تُعد الرابطة الأمريكية للتخلف العقلي (American Association on Mental Retardation – AAMR)، والتي تُعرف اليوم باسم الرابطة الأمريكية للإعاقات الذهنية والنمائية (AAIDD)، أقدم وأعرق منظمة مهنية متخصصة متعددة التخصصات تُعنى بقضايا الإعاقة الذهنية والنمائية في العالم. لقد لعبت هذه المؤسسة الدور القيادي والمحوري في صياغة الأطر المعرفية، والنماذج التشخيصية، والمعايير الأخلاقية والمهنية التي تنظم ممارسات علم النفس، والتربية الخاصة، والطب النفسي، والخدمة الاجتماعية على مدار ما يزيد عن قرن وربع من الزمان. إن دراسة مسار وتراث AAMR تمثل دراسة عميقة لتاريخ تطور الفكر الإنساني والعيادي في التعامل مع الفروق الفردية والقصور الذهني، والتحول الجوهري من الرؤى الطبية البيولوجية الانعزالية نحو النماذج الاجتماعية البيئية الشاملة القائمة على حقوق الإنسان ومنظومات الدعم التكيفي.
مدخل تعريفي: ما هي الرابطة الأمريكية للتخلف العقلي (AAMR)؟
تأسست المنظمة ككيان علمي ومهني مستقل يضم نخبة من الأطباء، وعلماء النفس، والمربين، والباحثين، والمدافعين الحقوقيين الذين كرسوا أبحاثهم لفهم طبيعة القصور الإدراكي والنمائي وسبل التدخل العلاجي والتأهيلي. ولم تكن الرابطة مجرد جمعية تجمع الممارسين الأكاديميين، بل شكلت المرجع التشريعي والتصنيفي الأول الذي اعتمدت عليه المحاكم الفيدرالية، والمنظومات التعليمية، ومؤسسات الرعاية الصحية في صياغة السياسات وتخصيص الموارد وتقديم الخدمات للأفراد من ذوي الإعاقات العقلية والنمائية في الولايات المتحدة والعالم بأسره.
على مدار عقود طويلة، تولت AAMR مسؤولية إصدار الأدلة التشخيصية والمصطلحية الدورية التي تحدد تعريف “التخلف العقلي” (Mental Retardation)، وهي التسمية التاريخية التي كانت مقبولة أكاديمياً ورسمياً لعقود قبل استبدالها بمصطلح “الإعاقة الذهنية” (Intellectual Disability). وقد حددت هذه الأدلة معايير التشخيص الإكلينيكي بدقة متناهية، من خلال المزج بين تقييم القدرات العقلية العامة، وفحص مستويات السلوك التكيفي، وتحديد العمر الزمني لظهور الأعراض النمائية. وكان لهذه المعايير الفضل في إبعاد التشخيص عن الانطباعات الذاتية ووضعه في سياق سيكومتري وبيئي متين.
بالإضافة إلى الأبعاد التصنيفية، رسخت الرابطة فلسفة تقوم على النظر إلى الشخص ككل متكامل لا يختزل في درجة حاصل الذكاء (IQ). وقد قادت AAMR الثورة المفاهيمية التي استبدلت النظرة السلبية القائمة على تصنيف العجز والقصور بنظرة إيجابية وظيفية ترتكز على تحديد احتياجات الدعم الفردية، وتصميم بيئات ميسرة تسهم في تعظيم الاستقلالية، وتوسيع خيارات الحياة، وتحقيق الدمج المجتمعي الكامل.
التطور التاريخي والمسميات المتعاقبة للمنظمة عبر العصور
يرجع تاريخ تأسيس الرابطة إلى السادس من يونيو عام 1876، عندما التقى مجموعة من رواد رعاية ذوي القصور العقلي في مدينة إلميرا بولاية نيويورك، تلبية لدعوة من الدكتور إدوارد سيغين (Édouard Séguin) وزملاء آخرين مثل هيرفي ويلبر وإيزاك كيرلين. أسس هؤلاء الرواد ما سُمي بـ “رابطة المشرفين الطبيين على المؤسسات الأمريكية للأغبياء والضعفاء عقلياً” (Association of Medical Officers of American Institutions for Idiotic and Feeble-Minded Persons). في تلك المرحلة المبكرة، كان التركيز الطبي والمؤسسي هو السائد، وكانت الأهداف تنصب على إدارة المؤسسات الإيوائية وتطوير أساليب التدريب الحسي والحركي.
