الطب النفسيتاريخ علم النفسمنظمات ومؤسسات نفسية

الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA)

استكشف دليلاً شاملاً حول الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA)، نشأتها، هيكلها التنظيمي، دورها في إصدار دليل DSM، ومواقفها الأخلاقية والعلمية في الصحة النفسية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 27 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 27 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُعد الجمعية الأمريكية للطب النفسي (American Psychiatric Association – APA) أقدم وأكبر منظومة طبية تخصصية تُعنى بالصحة النفسية في العالم، حيث تشكل حجر الزاوية في بناء المعايير التشخيصية والعلاجية والأخلاقية للطب النفسي المعاصر. تمثل الجمعية الصوت القيادي للأطباء النفسيين على المستوى الدولي، متجاوزة حدود الولايات المتحدة الأمريكية لتؤثر قراراتها ومطبوعاتها، ولا سيما الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، في الممارسات الإكلينيكية، والسياسات الصحية، والتشريعات القانونية، والبحوث الأكاديمية في شتى بقاع الأرض. إن دراسة هذه المنظمة لا تقتصر على فهم هيكلها الإداري، بل تتطلب استيعاب التحولات الفكرية والإبستمولوجية التي شكلت مسار الطب النفسي كفرع علمي متجذر في العلوم العصبية والإنسانية على حد سواء.

النشأة والتطور التاريخي للجمعية

تعود الجذور التاريخية لنشأة الجمعية الأمريكية للطب النفسي إلى منتصف القرن التاسع عشر، وبالتحديد إلى عام 1844، عندما اجتمع ثلاثة عشر طبيباً من مديري المصحات العقلية في مدينة فيلادلفيا لتأسيس ما عُرف آنذاك باسم “رابطة المشرفين الطبيين على المؤسسات الأمريكية للمجانين” (Association of Medical Superintendents of American Institutions for the Insane – AMSAII). كان الدافع الأساسي لهذا التأسيس هو الحاجة الماسة إلى توحيد معايير إدارة المصحات، وتحسين الرعاية المقدمة للمرضى، وتبادل الخبرات السريرية في وقت كانت فيه رعاية الأمراض العقلية تتسم بالعزلة والبدائية ونقص الأطر النظرية الرصينة.

قاد هؤلاء الرواد الثلاثة عشر، وكان من أبرزهم الطبيب توماس ستوري كيركبرايد (Thomas Story Kirkbride)، حركة إصلاحية تبنت نموذجاً عمرانياً وعلاجياً عُرف باسم “خطة كيركبرايد”، والتي ركزت على أهمية البيئة الاستشفائية، والهواء النقي، والضوء الطبيعي، والعلاج الأخلاقي (Moral Treatment) المستوحى من أفكار فيليب بينيل في فرنسا ووليام تيوك في إنجلترا. عكست هذه المرحلة إيماناً عميقاً بإمكانية شفاء الاضطرابات النفسية في حال توفير البيئة المنظمة الخالية من الضغوط الحياتية القاسية، مما جعل الرابطة محركاً للتغيير المؤسسي والاجتماعي في النظرة إلى الجنون والاضطراب العقلي في المجتمع الأمريكي المتنامي.

مع مطلع القرن العشرين، وتحديداً في عام 1892، غيّرت المنظمة اسمها إلى “الجمعية الأمريكية للطب النفسي الإكلينيكي” (American Medico-Psychological Association)، ليعكس التحول التدريجي من مجرد إدارة المصحات إلى الاهتمام بالأبعاد الطبية والعلمية للاضطرابات النفسية. وفي عام 1921، اعتمدت المنظمة اسمها الرسمي الحالي: الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA). توازى هذا التطور مع دخول النظريات التحليلية الفرويدية إلى الولايات المتحدة، وانتشار التحليل النفسي الذي ألقى بظلاله القوية على قيادات الجمعية وممارساتها لعقود طويلة، قبل أن تشهد المنظمة تحولاً جذرياً نحو النموذج البيولوجي العصبي في أواخر القرن العشرين.

شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مرحلة مفصلية أخرى في تاريخ الجمعية، حيث أدى انخراط الأطباء النفسيين في علاج الصدمات النفسية لدى الجنود (عصاب الحرب) إلى إدراك الحاجة الماسة لتصنيف موحد للاضطرابات النفسية، لا يقتصر على نزلاء المصحات المزمنين بل يشمل الاضطرابات التكيفية والعصابية التي تصيب عموم السكان. أدى هذا الزخم إلى إصدار النسخة الأولى من الدليل التشخيصي في عام 1952، مما رسخ موقع الجمعية كمرجعية علمية تشريعية للمهنة، وبداية لمرحلة تدويل معاييرها على المستويين الأكاديمي والعيادي.

البنية المؤسسية ونظام الحوكمة

تتمتع الجمعية الأمريكية للطب النفسي ببنية تنظيمية متعددة المستويات، مصممة لضمان التمثيل الديمقراطي لأعضائها الذين يتجاوز عددهم 38,000 طبيب وباحث في أكثر من مئة دولة. تتألف الحوكمة المركزية من مجلس الأمناء (Board of Trustees)، وهو الهيئة المسؤولة عن وضع السياسات العامة، وإقرار الميزانيات، واتخاذ القرارات الاستراتيجية الملزمة. يترأس هذا المجلس رئيس الجمعية، وهو منصب يُنتخب سنوياً من بين أبرز القامات الأكاديمية والسريرية، مما يمنح قيادة الجمعية تجدداً مستمراً ورؤى متنوعة تواكب التطورات العلمية المتسارعة.

إلى جانب مجلس الأمناء، تمثل الجمعية العمومية (The Assembly) الصوت التشريعي والتمثيلي للأعضاء في مختلف المناطق الجغرافية والفروع المحلية التابعة للجمعية (District Branches). تتولى الجمعية العمومية مناقشة التوصيات والمقترحات القادمة من الميدان الإكلينيكي ورفعها إلى مجلس الأمناء لإقرارها، مما يضمن تدفقاً سلساً للمعلومات والمطالب من القواعد المهنية إلى القيادة التنفيذية، ويحفظ التوازن بين التوجهات الأكاديمية والاحتياجات الواقعية للممارسين في العيادات والمستشفيات.

تعتمد الجمعية في تسيير أعمالها التخصصية على شبكة واسعة من المجالس الدائمة (Councils)، واللجان الاستشارية (Steering Committees)، والمجموعات التخصصية المعنية بمختلف فروع الطب النفسي. تشمل هذه المجالس مجالات حيوية مثل: مجلس الرعاية الصحية وجودة الممارسة، ومجلس البحوث والعلوم الطبية، ومجلس التعليم النفسي، ولجنة الأخلاقيات الطبية. تعمل هذه الهيئات على مراجعة الأدلة العلمية، وإصدار المبادئ التوجيهية للممارسات السريرية (Clinical Practice Guidelines)، التي تحدد أفضل البروتوكولات العلاجية المعتمدة لاضطرابات مثل الاكتئاب الجسيم، والفصام، واضطراب ثنائي القطب.

تلعب المنظمة دوراً محورياً في رسم ملامح التدريب الطبي من خلال التعاون الوثيق مع مجلس اعتماد التعليم الطبي العالي (ACGME). تضع الجمعية المعايير الأكاديمية والتدريبية التي يجب أن تستوفيها برامج الإقامة الطبية (Residency Programs) في الطب النفسي، فضلاً عن تقديم برامج التعليم الطبي المستمر (CME) والامتحانات التقويمية التي تضمن حفاظ الأطباء النفسيين على أعلى مستويات الكفاءة والجاهزية العلمية طوال مسيرتهم المهنية.

الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM): الإنجاز والجدل

يمثل إصدار الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM) المشروع الأكثر تأثيراً وشهرة للجمعية الأمريكية للطب النفسي، حيث تحول هذا المرجع إلى “إنجيل الطب النفسي” كما يصفه البعض في الأوساط الطبية والإعلامية. بدأت القصة مع إصدار النسخة الأولى (DSM-I) عام 1952، وتلتها النسخة الثانية (DSM-II) عام 1968؛ وقد اتسمت هاتان النسختان بالاعتماد الشديد على مفاهيم التحليل النفسي ونظرية أدولف ماير السيكوبيولوجية، حيث صُنفت الاضطرابات بوصفها “ردود فعل” (Reactions) دفاعية أو تكيفية للصراعات النفسية الداخلية والضغوط البيئية.

