يمثل قرار إنهاء التدخلات الطبية الطارئة واحداً من أكثر المنعطفات السريرية والنفسية تعقيداً في حياة المرضى وأسرهم، حيث تتداخل الرغبة الغريزية في التشبث بالحياة مع الوعي بحتمية الموت وتجنب المعاناة غير المجدية. ويُعد أمر عدم الإنعاش (Do Not Resuscitate – DNR) وثيقة وتوجيهاً طبياً وقانونياً ونفسياً يعكس رغبة المريض الصريحة أو من ينوب عنه في الامتناع عن إجراءات الإنعاش القلبي الرئوي عند توقف عضلة القلب أو انقطاع التنفس. تهدف هذه الدراسة المعمقة إلى استكشاف هذا المفهوم الشائك من زوايا متعددة تشمل الفلسفة الأخلاقية، والتحليل النفسي، والمسارات القانونية والاجتماعية التي تحكم اتخاذه وتنفيذه.
أمر عدم الإنعاش (DNR)
1. التعريف الموجز والدقيق
أمر عدم الإنعاش (Do Not Resuscitate) هو توجيه طبي قانوني مكتوب وموقع من قِبل الطبيب المعالج، بناءً على رغبة مستنيرة من المريض المؤهل قانونياً أو وكيله المعتمد للرعاية الصحية، ينص بصورة قاطعة على الامتناع عن الشروع في أي محاولات لـ الإنعاش القلبي الرئوي (CPR) في حال توقف القلب أو توقف التنفس التلقائي.
يتجاوز أمر عدم الإنعاش كونه مجرد وثيقة بروتوكولية؛ فهو يمثل ميثاقاً سريرياً معقداً يفصل بين الإجراءات المنقذة للحياة الحادة التي قد تطيل الاحتضار دون فائدة علاجية، وبين استمرار تقديم أقصى درجات الرعاية التلطيفية والمسكنة التي تحفظ كرامة الإنسان وتخفف آلامه الجسدية والنفسية في المراحل الختامية من العمر.
من الناحية النفسية والسلوكية، يمثل هذا الأمر نقطة تحول حاسمة تتطلب نضجاً انفعالياً وقدرة على معالجة قلق الموت الوجودي، إذ ينقل المريض والأسرة من وضعية المقاومة العلاجية الشرسة إلى وضعية القبول والتسليم بنهاية مسار المرض والتركيز على جودة الأيام المتبقية.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي
يأتي مصطلح “أمر عدم الإنعاش” كمقابل عربي دقيق للمصطلح الإنجليزي “Do Not Resuscitate”، والذي يُرمز له اختصاراً بـ (DNR). وتعود كلمة “Resuscitate” في أصلها اللاتيني إلى الفعل “resuscitare”، وهو مركب من السابقة “re-” (بمعنى إعادة أو تكرار) والفعل “susitare” (بمعنى الإيقاظ أو التحريك أو البعث)، مما يعني لغوياً “إعادة إيقاظ الكائن من حالة تشبه الموت”.
في المعجم العربي، يشتق لفظ “الإنعاش” من الجذر الثلاثي (ن-ع-ش)، ويقال “نَعَشَهُ اللهُ” أي رفعه وأقاله من عثرته وتداركه بعد الهلكة. وأما تركيب “عدم الإنعاش” فهو تركيب إضافي يفيد سلب الفعل وامتناعه. دخل هذا التعبير القاموس الطبي والأخلاقي الحديث بالتزامن مع تبلور تقنيات التدخل الطبي المكثف في ستينيات القرن العشرين، حيث أدى استحداث الإنعاش الاصطناعي إلى خلق حاجة ملحة لصياغة مصطلح قانوني وطبي يحدد حدود هذا التدخل وسلطة إيقافه.
3. النطق والبنية النحوية والصرفية
يُنطق المصطلح في اللغة العربية بفتح الهمزة وسكون الميم في “أمْر”، وفتح العين والدال في “عَدَم”، وكسر الهمزة وتسكين النون في “إِنْعَاش” (أَمْرُ عَدَمِ الإِنْعَاشِ)، وإعرابه مركب إضافي؛ حيث تقع كلمة “أمر” مضافاً وهي اسم جامد، وكلمة “عدم” مضافاً إليه، وكلمة “الإنعاش” مضافاً إليه ثانياً وهو مصدر قياسي للفعل الرباعي “أنعش” (على وزن إفعال).
