تُعد متلازمة عدم الحساسية للأندروجين (Androgen Insensitivity Syndrome – AIS) واحدة من أكثر الحالات السريرية والبيولوجية تعقيداً في حقل الغدد الصماء والطب النفسي والنمائي؛ إذ تجسد التباين الصريح بين النمط النووي الوراثي والمظهر الجسدي الخارجي. تطرح هذه الحالة تساؤلات جوهرية تتجاوز الفسيولوجيا الجزيئية لتلامس عمق الهوية الجندرية، والتكيف النفسي، وتمايز الأعضاء التناسلية البشرية. يُقدم هذا الدليل الأكاديمي الشامل تحليلاً مفصلاً لمحددات المتلازمة الإمراضية، وتصنيفاتها الإكلينيكية، وانعكاساتها السيكولوجية العميقة على مسار حياة الفرد وصحته النفسية والاجتماعية.
المفهوم والتعريف العلمي لمتلازمة عدم الحساسية للأندروجين
تُعرف متلازمة عدم الحساسية للأندروجين وراثياً بأنها اضطراب وراثي متنحٍ مرتبط بالكروموسوم X، يندرج تصنيفياً تحت مظلة اختلافات تطور الجنس (Differences of Sex Development – DSD). تتميز هذه الحالة بوجود تركيبة صبغية ذكورية قياسية (46,XY)، مع عجز خلقي جزئي أو كلي في الخلايا المستهدفة عن الاستجابة للمستويات الفسيولوجية الطبيعية أو المرتفعة من هرمونات الأندروجين، ولا سيما التستوستيرون وثنائي هيدروتستوستيرون (DHT).
ينشأ هذا القصور الوظيفي نتيجة طفرات متباينة في الجين المشفر لمستقبل الأندروجين (AR gene) المتوضع على الذراع الطويلة لـ الصبغي X في الموقع (Xq11-q12). تؤدي هذه الطفرات الجينية إلى تشوه بنيوي في نطاق ربط اللَجين (Ligand-binding domain) أو نطاق ربط الحمض النووي (DNA-binding domain) للمستقبل، مما يعطل مسار نقل الإشارة الهرمونية داخل النواة، ويمنع التعبير الجيني اللازم لذكورة الأنسجة الجنينية والبالغة.
تاريخياً، ارتبطت المتلازمة باسم الطبيب الأمريكي جون موريس الذي صاغ في خمسينيات القرن العشرين مصطلح «متلازمة تأنيث الخصية» (Testicular Feminization Syndrome)، وهو مصطلح تم التخلي عنه في الأوساط الأكاديمية والطبية المعاصرة لِما يحمله من وصمة لغوية وقصور فسيولوجي في التعبير عن الطبيعة الحقيقية للحالة، واستُبدل بمصطلح متلازمة عدم الحساسية للأندروجين الأكثر دقة وموضوعية من الناحيتين العلمية والإنسانية.
الآليات البيولوجية والفسيولوجية للإمراضية
لفهم الإمراضية الدقيقة للمتلازمة، يجب تتبع مسار التمايز الجنسي الطبيعي للجنين البشري. في الأجنة ذات التنميط الصبغي 46,XY، يُحفز الجين SRY المتوضع على الكروموسوم Y تمايز الغدد التناسلية الأولية إلى خصيتين وظيفيتين خلال الأسابيع الأولى من الحمل. تبدأ خلايا لايديغ الخصوية فوراً بإفراز هرمون التستوستيرون، بينما تفرز خلايا سيرتولي الهرمون المضاد لمولر (Anti-Müllerian Hormone – AMH).
يقوم الهرمون المضاد لمولر بدوره الوظيفي المعتاد في تثبيط وتراجع القنوات المولرية (Müllerian ducts)، المسؤولة طبيعياً عن تكوين الرحم وقناتي فالوب والثلثين العلويين من المهبل. وعليه، فإن الأفراد المصابين بمتلازمة عدم الحساسية للأندروجين لا تتطور لديهم أعضاء تناسلية أنثوية داخلية. وفي المقابل، يتطلب الحفاظ على القنوات الولفية (Wolffian ducts) وتمايزها إلى بربخ وأوعية ناقلة وحويصلات منوية استجابة خلوية فعالة للأندروجين عبر مستقبل الأندروجين.
