اضطرابات الأكل والتغذيةالطب النفسيعلم النفس الإكلينيكي

الألوتريوفاجيا: المفهوم السريري، الأسباب النفسية والعصبية، ومناهج التدخل العلاجي

الألوتريوفاجيا (شهوة الغرائب أو متلازمة بيكا) هي اضطراب نفسي وسلوكي يتمثل في الرغبة القهرية المستمرة في تناول مواد غير غذائية. يتناول هذا المقال التحليلي المعايير التشخيصية، والأسباب العصبية والنفسية، والمضاعفات الجراحية، ومناهج العلاج السلوكي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 26 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 26 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُعد الألوتريوفاجيا (Allotriophagy)، والمعروفة في الأدبيات الطبية والنفسية المعاصرة باشتهاء الغرائب أو متلازمة بيكا، واحدة من أكثر اضطرابات الأكل والتغذية إثارة للحيرة والاهتمام في حقول الطب النفسي، وعلم النفس الإكلينيكي، والأنثروبولوجيا الطبية. يتميز هذا الاضطراب بنزوع قهري ومستمر نحو استهلاك مواد غير غذائية وغير صالحة للاستهلاك الآدمي ولا تمد الجسم بأي قيمة غذائية، مثل الطين، والطباشير، والشعر، والرماد، والطلاء، والجليد. يمثل هذا السلوك تحدياً تشخيصياً وعلاجياً مركباً، إذ تتقاطع فيه الدوافع البيولوجية الناجمة عن اعتلالات استقلابية أو عوز غذائي مع ديناميات نفسية عميقة الجذور، واضطرابات نمائية عصبية، وسياقات بيئية وثقافية معقدة تتطلب تفكيكاً دقيقاً لفهم آلياتها الكامنة والحد من عواقبها الصحية الوخيمة.

التأصيل اللغوي والمفهومي للألوتريوفاجيا

يعود الأصل اللغوي لمصطلح “ألوتريوفاجيا” إلى الجذور الإغريقية القديمة، حيث يتألف من شقين: الشق الأول هو “allotrios” ويعني الغريب، أو غير المألوف، أو الأجنبي، والشق الثاني هو فعل “phagein” الذي يعني الأكل أو الالتهام؛ وبذلك يشير المصطلح اشتقاقياً إلى “التهام المواد الغريبة أو الشاذة”. استُخدم هذا المفهوم تاريخياً في الكتابات الطبية المبكرة منذ عهد أبقراط وجالينوس لوصف الحالات التي يُظهر فيها المرضى شهية غير طبيعية للمواد غير القابلة للهضم. وقد تداخل هذا المصطلح بصورة وثيقة مع مصطلح “بيكا” (Pica)، المشتق بدوره من الكلمة اللاتينية التي تُطلق على طائر العقعق الأوراسي المعروف بشهيته النهمة والتقاطه العشوائي لكل ما يصادفه من أجسام في بيئته سواء أكانت غذاءً أم أدوات براقة وحجارة صغيرة.

في التطور التاريخي للطب النفسي، نُظر إلى الألوتريوفاجيا تارة كعرض لعلل جسدية باطنية، وتارة أخرى كشكل من أشكال الانحراف السلوكي أو الذهان العصبي. وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، اعتبر علماء الطب أن اشتهاء المواد الصلبة كالجير والتراب يمثل اضطراباً في المزاج أو تعبيراً عن الهستيريا، خاصة لدى الفتيات في سن البلوغ والنساء الحوامل. ومع تقدم التحليل النفسي في بدايات القرن العشرين، فُسِّر السلوك بوصفه نكوصاً إلى المرحلة الفموية من التطور النفسي الجنسي، حيث يلجأ الفرد إلى التثبيت الفموي لخفض التوتر الداخلي والتعبير عن الرغبات الدفينة في الابتلاع والتملك الرمزي لموضوعات البيئة الخارجية المحيطة به.

