الإدمان والصحة النفسيةالطب النفسيعلم النفس الإكلينيكي

مدمن الكحول: المفهوم السريري، الأبعاد النفسية، والمسارات العلاجية لاضطراب تعاطي الكحول

استعراض أكاديمي إكلينيكي مفصل لمفهوم مدمن الكحول واضطراب تعاطي الكحول، يتناول التطور التاريخي، والآليات البيولوجية العصبية، والنماذج النفسية المفسرة، وخيارات العلاج الدوائي والنفسي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 26 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 26 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُعد مصطلح مدمن الكحول (Alcoholic) أحد أكثر التوصيفات شيوعاً وإثارةً للجدل في تاريخ الطب النفسي وعلم النفس الإكلينيكي؛ إذ يعبر في أدبيات الصحة النفسية الكلاسيكية والحديثة عن الفرد الذي يعاني من اعتماد فيزيولوجي ونفسي قهري على الإيثانول، مما يسلبه القدرة على التحكم في استهلاكه رغم ما يترتب على ذلك من عواقب صحية واجتماعية ووظيفية مدمرة. وقد شهد هذا المفهوم تحولاً بنيوياً هائلاً من اعتباره وصمة أخلاقية أو عجزاً في الإرادة الفردية إلى إدراكه بوصفه مرضاً دماغياً انتكاسياً مزمناً يتطلب تدخلاً طبياً ونفسياً شاملاً. إن فهم كينونة “الكحولي” يستلزم تفكيك التداخلات المعقدة بين الجوانب الوراثية، والتغيرات العصبية الحيوية، والديناميات النفسية الداخلية، والسياقات الاجتماعية المحيطة التي تدفع الشخص إلى دوامة الاعتماد القهري.

التأصيل المفاهيمي والتاريخي لمصطلح “الكحولي”

يعود الاستخدام الطبي المنظم لكلمة “الكحولية” (Alcoholism) إلى الطبيب السويدي ماغنوس هس (Magnus Huss) في منتصف القرن التاسع عشر وتحديداً عام 1849، حيث سعى من خلال هذا الطرح إلى نقل التعاطي المزمن للكحول من حيز التقييم الديني والأخلاقي إلى الحقل الإكلينيكي عبر توصيف الأضرار العضوية والجهازية الناجمة عن التسمم الكحولي المتكرر. وقبل هذا التوصيف، كانت المجتمعات الغربية والشرقية تنظر إلى من يفرط في الشرب بوصفه شخصاً ضعيف الشخصية أو آثماً، الأمر الذي كان يترتب عليه عقوبات اجتماعية وقانونية بدلاً من تقديم الرعاية الصحية والنفسية اللازمة لاحتواء حالته المتدهورة.

وفي منتصف القرن العشرين، أحدث الباحث الأمريكي إلفين مورتون جيلينيك (E. M. Jellinek) نقلة نوعية في علم الإدمان عبر صياغة “نموذج المرض” (Disease Model of Alcoholism) في كتابه الصادر عام 1960 بعنوان The Disease Concept of Alcoholism. قسم جيلينيك مراحل الإدمان إلى أنماط محددة (ألفا، بيتا، غاما، دلتا، إبسيلون)، مؤكداً أن مدمن الكحول يعاني من حالة بيولوجية خارجة عن نطاق سيطرته الإرادية بمجرد بدء التعاطي، واصفاً إياها بفقدان السيطرة المقترن بظاهرة التحمل والأعراض الانسحابية، وهو ما مهد الطريق لاعتراف الجمعية الطبية الأمريكية بالكحولية كمرض رسمي عام 1956.

مع تطور أدلة التشخيص الحديثة، تراجعت الهيئات الأكاديمية العالمية عن استخدام وصف “الكحولي” كاسم جامع ومحدد لهوية الشخص، واستعاضت عنه بمصطلحات أكثر دقة وإنسانية ترتكز على السلوك والخلل الوظيفي، مثل اضطراب تعاطي الكحول (Alcohol Use Disorder – AUD) وفق ما جاء في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، وتصنيف الأمراض الدولي (ICD-11)، بهدف تفكيك الوصمة الاجتماعية وتقييم الحالة وفق متصل مستمر يتراوح بين الخفيف والمتوسط والشديد بدلاً من النظرة الثنائية القديمة (إما مدمن أو غير مدمن).

