تُعد الجمعية الأمريكية للإعاقات الفكرية والنمائية (American Association on Intellectual and Developmental Disabilities – AAIDD) أقدم وأعرق منظمة مهنية متخصصة ومتعددة التخصصات تُعنى بمجال الإعاقة النمائية والإعاقة الفكرية على مستوى العالم؛ حيث تأسست عام 1876 لتقود منذ ذلك الحين مسار التحول العلمي، والإنساني، والحقوقي في فهم هذه الاضطرابات. لقد اضطلعت الجمعية عبر تاريخها الممتد بدور محوري في صياغة السياسات الصحية والنفسية والتربوية، وإعادة تعريف المفاهيم التشخيصية، والانتقال بالمجتمع الدولي من النماذج الطبية الانعزالية القديمة إلى النماذج البيئية التفاعلية التي تركز على الدعم الفردي وتمكين الإنسان. يهدف هذا المدخل الأكاديمي الموسع إلى تقديم مراجعة شاملة لتاريخ الجمعية، وتطور أطرها النظرية والتشخيصية، وأثرها المستمر في الممارسة النفسية المعاصرة.
النشأة والتطور التاريخي للجمعية
يرجع تاريخ تأسيس الجمعية إلى السادس من يونيو عام 1876، عندما اجتمع إدوارد سيغوين (Édouard Séguin) مع مجموعة من مديري المؤسسات والمصحات المعنية برعاية الأفراد ذوي القصور الذهني في إلموين بولاية بنسلفانيا الأمريكية، ليؤسسوا ما كان يُعرف آنذاك باسم “رابطة المسؤولين الطبيين للمؤسسات الأمريكية الخاصة بالأفراد المعتوهين وضعاف العقول” (Association of Medical Officers of American Institutions for Idiotic and Feeble-Minded Persons). كان الهدف الأساسي في ذلك الوقت هو تبادل الخبرات الإكلينيكية وإرساء قواعد مؤسسية لإدارة دور الرعاية، في عصر كانت تهيمن عليه النظرة البيولوجية الحتمية التي تفترض استحالة تأهيل أو تطوير قدرات هؤلاء الأفراد، وتكتفي بعزلهم عن المجتمع العام.
ومع مطلع القرن العشرين والتحولات الجوهرية في علم النفس التجريبي والقياس النفسي، ولا سيما بعد ظهور مقاييس الذكاء مثل مقياس بينيه-سيمون، غيرت الجمعية اسمها عام 1906 لتصبح “الجمعية الأمريكية لدراسة ضعاف العقول” (American Association for the Study of the Feeble-Minded). خلال تلك العقود، خاضت الجمعية صراعات فكرية مريرة ضد حركة تحسين النسل (Eugenics) التي هيمنت على الخطاب العلمي الغربي، محاولةً إعادة توجيه البوصلة نحو التعلم والتعليم وتطوير السلوك بدلاً من النبذ الاجتماعي والتعقيم القسري.
وفي عام 1933، تحولت الجمعية إلى اسم “الجمعية الأمريكية للقصور العقلي” (American Association on Mental Deficiency – AAMD)، وهو الاسم الذي شهد أولى المحاولات المنهجية لتدوين وتصنيف الإعاقة الفكرية عبر إصدار أدلة مصنفة رسمية للمصطلحات والتصنيفات. ثم في عام 1987، ومع تزايد الوعي الدلالي بالآثار السلبية للمصطلحات الطبية المشوهة، اعتمدت الجمعية مسمى “الجمعية الأمريكية للتخلف العقلي” (American Association on Mental Retardation – AAMR)، والذي استمر حتى عام 2006؛ حيث صوت أعضاؤها بأغلبية ساحقة لاعتماد الاسم الحالي: “الجمعية الأمريكية للإعاقات الفكرية والنمائية” (AAIDD). لم يكن هذا التغيير الأخير مجرد تعديل لفظي، بل كان تتويجاً لانتقال جذري في البارادايم النفسي نحو نموذج يرتكز على الحقوق الإنسانية ومنظومات الدعم التكيفي.
