يُمثّل مفهوم التعلق المتناقض (Ambivalent Attachment)، أو ما يُعرف في الأدبيات النمائية بالتعلق المقاوم أو القلق، أحد أبرز الأنماط التفاعلية غير الآمنة التي تُفسر كيفية تشكّل الروابط العاطفية بين الرضيع ومقدم الرعاية وتأثيرها الممتد عبر دورة الحياة. تنطلق هذه الظاهرة من بنية نفسية مركبة تتسم بالصراع المستمر بين الرغبة الجارفة في القرب العاطفي والاندماج الوجداني من جهة، والخوف الدائم من الرفض والانفصال والهجر من جهة أخرى. يُشكل فهم هذا النمط ركيزة جوهرية في التحليل النفسي المعاصر والطب النفسي التطوري، نظراً لما يترتب عليه من هشاشة وجدانية واضطراب في التنظيم الانفعالي وبناء العلاقات بين الشخصية في مرحلة الرشد.
التأصيل النظري والمفهومي للتعلق المتناقض
تعود الجذور المنهجية لمفهوم التعلق المتناقض إلى أبحاث عالم النفس والمحلل النفسي البريطاني جون بولبي (John Bowlby)، الذي أسس نظرية التعلق بوصفها نموذجاً إيثولوجياً تطورياً يفسر نزعة الكائن البشري الفطرية للبحث عن القرب والالتجاء بمصدر حماية وأمان في مواجهة التهديدات البيئية. افترض بولبي أن نظام سلوك التعلق يهدف أساساً إلى تحقيق التنظيم التماثلي للأمان الداخلي، بيد أن استجابات البيئة المبكرة تلعب دوراً حاسماً في صياغة الاستراتيجيات التكيفية للطفل، محددةً ما إذا كان هذا النظام سيعمل بسلاسة وأمان أو سيشهد تحويراً استراتيجياً مضخماً للمشاعر السلبية.
قامت عالمة النفس الكندية-الأمريكية ماري أينسورث (Mary Ainsworth) بنقل فرضيات بولبي إلى الميدان التجريبي من خلال تطويرها لإجراء “الموقف الغريب” (Strange Situation Procedure) في أواخر الستينيات من القرن العشرين. كشفت أبحاث أينسورث وزملائها في بالتيمور عن وجود تباينات نوعية منهجية في كيفية استجابة الأطفال الرضع لانفصال الأم والالتقاء بها مجدداً، حيث تم تحديد نمط التعلق غير الآمن القلق/المتناقض (المصنف بنمط C) كفئة متميزة تختلف جذرياً عن التعلق الآمن (نمط B) وعن التعلق التجنبي (نمط A).
يتميز التعلق المتناقض في جوهره النظري باعتماد ما يُطلق عليه في علم النفس المعرفي الوجداني “استراتيجيات فرط التنشيط” (Hyperactivating Strategies). في هذه الاستراتيجيات، يلجأ الجهاز النفسي للفرد إلى تضخيم الإشارات الانفعالية المعبرة عن الكرب، ورفع مستويات اليقظة الوجدانية، وتوجيه الانتباه القسري نحو مهددات الفقدان؛ وذلك لضمان جذب انتباه شريك التعلق غير المستقر والاحتفاظ بوجوده الحسي، حتى وإن كان ذلك على حساب استقرار الأنا واستقلالية الذات وقدرات الاستكشاف الذاتي والبيئي.
إن التناقض الوجداني (Ambivalence) في هذا السياق ليس مجرد تردد معرفي، بل هو حالة صراع دينامي عميقة تمتزج فيها مشاعر الغضب العارم تجاه مقدم الرعاية بمشاعر الخضوع التام والتشبث به. يتجلى هذا الصراع في سلوكيات الرضيع الذي يبكي بحرقة طلباً للحمل، ثم يدفع أمه بعيداً أو يضربها فور اقترابها، في تعبير صريح عن الإحباط الناتج عن عجز مقدم الرعاية المزمن عن توفير التهدئة التامة والتناغم الوجداني الآمن.