في العصر الحديث، خضع المفهوم لمراجعات تصنيفية دقيقة لتمييزه عن العادات الغذائية المقبولة ثقافياً وسلوكيات الاستكشاف الطبيعية لدى الرضع. فبينما يمثل وضع الأشياء في الفم خطوة تطورية وحسية طبيعية لدى الأطفال دون سن الثانية، يُصنف استمرار هذا السلوك وتكراره بعد تجاوز هذه المرحلة العمرية كحالة مرضية صريحة. وقد وحّدت الأدبيات الإكلينيكية بين الألوتريوفاجيا وبيكا، معتبرة إياهما لفظين مترادفين يشيران إلى الظاهرة ذاتها، وإن كانت الألوتريوفاجيا تُستخدم أحياناً في سياقات أكثر تخصصية للإشارة تحديداً إلى الحالات الشديدة الناتجة عن اضطرابات عصبية حادة أو تسممات كيميائية معقدة في الجهاز العصبي المركزي.

المعايير التشخيصية والتصنيف الإكلينيكي

يُصنِّف الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية في نسخته الخامسة (DSM-5)، الصادر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي، هذا السلوك ضمن فئة “اضطرابات التغذية والأكل”. يشترط الدليل استيفاء معايير دقيقة لإطلاق التشخيص السريري، يأتي في مقدمتها استمرار تناول المواد غير المغذية وغير الغذائية لمدة لا تقل عن شهر واحد على نحو مستمر، مما يستبعد السلوكيات العارضة أو التجارب الفردية التي يقوم بها الطفل بدافع الفضول المؤقت والمحدود زمنياً.

ينص المعيار الثاني على أن يكون هذا السلوك غير ملائم للمستوى النمائي للشخص، وهو ما يُخرج الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنتين من دائرة التشخيص؛ حيث يُعتبر الاستكشاف الفموي للأشياء في هذه السن المبكرة جزءاً من التعلم الحسي الحركي الطبيعي للتفريق بين خصائص الأشياء وملمسها. كما ينص المعيار الثالث على ضرورة ألا يكون هذا النمط الغذائي جزءاً من ممارسة معتمدة ثقافياً، أو طقساً دينياً، أو عرفاً اجتماعياً مقبولاً داخل المجتمع المحلي للفرد، حيث تمارس بعض الثقافات استهلاك أنواع محددة من الطين لأغراض علاجية أو طقسية تقليدية معترف بها مجتمعياً.

أما المعيار الرابع والأخير فيؤكد أنه إذا تزامن سلوك الألوتريوفاجيا مع اضطراب نفسي آخر، مثل الإعاقة الذهنية، أو اضطراب طيف التوحد، أو الفصام، أو إذا حدث أثناء فترة الحمل، فإنه لا يُشخَّص كاضطراب مستقل إلا إذا كانت حدة السلوك شديدة بما يكفي لتستدعي تدخلاً إكلينيكياً مستقلاً وتبرر رعاية طبية مركزة تفوق تلك المخصصة للحالة الأساسية. ويتسق هذا تماماً مع معايير التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11) الصادر عن منظمة الصحة العالمية، والذي يشدد على تقييم المخاطر البيولوجية والتدخل الوقائي العاجل للحد من التداعيات المميتة لابتلاع الأجسام الغريبة.

الأنماط السريرية والتصنيفات الفرعية للمواد المستهلكة

تتعدد أشكال الألوتريوفاجيا تبعاً لطبيعة المادة التي يستجيب لها المريض بدافع قهري، وتتميز كل صورة بخصائص سريرية وتبعات صحية فريدة. ومن أبرز هذه الأنماط وأكثرها شيوعاً في الدراسات الميدانية:

  • الجيوفاجيا (Geophagy): وهي الرغبة العارمة في التهام التربة، أو الطين، أو الصلصال، والطباشير. يُعتبر هذا النمط من أقدم السلوكيات الموثقة تاريخياً، وكثيراً ما يرتبط بالتقاليد الفلكلورية في بعض المناطق الجغرافية، لكنه إكلينيكياً يرتبط بحالات الأنيميا الحادة وتسمم الرصاص.
  • الباغوفاجيا (Pagophagy): اشتهاء ومضغ كميات هائلة من مكعبات الثلج أو الصقيع المتجمد داخل المبردات. ترتبط هذه الحالة برباط سببي وإحصائي وثيق بنقص عنصر الحديد في مصل الدم، وتتحسن بصورة مذهلة فور تصحيح العوز المعدني.
  • التريكوفاجيا (Trichophagy): السلوك القهري المتمثل في ابتلاع الشعر، سواء كان شعر الشخص نفسه، أو شعر الدمى والأقمشة الصوفية، أو شعر الحيوانات الأليفة. يُعد هذا النمط من أخطر الأشكال سريرياً بسبب عدم قدرة الأنزيمات الهاضمة على تفكيك الكيراتين، مما يؤدي لتكون كرات شعر ضخمة تعرف بالبازهر الشعري.
  • الأميلوفاجيا (Amylophagy): استهلاك النشا غير المعالج والمخصص للغسيل أو نشا الذرة الخام بكميات تتجاوز المعدلات الطبيعية، وغالباً ما ينتشر هذا النمط لدى الحوامل، ويقترن باضطرابات التمثيل الغذائي ونقص المغذيات الدقيقة.
  • الليثوفاجيا (Lithophagy): الابتلاع المتعمد للحجارة الصغيرة والحصى والرمل، وهو نمط شديد الخطورة يسبب تهتكاً ميكانيكياً لجدران المريء والمعدة وأضراراً بالغة بالنسيج السني وتكسراً في المينا.
  • أنماط أخرى شديدة السمية: تشمل بلع رماد السجائر، والكرتون، وقشور الطلاء المتساقطة من الجدران (Plumbophagy)، والبراز (Coprophagy)، والصابون، والبطاريات الصغيرة؛ وهي أنماط تعكس غالباً اضطراباً نمائياً أو ذهانياً حاداً.

الأسباب والمسببات الإمراضية للألوتريوفاجيا

تنطلق النماذج الإمراضية المعاصرة من منظور شمولي تكاملي (Biopsychosocial) يربط بين العوامل الحيوية العصبية، والتأثيرات البيئية والنفسية، والبنى المعرفية. فمن الناحية البيولوجية والفسيولوجية، يُعزى السلوك في كثير من الأحيان إلى آلية تعويضية غير موجهة ينشطها الجسم استجابةً لنقص المغذيات الدقيقة الأساسية؛ حيث تؤكد الأبحاث السريرية وجود علاقة قوية بين الألوتريوفاجيا وفقر الدم بعوز الحديد (Iron Deficiency Anemia)، ونقص عنصر الزنك. يُعتقد أن انخفاض مستويات الحديد يؤثر على النواقل العصبية في الدماغ، وتحديداً في المسارات الدوبامينية المسؤولة عن نظام المكافأة والتحكم في الدوافع، مما ينتج عنه سلوك التهام شاذ للمواد الغريبة التي قد تحتوي لاوعياً في مخيلة المريض على تلك العناصر المفقودة، على الرغم من أن المواد المستهلكة في الواقع قد تعيق امتصاص الحديد بصورة أكبر.

من المنظور النفسي والدينامي، تُصنف الألوتريوفاجيا كاستجابة تكيفية غير سوية للتعامل مع مشاعر القلق المزمن، والتوتر النفسي الشديد، والصدمات النفسية غير المحلولة. يُستخدم فعل المضغ والبلع كآلية لتهدئة الذات (Self-soothing) في مواجهة الإهمال العاطفي أو الحرمان البيئي، لا سيما لدى الأطفال الذين ينشؤون في بيئات أسرية مفككة تفتقر إلى التحفيز الحسي والعاطفي الإيجابي؛ فيغدو التهام المواد الصلبة نوعاً من السيطرة البديلة وتفريغ الشحنات الانفعالية المكبوتة. كما تتقاطع الألوتريوفاجيا في حالات معينة مع اضطراب الوسواس القهري (OCD)، حيث تتحول الرغبة في تناول المادة إلى فكرة متسلطة لا تهدأ إلا بالفعل القهري المتمثل في البحث عنها وتناولها.

على الصعيد النمائي العصبي، تبرز الألوتريوفاجيا بنسب انتشار مرتفعة للغاية لدى الأفراد المصابين باضطراب طيف التوحد (ASD) والإعاقات الذهنية الشديدة. في هذه المجموعات الإكلينيكية، لا يرتبط السلوك بخلل غذائي بالضرورة، بل ينتج عن خلل في المعالجة الحسية (Sensory Processing Dysfunction)؛ حيث يسعى الفرد إلى الحصول على تغذية راجعة حسية فموية (Oral Sensory Seeking) ترضي حاجته لتحفيز اللثة أو استشعار قوام معين، أو كرد فعل على صعوبة التمييز الإدراكي بين ما هو صالح للأكل وما هو غير صالح. كما تتفاقم الظاهرة نتيجة ضعف الرقابة الأبوية، وغياب بيئات التنبيه الذهني، ومحدودية القدرة على التواصل اللفظي للتعبير عن الاحتياجات الجسدية الأساسية كالجوع أو العطش.

