يمثل التفكير البشري منظومة معقدة تتأرجح باستمرار بين استيعاب تعقيدات الواقع وبين الرغبة الفطرية في تبسيط المعلومات لتسهيل اتخاذ القرارات وحفظ الطاقة الإدراكية. وفي خضم هذا التجاذب الإدراكي، يبرز نمط شائع يُعرف بـ التفكير الثنائي (إما-أو)، وهو ميل معرفي إلى تصنيف التجارب والذوات والعلاقات ضمن فئتين متناقضتين تماماً دون الاعتراف بالدرجات المتفاوتة بينهما. يعد هذا النمط حجر زاوية في العديد من الاضطرابات النفسية وسوء التكيف الانفعالي، مما يجعله موضوعاً رئيساً في دراسات علم النفس المعرفي والعيادي.
التفكير الثنائي (تفكير الإما-أو)
1. التعريف الموجز والدقيق
التفكير الثنائي (Either–Or Thinking)، والذي يُصطلح عليه أيضاً بالتفكير الاستقطابي (Polarized Thinking) أو التفكير الأبيض والأسود (Black-and-White Thinking)، هو نمط من التحريف المعرفي يميل فيه الفرد إلى تقييم المواقف والأشخاص والأحداث وفق ثنائيات حدية مطلقة ومتناقضة (مثل: نجاح مطلق أو فشل ذريع، خير محض أو شر مستطير)، مع عجز واضح عن إدراك الطيف الواسع من الحالات البينية والدرجات الرمادية التي تميز الواقع الحقيقي.
يمتد هذا المفهوم في التحليل النفسي والعيادي ليشير إلى بنية فكرية غير مرنة تؤدي إلى اختزال التجارب المتعددة الأبعاد في بُعدين متضادين حصريين. ويترتب على ذلك استجابات انفعالية حادة وتذبذب عاطفي وسلوكي غير متزن؛ إذ يعامل الفرد أي خلل بسيط في معيار الكمال على أنه انهيار كامل للمنظومة، مما يقوض قدرته على التقييم المتوازن والتكيف مع التحديات البيئية والاجتماعية المعقدة.
2. التأثيل والأصل اللغوي والمصطلحي
يعود الأصل اللغوي للمصطلح في اللغة العربية إلى لفظ “الثنائية” المشتق من الجذر (ث ن ي)، الدال على الضم والتكرار والانقسام إلى شطرين. أما تركيب “إما-أو” فيحمل دلالة لغوية تفيد الانفصال الحصري والمانع للجمع (Exclusive Disjunction)، حيث يلزم من إثبات أحد الطرفين بطلان الآخر بصورة قاطعة.
وفي الأدبيات الأنجلوساكسونية، صيغ التعبير من خلال تراكيب متقاربة مثل Either-Or Fallacy في المنطق غير الصوري (وتُعرف أيضاً بمغالطة المعضلة الزائفة False Dilemma)، ثم انتقل المصطلح إلى حقل العلاج المعرفي السلوكي تحت مسميات عدة منها: Dichotomous Thinking (المشتق من اليونانية: dicha وتعني إلى شطرين، وtome وتعني قطع)، وAll-or-Nothing Thinking، لوصف الكيفية التي يقطع بها العقل تواصل الظواهر ليحيلها إلى قسمين منفصلين لا يلتقيان.
3. الصيغة النحوية والصرفية والاستعمال اللفظي
يُستخدم المصطلح في السياق النفسي واللساني كمركب وصفي أو اسمي؛ فيقال: “التفكيرُ الثنائيُّ” (نعت ومنعوت) للدلالة على العمليات الإدراكية ككل، أو “تفكيرُ الإما-أو” بصيغة الإضافة الدالة على الخاصية الإدراكية المستبطنة. ويصنف صرفياً كمصدر مضاف إلى أداتي شرط وانفصال حُصرتا لتكوين اسم مركب.
وعند توظيفه سريرياً، يُستعمل اللفظ كصفة للسلوك المعرفي: “تفكير مستقطب” أو “إدراك مشطور”، كما يظهر بصيغة الفاعل في الدراسات التحليلية مثل “المفكر الاستقطابي” (Dichotomous Thinker). ويُستخدم التعبير لغوياً للإشارة إلى آلية دفاعية أو خطأ إدراكي منتظم يوجه عملية صياغة الأحكام وإصدار الاستنتاجات الفورية لدى الفرد في مختلف المواقف الحياتية.