الجذور النمائية وديناميات التفاعل بين الرضيع ومقدم الرعاية
تنشأ دينامية التعلق المتناقض من نسق خاص وغير متسق من الاستجابات الوالدية (Inconsistent Parenting). لا يكون مقدم الرعاية في هذه الحالة مهمِلاً بشكل مطلق كما في حالة التعلق الإهمالي أو التجنبي الصارم، ولا حاضراً ومتناغماً بشكل مستمر كما في حالة التعلق الآمن؛ بل يتأرجح سلوكه بين الاستجابة الدافئة والمفرطة أحياناً، والغياب الوجداني أو الانشغال بالذات والانسحاب المفاجئ في أحيان أخرى. هذا التذبذب غير المتوقع يمنع الطفل من بناء توقعات تنبؤية مستقرة حول إتاحة الحماية العاطفية وتوقيتها.
تُظهر الدراسات الإكلينيكية أن الأمهات والآباء الذين يطور أطفالهم تعلقاً متناقضاً غالباً ما يعانون من مستويات مرتفعة من القلق الشخصي وتداخل الحدود النفسية. يقترب مقدم الرعاية في هذه المنظومة من الطفل استجابةً لحاجات الوالد الوجدانية الخاصة بالبحث عن الأمان والتأكيد، وليس استجابةً لإشارات الطفل الحقيقية ومتطلباته النمائية، مما ينتج عنه نمط من التنشئة التدخلية القهرية (Intrusive Parenting) التي تقمع نمو المبادأة والاستقلال الذاتي لدى الرضيع وتعزز اعتماديته القلقة.
ونتيجة لعدم إمكانية التنبؤ بموعد توافر الدعم، يكتشف الجهاز العصبي والسلوكي للرضيع أن الوسيلة الوحيدة المتبقية لضمان بقاء مقدم الرعاية بجواره هي المبالغة المستمرة في إبداء الكرب والضعف (Signaling Distress). يُدرك الطفل بصورة لاواعية أن الإشارات الخافتة أو الهادئة لا تحرك ساكناً لدى الوالد المنشغل باضطرابه الداخلي، مما يؤدي إلى تثبيت استجابة البكاء المفرط، والغضب الانفعالي، والالتصاق الجسدي المنهك، كاستراتيجية تكيفية استباقية لتحفيز الاستجابة الوالدية المتلكئة.
يؤثر هذا النمط التفاعلي سلباً على الوظيفة الاستكشافية الطبيعية لدى الطفل. فبينما يمثل التعلق الآمن قاعدة ارتكاز صلبة (Secure Base) ينطلق منها الطفل بحرية لاستكشاف بيئته، يظل الطفل المتناقض مأسوراً بقلق الانفصال المزمن، مستهلكاً طاقته النفسية في مراقبة حركة مقدم الرعاية والتحقق من بقائه، الأمر الذي يعيق نضج مهارات السيطرة الفعالة، واللعب الرمزي، والكفاءة الذاتية المعرفية والاجتماعية في مراحل الطفولة الباكرة.
مظاهر التعلق المتناقض عبر مراحل الحياة
لا تتوقف تأثيرات نمط التعلق المتناقض عند حدود الطفولة المبكرة، بل تتشكل وتتحور لتتخذ أشكالاً نوعية توافق كل مرحلة من مراحل النمو البشري. فالأفراد الذين بنوا هذا النمط في مهدهم يحملون بنيته الدينامية إلى سياقات مدرسية واجتماعية وعاطفية لاحقة، ما يجعل من التعلق المتناقض خيطاً ناظماً لتجاربهم الوجودية وعلاقاتهم مع الآخرين عبر مسار العمر.
مرحلة الطفولة المتوسطة والبيئة المدرسية
في سنوات الدراسة الابتدائية، يُظهر الأطفال ذوو التعلق المتناقض مستويات مرتفعة من القلق المدرسي وصعوبة واضحة في الانفصال الصباحي عن الوالدين. يتسم هؤلاء الأطفال بالتبعية الزائدة للمعلمين، حيث يبحثون باستمرار عن الطمأنة والاستحسان والتأكيد المعرفي والعاطفي، وقد ينزعجون بشدة إذا تحول اهتمام المعلم إلى أقرانهم، ما يعكس إسقاط النموذج التفاعلي الوالدي على السلطة التعليمية.