في ظل غياب الحساسية لمستقبلات الأندروجين، تفشل القنوات الولفية في التطور والنمو وتتعرض للضمور التدريجي. كما تعجز الأعضاء التناسلية الخارجية البدائية عن التذكير؛ حيث يتطلب تكوين القضيب وكيس الصفن تحول التستوستيرون إلى ثنائي هيدروتستوستيرون والارتباط بمستقبلات وظيفية سليمة. ونتيجة لهذا الفشل البيولوجي، تسلك الأنسجة التناسلية الخارجية المسار التمايزي الافتراضي نحو النمط الظاهري الأنثوي، مما يقود إلى تشكل أعضاء تناسلية خارجية أنثوية المظهر تماماً أو متباينة جزئياً، مع وجود مهبل أعمى قصير لا يتصل بأي بنية رحمية داخلية.
على المستوى الأيضي، تفرز الخصيتان المقيمتان في تجويف البطن أو القنوات الإربية كميات طبيعية أو مرتفعة من التستوستيرون مقارنة بالذكور البالغين، لكن يتم تحويل الفائض من هذا الأندروجين المحيطي عبر إنزيم الأروماتاز (Aromatase) إلى هرمون الإستراديول (الإستروجين). ونظراً لافتقار الأنسجة المستهدفة للقدرة على التقاط الإشارات الأندروجينية المعارضة، يتولى الإستروجين توجيه عملية البلوغ، مما يسفر عن نمو أثداء طبيعي ومتناسق، واستدارة أنثوية نموذجية في توزيع الدهون الجسدية، مع انعدام أو ندرة شديدة في شعر العانة وتحت الإبطين نتيجة اعتماده الحصري على الأندروجين.
التصنيف الظاهري والطيف السريري
تتباين المظاهر السريرية لمتلازمة عدم الحساسية للأندروجين تبعاً لدرجة القصور الوظيفي في المستقبل الهرموني، وتُصنف إلى ثلاثة أشكال رئيسية تمثل طيفاً متصلاً من التمظهر الإكلينيكي:
1. متلازمة عدم الحساسية التامة للأندروجين (CAIS)
تمثل النمط الأكثر نموذجية وتناغماً من الناحية الظاهرية، حيث يفقد المستقبل حساسيته بالكامل. يُولد الأطفال بمظهر أنثوي نموذجي لا يدعو للشك إطلاقاً، وتُسجل الغالبية الساحقة منهم وتُربى كإناث دون أي مظاهر التباس في الأعضاء التناسلية الخارجية. ينمو الثديان بصورة مكتملة وطبيعية جداً في سن البلوغ بتأثير الإستروجين المحول، وتتمتع المريضات بقوام أنثوي متناسق وبشرة ناعمة نظراً لغياب التأثيرات الإفرازية الدهنية للأندروجين.
تظهر الملامح التشخيصية غالباً في مرحلة المراهقة بسبب انقطاع الطمث الأولي (Primary Amenorrhea)؛ حيث تراجع الفتاة العيادة الطبية لغياب الحيض رغم اكتمال نمو الصفات الجنسية الثانوية الأخرى. يتميز الفحص السريري بوجود مهبل قصير ينتهي بنهاية مسدودة، وغياب كامل لشعر العانة والإبطين أو وجوده بشكل خفيف وزغبي للغاية، مع عدم وجود رحم أو مبايض داخلية، ووجود خصيتين وظيفيتين غير هابطتين تقعان في البطن أو القناة الإربية أو الشفرين الكبيرين.
2. متلازمة عدم الحساسية الجزئية للأندروجين (PAIS)
يحتفظ المستقبل في هذا النمط بدرجة وظيفية محدودة ومتفاوتة من الحساسية للأندروجين، مما ينجم عنه طيف شديد التنوع والتعقيد من المظاهر السريرية للأعضاء التناسلية الخارجية عند الولادة. يتراوح هذا التمظهر السريري بين أعضاء تناسلية أنثوية شبه مكتملة مع ضخامة طفيفة في البظر، مروراً بحالات الالتباس الجنسي الواضح (Ambiguous Genitalia)، وصولاً إلى مظهر ذكوري شبه مكتمل يعاني من إحليل تحتي شديد (Hypospadias) وميكروفالوس (صغر حجم القضيب) مع صغر كيس الصفن أو عدم نزول الخصيتين.