4. الشرح المفاهيمي الموسع والأبعاد النفسية
ينطوي التفكير الثنائي على خلل عميق في معالجة المعلومات؛ فالإنسان بطبيعته المعرفية يميل إلى استخدام الاستدلالات السريعة (Heuristics) لتقليل العبء الذهني، إلا أن تفكير “إما-أو” يحول هذا التبسيط الوظيفي إلى قيد عقلي صلب. فعندما يعجز الجهاز الإدراكي عن معالجة التناقضات والغموض، يلجأ إلى إسقاط تصنيفات صارمة تجعل المدركات واضحة بنحو زائف، مما يمنح الفرد شعوراً مؤقتاً باليقين والأمان على حساب الدقة والموضوعية.
يتجلى هذا النمط في ثلاثة أبعاد رئيسة: البُعد الذاتي (تقييم الذات إما ككائن متفوق تماماً أو كفاشل مطلق)، والبُعد العلائقي (رؤية الآخرين كأصدقاء مخلصين أو كأعداء متربصين)، والبُعد الوجودي التقييمي (تصنيف أحداث الحياة إما كانتصارات باهرة أو ككوارث محققة). هذا التقسيم يمنع الفرد من استيعاب الطبيعة الديناميكية للأحداث التي تحتمل الصواب والخطأ، والقوة والضعف في آن واحد.
ومن الناحية العاطفية، يؤدي هذا الاستقطاب الإدراكي إلى استجابات انفعالية قصوى، وهو ما يُعرف بـ “التأرجح الوجداني”. فالفرد الذي يفكر بهذه الطريقة لا يعرف المشاعر الهادئة أو الرضا النسبي؛ إذ إن أدنى تراجع عن نقطة “الكمال المطلق” يدفعه مباشرة إلى قاع “الإحباط الكامل”. وتنتج عن ذلك هشاشة نفسية مزمنة تجعل الفرد عرضة للاحتراق النفسي، والقلق العام، وتدهور جودة العلاقات الاجتماعية نتيجة الأحكام الحدية القاطعة.
5. التطور التاريخي للمفهوم في علم النفس
تعود الجذور الأولى لمفهوم التفكير الثنائي إلى الانتقادات الفلسفية القديمة لمنطق أرسطو الثنائي (قانون الثالث المرفوع) وتطبيقاته على التجربة الإنسانية، غير أن تأطيره النفسي المنهجي بدأ مع بواكير مدرسة التحليل النفسي. فقد وصفت ميلاني كلاين في منتصف القرن العشرين آلية “الانشطار” (Splitting) كآلية دفاعية بدائية يقسم الرضيع عبرها موضوعات العالم إلى “جيد كلياً” و”سيئ كلياً” للحفاظ على أمنه النفسي من القلق التدميري.
وفي ستينيات القرن العشرين، نقل المنظر المعرفي البارز آرون بيك (Aaron Beck) المفهوم من الفضاء الدينامي إلى الإطار المعرفي التجريبي، حيث أدرج “التفكير الثنائي المطلق” كواحد من أهم التحريفات المعرفية التلقائية المسؤولة عن نشوء واستمرار مرض الاكتئاب. وأكد بيك أن مرضى الاكتئاب يمتلكون مخططات معرفية سالبة متصلبة تجبرهم على معالجة المعلومات بصيغة “كل شيء أو لا شيء”.
تلا ذلك إسهامات ألبرت إليس (Albert Ellis) في إطار العلاج العقلاني الانفعالي السلوكي (REBT)، حيث ربط بين التفكير الثنائي وبين “المطالب المطلقة” المتمثلة في الكلمات الإلزامية مثل (يجب، ينبغي، حتماً). وفي تسعينيات القرن الماضي، أعادت مارشا لينهان (Marsha Linehan) صياغة المفهوم بعمق من خلال تأسيسها للعلاج الجدلي السلوكي (DBT)، جاعلة من الانتقال من الاستقطاب الفكري إلى “التفكير الجدلي المركب” ركيزة أساسية لعلاج اضطراب الشخصية الحدية.