شهد الطب النفسي ثورة تصنيفية حقيقية عام 1980 مع صدور النسخة الثالثة (DSM-III) تحت قيادة الطبيب النفسي روبرت سبيتزر (Robert Spitzer). أحدث هذا الإصدار قطيعة إبستمولوجية مع مدرسة التحليل النفسي، متبنياً نهجاً توصيفياً وظاهراتياً “غير نظري” (Atheoretical)، يرتكز على معايير تشخيصية محددة وقابلة للقياس (Operational Criteria). كان الهدف من هذه الثورة حل “أزمة الموثوقية” (Reliability Crisis) التي عانى منها الطب النفسي، حيث كان تشخيص المريض يختلف جذرياً بناءً على خلفية الطبيب الفكرية والجغرافية، فجاءت المعايير الجديدة لتوحد لغة التخاطب بين الأطباء والباحثين عالمياً.

استمر هذا التوجه مع الإصدار الرابع (DSM-IV) عام 1994، وصولاً إلى الإصدار الخامس (DSM-5) في عام 2013، والذي خضع لتحديث نصي لاحق في عام 2022 (DSM-5-TR). اعتمد الإصدار الخامس على لجان عمل ضمت مئات الخبراء الدوليين لمراجعة الأدبيات العصبية والوراثية والسريرية. حاول هذا الإصدار الانتقال الجزئي من التصنيف الفئوي الحاد (Categorical Approach) إلى النموذج البعدي (Dimensional Approach)، معترفاً بتداخل الأعراض وتدرج شدتها بين السواء والمرض، فضلاً عن إدخال أدوات لقياس شدة الإعاقة الوظيفية ومقاييس الأعراض الشاملة.

على الرغم من النجاح الواسع والاعتماد الكوني للدليل، إلا أنه لم يخلُ من انتقادات أكاديمية لاذعة. تركزت أبرز الانتقادات حول “إضفاء الطابع الطبي على الحياة اليومية” (Medicalization of Normality)، مما قاد إلى توسيع الحدود التشخيصية لاضطرابات مثل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، والاكتئاب، والحداد. كما انتقد معهد الصحة النفسية الأمريكي (NIMH) الدليل لافتقاره إلى علامات بيولوجية موضوعية، مما حدا بالمعهد لإطلاق مشروع “معايير مجال البحث” (RDoC) كبديل يرتكز على الدوائر العصبية والجينات. ورغم هذه السجالات، يظل الدليل الصادر عن الجمعية الأداة المعيارية الأولى المعتمدة في الممارسة والتأمين الصحي والبحوث السريرية الدولية.

النشر العلمي والإنتاج المعرفي

تُعد الجمعية الأمريكية للطب النفسي منارة لنشر المعرفة الطبية النفسية المتخصصة من خلال ذراعها الأكاديمي “دار نشر الجمعية الأمريكية للطب النفسي” (American Psychiatric Association Publishing). تُصدر الدار مجموعة من أرقى المجلات العلمية المحكمة ذات معامل التأثير المرتفع، والتي تسهم في تشكيل وتوجيه بوصلة البحث الإكلينيكي في الطب النفسي والعلوم السلوكية على مستوى العالم.

تتصدر هذه المطبوعات المجلة الأمريكية للطب النفسي (The American Journal of Psychiatry)، والتي تُصنف باستمرار كواحدة من أكثر الدوريات الطبية قراءة واستشهاداً في العالم. تنشر المجلة الأبحاث الرائدة في مجالات البيولوجيا العصبية، والتصوير الدماغي، والتجارب الإكلينيكية العشوائية لمضادات الاكتئاب والذهان، فضلاً عن المقالات الافتتاحية التحليلية التي تناقش التحديات النظرية والمفاهيمية للطب النفسي المعاصر.

