تُمثّل ازدواجية المشاعر (Ambivalence) إحدى أكثر الظواهر النفسية تعقيداً وعمقاً في دراسة الخبرة الإنسانية والوجدان البشري؛ إذ تصف الحالة التي يتعايش فيها دافعان أو شعوران أو اتجاهان متناقضان تماماً تجاه الشخص نفسه أو الموضوع أو الفكرة ذاتها وفي اللحظة الزمنية عينها. لا تُعبّر هذه الحالة عن مجرد تردد سطحي أو حياد عاطفي باهت، بل هي تجربة وجدانية ونفسية مشحونة بالتوتر الداخلي، تنشأ حينما تتصادم الرغبة مع النفور، أو يتجاور الحب المفرط مع العداء الدفين. لقد شكل هذا المفهوم حجر زاوية في مسارات متعددة من علم النفس، بدءاً من النظريات الديناميكية الكلاسيكية والتحليل النفسي، وصولاً إلى أبحاث علم النفس المعرفي والاجتماعي المعاصر ونظريات اتخاذ القرار والعلاقات الإنسانية.
الجذور التاريخية والتأصيل المفاهيمي لمصطلح ازدواجية المشاعر
يعود الفضل في صياغة مصطلح ازدواجية المشاعر (Ambivalence) في سياقه العلمي الحديث إلى الطبيب النفسي السويسري أويغن بلويلر (Eugen Bleuler) عام 1910، والذي اشتقه من اللاتينية (حيث تعني ambi كلا الطرفين، وتعني valentia القوة أو القيمة). وظّف بلويلر هذا المفهوم كأحد الأعراض الجوهرية الأساسية الأربعة لتشخيص الفصام (Schizophrenia)، والتي عُرفت تاريخياً باسم “رباعية بلويلر” (تداعي الأفكار، التبلد الوجداني، التوحدية، وازدواجية المشاعر). في تصور بلويلر الأولي، كان الانقسام النفسي الحاد عاجزاً عن التوفيق بين تيارات الدوافع المتباينة، مما يجعل المريض مشلول الإرادة أو متأرجحاً بصورة مرضية بين نزعات لا تقبل الالتقاء.
سرعان ما التقط سيغموند فرويد (Sigmund Freud) هذا المصطلح ودمجه في البنية التحتية لنظرية التحليل النفسي، ناقلاً إياه من دائرة العِراضية الذهانية الخاصة إلى فضاء الطبيعة البشرية السوية والمرضية على حد سواء. اعتبر فرويد أن التناقض الوجداني ليس حكراً على المرض النفسي الشديد، بل هو سمة جوهرية تنشأ من الصراع بين النزعات الغريزية الأساسية، لا سيما بين غريزة الحياة (إيروس) وغريزة الموت والعدوان (ثاناتوس). وبذلك، تحول المفهوم من مجرد خلل في الترابط المنطقي إلى صراع ديناميكي بنيوي متجذر في اللاشعور الإنساني، يوجه السلوك والعلاقات الموضوعية منذ مراحل الطفولة المبكرة.
مع تطور حركة علم النفس في منتصف القرن العشرين، انفتح المفهوم على آفاق علم النفس الاجتماعي والمعرفي. فلم يعد يُنظر إلى ازدواجية المشاعر بوصفها صراعاً لاواعياً بين الغرائز فحسب، بل تم تعريفها إجرائياً بأنها التقييم الإيجابي والسلبي المتزامن لموضوع اتجاه معين (Attitude Object). هذا الانتقال أتاح للباحثين تصميم أدوات قياس سيكومترية دقيقة قادرة على التمييز بين “الازدواجية الموضوعية أو الهيكلية” الكامنة في نسق المعتقدات، وبين “الازدواجية الذاتية” المتمثلة في الشعور بالتمزق والضغط النفسي وعدم الحسم.
الأنماط والتصنيفات البنيوية لازدواجية المشاعر
قسّم بلويلر في طروحاته الأصلية التناقض الوجداني إلى ثلاثة أشكال متمايزة وظيفياً، لا يزال صداها يتردد في الأدبيات الإكلينيكية المعاصرة:
- ازدواجية المشاعر الوجدانية (Affective Ambivalence): وتتمثل في اختبار مشاعر متناقضة تماماً (كالبهجة والحزن، أو الحب والكراهية) تجاه الشخص نفسه أو الموقف ذاته في الوقت عينه؛ كأن يشعر الفرد بحب جارف وغضب عارم تجاه أحد الوالدين أو الشريك العاطفي دون قدرة على دمج هذين الانفعالين.
