تُعد الحبسة النسيانية (Amnestic Aphasia)، والتي يُشار إليها سريرياً في كثير من الأدبيات بـ حبسة التسمية أو الحبسة التسموية (Anomic Aphasia)، واحدة من أكثر الاضطرابات اللغوية العصبية إثارة للاهتمام والبحث في ميدان علم النفس العصبي وعلم أمراض التخاطب واللغة. تتجلى هذه المتلازمة المرضية في شكل عجز انتقائي ومستمر في استرجاع المفردات والأسماء المناسبة أثناء الحديث التلقائي أو عند التسمية الموجهة للأشياء والمفاهيم، مع بقاء طلاقة الكلام، والتراكيب النحوية، والقدرة على الفهم السمعي، وإعادة الكلام سليمة إلى حد كبير. يمثل هذا التباين اللافت بين سلامة البنية التركيبية للغة وانهيار القدرة على الوصول إلى المعجم الذهني نموذجاً تجريبياً حيوياً لفهم كيفية تنظيم الدماغ البشري للمعلومات الدلالية والمعجمية وكيفية استرجاعها أثناء التواصل اليومي.
المفهوم والتعريف الاصطلاحي للحبسة النسيانية
تُعرّف الحبسة النسيانية في المعاجم النفسية والعصبية بأنها متلازمة حُبْسية طليقة (Fluent aphasia) تتميز بالعجز الأساسي عن استحضار الأسماء والكلمات المحددة للرموز والمدركات الحسية، وهي حالة تُعرف في الاصطلاح الطبي بظاهرة “اللانامية” أو فقد القدرة على التسمية (Anomia). وعلى الرغم من أن صعوبة التسمية تُمثل عرضاً مشتركاً يظهر بدرجات متفاوتة في سائر أنواع الحبسة الكلامية (مثل حبسة بروكا أو حبسة فيرنيكه)، إلا أن تشخيص الحبسة النسيانية ككيان سريري مستقل يستلزم أن يكون عجز استرجاع المفردات هو العرض المحوري والمعزول تقريباً، دون أن يترافق مع اختلالات جوهرية في إنتاج الأصوات، أو البناء التركيبي، أو استيعاب اللغة المنطوقة والمكتوبة.
تاريخياً، تعود الجذور المفاهيمية لهذا الاضطراب إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث لاحظ رواد علم الأعصاب السلوكي، أمثال بول بروكا وكارل فيرنيكه ومن بعدهم كورت غولدشتاين (Kurt Goldstein)، وجود مرضى يحتفظون بالقدرة الكاملة على إدراك الأشياء ومعرفة وظائفها واستخداماتها العملية، لكنهم يعجزون تماماً عن النطق بأسمائها الصريحة عند مواجهتها. أطلق غولدشتاين على هذه الظاهرة وصف “فقدان التوجه التجريدي نحو الكلمات”، معتبراً أن الخلل لا يكمن في اندثار المفهوم ذاته من الذاكرة، بل في تقطع الروابط العصبية الوظيفية التي تُترجم المفهوم المعرفي إلى قالبه اللفظي الدقيق داخل البنية المعجمية.
في سياق النماذج المعرفية المعاصرة، يُنظر إلى الحبسة النسيانية على أنها اضطراب في واجهة الاتصال بين النظام الدلالي (Semantic system) والمعجم المخرجي الصوتي (Phonological output lexicon). فالأفراد الذين يعانون من هذه المتلازمة يمتلكون تمثيلاً معرفياً كاملاً للموضوع؛ فهم يدركون كنه الشيء وخصائصه وسياق استعماله، غير أنهم يفشلون في تفعيل الشفرة الصوتية المقترنة بذلك المفهوم، مما يخلق تجربة مرضية مزمنة تشبه إلى حد بعيد التفاقم المرضي لما يُعرف في علم النفس المعرفي بظاهرة “طرف اللسان” (Tip-of-the-tongue phenomenon).