بالإضافة إلى المجلة الأم، تُصدر الجمعية دوريات متخصصة تعالج أبعاداً مختلفة للمهنة، من بينها مجلة “الخدمات النفسية” (Psychiatric Services) التي تركز على سياسات الصحة النفسية المجتمعية والوصول إلى الرعاية، ومجلة “الطب النفسي العصبي والعلوم العصبية الإكلينيكية” (The Journal of Neuropsychiatry and Clinical Neurosciences)، ومجلة “التركيز” (Focus) المخصصة للتعليم الطبي والامتحانات التقييمية. تعكس هذه المنظومة النشرية حرص الجمعية على تغطية الطيف الكامل من العلوم الأساسية إلى السياسات الصحية العامة.

تمتد مساهمة الجمعية المعرفية إلى طباعة الكتب الأكاديمية والمراجع الشاملة، وعلى رأسها “كتاب الجمعية الأمريكية للطب النفسي المدرسي” (The American Psychiatric Association Publishing Textbook of Psychiatry)، الذي يعتبر مرجعاً شاملاً لطلاب الدراسات العليا والأطباء الممارسين. كما تنظم الجمعية مؤتمرها السنوي (APA Annual Meeting)، وهو أضخم تجمع علمي للطب النفسي في العالم، يستقطب سنوياً أكثر من عشرة آلاف متخصص لتبادل أحدث الاكتشافات العلمية واستعراض التقنيات العلاجية الناشئة.

التحولات الفكرية والمواقف الاجتماعية الحاسمة

لم تكن مسيرة الجمعية الأمريكية للطب النفسي محصورة داخل المختبرات والعيادات، بل خاضت المنظمة معارك فكرية واجتماعية كبرى أثرت في مسار الحقوق المدنية والتصورات الثقافية للصحة والمرض. يُعد عام 1973 المنعطف الأبرز في هذا السياق، حين صوّت مجلس أمناء الجمعية على إزالة المثلية الجنسية من الدليل التشخيصي (DSM-II) كاضطراب نفسي، بعد سنوات من الضغوط والاحتجاجات العلمية والحقوقية التي قادها ناشطون وأطباء تقدميون أثبتوا غياب السند العلمي لاعتبارها مرضاً.

اعتُبر هذا القرار التاريخي نقطة تحول كبرى، ليس فقط في السياسات الطبية ولكن في الحركات الحقوقية العالمية، حيث شكّل الأساس لإلغاء القوانين التمييزية ووقف الممارسات العلاجية القسرية مثل “علاج التحويل”. أكد هذا الموقف قدرة الجمعية على المراجعة الذاتية وتعديل مواقفها العلمية في ضوء الأدلة الجديدة والأطر الحقوقية، وتجريد الطب النفسي من كونه أداة للضبط الاجتماعي ضد الهويات المغايرة للأعراف السائدة.

في العقود اللاحقة، واصلت الجمعية دورها في الدفاع عن قضايا الصحة العامة والعدالة الاجتماعية. قادت المنظمة جهوداً مضنية في أروقة الكونغرس الأمريكي لإقرار “قانون المساواة في الصحة النفسية ومكافحة الإدمان” (Mental Health Parity and Addiction Equity Act) لعام 2008، والذي ألزم شركات التأمين بتقديم تغطية علاجية للأمراض النفسية مساوية تماماً للتغطية المقدمة للأمراض الجسدية، وهو ما مثّل انتصاراً كبيراً لحقوق المرضى وكسراً للحواجز الاقتصادية أمام العلاج.

في السنوات الأخيرة، أصدرت الجمعية اعتذاراً تاريخياً علنياً في عام 2021 عن دور الطب النفسي والمؤسسة في ترسيخ العنصرية الهيكلية والتمييز التاريخي ضد الأمريكيين من أصل أفريقي والشعوب الأصلية. وأطلقت الجمعية استراتيجيات شاملة لتعزيز التنوع والمساواة والشمول (DEI) في التعليم الطبي والممارسات السريرية، مع التركيز على دراسة “المحددات الاجتماعية للصحة النفسية” (Social Determinants of Mental Health) كعوامل حاسمة في نشأة الاضطرابات النفسية وتوزيعها بين فئات المجتمع.

