجلاء عند مراجعة حالات التصدع الإدراكي التي تعتري الإنسان في سياقات إكلينيكية وبيئية متنوعة. على سبيل المثال، يصف المرضى الذين يعانون من اضطراب تبدد الواقع (Derealization) العالم من حولهم بأنه يبدو «خلف لوح زجاجي سميك» أو شبيه بـ«موقع تصوير مسرحي من الكرتون»؛ فعلى الرغم من أن مقاييس حدة الإبصار لديهم سليمة بنسبة كاملة، إلا أن النغمة النفسية المميزة للواقعية تكون قد تلاشت كلياً من إدراكهم.
وفي دراسة حالة سريرية لمهندس في الرابعة والثلاثين من عمره أُصيب بنوبة هلع حادة تبعتها حالة مزمنة من تبدد الواقع، أفاد المريض: «أعلم بعقلي أن زوجتي وأطفالي يجلسون أمامي، وأستطيع التعرف على ملامحهم وأسمائهم، لكنني أشعر وكأنهم ممثلون في فيلم سينمائي بالأبيض والأسود، العالم يبدو مسطحاً كصورة فوتوغرافية تفتقر إلى البُعد الثالث للحقيقة». توضح هذه الحالة بدقة الانفصال بين «المعرفة الفكرية بالواقع» وبين «الشعور الوجداني الحي بالواقعية».
وثمة مثال واقعي آخر يظهر في تقنيات الواقع الافتراضي الغامر (Immersive Virtual Reality)؛ فعندما يرتدي المستخدم نظارة محاكاة متطورة ذات زمن استجابة شبه معدوم مع توفير تغذية حسية لمسية راجعة، يقع الدماغ في وهم حسي عميق يُعرف في هندسة التفاعل الحاسوبي بـ«حضور الواقع» (Presence). في هذه الحالة، يتولد لدى الشخص شعور طاغٍ بواقعية البيئة الرقمية المصطنعة إلى الحد الذي ترتفع فيه ضربات قلبه وتفرز غدده العرق إذا اقترب من حافة هاوية افتراضية، مما يبرهن على أن الشعور بالواقعية هو محاكاة عصبية قابلة للتوجيه والتعديل وليست معطى جامداً مستقلاً.
كما يُلاحظ تذبذب الشعور بالواقعية لدى الأفراد الأسوياء عقب فترات الحرمان الشديد من النوم، أو أثناء اجتياز مراحل الصدمة النفسية الفجائية، حيث يصف الناجون من الكوارث الطبيعية والحوادث اللحظات الأولى من الفاجعة بقولهم: «شعرت وكأن كل ما يدور حولي كابوس غير حقيقي أو مشهد لا أنتمي إليه»، وهو ما يعكس آلية دفاعية نفسية فسيولوجية تلجأ إلى خفض الشعور بالواقعية لحماية الجهاز العصبي من الانهيار تحت وطأة الضغط الوجداني الهائل.
9. أدوات القياس والتقييم السريري
يواجه قياس الشعور بالواقعية تحدياً منهجياً بطبيعته؛ نظراً لكونه خبرة ذاتية باطنية عميقة يصعب تكميمها بمعزل عن تقرير المفحوص الشخصي. ومع ذلك، طوّر علماء النفس الإكلينيكي مجموعة من المقاييس السيكومترية الموثوقة التي تقيس تدهور هذا الشعور أو تشظيه، وفي مقدمتها «مقياس تجارب التفكك والانفصال» (Dissociative Experiences Scale – DES) ومقياس كامبريدج لتبدد الشخصية وتبدد الواقع (Cambridge Depersonalization Scale – CDS).
ويقيس مقياس كامبريدج (CDS)، الذي صممه سييرا وبيرويس (Sierra & Berrios, 1996)، تردد وشدة التجارب المرتبطة بتراجع الشعور بالواقعية من خلال بنود محددة ترصد الإحساس بالغربة المكانية، واختفاء الصبغة الحيوية للأشياء، والشعور بالتواجد في حلم، وتحول المحيط إلى بيئة مسرحية مصطنعة. كما تُستخدم المقابلات الإكلينيكية البنائية المعتمدة مثل (SCID-5) لتشخيص الاضطرابات التفارقية المرتبطة بفقدان الشعور بالواقع وتحديد ما إذا كان هذا التراجع أولياً أو ثانوياً لأمراض أخرى.