في مرحلة البلوغ، تتجلى الحالة بمزيج معقد من علامات التذكير والتأنيث غير المكتملة؛ فقد يختبر الفرد تثدياً ملحوظاً (Gynecomastia) متزامناً مع نمو جزئي لشعر الوجه أو خشونة طفيفة في الصوت، مما يضع الفريق الطبي والأسرة أمام تحديات تشخيصية ونفسية معقدة ترتبط بتحديد التوجه العلاجي وإدارة التوافق الجسدي.
3. متلازمة عدم الحساسية الطفيفة للأندروجين (MAIS)
يمثل هذا النمط الحد الأدنى من الخلل الوظيفي للمستقبل، حيث يمتلك الأفراد مظهراً ذكورياً نموذجياً دون التباس تناسلي خارجي عند الولادة. يتم اكتشاف الحالة غالباً في مرحلة الشباب أو سن الرشد أثناء الفحوصات الطبية المتقدمة لتقصي أسباب العقم الذكوري؛ إذ يعاني المصابون من قلة النطاف (Oligospermia) أو فقد النطاف الكامل (Azoospermia).
قد تترافق هذه الحالة أيضاً مع ظهور تثدٍ خفيف في فترة البلوغ، أو تناقص طفيف في كثافة شعر اللحية والجسم، أو ارتفاع نسبي في مستويات الهرمون الملوتن (LH) والتستوستيرون في مصل الدم، مما يعكس مقاومة محيطية ونخامية جزئية لآليات التغذية الراجعة السلبية لهرمونات الذكورة.
الأبعاد النفسية وتكوين الهوية الجندرية
تُعد متلازمة عدم الحساسية للأندروجين نموذجاً حيوياً بالغ الأهمية في العلوم النفسية والبيولوجية العصبية؛ حيث تقدم أدلة علمية رصينة حول التفاعل الديناميكي بين العوامل البيولوجية (الجينات والهرمونات) والعوامل البيئية الاجتماعية في بناء وتطور الهوية الجندرية والسلوك النفسي الجنسي.
في حالات عدم الحساسية التامة (CAIS)، تشير الأبحاث السريرية والدراسات النفسية الطولية إلى أن الغالبية العظمى من الأفراد (تقترب من 100%) يُظهرون هوية جندرية أنثوية مستقرة وثابتة تماماً، بل ويتطابق سلوكهم النفسي والاهتمامات النمائية في مراحل الطفولة والمراهقة مع الأنماط الأنثوية المعيارية. يؤكد هذا المعطى العلمي الفرضية القائلة بأن غياب تأثير الأندروجينات على الدماغ أثناء المراحل الجنينية الحرجة، بالإضافة إلى التنشئة الاجتماعية المتسقة كإناث، يدعم بشكل قاطع رسوخ الهوية الجندرية الأنثوية بمعزل تام عن وجود الكروموسوم Y أو الأنسجة الخصوية.
وعلى النقيض من ذلك، يفرض النمط الجزئي (PAIS) تحديات نفسية وجندرية بالغة الدقة والتعقيد؛ فالتباين في درجة حساسية الدماغ النامي للأندروجينات والتعرض المتفاوت للهرمونات داخل الرحم، إلى جانب المظهر الخارجي الملتبس للأعضاء التناسلية عند الولادة، قد يؤدي إلى معدلات أعلى من عدم الرضا الجندري (Gender Dysphoria) أو إعادة استكشاف الهوية في مراحل لاحقة من العمر مقارنة بالنمط التام. يبرز هذا التباين الحاجة إلى مقاربة نفسية حذرة تتجنب التعميم القسري، وتمنح الأولوية لمراقبة التطور النفسي التلقائي للطفل قبل اتخاذ أي قرارات قطعية تغير مجرى حياته.
علاوة على ذلك، ترصد الدراسات النفسية تأثر بعض الأبعاد المعرفية والسلوكية بمقاومة مستقبلات الأندروجين الدماغية. فبينما يتمتع الأفراد المصابون بذكاء عام متوازن وقدرات لغوية واجتماعية ممتازة، تُظهر الاختبارات النفسية العصبية أنماطاً تفضيلية في معالجة المهام المكانية واليدوية تماثل الأنماط المميزة للإناث النمطيات وراثياً، مما يعزز فرضية دور الأندروجينات المركزية في مَوضَعة التمايز المعرفي بين الجنسين.