التحولات الفكرية في تعريف الإعاقة: من العجز العضوي إلى النموذج البيئي التفاعلي
عبر العقود الطويلة من تاريخها، قادت AAIDD ثورة معرفية في تحديد ماهية الإعاقة الفكرية. في المراحل الأولى المبكرة للطب النفسي، كان يُنظر إلى الإعاقة بوصفها عيباً عضوياً ثابتاً ومستقراً متأصلاً داخل الفرد، يُقاس بدرجة محددة ومطلقة على منحنى التوزيع الطبيعي للذكاء العام (IQ). وكان هذا النموذج الطبي الخالص يعزل الفرد في إطار مرضي لا رجعة فيه، مجرداً إياه من القدرة على التفاعل مع البيئة المحيطة أو إحراز نمو معرفي ملموس.
بدءاً من الإصدار التاسع للدليل التشخيصي الصادر عن الجمعية عام 1992، ثم الإصدار العاشر عام 2002، دشنت الجمعية ما يُعرف اليوم بـ “النموذج البيئي التفاعلي متعدد الأبعاد” (Multidimensional Ecological Model). يفترض هذا النموذج أن الإعاقة الفكرية ليست سمة جوهرية فردية مغلقة، بل هي نتاج التفاعل المعقد وغير المتكافئ بين قدرات الفرد الذاتية ومتطلبات البيئة التي يعيش فيها. ومن هذا المنطلق، لا يُعرّف العجز بأنه قدر محتوم، بل هو فجوة في الأداء الوظيفي اليومي يمكن تقليصها أو حتى محوها إذا ما تم توفير منظومة الدعم البيئي المناسبة والشاملة.
يقوم هذا الإطار النظري المعاصر للجمعية على خمسة أبعاد تشخيصية ووظيفية رئيسية يجب تقييمها بصورة متكاملة: البعد الأول هو القدرات الذهنية العامة؛ والبعد الثاني هو السلوك التكيفي بأبعاده المفاهيمية والاجتماعية والعملية؛ والبعد الثالث هو الصحة النفسية والبدنية والعوامل السببية؛ والبعد الرابع هو المشاركة والتفاعلات الاجتماعية والأدوار الاجتماعية؛ والبعد الخامس هو السياق البيئي الشامل الذي يشمل العوامل البيئية والثقافية المباشرة وغير المباشرة. يمثل هذا التوجه متعدد الأبعاد جوهر المقاربة النفسية الحديثة التي تتبناها AAIDD، حيث تنقل مركز الثقل من مجرد القياس الكمي للذكاء إلى الفهم الكيفي والشامل لكينونة الإنسان وحاجاته اليومية.
المعايير التشخيصية الثلاثية المعتمدة لدى AAIDD
تعتمد الجمعية الأمريكية للإعاقات الفكرية والنمائية في نسختها الدليلية الثانية عشرة (AAIDD 12th Edition) تعريفاً تشخيصياً معيارياً يتطلب استيفاء ثلاثة شروط متزامنة لا غنى لأحدها عن الآخر لتوثيق وجود الإعاقة الفكرية، وهي:
- القصور الدال في الأداء الفكري العام (Significant Limitations in Intellectual Functioning): ويُقصد به القدرة العقلية العامة التي تشمل التفكير، والاستدلال، وحل المشكلات، والتخطيط، والتفكير المجرد، وإدراك الأفكار المعقدة، والتعلم السريع، والتعلم من التجارب. ومن الناحية الإكلينيكية، يُترجم هذا القصور بأداء يقل بمقدار انحرافين معياريين أو أكثر عن المتوسط العام للمجتمع على مقاييس الذكاء الفردية المقننة والموثوقة، مع الأخذ في الحسبان خطأ القياس المعياري (Standard Error of Measurement)، وهو ما يوازي عموماً درجة ذكاء تقارب 70 إلى 75 أو أقل.
- القصور الدال في السلوك التكيفي (Significant Limitations in Adaptive Behavior): وهو المحك الثاني البالغ الأهمية، ويُعرّف بأنه مجموعة المهارات المفاهيمية والاجتماعية والعملية التي يتعلمها الأفراد حتى يتمكنوا من أداء وظائفهم في حياتهم اليومية المستقلة. ولكي يُعد القصور دالاً، يجب أن يسجل الفرد انحرافين معياريين على الأقل دون المتوسط إما في أحد الأبعاد التكيفية الثلاثة الرئيسية (المفاهيمية، الاجتماعية، العملية) أو في الدرجة الكلية المركبة للمقياس التكيفي المقنن.