6. الأسس والأطر النظرية المفسرة
تتعدد النظريات السيكولوجية التي تناولت تفسير نشوء التفكير الثنائي، وتبرز من بينها أربعة أطر نظرية كبرى:
النظرية المعرفية الكلاسيكية: ترى أن التفكير الثنائي ينبع من مخططات معرفية مبكرة غير تكيفية (Early Maladaptive Schemas) تتشكل خلال مراحل الطفولة. وفقاً لبيك، فإن هذه المخططات تعمل كمرشحات انتقائية تدفع الدماغ إلى التخلص من المعلومات المعقدة أو السياقية، والاحتفاظ فقط بالمعلومات المتطرفة المتوافقة مع الفرضيات المسبقة، مما يسهل حدوث القفز إلى الاستنتاجات المطلقة.
نظرية التحليل النفسي والعلاقات بالموضوع: يرى منظرو هذا الاتجاه، وعلى رأسهم أوتو كيرنبيرغ (Otto Kernberg)، أن التفكير الثنائي هو المقابل المعرفي لآلية الانشطار الدفاعية. يلجأ الأنا غير الناضج إلى فصل المشاعر والتمثيلات المتناقضة للذات والآخر لتجنب القلق الغامر الناجم عن دمج جوانب الحب والعدوان في نفس الكيان، مما يُبقي العالم مقسماً بصورة صارمة إلى ملائكة وشياطين.
النظرية التطورية العصبية: تفترض هذه المقاربة أن الدماغ البشري مبرمج بيولوجياً في مواقف التهديد والخطر الشديد على اعتماد استجابات ثنائية بدائية سريعة (قتال أو هروب، آمن أو خطير، صديق أو عدو)، حيث إن التفكير المتأني في الاحتمالات الوسطى في البيئات الخطرة قد يهدد البقاء. وعندما يعاني الفرد من استثارة انفعالية مزمنة، تسيطر المراكز اللوزية الدماغية (Amygdala) على القشرة الجبهية، مما يعيد تفعيل هذه الأنماط الاستقطابية الدفاعية في مواقف الحياة اليومية المعتادة.
7. المكونات الأساسية والأنماط والأبعاد
يتشكل التفكير الثنائي من عدة مكونات متضافرة تكشف عن طبيعته متعددة الأوجه:
- التعميم المطلق (Absolute Generalization): استخدام لغة حاسمة وخالية من الاستثناءات، تدور حول مفردات مثل: “دائماً”، “أبداً”، “مستحيل”، و”الجميع”.
- النزعة الكمالية السلبية (Maladaptive Perfectionism): اشتراط بلوغ مستوى الأداء الخالي من أي شائبة بنسبة مائة بالمائة، واعتبار أي تراجع طفيف بمثابة فشل ذريع يستوجب التخلي عن الهدف بأكمله.
- الانشطار العلائقي (Relational Splitting): تقلب الرؤية تجاه الشركاء والأصدقاء بين المثالية والتقديس عند الرضا، والازدراء ونزع القيمة الإنسانية عند حدوث أول خلاف عابر.
- الفرز الإدراكي الانتقائي (Selective Abstraction): التركيز الحصري على الجوانب السلبية وتجاهل السياق الموضوعي، بحيث تصبح التجربة إما مظلمة كلياً أو ناصعة البياض.
- عجز المرونة التكيفية (Cognitive Inflexibility): صعوبة تحويل المنظور العقلي أو تبني مسارات بديلة عند مواجهة العقبات غير المتوقعة.
8. أمثلة وحالات سريرية وتطبيقية توضيحية
لتوضيح التفكير الثنائي في الواقع العملي، يمكن تأمل الحالات السريرية واليومية التالية:
الحالة الأولى (السياق الأكاديمي والمهني): طالب جامعي متفوق اعتاد الحصول على الدرجات النهائية. في أحد الاختبارات الفصلية، حصل على درجة (94 من 100). بدلاً من اعتبار هذه النتيجة إنجازاً ممتازاً يقع ضمن النطاق المتقدم، سيطرت عليه فكرة قطبية: “إذا لم أكن الأول، فأنا فاشل تماماً ولا أصلح للتعليم الجامعي”. قاد هذا التفكير إلى نوبة اكتئاب حادة وانعزال اجتماعي، مع فقدان كامل للدافعية لإكمال الفصل الدراسي.