التحديات النفسية والاجتماعية عبر مراحل الحياة
تواجه المصابات بمتلازمة عدم الحساسية للأندروجين حزمة معقدة من التحديات والضغوطات النفسية التي تستلزم دعماً متخصصاً متعدد الأبعاد لتفادي حدوث اضطرابات التكيف والاكتئاب والقلق المرضي:
- صدمة الكشف التشخيصي (Diagnostic Trauma): غالباً ما يتم إبلاغ الفتاة بتشخيصها في منتصف مرحلة المراهقة بعد تقصي أسباب غياب الطمث؛ وتتلقى الصدمة النفسية بوجود نمط نووي ذكوري (46,XY) وخصيتين داخليتين بدلاً من المبايض، مما قد يهز بشدة يقينها بهويتها الأنثوية ويثير مخاوف عميقة تتعلق بالتشوه أو فقدان الأنوثة.
- العقم وفقدان القدرة الإنجابية: يشكل الغياب المطلق للرحم والمبايض عبئاً نفسياً جسيماً؛ حيث يتصادم حلم الأمومة البيولوجية مع الواقع الطبي، مما يولد مشاعر الفقد والحزن الدفين (Grief)، ويتطلب مساعدة الفرد على إعادة تعريف مفهوم الأمومة والأنوثة المستقلة عن الإنجاب.
- إدارة الأبعاد الجنسية وصورة الجسد: نظراً لقصر القناة المهبلية في بعض الحالات، قد تواجه الشابات تحديات جسدية ونفسية أثناء محاولة إقامة علاقات حميمية. كما أن غياب شعر الجسد تماماً أو وجود ندوب جراحية ناتجة عن استئصال الغدد قد يُحدث تشوهاً في إدراك صورة الجسد ويثير القلق من الرفض الاجتماعي أو الشريك العاطفي.
- صعوبات الإفصاح والوصمة الاجتماعية: تعيش العديد من المريضات في عزلة وصمت نابعين من الخوف من الأحكام الاجتماعية والجهل المحيط بطبيعة اختلافات التطور الجنسي، وتواجهن معضلات معقدة تتعلق بمتى وكيف يتم الإفصاح عن الحالة للشريك العاطفي أو الأسرة الممتدة.
المسار التشخيصي والتقييم الطبي متكامل التخصصات
يتطلب الوصول إلى تشخيص دقيق لمتلازمة عدم الحساسية للأندروجين مساراً استقصائياً تكاملياً يتضافر فيه اختصاصيو الغدد الصماء والوراثة الجزيئية والطب النفسي لتفادي التشخيص الخاطئ وتخفيف العبء النفسي على المريض وأسرته:
يبدأ التقييم بالفحص السريري الدقيق للمظاهر الجسدية وتقييم الأعضاء التناسلية الخارجية وفق مقاييس معيارية مثل مقياس برادر (Prader scale) في حالات الالتباس التناسلي. يُتبع ذلك بإجراء التصوير بالموجات فوق الصوتية (Ultrasound) وتصوير الرنين المغناطيسي (MRI) للحوض والبطن لتقييم وجود البنى المولرية من عدمه، وتحديد موضع الغدد التناسلية الداخلية بدقة سواء كانت داخل الحوض أو القناة الإربية.
يُعد التحليل الوراثي الخلوي (Karyotyping) خطوة مفصلية لتأكيد النمط النووي 46,XY. ويليه مباشرة إجراء التحاليل الهرمونية الشاملة، والتي تكشف عادةً عن مستويات مصلية طبيعية أو مرتفعة من التستوستيرون، وهرمون LH طبيعي أو مرتفع (نتيجة غياب التغذية الراجعة السلبية في الغدة النخامية)، ومستويات مرتفعة من الإستراديول مقارنة بالذكور، مع بقاء مستوى الهرمون المنبه للجريب (FSH) ضمن الحدود الطبيعية غالباً.
يتحقق التأكيد التشخيصي القاطع عبر الفحص الجيني الجزيئي لتحليل تسلسل الحمض النووي لجين AR لرصد الطفرات النقطية أو الحذف الجيني. وتجدر الإشارة إلى أنه في نسبة صغيرة من حالات CAIS السريرية المؤكدة، قد لا تُكتشف طفرة في الجين المرمز للمستقبل، مما يوجه البحث نحو عوامل النسخ الجيني المساعدة وعيوب ما بعد الارتباط بالمستقبل، وهو ما يتطلب بروتوكولات استشارية وراثية دقيقة للأسرة لفحص الناقلات المحتملات للطفرة على الصبغي X.