يُستخدم المصطلح في السياقات الأكاديمية والسريرية كاسم مذكر معرف بالإضافة، ويقترن أحياناً ببدائل لغوية معاصرة تهدف إلى تخفيف وطأته النفسية، مثل “أمر السماح بالوفاة الطبيعية” (Allow Natural Death – AND)، أو “أمر الامتناع عن محاولة الإنعاش” (DNACPR)، مع الحفاظ على ذات الدلالة الوظيفية والتركيب النحوي الدال على التوجيه الإلزامي للكوادر الطبية.
4. الشرح المفاهيمي التفصيلي
ينطوي مفهوم أمر عدم الإنعاش على أبعاد مفاهيمية وسلوكية بالغة الحساسية، إذ يُحدد الحدود الفاصلة بين استدامة الوظائف الحيوية قسرياً وبين السماح بحدوث الموت البيولوجي الطبيعي. يجب التمييز هنا بدقة بين مفهومين يقع الخلط بينهما عادة: أمر عدم الإنعاش لا يعني بأي حال من الأحوال الانسحاب من خطة العلاج، ولا يعني الإهمال أو وقف التغذية والترطيب وإدارة الألم، بل ينحصر تطبيقه الدقيق لحظة انعدام النبض وتوقف التهوية الرئوية الصريحة.
يتضمن الإنعاش القلبي الرئوي التقليدي تدابير عدوانية ميكانيكية وكيميائية، مثل الضغطات الصدرية العنيفة التي غالباً ما تكسر عظام القفص الصدري، والصدمات الكهربائية عالية الفولتية، والتنبيب الرغامي، وحقن جرعات مكثفة من المواد المحفزة لعضلة القلب. في الحالات المتقدمة من الأمراض التنكسية أو السرطانات المنتشرة، تصبح هذه الإجراءات مصدراً لمعاناة جسدية هائلة دون أفق واقعي للشفاء أو استعادة الوعي.
لذلك، يؤكد النموذج النفسي السريري أن أمر عدم الإنعاش هو تمرين متقدم على ممارسة “الاستقلالية الشخصية” (Personal Autonomy). إنه قرار يتيح للفرد رسم سيناريو رحيله الأخير وفقاً لقيمه ومعتقداته الخاصة، مما يمنحه إحساساً بالتحكم الداخلي (Internal Locus of Control) في مواجهة مرض عضال يسلب المريض تدريجياً قدرته على توجيه مجريات جسده وحياته.
كما يتطلب الفهم المفاهيمي الشامل إدراك طبيعة الحدود الزمنية والظرفية للأمر؛ إذ يمكن للمريض المؤهل عقلياً إلغاء هذا الأمر أو تعديله في أي لحظة. إن التوجيه ليس حكماً نهائياً لا رجعة فيه، بل هو تعبير ديناميكي عن الرغبة السريرية الحالية، يرتبط بالتقييم المستمر للموازنة بين الفائدة المرجوة والأعباء المترتبة على التدخل.
5. التطور التاريخي ومحطات التبلور
شهدت ستينيات القرن العشرين طفرة كبرى في الطب الحرج عقب تطوير تقنية الإنعاش القلبي الرئوي المغلق على يد الباحث بيتر سافار وزملاؤه، وتزامن ذلك مع اختراع مزيلات الرجفان الكهربائي الخارجية. أدى هذا الإنجاز إلى تحول الإنعاش إلى استجابة افتراضية وإلزامية تُطبق آلياً على كل مريض يتوقف قلبه داخل المستشفيات دون استثناء، حتى لو كان يعاني من احتضار نهائي محتوم.
مع حلول سبعينيات القرن العشرين، بدأت الأوساط الطبية والأخلاقية تدق ناقوس الخطر إزاء ممارسة الإنعاش العدواني على مرضى لا أمل في نجاتهم، لما يسببه ذلك من ألم وتشوهات جسدية عبثية. في عام 1976، نشر مستشفى ماساتشوستس العام ومستشفى بيث إسرائيل في بوسطن أولى السياسات المؤسسية الرسمية المكتوبة لتنظيم الامتناع عن الإنعاش، مما مهد لظهور مصطلح “DNR” في الأدبيات الطبية العالمية.