مع تطور المعارف النفسية والاجتماعية في مطلع القرن العشرين وظهور حركات القياس النفسي، غيرت المنظمة اسمها في عام 1906 لتصبح “الجمعية الأمريكية لدراسة الضعف العقلي” (American Association for the Study of the Feeble-Minded – AASFM). عكست هذه التسمية توسع الاهتمام العلمي ليشمل دراسة الأسباب الوراثية والبيئية وراء القصور الذهني، وتزامن ذلك مع إدخال مقاييس بينيه-سيمون للذكاء إلى الولايات المتحدة بواسطة هنري جودارد، مما أحدث نقلة كمية في تصنيف الأفراد وفق درجات القصور العقلي.
في عام 1933، ومع نضوج الرؤى الطبية والنفسية وتزايد الرغبة في الابتعاد عن المصطلحات التي اكتسبت حمولات سلبية شعبية، تحول الاسم إلى “الرابطة الأمريكية للخلل العقلي” (American Association on Mental Deficiency – AAMD). وتحت هذا المسمى، قادت الرابطة أبحاثاً رائدة على مدار أكثر من خمسين عاماً، وأصدرت أشهر أدلتها التشخيصية التي رسخت مفهوم السلوك التكيفي كشرط تشخيصي موازٍ لحاصل الذكاء المتدني، لا سيما في طبعات 1959 و1973 و1983.
في عام 1987، تم تعديل الاسم ليصبح “الرابطة الأمريكية للتخلف العقلي” (American Association on Mental Retardation – AAMR)، وهو الاسم الذي رافق واحدة من أخصب فترات التجديد النظري والمفاهيمي. استمر هذا الاسم حتى عام 2006، حيث صوت أعضاء الرابطة بأغلبية ساحقة لتغيير الاسم نهائياً إلى “الرابطة الأمريكية للإعاقات الذهنية والنمائية” (AAIDD) بدءاً من 1 يناير 2007. جاء هذا التغيير الأخير استجابة لتوصيات منظمات حقوق المعاقين والحركات الذاتية للمطالبة بالحقوق، للتخلص التام من الوصمة الاجتماعية المرتبطة بمصطلح “التخلف” (Retardation)، والتأكيد على المفاهيم الإنسانية والكرامة المتأصلة للأفراد.
التحولات البارادايغمية في أدلة التصنيف والتعريف الصادرة عن AAMR
منذ منتصف القرن العشرين، أخذت AAMR على عاتقها صياغة أدلة مرجعية دورية لتحديد مفهوم الإعاقة ومعاييرها. في دليل عام 1959، الذي أشرف عليه هيربرت غروسمان، عُرّف التخلف العقلي بأنه “أداء عقلي عام دون المتوسط، يبدأ خلال فترة النشوء والتطور، ويرتبط بقصور في السلوك التكيفي”. كان هذا التعريف تاريخياً لأنه أدخل رسمياً مفهوم السلوك التكيفي (Adaptive Behavior) إلى جوار اختبارات الذكاء، لكنه اعتمد على معيار إحصائي واسع (انحراف معياري واحد دون المتوسط في اختبارات الذكاء، أي حاصل ذكاء أقل من 84 أو 85)، وهو ما تسبب في تصنيف ما يقرب من 16% من عموم السكان كأفراد يعانون من قصور عقلي.