- الظهور خلال الفترة النمائية (Origin During the Developmental Period): كان هذا المعيار يُحدد تاريخياً ببلوغ سن الثامنة عشرة، غير أن الجمعية في دليلها المرجعي الحديث قامت بتوسيع هذا النطاق الزمني ليشمل العمر النمائي حتى سن الثانية والعشرين (22 عاماً)، ليتوافق ذلك مع أحدث المعطيات العصبية والنمائية التي تشير إلى استمرار نضج الفص الجبهي والوظائف التنفيذية للدماغ خلال مرحلة الرشد المبكر.
تفصيل أبعاد السلوك التكيفي الثلاثة
يحتل السلوك التكيفي مكانة مركزية في منظومة AAIDD؛ إذ إنه المعيار الحاسم الذي يربط بين الذكاء المجرد والقدرة الواقعية على البقاء والعيش باستقلالية. تنقسم المهارات التكيفية وفق الجمعية إلى ثلاثة مجالات نوعية محددة:
أولاً: المهارات المفاهيمية (Conceptual Skills)، وتتضمن اللغة التعبيرية والاستقبالية، والقراءة والكتابة، ومفاهيم النقود والرياضيات الأساسية، والقدرة على التوجيه الذاتي، وإدراك مفهوم الوقت والذاكرة التقديرية. يواجه الأفراد ذوو القصور في هذا الجانب صعوبات في فهم القواعد المجردة، والتعامل مع العمليات الحسابية المعقدة في البيئات الاجتماعية، أو قراءة التعليمات واللوائح اليومية واستيعابها بدقة.
ثانياً: المهارات الاجتماعية (Social Skills)، وتشمل مهارات التعامل والتفاعل مع الآخرين، والمسؤولية الاجتماعية، وتقدير الذات، وتجنب السذاجة (Gullibility) وسهولة الانقياد، وحل الصراعات الشخصية، واتباع القوانين وتجنب الوقوع ضحية للاستغلال. يُعد فحص السذاجة وسهولة التغرير من أهم إسهامات AAIDD؛ إذ يعاني العديد من ذوي الإعاقة الفكرية من صعوبة فك شفرات التلميحات الاجتماعية الخفية، مما يجعلهم عرضة للابتزاز المالي أو الاستغلال القانوني والمساءلة الجنائية دون قصد جنائي حقيقي.
ثالثاً: المهارات العملية (Practical Skills)، وتتمثل في مهارات الحياة اليومية المستقلة (Activities of Daily Living) مثل العناية الشخصية والنظافة، وتناول الطعام، وإعداد الوجبات، وارتداء الملابس، والمحافظة على الصحة والسلامة، والقدرة على استخدام وسائل النقل العام، واستعمال الهاتف، والقدرة على العمل المهني، وإدارة المقتنيات الشخصية. يساعد التقييم الشامل لهذه المهارات في رسم صورة دقيقة لما يستطيع الفرد إنجازه بمفرده، وما يحتاج فيه إلى تدخل مساند.
نموذج الدعم: الثورة البديلة لتصنيفات الشدة التقليدية
لسنوات طويلة، استندت الطبائع التشخيصية في تصنيف الإعاقة الفكرية إلى درجات معدل الذكاء فقط، مقسمة إياها إلى فئات صارمة وميكانيكية: خفيفة، ومتوسطة، وشديدة، وعميقة. ورغم أن هذا التصنيف لا يزال مستخدماً في بعض الأدلة الإحصائية الطبية لأغراض وبائية أو بيروقراطية، فإن AAIDD أحدثت نقلة نوعية كبرى برفضها جعل مستوى الذكاء هو المحدد الحصري لمستوى دعم الإنسان واحتياجاته.
بدلاً من تصنيف “الشخص” وفق مستويات العجز، قامت الجمعية بتطوير نموذج مستويات وأنظمة الدعم (System of Supports)؛ والذي يُصنف البيئة ومقدار العون الذي يتطلبه الفرد لتحقيق جودة حياة ملموسة والمشاركة الفاعلة في مجتمعه. تُعرف أنظمة الدعم بأنها الموارد والاستراتيجيات الموجهة نحو تعزيز التطور الفردي، والتعليم، والاهتمامات، والرفاهية الذاتية، والتي تعمل على سد الفجوة بين الكفاءة الشخصية ومتطلبات البيئة الحياتية اليومية.