المعايير التشخيصية والتصنيف الطبي النفسي

يرتكز التشخيص الإكلينيكي لاضطراب تعاطي الكحول في الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس (DSM-5) الصادر عن الرابطة الأمريكية للطب النفسي على وجود نمط إشكالي من استهلاك الكحول يؤدي إلى ضائقة سريرية ملموسة أو تدهور وظيفي يظهر من خلال استيفاء معيارين على الأقل من أصل أحد عشر معياراً خلال فترة زمنية تمتد لاثني عشر شهراً. وتعكس هذه المعايير الأبعاد السلوكية والفسيولوجية المتداخلة التي تسيطر على حياة الفرد.

تتضمن هذه المعايير رغبة قهرية أو ملحة في شرب الكحول (Craving)، وتناول المشروب بكميات أكبر أو على مدى زمني أطول مما كان يقصده الفرد في البداية، بالإضافة إلى وجود رغبة دائمة ومحاولات غير ناجحة لتقليص الشرب أو السيطرة عليه. كما تشمل قضاء وقت طويل في الأنشطة اللازمة للحصول على الكحول أو تعاطيه أو التعافي من آثاره الفسيولوجية المنهكة، والتخلي عن الأنشطة الاجتماعية أو المهنية أو الترفيهية الهامة أو تقليصها بسبب ارتهان الحياة اليومية بجدول التعاطي.

وعلى المستوى الفسيولوجي المتقدم، يبرز معياران حاسمان هما: التحمل (Tolerance)، والذي يتجلى في الحاجة إلى جرعات متزايدة باطراد للوصول إلى حالة السكر أو التأثير المرغوب، أو تراجع الأثر بشكل ملحوظ مع استمرار استخدام المقدار ذاته؛ والمتلازمة الانسحابية (Withdrawal Syndrome)، والتي تظهر عبر أعراض جسدية ونفسية قاسية عند التوقف المفاجئ أو تقليل الجرعة، مما يدفع المصاب إلى الشرب المستمر لتجنب هذه المعاناة الحادة، مما يغلق الدائرة الإدمانية بإحكام.

الآليات البيولوجية العصبية للإدمان الكحولي

يمارس الإيثانول تأثيراً معقداً على الجهاز العصبي المركزي، حيث يخترق الحاجز الدموي الدماغي بسهولة مطلقة نظراً لصغر حجم جزيئاته وذوبانيته العالية في الماء والدهون. يؤثر الكحول بشكل مباشر على العديد من الأنظمة الناقلة العصبية، ولكن تأثيره الأساسي يتمحور حول تعزيز عمل مستقبلات حمض الغاما-أمينوبيوتيريك (GABA)، وهو الناقل العصبي التثبيطي الرئيسي في الدماغ، مما يؤدي إلى الخدر والاسترخاء وتثبيط القلق الحركي في المراحل الأولى للتعاطي.

بالتوازي مع تثبيط الجهاز العصبي عبر مسار GABA، يعمل الكحول على كبح مستقبلات الن-مثيل-د-أسبارتات (NMDA) التابعة للناقل العصبي التحفيزي “الغلوتامات” (Glutamate). يؤدي هذا الكبح المزدوج إلى انخفاض شامل في النشاط القشري الدماغي، ما يفسر ضعف التنسيق الحركي، وتداخل الكلام، وضعف المحاكمة العقلية، وتدهور الذاكرة اللحظية عبر تثبيط عمل الحصين (Hippocampus) المسؤول عن ترسيخ الذكريات قصيرة المدى وتحويلها إلى ذكريات طويلة المدى.