- ازدواجية المشاعر الإرادية (Volitional Ambivalence): وتُعرف أيضاً بـ “التردد الحركي أو الإرادي” (Ambitendency)، حيث تتصارع الرغبة في القيام بفعل معين مع الرغبة في الامتناع عنه أو القيام بنقيضه تماماً في اللحظة نفسها، مما يقود إلى شلل وظيفي وسلوكي في اتخاذ القرار وتأجيل مزمن ومربك للمواقف الحياتية.
- ازدواجية المشاعر الفكرية (Intellectual Ambivalence): وتحدث عندما يتبنى العقل فكرتين متناقضتين منطقياً في الآن ذاته ويعتبر كلاً منهما صحيحة بالقدر نفسه، وهو ما يظهر بوضوح في بعض أنماط الاضطرابات الفكرية وحالات الشك الفلسفي والوسواسي القهري المعطل.
في المقابل، يُميّز علماء النفس المعاصرون في سياق بحوث الاتجاهات النفسية بين مستويين متكاملين؛ الأول هو الازدواجية الكامنة أو الهيكلية (Potential/Structural Ambivalence)، والتي تقيس وجود تقييمات إيجابية قوية وسلبية قوية مخزنة في الذاكرة دون أن تنشط بالضرورة في اللحظة الراهنة. أما المستوى الثاني فهو الازدواجية المشعورة أو الذاتية (Felt/Subjective Ambivalence)، وهي الحالة الواعية من التمزق والاضطراب الداخلي والنزاع الوجداني التي تنبثق عندما يُجبر الفرد على اتخاذ قرار حاسم يتطلب المفاضلة بين هذه التقييمات المتصارعة.
كذلك تبرز “ازدواجية المشاعر القيمية أو الاجتماعية”، وهي التي تفرزها التوقعات الثقافية والمعايير الاجتماعية المتضاربة المفروضة على الأفراد. فالأدوار الاجتماعية الحديثة، كدور المرأة العاملة أو رعاية الآباء المسنين، تضع الفرد في مساحات رمادية معقدة يتداخل فيها الشعور بالواجب الأخلاقي مع الإحباط والاستنزاف النفسي، مما يُنتج تجارب وجدانية متناقضة لا تعكس خللاً داخلياً بقدر ما تعكس تعقيد البيئة الاجتماعية المحيطة.
المنظور الديناميكي ونظرية العلاقات بالموضوع
شهد مفهوم ازدواجية المشاعر تحولاً ثورياً على يد رواد مدرسة العلاقات بالموضوع (Object Relations Theory)، وعلى رأسهم المحللة النفسية البريطانية ميلاني كلاين (Melanie Klein). افترضت كلاين أن الرضيع في أشهره الأولى يعيش في ما أسمته “الموضع الفصامي-البارانويدي” (Paranoid-Schizoid Position)، حيث يتعامل مع الأم بوصفها “موضوعين” منفصلين: “الثدي الجيد” الذي يُشبع ويمنح الدفء فيُحب، و”الثدي السيئ” الذي يغيب ويُحبط فيُكره ويُهاجم في الخيال. في هذه المرحلة البدائية، يلجأ الجهاز النفسي إلى آلية الدفاع المعروفة بـ الانشطار (Splitting) لحماية المشاعر الإيجابية من أن تُدمرها مشاعر الغضب والعدوان الهدام.
ترى كلاين أن النضج النفسي الحقيقي يبدأ عندما ينتقل الطفل، في حدود النصف الثاني من العام الأول، إلى “الموضع الاكتئابي” (Depressive Position). في هذه المحطة التطورية الحاسمة، يُدرك الرضيع أن الموضوع الجيد والموضوع السيئ هما في الحقيقة شخص واحد، وهو الأم الكاملة. هنا تنفجر خبرة ازدواجية المشاعر الحقيقية؛ إذ يواجه الطفل حقيقة أنه يحمل رغبات عدوانية تجاه الكائن نفسه الذي يحبه ويعتمد عليه كلياً للبقاء. يؤدي هذا الإدراك إلى ظهور القلق الاكتئابي والشعور بالذنب، مما يحفز دافع “الإصلاح والترميم” (Reparation) وبناء القدرة على التسامح النفسي مع التناقض الداخلي.