تداركت الرابطة هذا التوسع الإحصائي غير المبرر في دليل عام 1973 ودليل عام 1983، حيث تم تعديل العتبة السيكومترية للذكاء لتصبح “انحرافين معياريين دون المتوسط” (حاصل ذكاء يتراوح بين 70 و75 تقريباً مع مراعاة خطأ القياس المعياري). كما جرى التأكيد بصورة أكثر صرامة على ضرورة وجود عجز واضح ومتزامن في السلوك التكيفي في بيئات الحياة الواقعية. وقد قسمت هذه الأدلة التخلف العقلي إلى أربعة مستويات كلاسيكية بناءً على حاصل الذكاء: البسيط (Mild)، والمتوسط (Moderate)، والشديد (Severe)، والعميق (Profound).
في عام 1992، أحدثت AAMR زلزالاً مفاهيمياً بإصدار طبعتها التاسعة من دليل المصطلحات والتشخيص بقيادة روث لوكاسون وزملائها. ألغت الرابطة في هذا الدليل المستويات الفرعية الأربعة القائمة على درجات الـ IQ، واستبدلتها بتصنيف يرتكز على “مستويات وشدة الدعم المطلوب” (Supports System) والتي شملت: الدعم المتقطع (Intermittent)، والدعم المحدود (Limited)، والدعم الواسع (Extensive)، والدعم الشامل أو المكثف (Pervasive). تحول التعريف من كونه وصفاً لسمة داخلية ثابتة في الشخص إلى وصف لحالة التفاعل بين قدرات الفرد والبيئة التي يعيش فيها، مما شكل بداية ما يُعرف بـ “النموذج البيئي والوظيفي للإعاقة”.
جاء دليل عام 2002 (الطبعة العاشرة للرابطة) ليؤكد هذا المسار، ويقدم “النموذج متعدد الأبعاد للإعاقة الذهنية” الذي يقوم على خمسة أبعاد تشخيصية وسياقية. ثم تبع ذلك دليل عام 2010 (الطبعة الحادية عشرة، والصادرة باسم AAIDD) ودليل عام 2021 (الطبعة الثانية عشرة)، حيث تم تكريس مصطلح “الإعاقة الذهنية” (Intellectual Disability) رسمياً في المجتمع العلمي، مع تفصيل منهجيات قياس السلوك التكيفي وأنظمة الدعم بما يتماشى مع التحديثات العالمية في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) والتصنيف الدولي للأمراض (ICD-11).
المكونات الجوهرية للتعريف المعتمد للإعاقة الذهنية
يستند التعريف الحديث والمتراكم الذي رسخته AAMR/AAIDD إلى ثلاثة معايير أساسية لا بد من تحققها مجتمعة لإجراء تشخيص إكلينيكي دقيق ومسؤول للإعاقة الذهنية. هذه المكونات لا تعزل الفرد عن سياقه الثقافي والاجتماعي، بل تخضع لضوابط إكلينيكية متشددة تحول دون إصدار أحكام تشخيصية مضللة أو متحيزة.
- القصور الجوهري في الأداء الذهني: يشير هذا المكون إلى انخفاض القدرات المعرفية العامة التي تشمل التفكير المجرد، وحل المشكلات، والتخطيط، والتفكير المنطقي، والتعلم الأكاديمي، والتعلم من الخبرة. يُحدد هذا القصور سيكومترياً بالحصول على درجتين معياريتين دون المتوسط على اختبار ذكاء مقنن فردياً وشامل (مثل مقياس وكسلر لذكاء الأطفال أو البالغين، أو مقياس ستانفورد-بينيه)، مع أخذ الخطأ المعياري للقياس (عادة ±5 درجات) وتأثيرات فلن (Flynn effect) في الحسبان.
- القصور الجوهري في السلوك التكيفي: يُعرَّف السلوك التكيفي بأنه مجموع المهارات المفاهيمية، والاجتماعية، والعملية التي يتعلمها الأفراد لكي يمارسوا حياتهم اليومية باستقلالية. لا يكفي انخفاض حاصل الذكاء لتشخيص الإعاقة الذهنية؛ بل يجب أن يظهر الفرد أداءً يقل بانحرافين معياريين على الأقل في أحد المجالات الثلاثة الكبرى (المفاهيمي، الاجتماعي، العملي) أو في الدرجة الكلية المركبة لمقياس سلوك تكيفي مقنن ومقاس وفق ثقافة الشخص ومجتمعه الأصلي.