الحالة الثانية (السياق العاطفي والعلاقات): موظفة ترتبط بزميلة عمل وتراها تجسيداً للمثالية والوفاء. في أحد الأيام، اعتذرت الزميلة عن تناول الغداء معها بسبب انشغال طارئ. تحولت استجابة الموظفة فوراً إلى النقيض التام: “إنها منافقة تخدعني طوال الوقت، وجميع الناس استغلاليون بلا استثناء”. ألغت الموظفة الصداقة بصورة فورية، متجاهلة سنوات من الدعم المتبادل، نتيجة لحكم قطعي لا يعترف بالأعذار البشرية العادية.
الحالة الثالثة (السلوك الصحي والغذائي): شخص يتبع نظاماً غذائياً صارماً لتحسين صحته. تناول في مناسبة اجتماعية قطعة حلوى صغيرة خارج الخطة المحددة. قاده التفكير القائم على نمط “كل شيء أو لا شيء” إلى استنتاج: “لقد أفسدت الحمية بالكامل، ولم يعد هناك أي معنى للالتزام”. أدى هذا الاستنتاج إلى نوبة إفراط قهري في تناول الطعام استمرت لعدة أيام، محولاً هفوة صغيرة عادية إلى انتكاسة سلوكية شاملة.
9. القياس والتقييم النفسي
يتم قياس التفكير الثنائي سريرياً وبحثياً عبر مجموعة من الأدوات القياسية المقننة التي تستهدف تحديد درجة التصلب المعرفي ومستوى الاستقطاب الإدراكي لدى الفرد. من أبرز هذه المقاييس:
مقياس التفكير الثنائي (Dichotomous Thinking Scale – DTS): أداة تقرير ذاتي صُممت خصيصاً لقياس ميل الأفراد نحو صياغة أحكام حدية في المواقف المتنوعة، ويتضمن فقرات تستكشف مدى تقبل الشخص للتناقضات والحلول الوسطى.
مقياس الاتجاهات غير التكيفية (Dysfunctional Attitude Scale – DAS): وضعه آرون بيك وزملاؤه، ويحتوي على أبعاد فرعية تركز بصورة مباشرة على النزعة الكمالية، واشتراطات القيمة الذاتية، والتفكير القائم على مبدأ الإلزام المطلق.
بالإضافة إلى المقاييس الكمية، يعتمد المعالجون النفسيون على المقابلات العيادية المنظمة والتحليل النوعي لحديث العميل وسجل الأفكار التلقائية (Thought Records). يُطلب من المريض تسجيل الأفكار المرافقة لنوبات الضيق الانفعالي، مما يكشف تكرار الكلمات الاستقطابية ويسمح برسم خريطة إدراكية توضح كيفية تعامله مع المواقف المعقدة.
10. التطبيقات والأهمية العملية في الحياة اليومية والعيادية
تتجلى الأهمية العملية لفهم وتعديل التفكير الثنائي في مجالات متعددة، تمس الصحة النفسية والإنتاجية الإنسانية بشكل مباشر:
الممارسة السريرية والعلاج النفسي: يمثل تفكيك التفكير الثنائي المحور الأساسي لتقنيات إعادة الهيكلة المعرفية (Cognitive Restructuring). يدرب المعالج العميل على تقنية “البحث عن الدرجات الرمادية” و”المقياس المتدرج” (Continuum Technique)، حيث يتعلم المريض تقييم ذاته والأحداث على مقياس من 0 إلى 100 بدلاً من تصنيفها في خانتي (صفر أو مائة) فقط، مما يخفف من حدة القلق والاكتئاب.
العلاقات الأسرية وحل النزاعات: التفكير بنمط “إما-أو” هو المحرك الرئيس للانسداد التواصلي بين الأزواج والشركاء، حيث يفترض كل طرف أنه محق بالكامل وأن الآخر مخطئ كلياً. يساعد إدخال المرونة المعرفية الأطراف المتنازعة على إدراك صحة وجهات النظر المتعددة والوصول إلى تسويات تكيفية تعزز استقرار الروابط الإنسانية.
القيادة وصنع القرار المؤسسي: في بيئات الأعمال المعقدة، يقود التفكير الاستقطابي إلى قرارات كارثية تعتمد على تبسيط مخل للمخاطر (إما النجاح التام أو إيقاف المشروع بالكامل). يتيح التفكير المركب للقادة إدارة المخاطر، والتعلم من الأخطاء المرحلية، وتطوير استراتيجيات مرنة تستوعب التغيرات المستمرة في السوق.