ومع التحول من التعاطي العابر إلى الإدمان المزمن، يحدث ما يُعرف بـ “التكيف المتماثل العصبي” (Neuroadaptation)، حيث يستجيب الدماغ للتثبيط المستمر عبر تقليل حساسية مستقبلات GABA وزيادة تنظيم مستقبلات NMDA لتحقيق التوازن التوازني (Homeostasis). وعند انقطاع الكحول فجأة، يقع الدماغ في حالة من الاستثارة المفرطة (Hyper-excitability) غير المقيدة، وهي المسؤولة عن أعراض الانسحاب القاتلة أحياناً كالهذيان الارتعاشي (Delirium Tremens)، والتشنجات الصرعية، والخلل الوظيفي الذاتي الحاد، مما يثبت أن إدمان الكحول هو اعتلال وظيفي عصبي عميق الجذور.

النظريات النفسية والدينامية المفسرة لإدمان الكحول

من منظور التحليل النفسي والنظريات الدينامية، لا يُنظر إلى إدمان الكحول كمجرد سلوك عشوائي، بل بوصفه آلية دفاعية لاواعية تهدف إلى تخفيف التوتر الناجم عن صراعات نفسية داخلية مكبوتة. رأى سيغموند فرويد ومن بعده كارل أبراهام أن الإدمان يرتبط بتثبيت (Fixation) في المرحلة الفموية من التطور النفس جنسي، حيث يسعى الفرد لا شعورياً إلى إشباع رغبات الارتباط والتغذية السلبية عبر إدخال مادة خارجية توفر له راحة بديلة وتنقذه من مشاعر الفراغ الوجودي أو الذنب المزمن.

وقدم الطبيب النفسي إدوارد خانتزيان (Edward Khantzian) مساهمة محورية من خلال فرضية التطبيب الذاتي (Self-Medication Hypothesis)، والتي تفترض أن الأفراد الذين ينزلقون إلى إدمان الكحول لا يبحثون عن المتعة بالدرجة الأولى، بل يحاولون تنظيم حالات وجدانية عاطفية مؤلمة يعجزون عن احتوائها بصورة طبيعية، مثل القلق المرضي، أو الاكتئاب السريري المقنع، أو اضطراب ما بعد الصدمة، حيث يعمل الكحول كمسكن كيميائي سريع يخدر آلام الصدمات النفسية غير المعالجة، وإن كان ثمن ذلك تدمير الجهاز العصبي تدريجياً.

أما النظريات السلوكية والمعرفية، فتفسر هذا النمط عبر آليات الاشتراط الكلاسيكي والإجرائي؛ فالكحول يقدم تعزيزاً إيجابياً أولياً من خلال توليد النشوة اللحظية، متبوعاً بتعزيز سلبي هائل يتمثل في إزالة مشاعر الضيق والقلق والانسحاب الجسدي. ومع تكرار هذه الدورة، تتشكل تشوهات معرفية ونوايا تلقائية معيبة تجعل الفرد يعتقد بصلابة أنه غير قادر على مواجهة متطلبات الحياة اليومية أو التفاعل في المواقف الاجتماعية دون التدرع بالتأثير المهدئ للكحول.

المسار الإتيولوجي: الوراثة والبيئة والتفاعل التخلقي

تؤكد الدراسات الوبائية والوراثية المستفيضة التي أُجريت على التوائم المتطابقة وغير المتطابقة وأطفال التبني أن الوراثة تلعب دوراً حاسماً في نشوء القابلية للإصابة باضطراب تعاطي الكحول، بنسبة تتراوح بين 40% إلى 60%. لا يوجد “جين فردي واحد” مسؤول عن صناعة الكحولي، بل يعود ذلك إلى نمط وراثي متعدد الجينات (Polygenic) يؤثر على استقلاب الكحول وحساسية المستقبلات الدماغية ومسارات المكافأة الدوبامينية في النواة المتكئة (Nucleus Accumbens).