وفقاً لهذا المنظور، فإن العجز عن تحمل وتكامل ازدواجية المشاعر يُعد مصدراً رئيساً للاعتلالات النفسية الشديدة، لا سيما اضطراب الشخصية الحدية، حيث يظل الفرد عالقاً في آلية الانشطار الدفاعي؛ فينقلب من التقديس والمثالية المطلقة للآخرين إلى نبذهم وتحقيرهم كلياً بمجرد حدوث أدنى إحباط. إن بلوغ الصحة النفسية والقدرة على الحب الناضج يتطلبان القدرة الوجدانية الراسخة على احتواء التناقض: الاعتراف بوجود عيوب فيمن نحب، وملاحظة جوانب مقبولة ومقدرة حتى في أولئك الذين نختلف معهم أو نغضب منهم.
علم النفس المعرفي والاجتماعي: التناقض في الاتجاهات واتخاذ القرار
في ميدان المعرفة الاجتماعية، ترتبط ازدواجية المشاعر ارتباطاً وثيقاً بنظرية التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance) التي صاغها ليون فستينغر، إلا أنهما ليسا متطابقين؛ فبينما يركز التنافر المعرفي عادةً على الانزعاج الناشئ بعد اتخاذ القرار أو نتيجة تعارض مباشر بين سلوك قائم ومعتقد متبنى، تركز ازدواجية المشاعر على البنية التقييمية المسبقة والمتزامنة تجاه موضوع محدد قبل أو أثناء اتخاذ الموقف. إن الاتجاهات المزدوجة تجعل الفرد أكثر عرضة لعدم الاستقرار السلوكي؛ إذ يعتمد مسار فعله على السياق اللحظي والمثيرات البيئية التي تُبرز أحد الجانبين على حساب الآخر.
أظهرت الدراسات التجريبية أن الأفراد الذين يمتلكون اتجاهات تتسم بالازدواجية المرتفعة يُظهرون أنماطاً مميزة في المعالجة المعرفية؛ فهم غالباً ما يستغرقون وقتاً أطول في الاستجابة (Latency Response)، ويُبدون مرونة ظاهرية في تغيير آرائهم عندما يتعرضون لرسائل إقناعية جديدة. يرجع ذلك إلى أن أدمغتهم تحتفظ بالفعل بالحجج المضادة والحجج المؤيدة معاً، مما يجعلهم أقل رسوخاً في التنبؤ بسلوكياتهم المستقبلية من أولئك الذين يمتلكون اتجاهات أحادية متسقة وواضحة (إيجابية بحتة أو سلبية بحتة).
علاوة على ذلك، لا تقتصر ازدواجية المشاعر المعرفية على الجوانب السلبية من التردد، بل تُشير بحوث حديثة إلى ما يُسمى “فوائد التناقض الإدراكي” (Cognitive Benefits of Ambivalence). فالأفراد الذين يدركون جوانب التناقض في بيئاتهم المعقدة يُظهرون قدراً أقل من التحيزات الإدراكية مثل الانحياز التأكيدي، ولديهم مرونة تكيفية أعلى وقدرة أكبر على الحكم الدقيق وتفهم وجهات النظر البديلة، مما يجعلهم أكثر كفاءة في التفاوض وحل النزاعات المركبة واتخاذ القرارات الاستراتيجية في بيئات عمل تتسم باللايقين والتقلب.