المظاهر السريرية والسمات اللغوية المميزة
تتسم المظاهر الإكلينيكية لمريض الحبسة النسيانية بجملة من الخصائص اللغوية الدقيقة التي تجعل حديثه يبدو في الظاهر عادياً وفصيحاً من حيث التنغيم والسرعة، لكنه يفتقر إلى المحتوى الدلالي المحدد والدقيق. يُظهر المريض تدفقاً كلامياً مستمراً مع التزام بالقواعد النحوية والصرفية الصحيحة، غير أن هذا التدفق يصطدم بوقفات متكررة وفجائية، وتأوهات بحثية، وتردد ناتج عن المحاولات المستميتة للتنقيب داخل المخزون المعجمي عن الكلمة المفتاحية الغائبة، مما يدفع المريض في كثير من الأحيان إلى التعبير عن إحباطه البالغ من إدراكه الواعي لعجزه اللفظي.
يُعد أسلوب التطويف اللفظي أو الكلام الالتفافي (Circumlocution) السمة الأكثر بروزاً وشيوعاً لدى هؤلاء المرضى؛ فعندما يتعذر على المريض استرجاع كلمة معينة مثل “قلم”، يلجأ إلى تقديم وصف وظيفي مطول ومفصل للشيء للالتفاف حول الاسم الغائب، كأن يقول: “ذلك الشيء الذي نضعه بين أصابعنا، ونفتحه من الأعلى لنكتب به الرسائل على الورق بحبر أزرق أو أسود”. يعكس هذا السلوك اللغوي سلامة المعرفة المفهومية بالأشياء، ويؤكد أن العطب محصور في العتبة اللفظية التسموية دون أن يمتد إلى تشويه المفاهيم ذاتها.
بالإضافة إلى التطويف، يعتمد المصابون بالحبسة النسيانية اعتماداً مكثفاً على الكلمات الهلامية والفضفاضة غير المحددة (Empty speech)، مثل استخدام ضمائر الإشارة العامة وألفاظ مبهمة كـ “هذا، ذاك الشيء، تلك الأداة، الأمر”. كما قد تظهر لديهم زلات لسانية أو استبدالات دلالية (Semantic paraphasias)، حيث يستبدل المريض الكلمة المستهدفة بكلمة أخرى تشترك معها في نفس الحقل الدلالي، كأن يقول “شوكة” وهو يقصد “ملعقة”، أو يستبدل فئة عامة بفئة فرعية مثل قول “حيوان” بدلاً من “كلب”. ومع ذلك، فإن الاستبدالات الفونولوجية أو الصوتية الصرفة (Phonemic paraphasias) نادرة الحدوث مقارنة بالاستبدالات الدلالية، مما يؤكد انتظام الإنتاج الفونيمي الحركي لديهم.
ومن السمات الفارقة التي تساعد في التمييز التشخيصي قدرة المريض الممتازة على الفهم السمعي والمكتوب؛ إذ يستطيع المريض فهم الأسئلة المعقدة وتنفيذ الأوامر متعددة الخطوات دون ارتباك. كما أن قدرتهم على إعادة الكلام (Repetition) تظل محفوظة بامتياز، فإذا ما نطق الفاحص بالكلمة التي عجز المريض عن تذكرها، يستطيع المريض تكرارها على الفور وبدقة صوتية تامة، مع إبداء علامات الراحة والتعرف الفوري عليها، قائلاً: “نعم! بالضبط، هذه هي الكلمة التي كنت أبحث عنها”.
الأسس العصبية والتشريحية الحيوية للحبسة النسيانية
ترتبط الحبسة النسيانية من الناحية العصبية بآفات واختلالات تصيب مناطق متعددة ومتداخلة داخل النصف الكروي المخي الأيسر (السائد لغوياً لدى الغالبية العظمى من البشر)، وتحديداً في الوصلات والشبكات التي تربط بين الفصوص الصدغية والجدارية والقذالية. تاريخياً، ركزت دراسات الآفات الدماغية الموضعية على دور التلفيف الزاوي (Angular gyrus) الواقع في الفص الجداري السفلي (منطقة برودمان 39)، حيث يُعتبر هذا التلفيف مركزاً تكاملياً محورياً تلتقي فيه المدخلات البصرية والسمعية واللمسية وتترابط مع الأنماط اللفظية المقابلة لها.