توالت القضايا القضائية الشهيرة التي حركت الوعي العام والتشريعي، مثل قضية الشابة الأمريكية “كارين آن كوينلان” (Karen Ann Quinlan) في منتصف السبعينيات، والتي أثارت جدلاً عالمياً حول الحق في إيقاف أجهزة الإنعاش الاصطناعي، ثم قضية “نانسي كروزان” (Nancy Cruzan) في أواخر الثمانينيات، والتي قادت الكونغرس الأمريكي إلى سن “قانون التحديد الذاتي للمريض” (Patient Self-Determination Act) في عام 1990، والذي ألزم المستشفيات بتوعية المرضى بحقهم في كتابة التوجيهات المسبقة، بما فيها أوامر عدم الإنعاش.
6. الأسس النظرية والأطر المفاهيمية
يستند أمر عدم الإنعاش إلى منظومة متينة من النظريات الأخلاقية والتحليلية النفسية، وتتصدرها نظرية الأخلاقيات الحيوية الرباعية التي صاغها الفيلسوفان توم بوشامب وجيمس تشيلدرس (Beauchamp & Childress)، والتي ترتكز على أربعة مبادئ أساسية:
- مبدأ الاستقلالية (Autonomy): إقرار حق الفرد المطلق في تقرير مصير جسده ورفض التدخلات غير المرغوبة.
- مبدأ عدم الإيذاء (Non-maleficence): الامتناع عن إخضاع المريض لتدخلات تسبب ألماً مبرحاً دون جدوى علاجية، وهو ما يُعرف في الأدبيات بـ “العقم الطبي” (Medical Futility).
- مبدأ الإحسان (Beneficence): التركيز على تحقيق مصلحة المريض من خلال توفير الراحة وتخفيف المعاناة بدلاً من الإطالة المصطنعة لعملية الموت.
- مبدأ العدالة (Justice): التوزيع العادل للموارد الطبية الحرجة وعدم إهدارها في سياقات لا طائل منها.
من الناحية النفسية، يفسر هذا المفهوم من خلال نظرية إدارة الرعب (Terror Management Theory)، التي تفترض أن الوعي بحتمية الفناء يولد قلقاً وجودياً عميقاً. يساعد التخطيط الاستباقي للوفاة وصياغة أمر عدم الإنعاش الإنسان على استعادة السيطرة الرمزية وتخفيض مستويات الهلع الوجودي من خلال إضفاء المعنى والنظام على اللحظات الأخيرة من الحياة.
كما يتكامل المفهوم مع نموذج المراحل النفسية للتعامل مع الفقد والموت الذي أسسته الطبيبة النفسية إليزابيث كوبلر-روس (Elisabeth Kübler-Ross)؛ حيث يعبر توقيع أمر عدم الإنعاش عادة عن وصول المريض وأسرته إلى مرحلة “القبول” (Acceptance)، بعد تجاوز مراحل الإنكار، والغضب، والمساومة، والاكتئاب.
7. المكونات والأنواع والأبعاد الرئيسية
تتعدد صور وتجليات أوامر عدم الإنعاش تبعاً للسياق القانوني والسريري، ويمكن تصنيفها إلى الأبعاد والمكونات التالية:
- أمر عدم الإنعاش القياسي (Standard DNR): وثيقة ملزمة تُطبق داخل المؤسسات الاستشفائية، تمنع الضغط الصدري واستخدام الصدمات والتنبيب، مع استمرار كامل العلاجات الدوائية الأخرى.
- السماح بالوفاة الطبيعية (Allow Natural Death – AND): صياغة نفسية إيجابية بديلة، تهدف إلى تركيز الانتباه على المسار البيولوجي الطبيعي للموت الهادئ دون عنف التدخل الميكانيكي.
- أمر عدم الإنعاش خارج المستشفى (Out-of-Hospital DNR): وثيقة رسمية يحملها المرضى في منازلهم (غالباً كأساور طبية)، وتُلزم فرق الإسعاف والطوارئ بعدم البدء بالإنعاش عند استدعائهم.