المضاعفات الطبية والجراحية

تترتب على الألوتريوفاجيا سلسلة من المضاعفات العضوية المعقدة التي قد تهدد حياة المريض وتستدعي تدخلاً جراحياً عاجلاً. تتصدر هذه المضاعفات اضطرابات القناة الهضمية الناجمة عن ابتلاع المواد غير القابلة للهضم؛ حيث يتسبب ابتلاع الشعر في تكوّن كتل ضخمة ومتحجرة داخل المعدة تُعرف بالبازهر الشعري (Trichobezoar). وفي حالات متقدمة وخطيرة تُعرف طبياً بـ “متلازمة رابونزيل” (Rapunzel Syndrome)، يمتد ذيل هذه الكتلة الشعرية من المعدة مخترقاً الاثني عشر ليصل إلى الأمعاء الدقيقة أو الغليظة، متسبباً في انسداد معوي كامل، وانثقاب في جدار الأحشاء، والتهاب بريتوني حاد قد ينتهي بالصدمة الإنتانية والوفاة إن لم يتم استئصالها جراحياً على الفور.

كما يمثل التسمم بالمعادن الثقيلة واحداً من أخطر التهديدات المرتبطة بجيوفاجيا قشور الطلاء والتربة الملوثة؛ إذ يؤدي تناول الدهانات المحتوية على الرصاص إلى تراكمه المزمن في مجرى الدم، مسبباً اعتلال الدماغ الرصاصي (Lead Encephalopathy)، وتدهور الوظائف الإدراكية، ونوبات الصرع، وتراجع الذكاء، وتلف الكلى المزمن لدى الأطفال. بالإضافة إلى ذلك، يترافق استهلاك التربة والمواد الحيوانية والبراز مع خطر العدوى الطفيلية الشديدة، كالإصابة بالديدان الأسطوانية (Toxocariasis)، والمقوسة الغوندية (Toxoplasmosis)، والجيارديا، وما يستتبعها من آفات حشوية تهاجم الكبد، والرئتين، والجهاز العصبي، وشبكية العين.

لا تتوقف الأضرار عند هذا الحد، بل تمتد إلى الجهاز الفموي والنسيج السني، حيث يؤدي المضغ المستمر للحجارة والرمال والزجاج إلى تآكل طبقة المينا، وتشقق الأسنان، وتلف الأنسجة الداعمة للأسنان، وتكرار الخراجات اللثوية المؤلمة. فضلاً عن ذلك، تؤدي الألوتريوفاجيا إلى مفارقة غذائية قاسية، فالاستهلاك المفرط لبعض المواد كالطين والصلصال يرتبط كيميائياً بالحديد والزنك داخل تجويف الأمعاء ويمنع امتصاصهما، مما يعمق حالة سوء التغذية وفقر الدم، ويدخل المريض في حلقة مفرغة تفاقم الدافع القهري لتناول المزيد من تلك المواد الضارة.

التقييم السريري والتشخيص الفارقي

يتطلب التقييم الإكلينيكي للألوتريوفاجيا نهجاً استقصائياً متعدد التخصصات يشمل الأطباء النفسيين، وأطباء الأطفال، وعلماء النفس السلوكيين، وأخصائيي التغذية. تبدأ عملية التقييم بأخذ تاريخ مرضي مفصل يركز على نوع المواد المستهلكة، وتواتر السلوك، ومدته، والسياق الزماني والمكاني لحدوثه، ومصدر المادة، ومدى توفرها في البيئة المنزلية. كما يتطلب الأمر استكشاف البيئة الأسرية، ومستويات الدعم الاجتماعي، ووجود مؤشرات على الحرمان النفسي أو الإساءة الجسدية والإهمال.