أظهرت أبحاث التصوير العصبي الوظيفي المعاصرة، مثل الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET)، أن التسمية عملية معرفية معقدة لا تعتمد على مركز عصبي وحيد، بل تتطلب استنفار شبكة عصبية واسعة النطاق تشمل التلفيف الصدغي السفلي (Inferior temporal gyrus)، والتلفيف الصدغي الأوسط (Middle temporal gyrus)، والقطب الصدغي الأمامي (Anterior temporal pole). تلعب هذه المناطق الصدغية دوراً حاسماً في حفظ المفاهيم وتخزين السمات المعجمية، ويؤدي تضرر الروابط الليفية المادية، مثل الحزمة الطولية السفلية (Inferior longitudinal fasciculus)، إلى انقطاع تدفق الإشارات التنشيطية بين مراكز الرؤية والترميز اللفظي.
تتعدد الأسباب الإمراضية (Etiologies) المؤدية إلى نشوء الحبسة النسيانية، ويأتي في مقدمتها:
- الحوادث الوعائية الدماغية (السكتات الدماغية): وتحديداً الإقفارية أو النزفية التي تصيب فروع الشريان الدماغي الأوسط الأيسر (Left MCA) أو الشريان الدماغي الخلفي (PCA)، مما يحرم المناطق الصدغية الجدارية من التروية الدموية الكافية.
- الرضوض الدماغية الرضية (TBI): التي تنجم عن حوادث الاصطدام وتؤدي إلى تلف محوري كدمي منتشر أو موضعي في الفصوص الصدغية.
- الأمراض العصبية التنكسية: مثل داء ألزهايمر في مراحله المبكرة، حيث تظهر اللانامية كأولى العلامات اللغوية الدالة على التدهور المعرفي، وكذلك في متلازمة الحبسة الأولية التدريجية (Primary Progressive Aphasia)، وتحديداً النمط الدلالي منها (Semantic variant PPA).
- أورام الدماغ والخراجات: التي تضغط على المناطق الصدغية وتحدث اضطراباً تدريجياً ومترقياً في التسمية.
النماذج المعرفية لتفسير عجز استرجاع الكلمات
لفهم الآلية المعرفية الكامنة وراء الحبسة النسيانية، استند علماء النفس العصبي إلى نماذج معالجة وإنتاج الكلام، ومن أبرزها النموذج المرحلي المزدوج الذي طوره فيلم ليفلت (Levelt) ونموذج التنشيط التفاعلي لغاري ديل (Dell). وفقاً لنموذج ليفلت، يمر إنتاج أي كلمة بثلاث مراحل أساسية متتالية: مرحلة المفهوم الإدراكي (Conceptualization)، ومرحلة استرجاع الليمّا (Lemma retrieval) وهي تمثيل قواعدي ونحوي مجرد للكلمة دون شفرتها الصوتية، ومرحلة المعالجة الصوتية والمعجمية (Phonological encoding) التي تتضمن تركيب الأصوات وتوجيه الأعضاء النطقية لتنفيذها حركياً.
في ضوء هذا النموذج التفسيري، ينقسم مرضى الحبسة النسيانية سريرياً إلى فئتين رئيسيتين بناءً على موضع العطل المعرفي في مسار المعالجة:
1. الحبسة النسيانية ذات المنشأ الدلالي (Semantic Anomia)
ينبع العجز في هذا النمط من تدهور أو تفكك في شبكة السمات الدلالية المركزية نفسها؛ حيث يفقد المريض المعرفة التفصيلية بخصائص الشيء ووظائفه. في هذه الحالة، لا يستطيع المريض الاستفادة من التلميحات الفونيمية (كأن يعطيه الفاحص الحرف الأول من الكلمة)، كما تظهر لديه صعوبة متوازية في فهم الكلمة عند سماعها، وفي مهام التصنيف الدلالي للمفاهيم المجردة والمحسوسة، وهو ما يشير إلى أن المستودع المعرفي للمعلومة قد طاله التلف.
2. الحبسة النسيانية ذات المنشأ المعجمي الصوتي (Word-form / Phonological Anomia)
يمثل هذا النمط الشكل الكلاسيكي للحبسة النسيانية الصرفة؛ حيث يكون التمثيل الدلالي للمفهوم سليماً وناصعاً تماماً، لكن الخلل يكمن حصرياً في عدم القدرة على استدعاء القالب الفونولوجي (الشكل الصوتي) المقترن بتلك الكلمة من معجم المخرجات الصوتية. يستفيد هؤلاء المرضى استفادة جذرية وسريعة من التلميحات الصوتية الأولية، فبمجرد نطق الصوت الأول من الكلمة، تنفتح القنوات المعجمية ويستطيع المريض نطق الكلمة فوراً، مما يثبت أن الكلمة لم تُحذف من المعجم بل تعذر الوصول إليها بفعل ضعف عتبة التنشيط العصبي.