يرتبط أحد أهم الفروق البيولوجية الجينية بالإنزيمات المسؤولة عن تحطيم الكحول في الكبد، وتحديداً إنزيم نازعة هيدروجين الكحول (ADH) وإنزيم نازعة هيدروجين الألدهيد (ALDH). فالأفراد الذين يمتلكون طفرات تؤدي إلى تراكم الأسيتالدهيد السام بسرعة يعانون من أعراض سلبية منفرة كاحمرار الوجه والغثيان الشديد وخفقان القلب، وهو ما يشكل عاملاً وقائياً وراثياً ضد الإدمان، بينما أولئك الذين يستقلبون الكحول بكفاءة عالية وبدون آثار سلبية مباشرة يملكون قابلية بيولوجية أعلى للاستهلاك المتزايد والاعتماد.

ومع ذلك، لا تعمل الجينات في فراغ منعزل، بل تتفاعل عبر علم التخلق (Epigenetics) مع بيئة تنشئة قاسية وغير مستقرة. تشير الأبحاث السريرية إلى ارتباط وثيق بين ما يُعرف بـ تجارب الطفولة السلبية (Adverse Childhood Experiences – ACEs)—مثل التعرض للإساءة الجسدية أو الجنسية، أو الإهمال العاطفي، أو النشأة في كنف والدين مضطربين نفسياً أو مدمنين—وبين ارتفاع احتمالية الإصابة باضطراب تعاطي الكحول في سن الرشد؛ إذ تُحدث هذه الصدمات المبكرة تغيراً دائماً في محور الهيبوثالاموس-النخامية-الكظرية (HPA Axis)، مما يجعل الفرد أكثر هشاشة أمام الضغوط الحياتية وأكثر ميلاً للبحث عن مهرب دوائي خارجي.

المظاهر السريرية والتداعيات النفسية والجسدية

يخلف إدمان الكحول المستمر آثاراً تدميرية تطال كافة الأجهزة الوظيفية في جسم الإنسان، مما يجعله أحد أبرز مسببات المراضة والوفيات التي يمكن الوقاية منها في العالم. على الصعيد العضوي، يُعتبر الكبد العضو الأكثر تضرراً من جراء التأكسد الخلوي وتراكم الشحوم، حيث يتدرج التلف من الكبد الدهني (Steatosis) إلى التهاب الكبد الكحولي الحاد، وصولاً إلى تليف الكبد (Cirrhosis) غير القابل للعكس، وما يرافقه من ارتفاع ضغط الدم البابي والاستسقاء وفشل وظائف الكبد الحيوية.

وعلى المستوى العصبي المعرفي، يؤدي النقص الحاد في امتصاص الثيامين (فيتامين B1) الناجم عن سوء التغذية وتلف بطانة الأمعاء لدى المدمنين إلى الإصابة باعتلال دماغي حاد يُعرف بمتلازمة فيرنيك (Wernicke’s Encephalopathy)، وإذا لم يتم تداركها بالحقن الوريدي العاجل، تتطور الكارثة إلى متلازمة كورساكوف (Korsakoff’s Syndrome)، وهي اضطراب نفسي عصبي يتسم بفقدان كارثي للذاكرة التقدمية وميل المريض إلى الاختلاق غير الإرادي (Confabulation) لملء فجوات الذاكرة المفقودة، مصحوباً بضمور في القشرة المخية والمخيخ يسبب خللاً في التوازن الحركي والتناسق العصبي.

أما على صعيد الصحة النفسية، فإن الكحول يفاقم بشكل دراماتيكي من الاضطرابات المزاجية والوجدانية من خلال اضطراب مسارات السيروتونين والنورإبينفرين. وعلى الرغم من أن الشخص قد يشرب لتخفيف الكآبة، إلا أن الكحول بحد ذاته يعد مثبطاً أولياً للجهاز العصبي، ما يؤدي إلى ما يُصطلح عليه بـ “الاكتئاب الناجم عن الكحول” (Alcohol-Induced Depressive Disorder)، فضلاً عن مساهمته المباشرة في تصعيد السلوكيات الاندفاعية، مما يرفع مؤشرات ومعدلات الانتحار الناجز ومحاولات إيذاء الذات بصورة مفزعة مقارنة بعموم السكان.