يشمل البروتوكول الطبي إجراء فحوصات مخبرية دقيقة، على رأسها:

  • تعداد الدم الكامل (CBC) لتقييم وجود فقر الدم وصورته المورفولوجية.
  • قياس مخزون الحديد في الدم (الفيريتين)، ومستويات الزنك والمغنيسيوم في المصل.
  • قياس تركيز الرصاص في الدم الشرياني والوريدي للكشف عن التسمم المبكر.
  • الفحوصات الإشعاعية مثل التصوير بالأشعة السينية (X-ray) أو الأشعة المقطعية للبطن للكشف عن الأجسام الغريبة المبتلعة، وحصوات البازهر، وعلامات الانسداد أو الانثقاب المعوي.
  • فحص عينات البراز للكشف عن الطفيليات والبيوض المعوية والنزف الهضمي الخفي.

في إطار التشخيص الفارقي (Differential Diagnosis)، يجب على الفاحص استبعاد عدد من الاضطرابات التي قد تتشابه مظاهرها مع الألوتريوفاجيا. ينبغي التمييز بينها وبين اضطراب تجنب أو تقييد تناول الطعام (ARFID)، الذي يتسم برفض أطعمة معينة بسبب خصائصها الحسية دون وجود دافع لالتهام المواد غير الغذائية. كما يجب تمييزها عن الذهان والفصام، حيث قد يبتلع المرضى أدوات خطيرة بناءً على أوهام وهلاوس اضطهادية أو دينية، وليس بدافع الشهية القهرية للألوتريوفاجيا. كذلك يجب استبعاد ممارسات إيذاء النفس المتعمد (Nonsuicidal Self-Injury) واضطراب الشخصية الحدية، حيث يتم ابتلاع شفرات الحلاقة أو الدبابيس بهدف إلحاق الضرر بالجسد كتفريغ للألم العاطفي وليس كاضطراب في الرغبة الغذائية.

الاستراتيجيات العلاجية والتدخلات النفسية والسلوكية

يرتكز علاج الألوتريوفاجيا على استراتيجية تكاملية تجمع بين التدخلات الطبية البيولوجية والبرامج السلوكية النفسية، وتعتمد الخطة العلاجية بصورة مباشرة على المسببات المكتشفة في مرحلة التقييم. في الحالات التي يكون فيها الاضطراب ناجماً عن عوز غذائي مثبت، كأنيميا نقص الحديد أو نقص الزنك، فإن الخطوة العلاجية الأولى والأكثر فاعلية تتمثل في التعويض الدوائي الفوري لهذه العناصر عن طريق المكملات الفموية أو الحقن الوريدي في الحالات الشديدة؛ وغالباً ما يُسفر تصحيح هذه النواقص الكيميائية الحيوية عن اختفاء سلوك الباغوفاجيا والجيوفاجيا في غضون أيام إلى أسابيع معدودة دون الحاجة لتدخلات سلوكية معقدة.

أما في الحالات المرتبطة بالإعاقات الذهنية أو اضطراب طيف التوحد، فإن تحليل السلوك التطبيقي (ABA) يُعد التدخل المعياري الذهبي الأكثر رسوخاً وإثباتاً بالأدلة العلمية. يعتمد هذا النهج على إجراء تقييم وظيفي للسلوك (Functional Behavior Assessment – FBA) لتحديد المحفزات البيئية والمكاسب الحسية التي يحصل عليها الفرد من هذا التصرف. تتضمن الإجراءات السلوكية تقنيات متعددة مثل “التعزيز التفاضلي للسلوكيات البديلة” (DRA) أو غير المتوافقة (DRI)، حيث يتم تدريب الفرد ومكافأته على الانخراط في سلوكيات بديلة مقبولة تشبع حاجته الحسية، مثل مضغ العلكة الخالية من السكر أو استخدام أدوات حسية فموية مخصصة (Chewelry) كبديل لالتهام المواد الضارة.

تُطبق أيضاً تقنيات الحماية والضبط البيئي (Environmental Manipulation) لتقليل وصول المريض إلى المواد الخطرة، وتتضمن هذه الإجراءات إزالة قشور الطلاء القديمة من المنزل، وتأمين المواد الكيميائية ومستحضرات التنظيف، ووضع أقفال آمنة على الخزائن، وزيادة الإشراف النشط من قِبل الوالدين ومقدمي الرعاية. وفي الحالات السلوكية المعقدة والمستعصية، قد يُلجأ إلى تقنيات العقاب الخفيف أو التصحيح الزائد (Overcorrection)، حيث يُلزم الفرد بتنظيف المنطقة التي أخذ منها المادة الغريبة وغسل فمه بمطهر غير مستساغ، مع مراعاة المعايير الأخلاقية الصارمة لضمان كرامة المريض وسلامته البدنية.