الاعتبارات الأخلاقية والطبية: استئصال الغدد التناسلية والجراحة
شهدت الإدارة الطبية لمتلازمة عدم الحساسية للأندروجين تحولاً جذرياً ونوعياً خلال العقدين الأخيرين، مدفوعة ببحوث أخلاقيات الطب وحقوق المريض في تقرير مصيره الجسدي:
تتمحور القضية الأكثر جدلاً حول توقيت استئصال الخصيتين (Gonadectomy). تاريخياً، كان التوجه السائد يقضي باستئصالهما مبكراً في مرحلة الطفولة بمجرد التشخيص خشية التحول الخبيث إلى أورام تناسلية سرطانية مثل ورم الخلايا الجرثومية (Gonadoblastoma/Dysgerminoma). غير أن البيانات الوبائية والسريرية الحديثة أثبتت أن خطر التحول السرطاني في متلازمة عدم الحساسية التامة (CAIS) قبل سن البلوغ ضئيل للغاية (أقل من 1-2%)، ولا يرتفع إلا تدريجياً في سن الرشد ليصل إلى حوالي 2-5%.
لذلك، تُوصي البروتوكولات الطبية العالمية المعاصرة بإرجاء استئصال الغدد حتى ما بعد إتمام سن البلوغ الطبيعي والعفوي؛ مما يتيح للفتاة الاستفادة الكاملة من التحويل الداخلي للأندروجينات إلى إستروجينات بواسطة خصيتيها الطبيعيتين دون الحاجة إلى تعويض هرموني صناعي مبكر، فضلاً عن تعزيز كثافة المعادن في العظام وتحقيق نمو بدني ونفسي متزن. كما يمنح هذا التأجيل الفتاة، عند بلوغها سن الرشد القانوني، القدرة على المشاركة الواعية والمستنيرة في اتخاذ القرار الجراحي واستيعاب مبرراته الوقائية.
وفيما يتعلق باتساع القناة المهبلية، تخلت الممارسات الإكلينيكية المعاصرة عن التدخلات الجراحية التعويضية القسرية للأطفال (Vaginoplasty)؛ إذ أثبتت الدراسات أن العلاج غير الجراحي باستخدام الموسعات المهبلية التدريجية (Vaginal Dilators) في أواخر المراهقة وبمبادرة ذاتية من المريضة يحقق نسب نجاح سريرية وجنسية تفوق التدخلات الجراحية المعقدة، ويجنب المريضة مخاطر التضيق والندوب والألم المزمن أثناء الجماع.
التدخلات العلاجية والدعم النفسي الشامل
تتطلب الإدارة الفعالة لمتلازمة عدم الحساسية للأندروجين بناء بيئة علاجية متعددة التخصصات تركز في جوهرها على جودة حياة الفرد وتمكينه النفسي، وتشمل المكونات الرئيسية التالية:
- العلاج بالاستعاضة الهرمونية (HRT): في حال خضوع المريضة لاستئصال الخصيتين الوقائي، يصبح العلاج التعويضي بالإستروجين (عن طريق الفم أو اللصقات الجلدية) ضرورة حتمية مدى الحياة لمنع أعراض انقطاع الطمث، والحفاظ على الكثافة المعدنية للعظام والوقاية من الهشاشة المبكرة، ودعم الصحة القلبية الوعائية والوظائف الإدراكية والمزاجية.
- الإرشاد النفسي المتخصص (Psychological Counseling): يُعد التدخل النفسي المبكر والمستمر ركيزة أساسية. ينبغي أن يركز المعالج النفسي على تفكيك صدمة التشخيص، ومساعدة المريضة على بناء مفهوم ذاتي إيجابي، وفصل الأنوثة كجوهر نفسي واجتماعي عن المعايير البيولوجية الصرفة المتمثلة في الكروموسومات أو القدرة على الحمل، مع تقديم آليات علاجية معرفية سلوكية لمواجهة القلق والاكتئاب.