على صعيد العلاقات مع الأقران، يعاني هؤلاء الأطفال من تقلبات علائقية حادة؛ فهم يميلون إلى الحساسية المفرطة تجاه الرفض المتصور، ويفسرون المواقف الاجتماعية الحيادية على أنها استبعاد مقصود. قد يتجلى سلوكهم في الإلحاح الاجتماعي والتشبث بالأصدقاء تارة، أو نوبات الغضب والانسحاب العدائي تارة أخرى عند شعورهم بأنهم ليسوا في صدارة اهتمام أصدقائهم، مما يدفع الأقران في كثير من الأحيان إلى النفور منهم وتأكيد مخاوفهم الأصلية بالرفض.
مرحلة المراهقة وتحديات الهوية والاستقلال
تفرض مرحلة المراهقة مهمات نمائية تركز على الاستقلال الذاتي (Individuation) وتشكيل الهوية المنفصلة. بالنسبة للمراهق ذي التعلق المتناقض، تصبح هذه المرحلة ساحة صراع نفسي محتدم بين النزوع الطبيعي نحو الاستقلال والخوف المتجذر من فقدان الحماية والارتباط بالأسرة. يؤدي هذا التجاذب الداخلي إلى تفجر أزمات هوية معقدة وموجات من القلق الاكتئابي.
ينعكس الصراع في سلوكيات المراهق عبر التذبذب بين التمرد الشديد والعدوان اللفظي ضد الوالدين كمحاولة يائسة للانفصال، يعقبه نكوص مفاجئ نحو السلوك الطفولي المعتمد التماساً للأمان والشعور بالذنب حيال محاولات التباعد. كما تتسم أولى التجارب الرومانسية في هذه المرحلة بالغيرة المرضية، والوسوسة الوجدانية بمصير العلاقة، والانهيار التام عند حدوث أي نزاع عاطفي أو انفصال مؤقت.
نماذج العمل الداخلية والآليات المعرفية الوجدانية
تتمحور نظرية بولبي حول مفهوم “نماذج العمل الداخلية” (Internal Working Models)، وهي تمثيلات معرفية-وجدانية ومخططات ذهنية لاواعية يطورها الفرد عن نفسه وعن الآخرين والعالم الاجتماعي بناءً على تاريخ تعاملاته التفاعلية المبكرة. تُشكل هذه النماذج عدسة إدراكية توجه معالجة المعلومات، وتفسير النوايا، وتوجيه السلوك في المواقف البينشخصية المتنوعة.
في حالة نمط التعلق المتناقض، يتبلور نموذج العمل الداخلي حول ثنائية غير متناظرة:
- نموذج الذات السلبي (Negative Model of Self): يرى الفرد ذاته ككيان هش، غير كفء، ناقص، وغير جدير بالحب والتقدير لذاته. يتولد لديه اقتناع عميق بأن بقاءه وتماسكه النفسي يعتمد كلياً على نيل رعاية الآخرين وحمايتهم المستمرة، مصحوباً بمشاعر عجز مكتسب ومخاوف دائمة من العجز عن تدبير شؤون الحياة بصورة مستقلة.
- نموذج الآخر الإيجابي بإفراط لكن غير الجدير بالثقة (Ambivalent Model of Others): يُنظر إلى الآخر بوصفه مصدر الإشباع والأمان الأوحد والقيمة الوجودية، لكنه في الوقت ذاته يُدرك كشخص مراوغ، بعيد المنال، وغير متوقع، قد يغدر أو ينسحب في أي لحظة. هذا الإدراك المزدوج يولد توقاً قهرياً للاندماج بالآخر ممزوجاً بترقب دائم لخيانته أو تخليه.
تتكامل هذه المخططات المعرفية مع عمليات تحيز الانتباه والانتقاء الإدراكي. يُظهر الأفراد ذوو التعلق المتناقض ميلاً قسرياً لمعالجة المثيرات البيئية ذات الطابع التهديدي أو الموحية بالفراق، متجاهلين في الوقت عينه الأدلة الموضوعية التي تدل على استقرار العلاقات وحسن نوايا الشركاء. يُفسر هذا التحيز المعرفي ظاهرة الاستجابات الانفعالية المبالغ فيها إزاء إشارات غامضة مثل تأخر الرد على مكالمة هاتفية أو انشغال الشريك المؤقت بعمل ذهني، حيث تتم قراءتها فوراً كعلامة يقينية على التخلي الوشيك.