لا تتوافر حتى الآن عقاقير نفسية مرخصة خصيصاً لعلاج الألوتريوفاجيا بشكل مباشر، إلا أن التدخل الدوائي قد يُستخدم لعلاج الاضطرابات النفسية المصاحبة؛ فمثلاً، يمكن استخدام مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) إذا كان السلوك يندرج ضمن طيف الوسواس القهري أو يرتبط بنوبات هلع وتوتر حادة. كما قد تُستخدم مضادات الذهان من الجيل الثاني بجرعات منخفضة (مثل الأريبيبرازول أو الريسبيريدون) لدى مرضى التوحد لتقليل الاندفاعية والسلوكيات النمطية والعدوانية المرتبطة بالبحث القهري عن المواد غير الغذائية، وذلك كجزء من خطة علاجية شاملة تعتمد على الدعم البيئي والتأهيل النفسي الاجتماعي طويل الأمد.

خاتمة

تمثل الألوتريوفاجيا ظاهرة إكلينيكية متعددة الأبعاد تقف على الحد الفاصل بين الطب العضوي والطب النفسي، وتجسد التفاعل المعقد بين البيولوجيا والسلوك البشري. يتطلب التعامل الناجح مع هذا الاضطراب حساسية تشخيصية فائقة تبدأ باستبعاد وتصحيح العوز الغذائي، وتقييم الأبعاد النمائية والعصبية، وتطبيق خطط علاجية وتعديل سلوكي مصممة خصيصاً لتلبية احتياجات الفرد داخل بيئته الأسرية والمجتمعية. إن التشخيص المبكر والتدخل المتكامل هما صمام الأمان الأساسي لتجنيب المرضى ويلات التدخلات الجراحية والمضاعفات التسممية المهددة للحياة، مما يعيد التوازن الحسي والسلوكي للفرد ويرتقي بجودة حياته وحياة أسرته.

المراجع

  • American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
  • Barton, J. R., & Riordan, F. A. (2020). Pica: A review of an unusual eating disorder. Archives of Disease in Childhood, 105(8), 789–794. https://doi.org/10.1136/archdischild-2019-317454
  • Callahan, C. A., & Rogers, M. A. (2018). Pica and sensory seeking in autism spectrum disorders: Applied behavioral interventions. Journal of Autism and Developmental Disorders, 48(6), 2130–2141. https://doi.org/10.1007/s10803-018-3472-x
  • Gore, D., & Kothari, P. (2021). Rapunzel syndrome: A rare and life-threatening presentation of trichobezoar. Journal of Pediatric Surgery Case Reports, 65, 101765. https://doi.org/10.1016/j.epsc.2020.101765
  • Mishra, P., & Sharma, K. (2019). Geophagy and iron deficiency anemia: A bidirectional clinical perspective. Nutrition Reviews, 77(4), 241–252. https://doi.org/10.1093/nutrit/nuy069
  • World Health Organization. (2019). International statistical classification of diseases and related health problems (11th ed.). World Health Organization. https://icd.who.int/
  • Young, S. L. (2011). Craving earth: Understanding pica—the urge to eat clay, starch, ice, and chalk. Columbia University Press. https://doi.org/10.7312/youn14608

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 26). الألوتريوفاجيا: المفهوم السريري، الأسباب النفسية والعصبية، ومناهج التدخل العلاجي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/allotriophagy-pica-eating-disorder/
looti, Mohammed. “الألوتريوفاجيا: المفهوم السريري، الأسباب النفسية والعصبية، ومناهج التدخل العلاجي.” عرب سايكلوجي, 26 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/allotriophagy-pica-eating-disorder/.
looti, Mohammed. “الألوتريوفاجيا: المفهوم السريري، الأسباب النفسية والعصبية، ومناهج التدخل العلاجي.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 26, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/allotriophagy-pica-eating-disorder/.