- أوامر الأطباء للعلاج المستدام (POLST / MOLST): نماذج طبية مفصلة تتجاوز مجرد الامتناع عن الإنعاش، لتحدد مستويات التدخل المرغوبة (علاج كامل، علاج محدود، أو رعاية تلطيفية مريحة فقط).
- البعد النفسي والانفعالي: يشمل عبء اتخاذ القرار، والشعور بالذنب لدى الأسرة، وآليات التكيف مع الفقدان المرتقب، وتقبل الحدود البيولوجية للعلم.
8. أمثلة وحالات توضيحية واقعية
لتجسيد المفهوم في الواقع السريري، نسوق الحالات التوضيحية التالية:
الحالة الأولى (المريض الواعي المستقل): رجل يبلغ من العمر 72 عاماً، مصاب بسرطان البنكرياس المتقدم مع نقائل كبدية ورئوية. بعد مناقشة مستفيضة مع فريق الرعاية التلطيفية وعائلته، استوعب أن احتمالية بقائه على قيد الحياة بعد الإنعاش لا تتجاوز 1%، وأن الإنعاش سيؤدي إلى كسور مؤلمة في أضلاعه وقد يضعه على جهاز التنفس الصناعي لأيام معدودة في غيبوبة تامة. وقع المريض بنفسه أمر عدم الإنعاش، موضحاً أنه يفضل قضاء لحظاته الأخيرة محاطاً بأبنائه دون أجهزة أو صدمات كهربائية، مما خفف توتر العائلة ومنحهم فرصة للوداع بسلام.
الحالة الثانية (الوكيل البديل والعبء النفسي): سيدة تبلغ من العمر 86 عاماً تعاني من مرض ألزهايمر المتقدم غير قادرة على التواصل أو اتخاذ القرار، وتعرضت لقصور كلوي حاد والتهاب رئوي شفطي. وجدت ابنتها (الوكيلة القانونية) نفسها أمام خيار توقيع أمر عدم الإنعاش. عانت الابنة من “ذنب الناجي” وصراع انفعالي حاد، معتبرة أن توقيعها يعني التخلي عن والدتها. تطلب الأمر جلسات دعم نفسي متخصصة لمساعدتها على فهم أن عدم الإنعاش هو تصرف رحيم يحمي والدتها من ألم ميكانيكي لا يحقق أي تحسن سريري، مستندة إلى رغبات الأم السابقة قبل تدهور قدراتها المعرفية.
9. أدوات القياس والتقييم السريري والنفسي
لا يتم توقيع أمر عدم الإنعاش بصورة عشوائية، بل يخضع لأدوات تقييم صارمة تضمن أهلية المريض وسلامة دوافعه النفسية:
- تقييم الأهلية العقلية والقدرة على اتخاذ القرار (Decision-Making Capacity): يخضع المريض لفحوصات سريرية دقيقة، مثل أداة تقييم ماك آرثر للعلاج الطبي (MacCAT-T)، للتحقق من قدرته على فهم طبيعة حالته، وإدراك عواقب خياره، والتفكير المنطقي حول البدائل.
- فحص الحالة العقلية المصغر (MMSE) ومقياس مونتريال (MoCA): تُستخدم هذه المقاييس المعرفية لاستبعاد تأثير الهذيان الحاد (Delirium) أو التدهور المعرفي الشديد الذي يبطل قانونية التوقيع الفردي.
- تقييم الاكتئاب السريري: من الضروري تقييم المريض بمقاييس مثل “مقياس بيك للاكتئاب” (BDI)؛ للتأكد من أن الرغبة في الامتناع عن الإنعاش ليست ناتجة عن اكتئاب تفاعلي حاد أو رغبة كامنة في الانتحار، بل هي قرار عقلاني متسق مع المسار المرضي.
10. التطبيقات والأهمية العملية
تتجلى الأهمية العملية لأمر عدم الإنعاش في ميادين متعددة:
في المجال السريري الطبي، يمنع الأمر وقوع الكوادر الطبية في معضلة تطبيق تدابير عبثية مؤلمة تستهلك جهود العناية المركزة دون طائل، ويوجه بوصلة العلاج نحو تخفيف الأعراض مثل ضيق التنفس والألم الحاد وتوفير البيئة الهادئة للاحتضار.