ازدواجية المشاعر في العلاقات الإنسانية والنمو النفسي
تُعد العلاقات الحميمية الوثيقة، مثل العلاقات الزوجية والروابط الوالدية، التربة الخصبة الأكثر إنتاجاً لازدواجية المشاعر. فكلما زاد عمق الاعتماد المتبادل بين شخصين، زادت احتمالات تصادم الحاجات الفردية للاستقلال مع متطلبات الاندماج والقرب العاطفي. وقد بيّنت أبحاث العلاقات الأسرية عبر الأجيال (Intergenerational Ambivalence) أن مشاعر الآباء نحو أبنائهم البالغين، وكذلك مشاعر الأبناء نحو آبائهم المتقدمين في السن، تتسم بجرعات عالية من التناقض الوجداني المحتوم؛ حيث يتقاطع الحب الفطري والحرص على الرعاية مع الضغوط اليومية، والأعباء المالية، وتراجع الاستقلالية الشخصية لكلا الطرفين.
وفي إطار نظرية التعلق (Attachment Theory) التي وضعها جون بولبي وماري أينسورث، يظهر “نمط التعلق القلق-المزدوج” (Anxious-Ambivalent Attachment) كنتاج مباشر لتذبذب استجابة مقدم الرعاية الأولي. فالطفل الذي يختبر أماً تستجيب بحرارة وحنان في بعض الأوقات، لكنها تتجاهله أو تنبذه ببرود في أوقات أخرى، يُطوّر نموذجاً داخلياً عاملاً يتسم بالريبة الشديدة والتشبث القلق. وعندما يكبر هذا الطفل، تتجلى هذه الازدواجية في علاقاته العاطفية عبر ثنائية الاقتراب والابتعاد: توق عارم للاندماج والاطمئنان مصحوب بخوف مرعب ومستمر من الرفض والخيانة وهجر الشريك.
تُظهر مسارات الحياة النمائية أيضاً أن الشيخوخة ومراحل التحول الكبرى كالانتقال إلى التقاعد أو ولادة طفل جديد تمثل محطات ذات شحنات وجدانية مزدوجة عميقة. فالأمومة الجديدة، على سبيل المثال، تختبر فيها الأم تدفقاً هائلاً من السعادة والبهجة الفطرية، يتزامن في ذات الوقت مع مشاعر دفينة من فقدان الذات والحرية السابقة، فضلاً عن القلق المستمر بشأن الكفاءة الوالدية. إن التطبيع النفسي مع هذه الازدواجية والاعتراف بشرعيتها الإنسانية يحميان الأفراد من الوقوع في فخ جلد الذات والاضطرابات الاكتئابية التالية لهذه التحولات المعقدة.
المظاهر الإكلينيكية والاضطرابات النفسية المرتبطة
تتخذ ازدواجية المشاعر طابعاً مرضياً مدمراً عندما تفقد مرونتها وتتحول إلى بنية صلبة تعطل حياة الفرد وتعيق توافقه النفسي والاجتماعي. وتبرز هذه الظاهرة كعرض محوري أو عامل مساهم في العديد من الاضطرابات النفسية الكبرى:
- الفصام والاضطرابات الذهانية: وفق التصور البلويلري الأصيل، يُعاني مريض الفصام من تفتت النسق العاطفي المتماسك، حيث تفشل الذات في إدراك التناقض كصراع يتطلب حلاً؛ فقد يصرح المريض بحبه المطلق لشخص ما ورغبته في إيذائه أو إبادته في نفس الجملة دون أي شعور بالانزعاج المنطقي أو الداخلي، وهو ما يعكس التفكك العميق في الرابطة الترابطية للوجدان.
- اضطراب الوسواس القهري (OCD): يرتبط التناقض الوجداني هنا بعَرَض “الشك المرضي المزمن” والعجز المطلق عن اتخاذ القرار (Aboulia). يجد المريض نفسه ممزقاً بين علمه اليقيني بلاعقلانية الفكرة الوسواسية (مثل تلوث اليدين) وبين الإلحاح القهري المفرط لتنفيذ الطقس الدفاعي، مع عجز وجداني عن حسم موقفه من الأمان والخطر.
- اضطراب الشخصية الحدية (BPD): يتجسد التناقض الوجداني هنا في عدم الاستقرار الانفعالي الشديد والتأرجح الدرامي بين قطبي المثالية المفرطة ونزع القيمة المطلق (Idealization and Devaluation) تجاه الشركاء والأصدقاء، مما يجعل العلاقات الشخصية ساحة حرب دائمة يسودها الذعر من الهجران والعداء للمحبوب.