أما على الصعيد الفسيولوجي العصبي، فيُستخدم قياس «الاستجابة الجلدية الجلفانية» (Galvanic Skin Response – GSR) بوصفها مؤشراً حيوياً على الارتباط الانفعالي بالواقع؛ حيث أظهرت الدراسات السريرية أن المرضى الذين يعانون من تراجع الشعور بالواقعية يُظهرون انخفاضاً حاداً في استجابات التوصيل الجلدي الانفعالية عند تعريضهم لمشاهد ومثيرات بصرية ذات دلالة عاطفية قوية، مما يوفر أداة قياس حيوية موضوعية ترصد انطفاء الرنين الوجداني المعزز لواقعية التجربة المعاشة.
10. التطبيقات والأهمية العملية
تتجلى الأهمية العملية والسريرية لدراسة وفهم الشعور بالواقعية في مروحة واسعة من الميادين التطبيقية. في الطب النفسي والعلاج السلوكي المعرفي (CBT)، يُعد استعادة الشعور بالواقعية هدفاً علاجياً محورياً للمرضى الذين يعانون من اضطرابات القلق، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، وحالات التفكك النفسي؛ وتُستخدم تقنيات «التأريض والرسو الحسي» (Grounding Techniques) لتدريب المريض على إعادة ربط جهازه الحسي بالواقع الفيزيائي عبر لمس أسطح باردة، وتحديد أشياء مرئية في الغرفة، والتركيز على التنفس البطني العميق لإعادة بناء الإحساس بالحضور الآني الموثوق.
وفي مجال تصميم التكنولوجيا والبيئات الافتراضية، يمثل الشعور بالواقعية المعيار الذهبي لتقييم نجاح نظم المحاكاة الطبية والعسكرية والترفيهية؛ حيث يستثمر مهندسو البرمجيات والذكاء الاصطناعي الأبحاث النفسية لتحديد مستويات التغذية الراجعة الحسية المتعددة المطلوبة لخلق «إيهام بالواقعية» متكامل يقنع الجهاز العصبي للمستخدم بصدقية البيئة المصممة ويدعم فاعليته السلوكية ضمنها.
كما يبرز تطبيق هذا المفهوم في علم النفس القانوني والتحقيق الجنائي؛ إذ يؤثر مدى حضور الشعور بالواقعية لدى الشهود والضحايا أثناء وقوع الجرائم على دقة شهادتهم وقدرتهم على استرجاع الذكريات بنسق سليم دون تحريف ناتج عن التفكك النفسي الصدمي، وهو ما يسهم في تحسين بروتوكولات استجواب الشهود وإجراء المقابلات المعرفية بدقة واحترافية.
11. الأدلة والأبحاث التجريبية
شهدت العقود الأخيرة طفرة نوعية في الأبحاث العصبية التجريبية التي تناولت الآليات التحتية للشعور بالواقعية. كشفت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) التي قادها باحثون مثل دافيد سييرا وإلين بروير أن اضطراب الشعور بالواقعية يرتبط بنمط محدد من الخلل الوظيفي العصبي يتمثل في التثبيط المتبادل (Reciprocal Inhibition) بين القشرة الجبهية الأمامية الظهرية الجانبية (DLPFC) واللوزة الدماغية (Amygdala)؛ حيث تؤدي زيادة نشاط الفص الجبهي المثبط إلى كبح فرط الاستثارة الانفعالية في اللوزة، مما يُنتج إدراكاً بصرياً بلا شحنة عاطفية، وبالتالي يتلاشى الشعور بالواقعية لدى الفرد.
وفي دراسات تجريبية أخرى أجريت على مادة الكيتامين (Ketamine) كمعدل لمستقبلات NMDA، تمكن الباحثون من إحداث تراجع مؤقت ومضبوط في الشعور بالواقعية وتبدد الواقع لدى متطوعين أصحاء، مما وثق دور النواقل العصبية الجلوتاماتية في ضبط إشارات التزامن بين المناطق القشرية الحسية الأولية ومناطق المعالجة الارتباطية العليا في الفص الجداري والقشرة الجزيرية (Insula).