تتدرج مستويات الدعم وفق نموذج الجمعية عبر أربعة مستويات وظيفية محددة:
- الدعم المتقطع (Intermittent Support): دعم يُقدم وفق الحاجة العارضة أو الوقتية، ولا يكون مستمراً بصفة دائمة، بل يُستدعى في الأوقات الانتقالية من الحياة؛ مثل فقدان وظيفة، أو التعرض لأزمة طبية حادة، أو الانتقال إلى مسكن جديد.
- الدعم المحدود (Limited Support): دعم متسق ومستمر لفترة زمنية محددة ولكنها ليست ممتدة دون نهاية؛ مثل توفير برنامج تدريبي مكثف لاكتساب مهارة مهنية معينة، أو تنظيم مرحلة الانتقال من المدرسة إلى الحياة العملية اليومية.
- الدعم الشامل / المكثف (Extensive Support): دعم منتظم ومستمر، يُقدم عادة بصفة يومية في بيئة حياتية أو أكثر، مثل حاجة الفرد لدعم يومي دائم في بيئة العمل أو المنزل لإتمام المهام المعيشية والاستقلالية.
- الدعم الواسع والشامل الدائم (Pervasive Support): دعم مستمر وثابت وعالي الكثافة، يمتد عبر مختلف البيئات الحياتية واليومية دون انقطاع، ويشمل توفير مساندة لصيقة قد تكون ضرورية للحفاظ على الحياة والصحة الأساسية للفرد.
مقياس شدة الدعم (Supports Intensity Scale – SIS)
لتحويل هذا الإطار الفلسفي إلى أداة سيكومترية دقيقة وقابلة للتطبيق الإكلينيكي والبحثي، طورت AAIDD أداة رائدة أحدثت ثورة في العمل الميداني النفسي، وهي مقياس شدة الدعم (SIS)، الذي تُرجم واقتُبس في عشرات الدول حول العالم. لا يسعى هذا المقياس إلى قياس ما يعجز الشخص عن فعله، بل يقيس بدقة بالغة نوع، وتكرار، والمدة الزمنية للدعم الإنساني والتكنولوجي الذي يحتاجه الفرد للنجاح في 57 نشاطاً حياتياً موزعاً على مجالات الحياة المجتمعية واليومية.
تستخدم الهيئات التخطيطية والخدمية حول العالم مقياس SIS لوضع خطط الدعم الفردية (Individualized Support Plans)، وتخصيص الموارد المالية والخدمات المساندة بطريقة موضوعية تُعلي من كرامة الفرد، بدلاً من الاقتصار على حصر درجات الذكاء المعرفية المجردة التي لا تعكس بالضرورة مدى قدرة الفرد على التكيف العملي في الحياة المجتمعية الواقعية.
الأدبيات العلمية والدوريات المحكمة الصادرة عن الجمعية
تتبوأ الجمعية مكانة قيادية في إثراء البحث العلمي الرصين من خلال نشر عدد من أبرز الدوريات العلمية العالمية المحكمة ذات معامل التأثير المرتفع والمدرجة ضمن كبرى قواعد البيانات الدولية مثل Web of Science وScopus. وتعد هذه الدوريات المرجع الأساسي لعلماء النفس، والأطباء النفسيين، وخبراء التربية الخاصة والعلوم العصبية والنمائية في كافة قارات العالم.
تأتي في مقدمة هذه المنشورات الدورية الشهيرة المجلة الأمريكية للإعاقات الفكرية والنمائية (American Journal on Intellectual and Developmental Disabilities – AJIDD)، التي تأسست منذ بدايات الجمعية، وتختص بنشر البحوث التجريبية الصارمة والدراسات النمائية العصبية، والتحليلات الجينية، والأبحاث السلوكية المعقدة التي تفحص الآليات الكامنة وراء الاضطرابات النمائية وطرق قياسها النفسي المتطورة.