- الاكتئاب والنزوع الانتحاري: يرى التحليل النفسي أن الاكتئاب هو في جوهره “غضب عارم موجه نحو الذات”، ناشئ عن ازدواجية مشاعر مكبوتة ومحرمة ديناميكياً تجاه موضوع مفقود أو محبط. وتظهر هذه الازدواجية في أوضح صورها الخطيرة لدى الأشخاص الذين يمرون بأزمات انتحارية؛ إذ تتصارع لديهم الرغبة في التخلص من الألم النفسي غير المحتمل مع رغبة مكبوتة موازية في النجاة والحياة والتواصل البشري.
التقييم والقياس السيكومتري لازدواجية المشاعر
طور علماء النفس التجريبي والقياس السيكومتري عدة نماذج رياضية وإجرائية لقياس التناقض الوجداني والاتجاهي، متجاوزين المقاييس التقليدية ذات القطب الواحد (مثل مقياس ليكرت من أوافق بشدة إلى أعارض بشدة) والتي كانت تخفي الازدواجية تحت قناع الدرجة “المحايدة”. فإذا أعطى الشخص درجة محايدة لموضوع ما، قد يعني ذلك إما أنه غير مبالٍ تماماً بالموضوع (انعدام التقييم)، أو أنه يحمل في الواقع تقييماً إيجابياً قوياً للغاية وتقييماً سلبياً قوياً للغاية بالدرجة نفسها (ازدواجية قصوى).
لحل هذه المعضلة المنهجية، ابتكر الباحث كابلان (Kaplan) عام 1972 أسلوب تقسيم المقاييس الدلالية إلى مكونين منفصلين: يتم تقييم المشاعر أو الأفكار الإيجابية على مقياس مستقل تماماً (من 0 = لا توجد مشاعر إيجابية إطلاقاً، إلى 4 = مشاعر إيجابية للغاية)، ثم يتم تقييم المشاعر أو الأفكار السلبية على مقياس منفصل بنفس الطريقة. بناءً على هذه الدرجات الثنائية، تُستخدم معادلات رياضية شهيرة مثل “معادلة غريفين” (Griffin Formula) لحساب معامل الازدواجية الهيكلية الكامنة في الاتجاه، والتي تأخذ في الحسبان شدة القطب الأضعف مع مراعاة درجة التشابه بين القطبين.
كما تم تطوير أدوات تقييم ذاتي مباشرة لقياس الازدواجية المشعورة، مثل “مقياس الازدواجية الذاتية” (Subjective Ambivalence Scale) الذي طوّره بريستر وبتي (Priester & Petty)، والذي يقيس مدى إحساس الفرد بالتمزق، والحيرة، والارتباك، والتنازع الداخلي عند استدعاء موضوع الاتجاه. وفي المقابلات الإكلينيكية ودراسات التعلق، يُستخدم تحليل الخطاب اللغوي للكشف عن التناقض غير الواعي عبر رصد التناقضات السردية، وزلات اللسان، والتحولات المفاجئة في النبرة الانفعالية أثناء الحديث عن العلاقات المبكرة مع الوالدين.
التدخلات العلاجية وإدارة التناقض الوجداني
تتعامل المدارس العلاجية المعاصرة مع ازدواجية المشاعر ليس كعيب مرضي يجب استئصاله فوراً، بل كبوابة ذهبية للنمو النفسي وإحداث التغيير السلوكي الفعال إذا ما أُديرت بطريقة منهجية واعية. ولعل أبرز هذه النماذج يتجلى في العلاجات الآتية:
المقابلات الدافعية (Motivational Interviewing)
يُعد أسلوب المقابلات الدافعية، الذي طوره وليام ميلر وستيفن رولنيك لعلاج الإدمان وتغيير السلوكيات الصحية، المثال الأبرز على استثمار التناقض الوجداني وتطويعه علاجياً. تفترض هذه المقاربة أن الشخص العالق في سلوك سلبي (كالتعاطي أو الشراهة في الأكل) ليس بالضرورة مقاوماً للعلاج أو منكراً لمشكلته بوعي، بل هو في حالة طبيعية من “ازدواجية المشاعر”: فهو يُحب المتعة أو الراحة التي يمنحها إياه السلوك، وفي نفس الوقت يكره العواقب الصحية والاجتماعية المترتبة عليه. يعمل المعالج هنا ليس عبر الوعظ والمواجهة الصدامية، بل من خلال “استكشاف وحل الازدواجية”، ومساعدة العميل على توليد “حديث التغيير” (Change Talk) الذاتي الذي يرجح كفة التعافي من خلال منظومته القيمية الخاصة.