- الظهور خلال المرحلة النمائية: يشترط التعريف أن تظهر هذه القيود المعرفية والتكيفية في مرحلة الطفولة أو المراهقة. في أدلة AAMR السابقة، حُددت مرحلة النشوء ببلوغ سن 18 عاماً، بينما وسعت أحدث الأدلة الصادرة عن الرابطة هذه الفترة لتشمل المرحلة العمرية حتى سن 22 عاماً، للتوافق مع المعطيات العصبية والنمائية الحديثة التي تؤكد استمرار نضج الدماغ والوظائف التنفيذية خلال مرحلة الشباب المبكر.
إلى جانب هذه المعايير الثلاثة، فرضت الرابطة خمسة افتراضات أساسية واجبة التطبيق عند تفسير التشخيص: أن القصور يجب أن يقيَّم في سياق البيئات المجتمعية النموذجية لنظراء العمر والثقافة، وأن التقييم يجب أن يراعي التنوع الثقافي واللغوي، وأن جوانب القصور تترافق غالباً مع نقاط قوة وقدرات في مجالات أخرى، وأن الهدف النهائي من وصف القصور هو تحديد احتياجات الدعم الفردية، وأخيراً أن تقديم الدعم الملائم والمخصص عبر فترات زمنية كافية سيؤدي حتماً إلى تحسين في الأداء الحياتي للشخص.
النموذج متعدد الأبعاد للإعاقة الذهنية ونظام الدعم المتكامل
ابتكرت AAMR في أدبياتها الحديثة إطاراً مفاهيمياً يُعرف بـ “النموذج متعدد الأبعاد” (Multidimensional Model of Human Functioning)، والذي ينظر إلى الأداء الإنساني كنتيجة للتفاعل الديناميكي المتبادل بين الفرد والبيئة، متجاوزاً بذلك النموذج الطبي التقليدي الذي يعتبر الإعاقة عاهة بيولوجية مستقرة داخل الجسد. يقوم هذا النموذج على خمسة أبعاد محورية تتفاعل جميعها لإنتاج مستوى أداء الفرد في الحياة:
- البعد الأول: القدرات الذهنية (Intellectual Abilities): ويشمل ذلك كافة العمليات المعرفية كالانتباه، والذاكرة العاملة، وسرعة المعالجة، والقدرة على التعميم وحل المشكلات المجردة.
- البعد الثاني: السلوك التكيفي (Adaptive Behavior): ويتضمن المهارات الحياتية في مجالات التواصل، واستخدام الموارد المجتمعية، والمهارات الوظيفية الأكاديمية، والحياة المنزلية، والعناية الذاتية، والتفاعل الاجتماعي والتوجيه الذاتي.
- البعد الثالث: الصحة العامة والصحة النفسية والمسببات (Health, Mental Health, and Etiological Factors): يدرس هذا البعد الحالة الجسدية والصحة النفسية للفرد، بما في ذلك الأمراض المصاحبة والتشخيصات المزدوجة (مثل وجود اضطراب طيف التوحد أو الاكتئاب بجانب الإعاقة الذهنية)، وتأثيرات العوامل الجينية والبيئية والمسلكية.
- البعد الرابع: المشاركة والتفاعلات والأدوار الاجتماعية (Participation, Interactions, and Social Roles): يركز على درجة انخراط الفرد ومشاركته الفعلية في الأنشطة المجتمعية، والتعليمية، والمهنية، والترفيهية، والأدوار الحياتية المقبولة والمقدرة اجتماعياً.
- البعد الخامس: السياق البيئي والثقافي (Context: Environment and Culture): ويحلل الظروف المحيطة بالفرد، بدءاً من البيئة الصغرى (المنزل والأسرة)، والبيئة الوسطى (المدرسة ومكان العمل)، وصولاً إلى البيئة الكبرى (السياسات العامة، والثقافة المجتمعية، والنظم القانونية والاقتصادية).