كذلك أثبتت أبحاث أولاف بلانكي (Olaf Blanke) وفريقه في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا (EPFL) عبر تقنيات المحاكاة العصبية متعددة الحواس أن التلاعب بالتزامن البصري-اللمسي يمكن أن يزعزع الإحساس الأساسي بالواقعية والتجسيد الجسدي، مما يؤكد أن الدماغ يولد الشعور بالواقع عبر عملية تركيب وتكامل مستمرة للإشارات الواردة من أعضاء الحس والمدخلات الدهليزية والأنظمة الحركية.
12. الاعتبارات الثقافية وعبر الحضارية
تتباين خبرة وتفسير الشعور بالواقعية تبايناً جوهرياً باختلاف السياقات الثقافية والأنطولوجية للمجتمعات الإنسانية. فبينما يميل الطب النفسي الغربي الحديث ذو المنحى البيولوجي إلى النظر لتراجع الشعور بالواقعية بوصفه عَرَضاً مرضياً باثولوجياً ينبغي استئصاله والتعامل معه كاضطراب نفسي تفارقي، تنظر بعض التقاليد الروحية والشرقية إلى اهتزاز هذا الشعور من زاوية مغايرة تماماً.
في الفلسفات الشرقية مثل البوذية والـ«أدفايتا فيدانتا» الهندوسية، يُعد الشك في صلابة العالم والتوصل إلى انعدام واقعيته المتأصلة (مفهوم المايا – Maya، أو الفراغ – Sunyata) مرحلة متقدمة من الاستنارة الروحية والتحرر من قيود الوهم الإدراكي؛ حيث يُدرَّب الرهبان عبر ممارسات التأمل العميق على تفكيك التماهي مع الواقع الحسي المباشر، وتجاوز الإحساس النمطي بـ«واقعية المادة» لبلوغ حالة أعمق من الوعي الخالص المجرد.
وعلى النقيض من ذلك، في العديد من الثقافات التقليدية والأفريقية والأمريكية الأصلية، يُنظر إلى خبرات تبدد الواقع المؤقتة كرسائل أو رحلات اتصال بالعوالم الروحية أو عالم الأسلاف، ويتم احتواؤها ضمن طقوس عبور جمعية بدلاً من عزل الفرد داخل أطر التشخيص المرضي، مما يبرز كيف تصيغ المعايير الثقافية طريقة استقبال العقل البشري لتصدعات هذا الشعور وتحدد مآلاته التكيفية.
13. الانتقادات والجدالات والحدود المنهجية
يواجه مفهوم الشعور بالواقعية انتقادات نظرية ومنهجية مستمرة في الأوساط الأكاديمية والسريرية. يرتكز الانتقاد الأول على الطبيعة الشبحية للمفهوم؛ إذ يرى بعض الفلاسفة الماديين والوضعيين المناطقة أن مصطلح «الشعور بالواقعية» يفتقر إلى التحديد الإجرائي الدقيق، ويقع في مصيدة التكرار التفسيري (Tautology)؛ فأن نقول إن الفرد يدرك الواقع لأنه يمتلك «شعوراً بالواقعية» لا يفسر كيف يتولد هذا الشعور بيولوجياً، بل يكتفي بإعادة تسمية الظاهرة بمصطلح آخر ضبابي.
كما يدور جدل سريري حاد حول ما إذا كان الشعور بالواقعية بنية أحادية متجانسة (Monolithic Construct) أو هو في حقيقته مجرد مظلة فضفاضة تجمع تحتها حزمة غير متجانسة من العمليات المعرفية المتفرقة؛ مثل الانتباه المركّز، ومعالجة الذاكرة الاسترجاعية، والتكامل الحسي الحركي، والاستثارة الوجدانية. ويرى نقاد النماذج التفارقية أن فصل «تبدد الواقع» عن «تبدد الشخصية» في التصنيفات التشخيصية مثل (DSM-5) يمثل فصلاً تعسفياً لا تدعمه الممارسة السريرية، حيث تتداخل الخبرتان بصورة شبه دائمة في معظم المرضى.
علاوة على ذلك، تتمثل إحدى أبرز الحدود المنهجية في صعوبة إنشاء نماذج حيوانية لاختبار هذا الشعور في المختبر؛ فالشعور بالواقعية هو بالضرورة خبرة ذاتية من منظور المتكلم (First-person perspective)، وتستعصي على الملاحظة السلوكية المباشرة لدى الكائنات غير الناطقة، مما يحد من القدرة على اختبار الفرضيات الجزيئية العميقة ويعيق تطوير عقاقير دوائية نوعية موجهة لعلاجه على وجه التحديد.