كما تُصدر الجمعية دورية الإعاقات الفكرية والنمائية (Intellectual and Developmental Disabilities – IDD)، وهي مجلة محكمة موجهة بصورة أكبر نحو السياسات العامة، والممارسات الإكلينيكية الميدانية، والتدخلات المبنية على الأدلة والبيانات، وبرامج الدمج المدرسي والمجتمعي، ودراسات التقييم المؤسسي لحقوق الأفراد المستفيدين من الرعاية التأهيلية.
بالإضافة إلى ذلك، تصدر الجمعية بانتظام أدلة الممارسة الإكلينيكية والكتيبات المرجعية التخصصية، مثل دليل التشخيص المزدوج (Dual Diagnosis) لتقييم الاضطرابات النفسية المتزامنة لدى الأفراد ذوي الإعاقة الفكرية، والتي تعالج التحديات الإكلينيكية البالغة التي تواجه المعالجين النفسيين عند فحص حالات مثل اضطراب طيف التوحد، والفصام، والاكتئاب حين تجتمع مع قصور وظيفي في القدرات المعرفية والسلوكية التكيفية.
الأبعاد الحقوقية والأخلاقية وأثر الجمعية في التشريعات الدولية
لم تنحصر أدوار AAIDD في أروقة المعامل والمصحات والجامعات، بل امتدت لتشكل ركيزة أخلاقية وقانونية غيرت منظومة العدالة الجنائية والحقوق المدنية عالمياً. لقد أدركت الجمعية مبكراً أن المفاهيم النفسية والتشخيصية غير المنضبطة يمكن استخدامها كأداة للقمع والإقصاء وسلب الأهلية، مما حتم عليها التدخل الفاعل في الفضاء الحقوقي والمحاكم العليا.
كان للأدلة والمعايير التشخيصية التي أرستها الجمعية أثر حاسم في القضية التاريخية الشهيرة أمام المحكمة العليا للولايات المتحدة والمعروفة بقضية أتكينز ضد فرجينيا (Atkins v. Virginia) عام 2002؛ حيث استندت المحكمة بالكامل إلى تعريفات ومعايير الجمعية في إصدار حكمها التاريخي بعدم دستورية تطبيق عقوبة الإعدام على الأفراد ذوي الإعاقة الفكرية، معتبرة إياها عقوبة قاسية وغير اعتيادية تتنافى مع التعديل الثامن للدستور الأمريكي، وذلك نظراً لقصور قدرات هؤلاء الأفراد في الاستدلال، والتنبؤ بالعواقب، والتحكم في الاندفاعات، ومواجهة الضغوط الاستجوابية.
علاوة على ذلك، ساهمت رؤى وأدبيات الجمعية في دعم صياغة اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (UN-CRPD) الصادرة عن الأمم المتحدة، من خلال ترسيخ مبادئ التقرير الذاتي (Self-Determination)، والحق في اتخاذ القرار المدعوم (Supported Decision-Making) بديلاً عن أنظمة الوصاية الكلية السالبة للأهلية، وحق الدمج الكامل في التعليم النظامي وسوق العمل التنافسي المفتوح دون تمييز.
الأثر التطبيقي لنموذج AAIDD على أدلة التشخيص النفسي المعاصرة
يمثل التوافق والتأثير المتبادل بين معايير AAIDD وكل من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الصادر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي (DSM-5-TR)، والتصنيف الدولي للأمراض التابع لمنظمة الصحة العالمية (ICD-11)، دليلاً واضحاً على قيادة الجمعية للفكر التشخيصي العالمي في مجال الإعاقات الفكرية والنمائية.
لقد تبنى الدليل التشخيصي DSM-5 في تعديلاته الجوهرية التوجه الذي نادت به AAIDD لعقود؛ حيث قام رسمياً بحذف مصطلح “التخلف العقلي” واستبداله بمصطلح “الإعاقة الفكرية (اضطراب النماء الفكري)”. والأهم من ذلك، أن الدليل ألغى تحديد درجات الشدة (خفيف، متوسط، شديد، عميق) بناءً على درجات مقاييس الذكاء الرقمية، واعتمد بدلاً من ذلك بصورة حصرية على مستوى الأداء في مجالات السلوك التكيفي، وهو انتصار علمي كامل للنموذج الذي صاغته وطورته الجمعية.