التقييم السريري والتشخيص الفارقي
يتطلب التشخيص الدقيق للحبسة النسيانية تطبيق بروتوكول تقييم عصبي نفسي ولغوي شامل متعدد الأبعاد، يهدف إلى تفكيك الأداء اللغوي وفصل قدرات التسمية عن سائر الوظائف الإدراكية الأخرى. يبدأ التقييم بفحص الكلام التلقائي عبر المقابلات السريرية المفتوحة وملاحظة تكرار الوقفات، والتطويف، والاعتماد على الكلمات العامة، يليه استخدام أدوات واختبارات مقننة ذات موثوقية قياسية عالية.
يُعد اختبار بوسطن لتسمية الأشياء (Boston Naming Test – BNT) الأداة المعيارية الذهبية عالمياً لتقييم عجز التسمية؛ حيث يُعرض على المريض 60 رسماً تخطيطياً متدرجاً في الصعوبة من الأشياء شديدة الشيوع (مثل شجرة أو سرير) إلى الأشياء نادرة الاستخدام (مثل مقياس الضغط أو الفرجار). يتيح هذا الاختبار للفاحص قياس قدرة المريض على التسمية البصرية التلقائية، وقياس مدى استجابته للمنبهات الدلالية (Semantic cues) والتلميحات الصوتية (Phonemic cues)، مما يكشف عن طبيعة العطل الإدراكي الدقيق الكامن وراء الإخفاق.
كما تُستخدم بطاريات تقييم الحبسة الشاملة، مثل بطارية ويسترن للحبسة (Western Aphasia Battery – WAB) وفحص بوسطن التشخيصي للحبسة (BDAE)، لحساب “حاصل الحبسة” وتحديد النمط الإكلينيكي بدقة. يتضمن الفحص أيضاً تقييم الطلاقة اللفظية بنوعيها: الطلاقة الدلالية (كطلب ذكر أكبر عدد من الحيوانات في دقيقة واحدة) والطلاقة الفونيمية (كطلب ذكر كلمات تبدأ بحرف معين)، حيث يُظهر مرضى الحبسة النسيانية تدهوراً حاداً في الطلاقة الفئوية يتجاوز بكثير التدهور في الطلاقة الصوتية في حالات التلف الصدغي.
يقتضي التشخيص الفارقي الحذر تمييز الحبسة النسيانية عن الحالات المرضية المشابهة، ويشمل ذلك:
- حبسة فيرنيكه: ورغم اشتراكهما في ميزة طلاقة الكلام، إلا أن مريض فيرنيكه يعاني من اختلال كارثي في الفهم السمعي، وتكثر لديه الرطانة غير المفهومة (Jargon) والاستبدالات الصوتية المشوهة، وتغيب عنه القدرة على التكرار، بينما يتمتع مريض الحبسة النسيانية بفهم سمعي ممتاز وتكرار سليم ووعي كامل بمرضه.
- حبسة التوصيل (Conduction Aphasia): وتتميز بعجز رئيسي وحاد في تكرار الكلمات والجمل، مع وجود استبدالات صوتية متكررة تتبعها محاولات تصحيح ذاتي، على العكس من سلامة التكرار التامة لدى مريض الحبسة النسيانية.
- الحبسة الحسية عبر القشرية (Transcortical Sensory Aphasia): تشترك مع الحبسة النسيانية في سلامة التكرار ووجود اللانامية، لكنها تفترق عنها باختلال شديد في الفهم السمعي وظهور ظاهرة الصدى اللفظي (Echolalia) التي تنعدم لدى مريض الحبسة النسيانية.
- صعوبات استرجاع الكلمات المرتبطة بالتقدم الطبيعي في السن: وتتميز بأنها عابرة، ونادراً ما تعيق الوظيفة التواصلية الكلية، وتستجيب للتنبيه الذهني ولا تترافق مع آفات دماغية بؤرية في الفحوص الشعاعية.