المداخل العلاجية والتدخلات النفسية والدوائية

تتطلب معالجة الشخص المشخص باضطراب تعاطي الكحول استراتيجية متعددة المراحل ومتكاملة التخصصات، تبدأ وجوباً بإزالة السمية (Detoxification) تحت إشراف طبي دقيق لتفادي الوفاة الناجمة عن المضاعفات الانسحابية الحادة. يُستخدم في هذه المرحلة بروتوكول مدعم بمطاعيم الثيامين ومهدئات من فئة البنزوديازيبينات طويلة المفعول (مثل الديازيبام أو الكلورديازيبوكسيد) لتقليل الاستثارة العصبية والحيلولة دون حدوث الاختلاجات الصرعية أو الهذيان الارتعاشي.

عقب استقرار الحالة البدنية، يبدأ التدخل الدوائي المستدام الذي صادقت عليه وكالات الغذاء والدواء العالمية لدعم الامتناع ومنع الانتكاس:

  • ديسولفيرام (Disulfiram): يعمل كعلاج منفر يثبط إنزيم ALDH، مما يؤدي إلى تراكم فوري للأسيتالدهيد في حال شرب الكحول، مسبباً تفاعلات جسدية حادة ومنفرة تشمل القيء الشديد، والصداع النصفي، وخفقان القلب، لردع الرغبة في التعاطي.
  • نالتريكسون (Naltrexone): مضاد لمستقبلات الأفيون يثبط إفراز الدوبامين المرتبط بالشرب، مما يحرم المتعاطي من مشاعر النشوة والتعزيز الإيجابي ويقلل التوق الشديد (Craving).
  • أكامبروسات (Acamprosate): يعمل على تعديل وتثبيت توازن الناقلات العصبية بين أنظمة GABA والغلوتامات، مما يخفف من التوتر النفسي والانزعاج المستمر الذي يلي مرحلة الانسحاب المبكرة ويدفع المريض للانتكاس.

بالتوازي مع العلاج الدوائي، تحتل العلاجات النفسية مكانة الصدارة؛ حيث يبرز العلاج السلوكي المعرفي (CBT) عبر تدريب المريض على استكشاف المحفزات البيئية والنفسية، وتفكيك المعتقدات التلقائية، واكتساب استراتيجيات تكيف صحية لمواجهة الرغبة الضاغطة (Urge Surfing) وفق نموذج مارلات للوقاية من الانتكاس. كما تلعب المقابلات الدافعية (Motivational Interviewing) دوراً تأسيسياً في نقل الفرد من مراحل التردد والإنكار إلى مرحلة اتخاذ القرار بالتعافي.

ولا يمكن إغفال الدور التاريخي والتكميلي لجماعات الدعم الذاتي، وتحديداً برنامج الاثنتي عشرة خطوة لجمعية مدمنو الكحول المجهولون (Alcoholics Anonymous – AA)، الذي يوفر بيئة حاضنة قائمة على التضامن الإنساني ومشاركة الخبرات دون إطلاق أحكام مسبقة، مما يكسر العزلة الاجتماعية المزمنة التي فرضها الإدمان ويعزز المسؤولية الفردية نحو الشفاء الروحي والنفسي المستدام.

الوصمة الاجتماعية وإعادة التأهيل والوقاية

تقف الوصمة الاجتماعية (Social Stigma) حجر عثرة أمام تعافي الملايين من المصابين بإدمان الكحول حول العالم؛ إذ إن تجريم المريض وتصنيفه كفرد منبوذ أو ناقص الأخلاق يدفعه حتماً نحو التستر، والإنكار الشديد، والتعاطي السري، ما يؤخر طلب الاستشارة المتخصصة لسنوات طويلة ريثما تتفاقم الأضرار العضوية والنفسية لحدود غير قابلة للإصلاح. ولذلك، تقود الأوساط العلمية حركات توعوية تهدف إلى ترسيخ لغة محايدة سريرياً تؤكد أن الإدمان هو اعتلال دماغي قابل للعلاج وليس عيباً شخصياً متأصلاً.