يمثل مفهوم “الدعم” (Supports) الجسر الرابط الذي يتيح التوفيق بين كفاءة الفرد ومتطلبات البيئة. يُعرف الدعم بأنه الموارد والاستراتيجيات التي تهدف إلى تعزيز نمو الفرد، وتطوير تعليمه، وزيادة اهتماماته ورفاهه الشخصي، وتحسين أدائه الوظيفي العام. ويشمل ذلك الدعم الطبيعي المتاح عبر الأسرة والأصدقاء، والتعديلات البيئية والوسائل التقنية المساعدة، والخدمات المهنية المتخصصة. ويؤكد هذا المنظور أن العجز ليس حكماً حتمياً بالعزلة، بل هو دعوة لتصميم منظومة دعم تلبي الاحتياجات المحددة لكل شخص وتستمر معه بالقدر والنوعية التي تمكنه من ممارسة حقوقه الإنسانية.
الممارسات التشخيصية والتقييم السيكومتري والتربوي
أرست الرابطة الأمريكية للتخلف العقلي أسساً صارمة للممارسات التشخيصية السليمة، محذرة من الاعتماد على الأساليب الانطباعية أو الأدوات غير المقننة. تتطلب عملية التقييم الشامل فحصاً دقيقاً متعدد المصادر يشمل الملاحظة المباشرة، والمقابلات الإكلينيكية المعمقة مع أولياء الأمور والمعلمين ومقدمي الرعاية، ومراجعة التاريخ الطبي والنمائي، وتطبيق بطاريات الاختبارات المقننة ذات الخصائص السيكومترية العالية من صدق وثبات وتطبيع على عينات مجتمعية ممثلة.
في مجال تقييم القدرات الذهنية، تشترط المعايير المهنية لـ AAMR استخدام مقاييس فردية حديثة الصنع وتجنب المقاييس الجمعية بصورة قاطعة عند اتخاذ قرارات التشخيص الفارق أو تحديد الأهلية للخدمات. ويجب على الأخصائي النفسي مراعاة تأثير المتغيرات الحسية (كضعف السمع أو البصر) والحركية واللغوية على أداء المفحوص، وتطبيق تصحيحات خطأ القياس، واليقظة التامة لظاهرة تصاعد درجات الذكاء مع مرور الزمن على تقنين الاختبارات (Flynn effect)، والتي قد تعطي انطباعاً زائفاً بذكاء أعلى إذا ما طُبق اختبار قديم التقنين.
أما في جانب السلوك التكيفي، فقد قادت الرابطة جهود تصميم أدوات متخصصة لتقييم المهارات الحياتية، مثل مقياس السلوك التكيفي للرابطة الأمريكية للتخلف العقلي (AAMR Adaptive Behavior Scale – ABS) بطبعتيه المدرسية والمجتمعية، وتعتمد الممارسات الحالية أيضاً على مقاييس عالمية أخرى معترف بها مثل مقاييس فينلاند للسلوك التكيفي (Vineland-3) ونظام تقييم السلوك التكيفي (ABAS-3). وتركز هذه الأدوات على استقصاء الأداء اليومي الفعلي للشخص في البيئات الطبيعية بدلاً من قياس أقصى ما يستطيع فعله تحت ظروف الاختبار المعملي.
ولترجمة نموذج الدعم إلى أداة قياس عملية وموضوعية، قامت الرابطة (تحت مسمى AAIDD) بتطوير “مقياس شدة الدعم” (Supports Intensity Scale – SIS). يُعد مقياس SIS نقلة ثورية في القياس النفسي، إذ إنه لا يقيس عجز الفرد أو مهاراته الناقصة، بل يقيس بصورة مباشرة وتفصيلية نوع، ومعدل، ومدة الدعم اليومي المطلوب للشخص لكي يمارس أنشطته الحياتية مثل أقرانه غير المعاقين، مما يوفر خطة أساسية متكاملة لبرامج الدعم الفردية (ISP) والتعليم الفردي (IEP).