التداعيات النفسية والاجتماعية للحبسة النسيانية
على الرغم من أن الحبسة النسيانية تُصنف تقليدياً بين الأنماط الأخف وطأة من حيث الحفاظ على الأساس الهيكلي للغة والقدرة على التعبير عن الرغبات الأساسية، إلا أن آثارها النفسية والانفعالية على المريض تكون بالغة العمق والتعقيد. إن امتلاك المريض لوعي استبصاري كامل (Insight) بوجود الكلمة في ذهنه وعجزه الميكانيكي عن نطقها يولد حالة مستمرة ومكثفة من الإحباط الداخلي والتوتر النفسي الحاد أثناء محاولات التواصل العادية.
يقود هذا الإحباط المزمن في كثير من الأحيان إلى انسحاب اجتماعي تدريجي وتجنب الانخراط في المحادثات الجماعية؛ خوفاً من التعرض لمواقف محرجة أو الشعور بالنقص والارتباك أمام الآخرين عند التوقف الطويل للبحث عن الكلمات. وقد وثقت الدراسات النفسية العصبية ارتفاع معدلات الإصابة بالاكتئاب التفاعلي واضطرابات القلق العام بين الناجين من السكتات الدماغية الذين يعانون من الحبسة النسيانية المزمنة، مما يؤثر سلباً على جودة حياتهم واستقلاليتهم الذاتية.
تلقي هذه المتلازمة بظلالها الثقيلة أيضاً على الأداء المهني؛ حيث يجد المهنيون الذين تتطلب أعمالهم سرعة البديهة والقدرة الخطابية أو الأكاديمية العالية أنفسهم عاجزين عن مواصلة وظائفهم السابقة، حتى وإن كانت قدراتهم التفكيرية والتحليلية والمنطقية سليمة تماماً. يتطلب هذا الوضع تدخلاً علاجياً نفسياً تخصصياً موازياً للتأهيل اللغوي، يركز على إعادة بناء المفهوم الذاتي وتقديم الدعم الإرشادي للمريض وأفراد أسرته للتكيف مع الواقع التواصلي الجديد وتخفيف عبء القائمين على الرعاية (Caregiver burden).
المقاربات العلاجية وبرامج إعادة التأهيل
تتنوع المداخل العلاجية والتأهيلية للحبسة النسيانية بين استراتيجيات استعادة الوظيفة المفقودة (Restorative approaches) واستراتيجيات التعويض التكيفي (Compensatory approaches)، وتعتمد فاعليتها على مرونة الدماغ العصبية (Neuroplasticity) وقدرة الدوائر العصبية السليمة على إعادة تنظيم نفسها لتولي مهام التسمية المتضررة.
1. تقنية تحليل السمات الدلالية (Semantic Feature Analysis – SFA)
تُعد طريقة تحليل السمات الدلالية من أكثر الأساليب القائمة على الأدلة العلمية فاعلية في علاج عجز التسمية؛ حيث تقوم على تدريب المريض منهجياً على تنشيط الشبكة الدلالية المحيطة بالكلمة المستهدفة عندما يتعذر تذكرها. يُوضع رسم للشيء في منتصف مخطط بياني، ويُطلب من المريض الإجابة المنظمة عن أسئلة محددة تصف خصائص ذلك الشيء: الفئة الفوقية (ما هو؟)، الاستخدام والوظيفة (فيم يُستخدم؟)، الخصائص الفيزيائية (ما شكله ولونه وحجمه؟)، الموقع المألوف (أين نجده؟)، والارتباطات الحرة (بماذا يذكرك؟). يؤدي هذا التنشيط المعرفي المكثف للمحيط الدلالي إلى رفع طاقة التنشيط الإجمالية للكلمة، مما يُسهل انبثاقها ونطقها في نهاية المطاف، ويساعد المريض على تعميم هذا النمط الذهني التفكيكي واستخدامه تلقائياً أثناء الحديث الحر.
2. تقنية تحليل المكونات الصوتية (Phonological Component Analysis – PCA)
على غرار تقنية التحليل الدلالي، تركز هذه الاستراتيجية على استثارة المعجم المخرجي الصوتي من خلال تدريب المريض على استخراج وتحليل الخصائص الصوتية للكلمة المستعصية. يُطلب من المريض محاولة تحديد: الصوت الأول من الكلمة، كلمة أخرى تبدأ بنفس الصوت، كلمة تتناغم صوتياً معها (سجع أو قافية)، ومحاولة تقدير عدد مقاطعها الصوتية. تسهم هذه الطريقة إسهاماً كبيراً في استرجاع الكلمات لدى المرضى الذين تتركز مشكلتهم الأساسية في مرحلة الترميز الفونولوجي وليس في النظام الدلالي المفهومي.