العلاج السلوكي الجدلي (Dialectical Behavior Therapy)
في العلاج السلوكي الجدلي (DBT)، الذي أسسته مارشا لينهان لعلاج اضطراب الشخصية الحدية واضطراب تنظيم المشاعر الشديد، تُشكل فكرة “الجدل” (Dialectics) القلب النابض للعملية العلاجية. يتدرب العميل على التخلي عن التفكير الاستقطابي المتطرف (أبيض أو أسود، خير مطلق أو شر مطلق)، وتطوير عقلية قادرة على دمج الأضداد وقبول التناقضات: قبول الذات كما هي الآن بالكامل، والعمل في الوقت ذاته بجدية مطلقة على التغيير. يُعلّم هذا النهج المرضى مهارات “اليقظة الذهنية” (Mindfulness) لتحمل التناقض العاطفي دون التصرف الاندفاعي الهدام للذات.
العلاج النفسي التحليلي والديناميكي المعاصر
يركز التحليل النفسي المعاصر على توفير “بيئة حاضنة آمنة” تسمح للعميل باختبار وتسمية مشاعره المزدوجة المتناقضة دون خوف من الإدانة أو تدمير العلاقة العلاجية. إن تمكين العميل من التعبير عن غضبه وإحباطه تجاه المعالج أو المقربين منه في جو يسوده التقبل غير المشروط يُمكّنه تدريجياً من التخلي عن آليات الانشطار والإسقاط البدائية، وصولاً إلى بناء بنية نفسية مرنة قادرة على دمج الحب والعدوان، وهو ما يمثل ذروة النضج الوجداني والاكتمال الذاتي.
خاتمة
تثبت ازدواجية المشاعر، عبر تاريخها الممتد من عيادات الفصام في أوائل القرن العشرين إلى مختبرات العلوم العصبية المعرفية الحديثة، أنها ليست مجرد اضطراب أو عائق إدراكي عابر، بل هي تعبير أصيل عن التعقيد الفطري للوعي الإنساني وتشابك الواقع النفسي والاجتماعي. إن محاولة قمع التناقض الداخلي وإنكار وجود المشاعر السلبية تجاه ما نحب غالباً ما يؤديان إلى تشوهات نفسية وعلاقات هشة محكومة بالقلق أو الانفجار الوجداني. إن الصحة النفسية السليمة والنضج العاطفي الحقيقي لا يقومان على الوصول إلى نقاء وجداني زائف خالٍ من الصراع، بل يرتكزان على امتلاك الشجاعة والمرونة الكافيتين لاحتضان تعقيداتنا وتناقضاتنا الإنسانية بكل وعي ورحابة.
المراجع
- Bleuler, E. (1911). Dementia Praecox oder Gruppe der Schizophrenien. Leipzig: Deuticke.
- Freud, S. (1915). Instincts and their Vicissitudes. Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud, 14, 109-140.
- Klein, M. (1946). Notes on some schizoid mechanisms. International Journal of Psycho-Analysis, 27, 99-110.
- Linehan, M. M. (1993). Cognitive-behavioral treatment of borderline personality disorder. Guilford Press.
- Miller, W. R., & Rollnick, S. (2012). Motivational interviewing: Helping people change (3rd ed.). Guilford Press.
- Priester, J. R., & Petty, R. E. (1996). The gradual threshold model of ambivalence: Relating the positive and negative bases of attitudes to subjective ambivalence. Journal of Personality and Social Psychology, 71(3), 431-449.
- Thompson, M. M., Zanna, M. P., & Griffin, D. W. (1995). Let’s not be indifferent about (attitudinal) ambivalence. In R. E. Petty & J. A. Krosnick (Eds.), Attitude strength: Antecedents and consequences (pp. 361-386). Lawrence Erlbaum Associates.
- فرويد، سيغموند. (1982). الأنا والهو (ترجمة جورج طرابيشي). دار الطليعة، بيروت.