علاوة على ذلك، يتعطل في ظل هذا النمط النضج السليم لآليات التأمل الذهني والتعقيل (Mentalization) كما وصفها بيتر فوناجي (Peter Fonagy). يجد الفرد صعوبة جمة في التمييز بين حالته النفسية الداخلية والواقع الخارجي؛ فمجرد شعوره الداخلي بالقلق أو الشك يتحول في وعيه إلى حقيقة قطعية بأن الآخر لا يحبه أو يتآمر لتركه، مما يسلب العلاقات مرونتها ويوقعها في فخ الإسقاطات الذهنية غير الواقعية.
الأسس البيولوجية العصبية والاستجابة الفسيولوجية
أكدت كشوف العلوم العصبية المعاصرة وتصوير الدماغ الوظيفي أن أنماط التعلق ليست مجرد سلوكيات نفسية اجتماعية مكتسبة، بل إنها تترك بصمات عصبية عميقة تنعكس في بنية الدماغ وفسيولوجيا الاستجابة للضغوط النفسية. يرتبط التعلق المتناقض بخلل توازني في منظومة المكافأة وتنظيم المشاعر بالجهاز العصبي المركزي.
تُظهر الدراسات التي استخدمت الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وجود فرط نشاط مزمن في اللوزة الدماغية (Amygdala) ومناطق الجزيرة الأمامية (Anterior Insula) لدى أصحاب التعلق القلق/المتناقض عند تعرضهم لمشاهد أو كلمات ترتبط بالفقدان والانفصال. تترافق هذه الاستثارة العالية مع ضعف في التثبيط النازل القادم من قشرة الفص الجبهي أمام الجبهية البطنية الإنسية (vmPFC)، وهي المنطقة المسؤولة عن كبح الاستجابات الانفعالية الزائدة وتهدئة المخاوف غير المبررة، مما يُبقي الفرد في حالة طوارئ فسيولوجية مستمرة.
على المستوى الغددي الصمّي، يتميز التعلق المتناقض بخلل في تنظيم محور الهيبوثالاموس-الغطاء النخامي-الكظري (HPA Axis). عند التعرض لضغوط علائقية، يُفرز هرمون الكورتيزول بكميات عالية ولفترات طويلة مقارنة بالأفراد ذوي التعلق الآمن، مع بطء شديد في عودة المنظومة الفسيولوجية إلى مستوياتها الأساسية. هذا الغمر الفسيولوجي بالهرمونات الضاغطة يفسر الإرهاق الجسدي والأعراض النفس-جسمية المزمنة المرتبطة بهذا النمط، مثل متلازمة القولون العصبي، وآلام العضلات الليفية، واضطرابات النوم والأرق المستمر الناتج عن التيقظ المفرط للجهاز العصبي الذاتي الودي.
العلاقات العاطفية في مرحلة الرشد: نمط التعلق المنشغل
في أواخر الثمانينيات، وسّع الباحثان ساندي هازان وفيليب شيفر (Hazan & Shaver)، ولاحقاً كيم بارثولوميو (Kim Bartholomew)، إطار التعلق ليشمل العلاقات العاطفية والرومانسية لدى البالغين. عُرف النمط المتناقض في هذا الإطار باسم النمط المنشغل (Preoccupied Attachment Style)، وهو توصيف دقيق للحالة التي يكون فيها وعي الفرد مستغرقاً كلياً وبشكل هاجسي في مسألة العلاقات العاطفية وضمان استمراريتها.
يتسم الأفراد المنشغلون بحاجة ماسة ومزمنة إلى التقارب والاندماج الكامل مع الشريك، لدرجة قد تصل إلى ذوبان الحدود الفردية والاعتمادية المرضية المتبادلة (Codependency). يبحث هؤلاء البالغون عن تأكيدات متكررة للحب والالتزام بصورة يومية، وقد يعتبرون أي مسافة صحية يطلبها الشريك لممارسة هواياته أو عمله دليلاً قاطعاً على فتور المشاعر وبداية النهاية للعلاقة، مما يخلق جواً من الاختناق والضغط النفسي في الفضاء المشترك.