في المجال النفسي للأسرة، يقلل وجود أمر استباقي موثق من مستويات اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) والاكتئاب والنزاعات الأسرية الشديدة التي تنفجر حول سرير المريض في اللحظات الحرجة، حيث يزيل عبء اتخاذ قرار الموت والحياة عن كاهل الأبناء في لحظات الذعر.
في المجال المؤسسي والتنظيمي، يساهم الأمر في حماية الكوادر التمريضية والطبية من ظاهرة الأذى الأخلاقي (Moral Injury) والإنهاك المهني (Burnout)، الناتجين عن إجبارهم على ممارسة تدخلات عنيفة وغير مجدية بحق مرضى يدركون تماماً أنهم في مرحلة الوفاة الحتمية.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية
أظهرت دراسة سابورت التاريخية (SUPPORT Study) التي شملت آلاف المرضى في المستشفيات الأمريكية أن غياب التواصل المبكر حول رغبات عدم الإنعاش يرتبط بزيادة هائلة في المعاناة غير الضرورية وارتفاع كلفة الأيام الأخيرة في غرف العناية المركزة دون أي تحسن في معدلات البقاء.
وفي مراجعة منهجية موسعة أجراها الباحثون في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية (JAMA)، تبين أن المرضى الذين وثقوا أمر عدم الإنعاش في مرحلة مبكرة أبلغوا عن جودة حياة نفسية أفضل بكثير في أسابيعهم الأخيرة، وسجلت أسرهم معدلات أقل من القلق المرضي والحزن المعقد مقارنة بالمرضى الذين خضعوا لمحاولات إنعاش مكثفة قبل وفاتهم.
كذلك أثبتت الدراسات التجريبية السلوكية أن استخدام مصطلح “السماح بالوفاة الطبيعية” (AND) بدلاً من مصطلح “عدم الإنعاش” (DNR) يرفع من معدلات قبول الأسر لهذا الإجراء بنسبة تتجاوز 30%، حيث يقلل من الارتباط النفسي السلبي الذي يوحي بأن الأسرة تتخلى عن مريضها أو “تأمر بموته”.
12. الاعتبارات الثقافية والدينية والاجتماعية
تتباين المواقف تجاه أمر عدم الإنعاش تبايناً جذرياً تبعاً للخلفيات الثقافية والدينية. في الثقافات الغربية التي تسودها الفردانية، يُنظر إلى الأمر باعتباره التتويج الأسمى لحق تقرير المصير وحرية الجسد.
في المقابل، تسود في المجتمعات الشرقية والعربية ثقافة “القرار الجمعي الأسري”، حيث يُنظر إلى اتخاذ قرار فردي بالامتناع عن العلاج على أنه نوع من التخلي الأسري، ويميل الأبناء إلى المطالبة بأقصى التدخلات الطبية حتى الرمق الأخير كواجب لبر الوالدين أو خشية اللوم الاجتماعي والوصمة النفسية.
من المنظور الإسلامي، حسمت المجامع الفقهية الكبرى (مثل مجمع الفقه الإسلامي الدولي وهيئة كبار العلماء) هذا الجدل بإجازة إصدار أمر عدم الإنعاش في الحالات التي يقرر فيها فريق من ثلاثة أطباء عدول ثقات أن المريض في حالة احتضار ميؤوس منها، أو أن إنعاش القلب والرئتين لا يرجى منه نفع حقيقي بل يترتب عليه ضرر محقق وإطالة لمعاناة لا طائل من ورائها، وذلك انطلاقاً من القواعد الفقهية: “لا ضرر ولا ضرار” و”درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”.
13. الانتقادات والمناظرات وحدود المفهوم
على الرغم من القبول الواسع للمفهوم، إلا أنه يواجه انتقادات وجدليات سريرية وأخلاقية حادة، من أبرزها:
- ظاهرة “الرموز البطيئة” (Slow Codes): ممارسة غير أخلاقية يلجأ إليها بعض الأطباء عندما يضغط أهل المريض لإجراء الإنعاش في حالات ميؤوس منها تماماً؛ حيث يتظاهر الفريق بالإنعاش دون بذل الجهد الحقيقي، مما يمثل خرقاً صريحاً للأمانة الطبية.