14. المفاهيم المرتبطة وأوجه التمايز
لتجنب اللبس الأكاديمي والسريري، يجب تمييز الشعور بالواقعية بدقة عن مجموعة من المصطلحات والمفاهيم القريبة المتداخلة في الأدبيات النفسية:
- تبدد الواقع (Derealization): وهو النقيض المرضي المباشر؛ حيث يشير إلى الفقدان الذاتي للشعور بواقعية العالم الخارجي ليغدو المحيط غريباً ومصطنعاً، في حين أن «الشعور بالواقعية» هو الحالة السوية الإيجابية لليقين الوجودي.
- تبدد الشخصية (Depersonalization): انحسار الشعور بواقعية الذات والجسد كأن يشعر الفرد بأنه يراقب نفسه من الخارج كروبوت أو شبح، بينما يختص الشعور بالواقعية بتمثل العالم والمحيط بوجه عام أو الاندماج العام بين الأنا والعالم.
- اختبار الواقع (Reality Testing): القدرة المعرفية الفكرية الاستدلالية على التمييز بين المنبهات القادمة من العالم الخارجي والخيالات الداخلية، والقدرة على تصحيح المعتقدات الخاطئة؛ والمريض المصاب بتبدد الواقع يحتفظ باختبار واقع سليم تماماً (يعلم أن العالم حقيقي منطقياً) رغم غياب «الشعور الحسي بالواقعية» لديه.
- الذهان (Psychosis): اضطراب عقلي ينطوي على فقدان كامل لاختبار الواقع، حيث يؤمن المريض بهلاوس وأوهام على أنها حقائق موضوعية، في حين أن اضطراب الشعور بالواقعية لا يفقد فيه المريض استبصاره العقلي بل يدرك غرابة شعوره وشذوذه.
- حضور الواقع (Presence) في الواقع الافتراضي: الحالة النفسية التي يتصرف فيها المستخدم داخل بيئة حاسوبية مصطنعة وكأنه متواجد فيها فيزيائياً، وهو إسقاط تكنولوجي تقني وتطبيق موجه لمحاكاة الشعور بالواقعية الطبيعي.
15. الخلاصة وأهم الاستنتاجات
يمثل الشعور بالواقعية المعيار الوجودي والوجداني الحاسم الذي ينظم صلة الإنسان بالعالم من حوله ويؤسس لتجربة واعية متكاملة ومستقرة. لقد كشفت المسيرة التاريخية للمفهوم، بدءاً من تأملات ويليام جيمس وبيير جانيه وصولاً إلى النماذج الحاسوبية العصبية المعاصرة في المعالجة التنبؤية، عن أن هذا الشعور ليس مجرد حاصل جمع المدخلات الحسية الصامتة، بل هو بناء دماغي نشط ونتاج لتناغم تكاملي معقد يدمج التنبؤ الحسي بالرنين الانفعالي والعمق الحشوي.
إن دراسة هذا الشعور من خلال تداعياته واضطراباته السريرية كـ«تبدد الواقع» تُقدم نافذة لا تقدر بثمن لفهم كيفية تشكل الوعي البشري وحدوده الفاصلة بين الحقيقة الذاتية والوهم. ومع التطور المتسارع لتقنيات العوالم الرقمية الميتافيرسية والذكاء الاصطناعي، يكتسب الشعور بالواقعية أهمية ملحة تتجاوز حدود العيادة النفسية لتلامس تساؤلات الوجود الإنساني؛ مما يستلزم مواصلة الأبحاث متداخلة التخصصات لسبر أغوار هذه الهبة العصبية الإدراكية التي تجعلنا نشعر، في كل لحظة وئام، بأننا موجودون بالفعل في عالم حقيقي وملموس.
المراجع
- James, W. (1890). The Principles of Psychology (Vol. 2). Henry Holt and Company. https://www.apa.org/about/governance/president/william-james
- Janet, P. (1903). Les obsessions et la psychasthénie (Vol. 1). Félix Alcan. https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k76718z
- Sierra, M., & Berrios, G. E. (1998). Depersonalization: A conceptual history. History of Psychiatry, 9(34), 213–229. https://doi.org/10.1177/0957154X9800903405
- Seth, A. K. (2013). Interoceptive inference, emotion, and the embodied self. Trends in Cognitive Sciences, 17(11), 565–573. https://doi.org/10.1016/j.tics.2013.09.007
- American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596