يتحول السلوك في مواقف الخلافات الزوجية والعاطفية إلى ديناميات تدميرية مألوفة في الاستشارات الأسرية، أشهرها دورة “المطالبة والانسحاب” (Demand-Withdraw Pattern). في هذه الدينامية، يشن الشريك المتناقض هجوماً عاطفياً مكثفاً يتضمن اللوم، والشكوى المستمرة، واستدعاء أخطاء الماضي لإجبار الشريك الآخر على التفاعل، مما يدفع الأخير—وغالباً ما يكون ذا نمط تجنبي (Avoidant)—إلى الانسحاب والصمت دفاعاً عن النفس، وهو ما يثير بدوره رعب الشريك المتناقض ويدفعه إلى مزيد من التصعيد والغضب في حلقة مفرغة منهكة للطرفين.
كذلك، تدفع الحساسية المفرطة للرفض (Rejection Sensitivity) صاحب التعلق المنشغل إلى سلوكيات تلاعب وجدانية غير واعية، كاستخدام الابتزاز العاطفي، واصطناع الأزمات الصحية، والتهديد بالانفصال أو إيذاء النفس بهدف انتزاع الاهتمام الفوري وإلزام الطرف الآخر بالبقاء. وعندما يتحقق الانفصال الفعلي، يدخل هؤلاء الأفراد في نوبات حداد عاطفي معقدة وطويلة الأمد، مصحوبة بمراقبة قهرية لحسابات الشريك السابق، وعجز مطول عن تجاوز الصدمة الوجدانية.
أدوات التقييم والقياس النفسي
تطورت في حقل السيكولوجيا الإكلينيكية والنمائية عدة مقاييس معيارية للكشف عن نمط التعلق المتناقض وقياس أبعاده بدقة بحثية وتشخيصية رفيعة. تتنوع هذه الأدوات بين المقاييس السلوكية المباشرة، والمقابلات الكلينيكية شبه المقننة، ومقاييس التقرير الذاتي:
- إجراء الموقف الغريب (Strange Situation Procedure – SSP): الأداة المعيارية الذهبية لتقييم التعلق لدى الأطفال بين عمر 12 إلى 18 شهراً. يُصنف الطفل كمتناقض/مقاوم عندما يظهر عجزاً ملحوظاً عن الاستكشاف، وتوتراً شديداً قبل انفصال الأم، وكرباً حاداً عند غيابها، مقترناً بسلوكيات صد ورد عنيفة وركود انفعالي وفشل في التهدئة والعودة للعب عند عودتها واحتضانها له.
- مقابلة تعلق الراشدين (Adult Attachment Interview – AAI): طورها ماري ماين وإريك هيس (Mary Main & Erik Hesse)، وهي أداة كلينيكية شبه مقننة تُحلل الخطاب اللغوي للبالغ أثناء حديثه عن ذكريات طفولته وعلاقاته الوالدية. يُصنف الفرد كـ”منشغل/مرتبك” (Preoccupied/Entangled) عندما يتسم سرده بالاستطراد غير المترابط، والانهماك الانفعالي الحاضر بالغضب تجاه الماضي، وافتقار الإجابات إلى الإيجاز والوضوح المنطقي المطلوبين في مقاييس التعاون التخاطبي.
- مقياس الخبرات في العلاقات الوثيقة (Experiences in Close Relationships – ECR): استبيان تقرير ذاتي واسع الانتشار يقيس بعدين أساسيين للتعلق في الرشد هما: قلق التعلق (Attachment Anxiety) وتجنب التعلق (Attachment Avoidance). يحصل ذوو التعلق المتناقض على درجات مرتفعة جداً في بعد القلق ودرجات منخفضة في بعد التجنب، مما يعكس رغبتهم الكبيرة في القرب مقترنة برعب هائل من التخلي.
المداخل العلاجية والتحول نحو التعلق الآمن المكتسب
على الرغم من الرسوخ النسبي لأنماط التعلق واستمراريتها التطورية، تؤكد الأبحاث المعاصرة في المرونة النفسية وتطبيقات اللدونة العصبية أن التعلق ليس قدراً حتمياً جامداً، بل هو مسار دينامي قابل للتعديل والتحوير الإيجابي. يُعرف التحول من النمط القلق/المتناقض إلى النمط المتوازن في الأدبيات السريرية بظاهرة التعلق الآمن المكتسب (Earned Secure Attachment)، والتي تتحقق عادة من خلال العلاج النفسي العميق أو الانخراط في علاقات تصحيحية واعية وطويلة الأمد.