كما ساهمت مفاهيم الجمعية في تصحيح ممارسات القياس النفسي والإكلينيكي حول العالم، من خلال تحذير الأخصائيين النفسيين من الاعتماد المطلق على اختبارات الذكاء دون الانتباه لتأثيرات الظروف الثقافية واللغوية والاجتماعية والتعليمية، والتأكيد الصارم على مراعاة ظاهرة فلين (Flynn Effect) وظاهرة خطأ القياس، مما حمى آلاف الأفراد من التصنيفات التشخيصية الجائرة أو حرمانهم من الخدمات والبرامج التأهيلية المناسبة لإمكاناتهم الحقيقية.
خاتمة واستشراف المستقبل
لقد جسدت الجمعية الأمريكية للإعاقات الفكرية والنمائية (AAIDD) على مدار ما يزيد عن قرن ونصف من الزمان نموذجاً استثنائياً لتطور الفكر الإنساني والعلمي في التعاطي مع الاختلاف العصبي والذهني. فمن بدايات اتسمت بالحيرة والنزوع المؤسسي الإقصائي، شقت الجمعية طريقها بجهود مئات من رواد الطب وعلم النفس والتربية لتصنع نموذجاً حديثاً قائماً على الكرامة الإنسانية، وتوفير منظومات الدعم المخصص، وربط التشخيص السيكولوجي بأهدافه النبيلة في التمكين والاندماج المجتمعي المستدام.
ومع دخول علم النفس حقبة تقنيات الذكاء الاصطناعي، والجينوم البشري، والتحليلات البيولوجية والنمائية فائقة الدقة، تقف الجمعية اليوم أمام استحقاقات وتحديات مستقبلية بالغة الأهمية. ويتمثل التحدي الأكبر في استثمار هذه التطورات التكنولوجية المذهلة لتعزيز جودة الحياة والاستقلالية الفردية للأشخاص ذوي الإعاقات الفكرية والنمائية، مع الحفاظ على البعد القيمي الذي رسخته الجمعية: وهو أن قيمة الإنسان لا تُقاس بمعامل ذكائه، بل بحقه الأصيل في العيش الكامل والمشاركة الإنسانية الحرة داخل مجتمعه.
المراجع
- American Association on Intellectual and Developmental Disabilities. (2021). Intellectual disability: Definition, diagnosis, classification, and systems of supports (12th ed.). AAIDD.
- American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed., text rev.) (DSM-5-TR). American Psychiatric Association. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425787
- Buntinx, W. H., & Schalock, R. L. (2010). Models of disability, quality of life, and individualized supports: Implications for the intellectual disability field. Journal of Policy and Practice in Intellectual Disabilities, 7(4), 283–294. https://doi.org/10.1111/j.1741-1130.2010.00278.x
- Luckasson, R., & Schalock, R. L. (2013). Defining and applying a multidimensional model of intellectual disability. Intellectual and Developmental Disabilities, 51(2), 94–103. https://doi.org/10.1352/1934-9556-51.2.094
- Schalock, R. L., Borthwick-Duffy, S., Bradley, V. J., Buntinx, W. H., Coulter, D. L., Craig, E. M., Gomez, S. C., Lachapelle, Y., Luckasson, R., Reeve, A., Shogren, K. A., Snell, M. E., Spreat, S., Tassé, M. J., Thompson, J. R., Verdugo, M. A., Wehmeyer, M. L., & Yeager, M. H. (2010). Intellectual disability: Definition, classification, and systems of supports (11th ed.). American Association on Intellectual and Developmental Disabilities.
- Thompson, J. R., Bryant, B. R., Campbell, E. M., Craig, E. M., Hughes, C. M., Rotholz, D. A., Schalock, R. L., Silverman, W. P., Tassé, M. J., & Wehmeyer, M. L. (2016). Supports Intensity Scale: User’s manual. American Association on Intellectual and Developmental Disabilities.
- Tassé, M. J., Luckasson, R., & Schalock, R. L. (2016). The relation between intellectual functioning and adaptive behavior in the diagnosis of intellectual disability. Intellectual and Developmental Disabilities, 54(6), 408–424. https://doi.org/10.1352/1934-9556-54.6.408
- Wehmeyer, M. L. (2020). The importance of self-determination in the education of individuals with intellectual and developmental disabilities. Education Sciences, 10(11), 300. https://doi.org/10.3390/educsci10110300