المبادئ الأخلاقية وتحديات الممارسة المهنية

تضع الجمعية الأمريكية للطب النفسي الإطار الأخلاقي الصارم الذي يحكم ممارسة الأطباء النفسيين من خلال وثيقتها التأسيسية: “مبادئ الأخلاقيات الطبية مع تعليقات خاصة بالطب النفسي”. تنبثق هذه المبادئ من قسم أبقراط الطبي، لكنها تتوسع في معالجة القضايا المعقدة والفريدة التي تفرضها الطبيعة الخاصة للعلاقة بين الطبيب النفسي والمريض، والتي تتسم بمستوى عالٍ من الهشاشة العاطفية والتأثير النفسي العميق.

أحد أشهر المبادئ الأخلاقية التي صاغتها الجمعية وأثارت جدلاً واسعاً هو ما يُعرف بـ قاعدة غولدووتر (The Goldwater Rule)، المدرجة تحت البند 7.3 من مدونة الأخلاقيات. نشأت هذه القاعدة عام 1973 على خلفية واقعة ترشح السناتور باري غولدووتر للرئاسة عام 1964، عندما استطلعت مجلة رأي أطباء نفسيين حول أهليته العقلية دون فحصه شخصياً. تنص القاعدة على أنه:

  • من غير الأخلاقي تماماً لأي طبيب نفسي تقديم رأي مهني أو تشخيصي حول شخصية عامة في وسائل الإعلام ما لم يقم بإجراء فحص سريري مباشر ومصرح به لهذا الشخص.
  • يقتصر دور الطبيب النفسي عند مخاطبة الرأي العام على تثقيف المجتمع حول القضايا النفسية العامة، دون إسقاطها على أفراد محددين.

تجدد الجدل بقوة حول هذه القاعدة خلال فترات الانتخابات الرئاسية الحديثة في الولايات المتحدة، حيث حاجج بعض الأطباء بوجود “واجب التحذير” (Duty to Warn) للمجتمع في حال ظهور علامات اعتلال عقلي خطير لدى قادة سياسيين يمتلكون أزرار أسلحة نووية، بينما تمسكت الجمعية بموقفها الصارم مؤكدة أن كسر القاعدة يهدد مصداقية الطب النفسي كعلم ويحوله إلى سلاح سياسي للمهاترات الحزبية.

إلى جانب ذلك، تقود الجمعية جهوداً صارمة لتنظيم العلاقة بين الأطباء النفسيين وشركات الأدوية والصناعات الطبية (Big Pharma). فرضت الجمعية سياسات صارمة لمنع تضارب المصالح (Conflict of Interest)، لا سيما لأعضاء لجان صياغة الدليل التشخيصي (DSM)، الذين يُلزمون بالإفصاح الكامل والشفاف عن أي تمويل أو علاقات بحثية سابقة، حرصاً على استقلالية المعايير التشخيصية وعدم تطويعها لخدمة مبيعات العقاقير الطبية.

الانتقادات المعاصرة والتوجهات المستقبلية

على الرغم من المكانة الدولية المرموقة التي تحظى بها الجمعية، إلا أنها تواجه تحديات فكرية وإبستمولوجية جوهرية في القرن الحادي والعشرين. يتمثل التحدي الأكبر في تصاعد أصوات الحركات النقدية داخل الطب النفسي (Critical Psychiatry)، فضلاً عن مجموعات “الناجين من الطب النفسي” (Psychiatric Survivors Movement). يتهم هؤلاء النقاد الجمعية بتبني نموذج بيولوجي اختزالي (Biological Reductionism) يتعامل مع المعاناة الإنسانية كـ “خلل في كيمياء الدماغ”، متجاهلاً السياقات الاجتماعية والسياسية والرضوض النفسية التراكمية التي تدفع الناس إلى الانهيار العصبي.