التأثيرات التشريعية والسياسات الاجتماعية وحقوق الإنسان
امتد تأثير AAMR خارج جدران الجامعات والمراكز البحثية ليصل إلى صلب التشريعات القانونية والدستورية في الولايات المتحدة وعلى المستوى الدولي. لقد كانت الرابطة في طليعة الحركة الحقوقية التي قادت تفكيك وتصفية المؤسسات الإيوائية الكبرى (Deinstitutionalization) التي كانت تُعزل فيها فئات ذوي الإعاقة الذهنية في ظروف تفتقر للكرامة الإنسانية، وطالبت بإدماجهم في مجتمعاتهم المحلية وتوفير منازل أسرية ورعاية مجتمعية متكاملة.
في المجال التعليمي، شكلت معايير وأدلة AAMR المرجعية العلمية التي استند إليها الكونغرس الأمريكي في صياغة “قانون تعليم جميع الأطفال المعوقين” لعام 1975 (EHA)، والذي تحول لاحقاً إلى “قانون تعليم الأفراد ذوي الإعاقة” (IDEA). ضمنت هذه السياسات حق كل طفل يعاني من إعاقة ذهنية في الحصول على تعليم عام مجاني وملائم في أقل البيئات تقييداً (LRE)، مع إلزام المؤسسات بوضع خطط تربوية فردية تتوافق مع قدرات واحتياجات التلميذ.
وعلى الصعيد الجنائي والعدلي، برز الدور التاريخي لـ AAMR في القضية الدستورية الشهيرة أمام المحكمة العليا الأمريكية: قضية آتكنز ضد فرجينيا عام 2002 (Atkins v. Virginia). قدمت الرابطة تقارير “صديق المحكمة” (Amicus Curiae) لبيان الأسس العلمية للقصور الإدراكي والتكيفي. وقضت المحكمة العليا بأن إعدام الأفراد الذين يعانون من التخلف العقلي (وفق تعريف ومعايير AAMR) يشكل عقوبة قاسية وغير عادية تنتهك التعديل الثامن لدستور الولايات المتحدة. وقد اعتمدت المحاكم الجنائية تعريف AAMR الثلاثي الأبعاد كمعيار حصري لتحديد أهلية المحكوم عليهم للإعفاء من عقوبة الإعدام، مما عزز دور علم النفس الإكلينيكي في حماية حقوق الإنسان الأساسية.
الانتقادات والتحديات المعاصرة والاتجاهات المستقبلية
على الرغم من الريادة العلمية التي حققتها AAMR عبر تاريخها، إلا أن مسيرتها لم تخلُ من السجالات والنقاشات النقدية الساخنة. وجه بعض النقاد في علم النفس الإكلينيكي والسيكومترية انتقادات لنظام تصنيف 1992 الذي ألغى درجات التخلف الكلاسيكية (بسيط، متوسط، شديد، عميق)، معتبرين أن تصنيفات الدعم (متقطع، محدود، واسع، شامل) كانت تفتقر في البداية إلى أدوات قياس كمية دقيقة وموثوقة، مما جعل تحديد مخصصات الدعم المالي والتربوي عرضة للاجتهادات الإدارية غير المتسقة. وكان هذا النقد هو المحفز الأساسي لابتكار مقياس شدة الدعم (SIS) لاحقاً.
كما واجهت المنظمة تحديات تتعلق بظاهرة “التشخيص المزدوج” (Dual Diagnosis)، حيث يصعب في كثير من الأحيان التمييز بين أعراض الإعاقة الذهنية وأعراض الاضطرابات النفسية والسلوكية المترافقة مثل الفصام، واضطرابات المزاج، والقلق، واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة. وقد كرست الرابطة في العقدين الأخيرين فرق عمل متخصصة لتطوير معايير تشخيصية إكلينيكية تمكن الممارسين من رصد الأمراض النفسية لدى الأفراد ذوي القدرات اللغوية المحدودة، ونشرت أدلة موازية كدليل التشخيص النفسي للأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية (DM-ID).