- الإفصاح التدريجي القائم على الشفافية: يُنصح الأطباء والمرشدون بتوجيه الوالدين نحو تجنب السرية المطلقة أو الكذب فيما يخص طبيعة الحالة؛ إذ يؤدي التكتم إلى شعور الطفل بوجود خطأ مخجل في جسده. يجب أن يكون الإفصاح تدريجياً وبما يتناسب مع النضج العمري والإدراكي للطفل، بدءاً من تبسيط الفكرة في الطفولة بأن الجسد يعمل بطريقة مختلفة قليلاً ولا يملك مبايض، وصولاً إلى الشرح الوراثي والعلمي الكامل في مرحلة المراهقة في بيئة آمنة وداعمة.
- مجموعات الدعم النظير (Peer Support Groups): يمثل الانخراط في الجمعيات المتخصصة ومجموعات الدعم (مثل مجموعات دعم AIS-DSD الدولية) عاملاً وقائياً جوهرياً يسهم في كسر طوق العزلة الاجتماعية؛ حيث يتيح للمريضات وأسرهن تبادل الخبرات الحياتية وبناء شبكات تضامن تخفف وطأة الوصمة وتعزز تقبل الذات.
خاتمة واستشراف مستقبلي
تمثل متلازمة عدم الحساسية للأندروجين نافذة بيولوجية وإنسانية فريدة تكشف مدى تعقد التمايز البشري وتحديه للتصنيفات الثنائية الصارمة. إن الرعاية الطبية الفضلى للمصابين بهذه الحالة لا تقتصر على مراقبة المؤشرات الهرمونية والفحوصات الجينية، بل تمتد لتشمل الاحترام العميق لكرامة الفرد وحقه في معرفة حقيقته الجسدية، وتقرير مصيره الطبي، وتلقي الدعم النفسي الذي يضمن له عيش حياة مفعمة بالثقة والتوافق الذاتي والاجتماعي. مع استمرار تقدم أبحاث الطب الجزيئي وعلم النفس العيادي، تتجه الرعاية نحو نماذج أكثر إنسانية تتمحور بالكامل حول مصلحة المريض واستقلاليته الجسدية والنفسية.
المراجع
- Hughes, I. A., Houk, C., Ahmed, S. F., Lee, P. A., & LWPES1/ESPE2 Consensus Group. (2006). Consensus statement on management of intersex disorders. Archives of Disease in Childhood, 91(7), 554–563.
- Oakes, M. B., Eyvazzadeh, A. D., Quint, E., & Smith, Y. R. (2008). Complete androgen insensitivity syndrome—a review. Journal of Pediatric and Adolescent Gynecology, 21(6), 305–310.
- Wisniewski, A. B., Migeon, C. J., Meyer-Bahlburg, H. F., Gearhart, J. P., Berkovitz, G. D., Brown, T. R., & Money, J. (2000). Complete androgen insensitivity syndrome: Long-term medical, surgical, and psychosexual outcome. The Journal of Clinical Endocrinology & Metabolism, 85(8), 2664–2669.
- Migeon, C. J., Wisniewski, A. B., Gearhart, J. P., Meyer-Bahlburg, H. F., Rock, J. A., Brown, T. R., … & Money, J. (2002). Ambiguous genitalia with perineoscrotal hypospadias in 46, XY individuals: long-term medical, surgical, and psychosexual outcome. Pediatrics, 110(3), e31-e31.
- Gottlieb, B., & Trifiro, M. A. (2017). Androgen insensitivity syndrome. In GeneReviews®. University of Washington, Seattle.
- Galani, A., Kitsiou-Tzeli, S., Sofokleous, C., Kanavakis, E., & Kaltsas, G. (2008). Androgen insensitivity syndrome: clinical features and molecular defects. Hormones, 7(3), 217–229.
- Cools, M., Pleskacova, J., Stoop, H., Hoebeke, P., Drop, S. L., Lebl, J., … & Looijenga, L. H. (2005). Testicular pathology in patients with complete androgen insensitivity syndrome: A review of the literature. Hormone Research in Paediatrics, 64(4), 167–176.
- Lee, P. A., Nordenström, A., Houk, C. P., Ahmed, S. F., Auchus, R., Baratz, A., … & Global DSD Update Consortium. (2016). Global disorders of sex development update on pediatric endocrine society and European society for paediatric endocrinology consensus statement on DSD. Hormone Research in Paediatrics, 85(3), 158–180.