يحتل العلاج النفسي الديناميكي والتحليلي مكانة بارزة في هذا المضمار؛ إذ يُتيح للمستبصر فحص التحويل (Transference) واستبصار كيف يعيد تكرار صراعاته المبكرة مع الوالدين في علاقته بالمعالج وبالآخرين المعاصرين. يعمل المعالج هنا كـ”قاعدة آمنة” بديلة تتسم بالثبات والاستجابة الهادئة وغير الدفاعية، متحملاً غضب العميل وتشكيكه المستمر، مما يوفر له خبرة انفعالية تصحيحية تدحض فرضيات الانهيار الوشيك للعلاقة عند ظهور الخلافات.
كما يُعد العلاج المرتكز على العواطف (Emotionally Focused Therapy – EFT)، الذي طورته سوزان جونسون (Sue Johnson)، من أنجع المناهج المطبقة لعلاج الأزواج الذين يعانون من التعلق المتناقض. يركز هذا النهج على تفكيك دورات الصراع التفاعلية، ومساعدة الشريك المتناقض على التعبير عن احتياجات التعلق الدفينة (مثل الخوف من عدم الكفاية أو الرعب من الهجر) بلغة المشاعر الأولية الهادئة بدلاً من إشارات الغضب واللوم، مما يتيح للطرف الآخر الاستجابة بتعاطف وأمان بدلاً من الانغلاق والدفاع.
تساهم التدخلات المعتمدة على اليقظة الذهنية والتعاطف الذاتي (Mindfulness & Self-Compassion) في كسر متوالية فرط التنشيط الانفعالي. يتعلم العميل مراقبة أحاسيس الخوف والشك دون التوحد معها أو التسرع بتصريفها في سلوكيات تعلق قهرية، إلى جانب بناء ما يُسمى بـ”الوالد الداخلي الرحيم” الذي يقدم الرعاية والطمأنة للذات الهشة من الداخل، مما يقلل تدريجياً من الارتهان الكلي للتحقق والمصادقة الخارجية الآتية من الشركاء.
خاتمة
يظل التعلق المتناقض نموذجاً سيكولوجياً جلياً يبرهن على كيفية صياغة البيئات العلائقية المبكرة للبنى المعرفية والوجدانية والبيولوجية للإنسان. إنه ليس مجرد اضطراب أو عيب في الشخصية، بل هو استراتيجية نجاة تطورية ذكية اعتمدها الرضيع لمواجهة بيئة والدية متذبذبة وغير مضمونة العواطف. وعلى الرغم من أن استمرار هذه الاستراتيجية في الرشد يعيق تحقيق الأمان الوجداني ويفسد العلاقات الحميمية، فإن الوعي المتعمق بآلياتها وتفكيك نماذج العمل الداخلية المشوهة يفتح آفاقاً رحبة لإعادة بناء الذات، والوصول إلى علاقات إنسانية تتسم بالأمان، والاستقرار، والتناغم النفسي المتبادل.
المراجع
- Ainsworth, M. D. S., Blehar, M. C., Waters, E., & Wall, S. (1978). Patterns of attachment: A psychological study of the strange situation. Lawrence Erlbaum Associates.
- Bartholomew, K., & Horowitz, L. M. (1991). Attachment styles among young adults: A test of a four-category model. Journal of Personality and Social Psychology, 61(2), 226–244. https://doi.org/10.1037/0022-3514.61.2.226
- Bowlby, J. (1982). Attachment and loss: Vol. 1. Attachment (2nd ed.). Basic Books. (Original work published 1969).
- Fonagy, P., Gergely, G., Jurist, E. L., & Target, M. (2002). Affect regulation, mentalization, and the development of the self. Other Press.
- Hazan, C., & Shaver, P. (1987). Romantic love conceptualized as an attachment process. Journal of Personality and Social Psychology, 52(3), 511–524. https://doi.org/10.1037/0022-3514.52.3.511
- Johnson, S. M. (2019). Attachment theory in practice: Emotion-focused therapy (EFT) with individuals, couples, and families. The Guilford Press.
- Main, M., & Solomon, J. (1990). Procedures for identifying infants as disorganized/disoriented during the Ainsworth Strange Situation. In M. T. Greenberg, D. Cicchetti, & E. M. Cummings (Eds.), Attachment in the preschool years: Theory, research, and intervention (pp. 121–160). University of Chicago Press.
- Mikulincer, M., & Shaver, P. R. (2016). Attachment in adulthood: Structure, dynamics, and change (2nd ed.). The Guilford Press.