في الوقت الراهن، تتجه أبحاث الرابطة وخلفها المعاصر (AAIDD) نحو التركيز على قضايا “تقرير المصير” (Self-Determination)، وتعزيز استقلالية المستفيدين في اختيار مسارات حياتهم، والمطالبة بالتوظيف التنافسي المدمج بدلاً من الورش المحمية المعزولة، والاعتراف بالشيخوخة لدى ذوي الإعاقة الذهنية (خصوصاً مرض ألزهايمر لدى الأفراد المصابين بمتلازمة داون)، والعدالة الجينية والأخلاقيات الحيوية المرتبطة بتقنيات تعديل الجينات والفحص الجيني المبكر.
خاتمة
تمثل الرابطة الأمريكية للتخلف العقلي (AAMR) علامة فارقة في تاريخ علم النفس والعلوم التربوية والإنسانية؛ إذ قادت عبر ما يزيد عن مئة عام مسيرة تحول كبرى ارتقى خلالها الفكر الإنساني من عزل وتهميش الأفراد ذوي الإعاقات العقلية والنمائية إلى تمكينهم ودمجهم كأعضاء كاملي الأهلية والحقوق في المجتمع. لقد صاغت الرابطة معايير التشخيص العلمي التي ألزمت العالم بالنظر إلى الذكاء والسلوك التكيفي كأبعاد تفاعلية تتأثر بالبيئة ونوعية الدعم المقدم، ومهدت الطريق للتحولات الحقوقية والتشريعية المعاصرة. ورغم استبدال الاسم بالمسمى الحديث (AAIDD)، يظل الإرث العلمي والتصنيفي لـ AAMR المرجعية الكلاسيكية الرصينة التي لا غنى عنها لأي باحث أو ممارس يسعى لفهم جذور الإعاقة الذهنية وأسس تقييمها وتطوير جودة حياة الأفراد الذين يعيشون معها.
المراجع
- American Association on Mental Retardation. (1992). Mental retardation: Definition, classification, and systems of supports (9th ed.). American Association on Mental Retardation.
- American Association on Mental Retardation. (2002). Mental retardation: Definition, classification, and systems of supports (10th ed.). American Association on Mental Retardation.
- American Association on Intellectual and Developmental Disabilities. (2010). Intellectual disability: Definition, classification, and systems of supports (11th ed.). AAIDD.
- American Association on Intellectual and Developmental Disabilities. (2021). Intellectual disability: Definition, diagnosis, classification, and systems of supports (12th ed.). AAIDD.
- Grossman, H. J. (Ed.). (1983). Classification in mental retardation. American Association on Mental Deficiency.
- Luckasson, R., Borthwick-Duffy, S., Buntinx, W. H., Coulter, D. L., Craig, E. M., Reeve, A., Schalock, R. L., Snell, M. E., Spreat, S., Tassé, M. J., & Verdugo, M. A. (2002). Mental retardation: Definition, classification, and systems of supports (10th ed.). American Association on Mental Retardation.
- Schalock, R. L., Borthwick-Duffy, S., Bradley, V. J., Buntinx, W. H., Coulter, D. L., Craig, E. M., Gomez, S. C., Lachapelle, Y., Luckasson, R., Reeve, A., Shogren, K. A., Snell, M. E., Spreat, S., Tassé, M. J., Thompson, J. R., Verdugo, M. A., Wehmeyer, M. L., & Yeager, M. H. (2010). Intellectual disability: Definition, classification, and systems of supports (11th ed.). American Association on Intellectual and Developmental Disabilities.
- Thompson, J. R., Bryant, B. R., Campbell, E. M., Craig, E. M., Hughes, C. M., Rotholz, D. A., Schalock, R. L., Silverman, W. P., Tassé, M. J., & Wehmeyer, M. L. (2004). Supports Intensity Scale: User’s manual. American Association on Mental Retardation.
- Trent, J. W. (1994). Inventing the feeble mind: A history of mental retardation in the United States. University of California Press.
- Wehmeyer, M. L., & Obremski, S. (2010). Intellectual disability and systems of supports: A history of the American Association on Intellectual and Developmental Disabilities. Intellectual and Developmental Disabilities, 48(4), 284-293. https://doi.org/10.1352/1934-9556-48.4.284