11. الأبحاث العلمية والأدلة التجريبية
أكدت عقود من الأبحاث التجريبية الارتباط الوثيق بين التفكير الثنائي والعديد من الأمراض النفسية والسلوكية المعقدة. فقد أظهرت الدراسات الكلاسيكية التي أجراها باحثون مثل بيك وكلارك (Beck & Clark) وجود علاقة ارتباطية إيجابية قوية بين درجات التفكير الاستقطابي وشدة الأعراض الاكتئابية ومقاومة العلاج.
وفي مجال دراسات اضطراب الشخصية الحدية، أثبتت أبحاث مارشا لينهان وفريقها أن التفكير الثنائي ليس مجرد عرض ثانوي، بل هو المحرك الأساسي لعدم الاستقرار العاطفي والسلوكي والتأرجح بين مثالية العلاقات والعداء الشديد، بالإضافة إلى ارتباطه بارتفاع مخاطر إيذاء الذات والسلوك الانتحاري كرد فعل على الشعور بالفشل التام.
كما بينت دراسات حديثة في علم النفس العصبي، باستخدام تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، أن الأفراد الذين يسجلون درجات مرتفعة في التفكير الثنائي يظهرون نشاطاً منخفضاً في مناطق القشرة الجبهية الظهرانية الوحشية (DLPFC) المسؤولة عن المرونة المعرفية وحل المشكلات، في مقابل فرط نشاط في الدوائر الحوفية الانفعالية عند مواجهة مواقف تتطلب التكيف مع الغموض.
12. الاعتبارات الثقافية وعبر الحضارية
يتباين التفكير الثنائي بصورة ملحوظة عبر السياقات الثقافية المختلفة، مما يفرض ضرورة توخي الحذر عند تطبيق النظريات الغربية على مجتمعات أخرى:
تميل الثقافات الغربية الفردانية إلى تفضيل المنطق الخطي القائم على مبادئ أرسطو، حيث يُنظر إلى التناقض كخلل منطقي يجب حسمه بالاختيار بين طرفين متضادين. في المقابل، تتبنى العديد من الثقافات الشرقية (مثل الثقافات المتأثرة بالفلسفات الطاوية والبوذية والكونفوشيوسية) نمطاً فكرياً جدلياً شاملاً، يرى أن الأضداد متكاملة ومترابطة بطبيعتها (مثل مفهوم الين واليانغ)، مما يقلل من النزوع التلقائي نحو الاستقطاب الفكري الحاد.
وفي المجتمعات التي تمر بتحولات سياسية أو دينية واجتماعية متسارعة، قد يتعزز التفكير الثنائي كاستجابة جمعية للشعور بالتهديد الوجودي وفقدان الهوية، حيث يُقسم العالم الثقافي بصورة حادة إلى “نحن” (الأخيار) و”هم” (الأشرار). تلعب هذه الدينامية دوراً بارزاً في تغذية التعصب والاستقطاب الأيديولوجي والنزاعات الطائفية، مما يوضح أن التفكير الثنائي ظاهرة تتجاوز الفرد لتشكل بنية الخطاب المجتمعي ككل.
13. الانتقادات والجدل العلمي والمحددات
رغم القبول الواسع لمفهوم التفكير الثنائي في الأوساط العيادية، إلا أنه واجه عدداً من الانتقادات المنهجية والنظرية من قبل بعض الباحثين:
يرى بعض نقاد المدرسة المعرفية أن وصم التفكير الثنائي بالتحريف المعرفي السلبي دائماً ينطوي على مبالغة واختزال؛ إذ قد يكون التفكير الحاسم الخالي من التردد تكيفياً للغاية في مواقف الأزمات الحادة وحالات الطوارئ الأخلاقية أو الفيزيائية التي تتطلب اتخاذ قرارات سريعة وفارقة لإنقاذ الأرواح دون الانغماس في التفاصيل الرمادية المعطلة للفعل.