كما تواجه الجمعية إشكالية العولمة التشخيصية، حيث يرى علماء الأنثروبولوجيا الطبية والطب النفسي الثقافي أن الجمعية صدّرت مفاهيم غربية محضة حول النفس والمرض إلى مجتمعات غير غربية تمتلك فهماً مغايراً للحزن والألم والذات. يؤدي هذا التصدير القسري للمفاهيم التشخيصية إلى طمس الطرق المحلية في التعبير عن الضيق النفسي، وفرض بروتوكولات علاجية دوائية قد لا تتناسب مع المنظومات الثقافية المحلية لتلك المجتمعات.

في المقابل، تستجيب الجمعية الأمريكية للطب النفسي لهذه التحديات من خلال تبني رؤى مستقبلية تركز على تكامل التقنيات الحديثة والعلوم المتقدمة. يشمل ذلك:

  • دمج أدوات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في التنبؤ بمخاطر الانتحار، وتحليل البيانات الإكلينيكية الضخمة لتطوير الطب النفسي الدقيق (Precision Psychiatry).
  • توسيع نطاق أبحاث الطب النفسي التداخلي، مثل التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS)، واستكشاف الإمكانات العلاجية لمثبطات امتصاص السيروتونين المترافقة مع العلاج النفسي بالمخدرات المهلوسة الخاضعة للرقابة (Psychedelic-Assisted Therapy).
  • إعادة الاعتبار للأبعاد النفسية والاجتماعية من خلال دمج صريح لـ “مقابلات الصياغة الثقافية” (Cultural Formulation Interview) في التقييم اليومي، لضمان ممارسة طبية تراعي خصوصية كل مريض الفردية والثقافية.

خاتمة

في الختام، تجسد الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA) صرحاً علمياً وثقافياً تجاوز دوره كونه مجرد رابطة مهنية محلية، ليغدو قوة توجيهية مركزية للطب النفسي العالمي. فمنذ تأسيسها على يد الأطباء الثلاثة عشر في القرن التاسع عشر وصولاً إلى قيادتها للثورة البيولوجية والمعرفية المعاصرة، ظلت المنظمة مرآة تعكس التطور العلمي والصراعات الاجتماعية والتحولات الفكرية التي مرت بها البشرية في فهمها للعقل والجنون. ورغم ما يوجه إليها من انتقادات مشروعة حول المبالغة في التشخيص والارتباط بالنموذج البيولوجي، فإن التزام الجمعية الصارم بالمراجعة النقدية، وتحديث المعايير الأخلاقية، والريادة في نشر المعرفة، يجعل منها الركيزة الأساسية التي لا غنى عنها لكل ممارس وباحث في ميدان الصحة النفسية الإنسانية.

المراجع

  • American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
  • American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and statistical manual of mental disorders: Text revision (DSM-5-TR). American Psychiatric Association Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425787
  • Bayer, R. (1987). Homosexuality and American psychiatry: The politics of diagnosis. Princeton University Press.
  • Grob, G. N. (1994). The mad among us: A history of the care of America’s mentally ill. Free Press.
  • Insel, T., Cuthbert, B., Garvey, M., Heinssen, R., Pine, D. S., Quinn, K., Sanislow, C., & Wang, P. (2010). Research Domain Criteria (RDoC): Toward creating a new conceptual framework for research on mental disorders. American Journal of Psychiatry, 167(7), 748–751. https://doi.org/10.1176/appi.ajp.2010.09091379
  • Kirk, S. A., & Kutchins, H. (1992). The selling of DSM: The rhetoric of science in psychiatry. Routledge.
  • Shorter, E. (1997). A history of psychiatry: From the era of the asylum to the age of Prozac. John Wiley & Sons.
  • Spitzer, R. L., & Endicott, J. (1978). Medical and mental disorder: Proposed definition and criteria. In R. L. Spitzer & D. F. Klein (Eds.), Critical issues in psychiatric diagnosis (pp. 15–39). Raven Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 27). الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA). عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/american-psychiatric-association-apa/
looti, Mohammed. “الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA).” عرب سايكلوجي, 27 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/american-psychiatric-association-apa/.
looti, Mohammed. “الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA).” عرب سايكلوجي. سبتمبر 27, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/american-psychiatric-association-apa/.