- التعميم الخاطئ (Spillover Effect): يميل بعض أفراد الطواقم التمريضية أو المبتدئين خطأً إلى التقاعس عن تقديم الرعاية الروتينية، أو التأخر في إعطاء المضادات الحيوية، أو إهمال التمريض العام بمجرد رؤية شارة (DNR) في ملف المريض، وهو انحراف خطير عن المفهوم الأصلي.
- التحيزات الطبقية والعرقية: كشفت دراسات علم الاجتماع الطبي عن وجود تحيزات غير واعية لدى بعض الأنظمة الصحية، حيث تُعرض خيارات عدم الإنعاش وتُفرض بشكل أكثر كثافة على المرضى الأقل دخلاً أو الأقليات أو كبار السن، مما يثير هواجس العدالة الصحية ومفاهيم التمييز العمري (Ageism).
14. المفاهيم المرتبطة والتمايزات الدلالية
تتداخل العديد من المفاهيم مع أمر عدم الإنعاش، ويتطلب التدقيق السريري التمييز بينها بوضوح:
- وصية الحياة (Living Will): وثيقة قانونية أوسع نطاقاً، يحدد فيها الفرد رغباته الطبية العامة في حال فقدانه الوعي مستقبلاً، بينما يمثل أمر عدم الإنعاش أمراً طبياً فورياً محدداً بامتناع محدد عن الإنعاش الرئوي القلبي.
- الوكيل الطبي المعتمد (Healthcare Proxy): الشخص الذي يعينه المريض قانونياً لاتخاذ القرارات نيابة عنه عند عجزه، وهو من يملك صلاحية مناقشة وتوقيع أمر عدم الإنعاش في حال فقدان المريض لأهليته.
- الرعاية التلطيفية (Palliative Care): نهج طبي متكامل يهدف إلى تحسين جودة حياة المرضى الذين يواجهون أمراضاً مهددة للحياة عبر علاج الألم والدعم النفسي والروحي؛ ولا يشترط توقيع أمر عدم الإنعاش للانخراط فيها، وإن كانا يتكاملان في المراحل المتقدمة.
- القتل الرحيم (Euthanasia) والموت بمساعدة الطبيب: إجراء ينطوي على إعطاء مواد قاتلة لإنهاء الحياة عمداً وبشكل نشط، وهو يختلف جذرياً عن أمر عدم الإنعاش؛ فالأخير يمثل امتناعاً سلبياً عن تدخل غير مجدٍ للسماح للمرض بأخذ مساره البيولوجي الطبيعي للموت دون تدخل إجرامي أو قسري.
15. الخلاصة والاستنتاجات الجوهرية
يمثل أمر عدم الإنعاش (DNR) أحد أهم المنجزات الأخلاقية والتنظيمية في الطب المعاصر، حيث يوازن بين معطيات العلم الصارمة وحرمة الكرامة الإنسانية. إنه ليس إعلاناً بالهزيمة الطبية ولا دعوة لإنهاء الحياة، بل هو قرار شجاع يتخذه الإنسان الواعي أو أسرته لتجنب تشويه الجسد وتمديد الاحتضار دون طائل بيولوجي أو نفسي.
تتطلب إدارة هذا القرار مهارات فائقة في التواصل السريري، ونضجاً انفعالياً لدى الأسرة، وحساسية تامة للمعتقدات الدينية والثقافية للمريض. إن التطبيق الصحيح لأمر عدم الإنعاش، المقترن بالرعاية التلطيفية الشاملة، يحول مرحلة الاحتضار من تجربة رعب تقني ميكانيكي إلى فرصة لإغلاق دورة الحياة بسلام وكرامة واكتمال نفسي.
المراجع
- Beauchamp, T. L., & Childress, J. F. (2019). Principles of biomedical ethics (8th ed.). Oxford University Press.
- Kübler-Ross, E. (1969). On death and dying. Macmillan.
- Papadimos, T. J., & Maldonado, Y. (2013). Do Not Resuscitate Orders. In StatPearls. StatPearls Publishing. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK507804/
- The SUPPORT Principal Investigators. (1995). A controlled trial to improve care for seriously ill hospitalized patients: The study to understand prognoses and preferences for outcomes and risks of treatments (SUPPORT). JAMA, 274(20), 1591–1598. https://doi.org/10.1001/jama.1995.03530200027032
- World Health Organization. (2020). Palliative care. World Health Organization. https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/palliative-care