كما يجادل باحثون آخرون بوجود مشكلة في أدوات القياس الذاتية، حيث يصعب في كثير من الأحيان الفصل بين التفكير الثنائي كسمة معرفية مستقرة (Trait) وبين كونه حالة وجدانية عابرة (State) ناجمة عن الضغط النفسي الشديد أو الاكتئاب الحاد. ويثير ذلك تساؤلات حول ما إذا كان التفكير الثنائي سبباً أصيلاً للاضطراب النفسي أم مجرد نتيجة ثانوية للانهيار الانفعالي.
14. المفاهيم ذات الصلة والفروق الدقيقة
تتقاطع عدة مفاهيم نفسية مع التفكير الثنائي، وتتطلب التمييز الدقيق بينها لضمان التشخيص السليم والتدخل الفعال:
- الانشطار (Splitting): مفهوم تحليلي يركز على الفصل الدفاعي اللاواعي للتمثيلات العاطفية والموضوعات الداخلية للتعامل مع الصراع النفسي، في حين يركز “التفكير الثنائي” على المعالجة المعرفية الواعية للأفكار والبيانات الخارجية.
- التفكير الكارثي (Catastrophizing): التوقع التلقائي لحدوث أسوأ السيناريوهات الممكنة والمبالغة في نتائجها التدميرية، بينما يركز التفكير الثنائي على حصر الخيارات في قطبين دون اشتراط أن يكون القطب السلبي كارثة عالمية، بل قد يكون مجرد فشل عادي في مقابل النجاح.
- النزعة الكمالية (Perfectionism): وضع معايير عالية غير واقعية للأداء؛ والنزعة الكمالية تستند في بنيتها المعرفية على التفكير الثنائي، فالأخير هو الأداة الإدراكية التي تجعل الكمالي يرى أي عمل دون المثالية بمثابة انعدام تام للقيمة.
- التفكير الجدلي (Dialectical Thinking): يمثل النقيض الصحي للتفكير الثنائي؛ وهو القدرة على إدراك وتوليف الحقائق المتناقضة ظاهرياً والاعتراف بوجود جوانب متعددة ومتكاملة للموقف الواحد.
15. الخلاصة والاستنتاجات الجوهرية
يمثل التفكير الثنائي أو تفكير “إما-أو” آلية إدراكية تبسيطية تختزل تعقيدات الوجود البشري وتنوعه الثري في قطبين متضادين يلغي أحدهما الآخر. ورغم أن هذا النمط قد يوفر راحة وهمية سريعة من خلال تقليص الغموض المعرفي، إلا أن كلفته النفسية والعلائقية باهظة للغاية، حيث يغذي الاكتئاب والقلق، ويفجر الأزمات في العلاقات الإنسانية، ويقوض القدرة على التكيف مع متطلبات الحياة الواقعية.
إن مسار النضج النفسي والتعافي العيادي يتطلب تفكيك هذه الثنائيات المطلقة والانتقال نحو عقلية أكثر اتساعاً ومرونة تحتضن “المناطق الرمادية” في المشاعر والتقييمات والسلوكيات. ومن خلال التدريب المستمر على التفكير الجدلي وإعادة البناء المعرفي، يستطيع الفرد التحرر من أسر الاستقطاب الحاد وتطوير رؤية واقعية متوازنة تتقبل النقص البشري وتتعامل مع الحياة بكل أبعادها وظلالها المتنوعة.
المراجع
- Beck, A. T. (1979). Cognitive therapy of depression. Guilford Press. https://www.guilford.com/books/Cognitive-Therapy-of-Depression/Beck-Rush-Shaw-Emery/9780898629194
- Ellis, A. (1962). Reason and emotion in psychotherapy. Lyle Stuart. https://www.worldcat.org/title/reason-and-emotion-in-psychotherapy/oclc/385892
- Kernberg, O. F. (1975). Borderline conditions and pathological narcissism. Jason Aronson. https://www.routledge.com/Borderline-Conditions-and-Pathological-Narcissism/Kernberg/p/book/9780876681770
- Linehan, M. M. (1993). Cognitive-behavioral treatment of borderline personality disorder. Guilford Press. https://www.guilford.com/books/Cognitive-Behavioral-Treatment-of-Borderline-Personality-Disorder/Marsha-Linehan/9780898621839
- Teasdale, J. D., & Barnard, P. J. (1993). Affect, cognition, and change: Re-modelling depressive thought. Lawrence Erlbaum Associates. https://psycnet.apa.org/record/1993-98248-000