3. التدريب على التعويض اللفظي واستخدام التكنولوجيا المساعدة
يهدف هذا التدخل إلى تدريب المريض بوعي على تحويل استراتيجية التطويف العفوي غير الفعال إلى أسلوب تواصل تعويضي وظيفي ومنظم. يتم إرشاد المريض إلى التخلي عن محاولة النطق القسري للكلمة المستعصية والتركيز بدلاً من ذلك على صياغة وصف مبسط للرسالة المراد إيصالها، بما يضمن استمرار الحوار وسلاسة التفاعل. وفي الحالات الأشد، يُلجأ إلى تقنيات التواصل البديل والمعزز (AAC)، كاستخدام التطبيقات الرقمية الذكية على الأجهزة اللوحية التي تتيح للمريض البحث بالصور أو تصنيفات المفاهيم لتنطق الأجهزة نيابة عنه الكلمات التي تستعصي على ذاكرته اللفظية الآنية.
4. التحفيز الدماغي غير الجراحي (Non-invasive Brain Stimulation)
برزت في السنوات الأخيرة تقنيات التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS) والتحفيز بالتيار المباشر عبر الجمجمة (tDCS) كعلاجات مساعدة واعدة تدمج بالتزامن مع جلسات التخاطب؛ إذ تعمل هذه التقنيات على تحفيز القشرة الدماغية في المناطق المحيطة بالإصابة في النصف الأيسر لتنشيطها، أو تثبيط فرط النشاط المعاوض غير الفعال في النصف الأيمن المقابل، مما يُحدث تسريعاً ملحوظاً في وتيرة التعافي اللغوي المعجمي لدى المصابين بعد السكتات الدماغية الحادة والمزمنة.
خاتمة
تظل الحبسة النسيانية متلازمة لغوية عصبية بالغة الدقة تكشف عن عمق التعقيد الكامن وراء أبسط العمليات المعرفية اليومية: وهي إطلاق الأسماء على الأشياء المحيطة بنا. يبرهن هذا الاضطراب سريرياً على أن الذاكرة اللفظية والتسمية ليستا مجرد انعكاس سلبي للإدراك الحسي، بل هما نتاج شبكات عصبية ديناميكية متطورة تربط المفاهيم الدلالية المجردة بالقوالب اللفظية الصوتية عبر مسارات دماغية محددة. إن الفهم المعمق للحبسة النسيانية من النواحي التشريحية والمعرفية والنفسية يمثل حجر الزاوية لبناء برامج تشخيصية دقيقة وتدخلات علاجية وتأهيلية موجهة، تهدف إلى إعادة دمج المرضى وظيفياً في بيئاتهم التواصلية والمهنية، والحد من عزلتهم الانفعالية والاجتماعية.
المراجع
- Benson, D. F., & Ardila, A. (1996). Aphasia: A clinical perspective. Oxford University Press.
- Coelho, C. A., McHugh, R. E., & Rochon, E. (2000). Connectionist approaches to the treatment of anomia: Semantic feature analysis. Aphasiology, 14(9), 929-948.
- Damasio, H., Grabowski, T. J., Tranel, D., Hichwa, R. D., & Damasio, A. R. (1996). A neural basis for lexical retrieval. Nature, 380(6574), 499-505.
- Dell, G. S. (1986). A spreading-activation theory of retrieval in sentence production. Psychological Review, 93(3), 283-321.
- Goodglass, H., Kaplan, E., & Barresi, B. (2001). Boston Diagnostic Aphasia Examination (3rd ed.). Lippincott Williams & Wilkins.
- Levelt, W. J. (1999). Models of word production. Trends in Cognitive Sciences, 3(6), 223-232.
- van Hees, S., McMahon, K., Angwin, A., de Zubicaray, G., & Copland, D. A. (2014). Neural activity associated with semantic versus phonological treatment of anomia in chronic aphasia. Brain and Language, 137, 1-13.