تشمل برامج إعادة التأهيل المجتمعي بعد العلاج الأولي دعم البيئة الأسرية من خلال الإرشاد الأسري والعلاج الزواجي؛ فالإدمان يُعتبر في علم النفس الأسري “مرضاً عائلياً” يؤدي إلى نشوء سلوكيات الاعتمادية المشتركة (Codependency) واضطراب الأدوار داخل المنزل. تهدف هذه البرامج إلى بناء شبكة أمان اجتماعية ومساعدة المتعافي على الاندماج المهني واستعادة المكانة الوظيفية، ما يمنحه معنى وجودياً وشعوراً مجدداً بالقيمة الذاتية يقلل من فرص الارتداد نحو المادة المخدرة.

أما على مستوى السياسات والوقاية العامة، فتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التدخلات الوقائية الأكثر كفاءة تتطلب تدابير هيكلية صارمة من الحكومات، مثل فرض الضرائب المرتفعة على منتجات الكحول للحد من الوصول الاقتصادي إليها، وحظر الإعلانات التجارية الموجهة للشباب والمراهقين، ووضع قيود حازمة على ساعات وأماكن البيع، بجانب إدراج برامج تعزيز الصحة النفسية ومكافحة المواد المخدرة في المناهج التعليمية لحماية الفئات الناشئة من الانخراط المبكر في الشرب الخطِر.

خاتمة

إن الانتقال المفاهيمي من وصف الفرد بـ “الكحولي” إلى تشخيصه كإنسان يعاني من “اضطراب تعاطي الكحول” ليس مجرد ترف لغوي أو تعديل اصطلاحي عابر، بل هو انعكاس لثورة علمية وإنسانية تعيد الاعتبار للمريض وتفتح أمامه آفاق الشفاء. إن هذا الاضطراب هو محصلة تشابك وثيق بين هشاشة جينية وبايولوجية، وصراعات نفسية ووجدانية دفينة، وسياقات بيئية ضاغطة. ويتطلب التصدي الفعال لهذه الظاهرة تكامل العلوم العصبية والنفسية، وتوفير مظلة علاجية تستند إلى الدليل العلمي وتتسم بالرحمة والاحترام لكرامة الإنسان، بما يتيح للمتعافي استعادة السيطرة على مسار حياته وإعادة بناء روابطه الإنسانية والمجتمعية بصورة متوازنة وواعية.

المراجع

  • American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
  • Jellinek, E. M. (1960). The disease concept of alcoholism. Hillhouse Press.
  • Khantzian, E. J. (1997). The self-medication hypothesis of substance use disorders: A reconsideration and recent applications. Harvard Review of Psychiatry, 4(5), 231–244. https://doi.org/10.3109/10673229709030550
  • Koob, G. F., & Volkow, N. D. (2016). Neurobiology of addiction: A neurocircuitry analysis. The Lancet Psychiatry, 3(8), 760–773. https://doi.org/10.1016/S2215-0366(16)00104-8
  • Marlatt, G. A., & Donovan, D. M. (Eds.). (2005). Relapse prevention: Maintenance strategies in the treatment of addictive behaviors (2nd ed.). Guilford Press.
  • Miller, W. R., & Rollnick, S. (2012). Motivational interviewing: Helping people change (3rd ed.). Guilford Press.
  • Volkow, N. D., Koob, G. F., & McLellan, A. T. (2016). Neurobiologic advances from the brain disease model of addiction. New England Journal of Medicine, 374(4), 363–371. https://doi.org/10.1056/NEJMra1511480
  • World Health Organization. (2018). Global status report on alcohol and health 2018. World Health Organization.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 26). مدمن الكحول: المفهوم السريري، الأبعاد النفسية، والمسارات العلاجية لاضطراب تعاطي الكحول. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/alcoholic-alcohol-use-disorder/
looti, Mohammed. “مدمن الكحول: المفهوم السريري، الأبعاد النفسية، والمسارات العلاجية لاضطراب تعاطي الكحول.” عرب سايكلوجي, 26 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/alcoholic-alcohol-use-disorder/.
looti, Mohammed. “مدمن الكحول: المفهوم السريري، الأبعاد النفسية، والمسارات العلاجية لاضطراب تعاطي الكحول.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 26, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/alcoholic-alcohol-use-disorder/.