تُعد مسألة وجود المشاعر والانفعالات لدى الكائنات غير البشرية واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل والاهتمام في تاريخ الفلسفة والعلوم الطبيعية وعلم النفس. لعقود طويلة، نُظر إلى الحيوانات بوصفها آلات حيوية محكومة بالغرائز الصماء وردود الفعل المنعكسة، إلا أن الثورة المعاصرة في علم الأعصاب الوجداني وعلم السلوك الحيواني وعلم النفس المقارن قد أحدثت تحولاً جذرياً في فهمنا للطبيعة الداخلية للحيوان. تُبرز الأدلة التجريبية والفسيولوجية اليوم أن الانفعالية عند الحيوان ليست مجرد محاكاة سطحية للتكيف البيولوجي، بل هي خبرات ذاتية معقدة ترتكز على مسارات عصبية عريقة تطورياً، تلعب دوراً حاسماً في تعزيز البقاء والتنقل التكيفي داخل البيئة الفيزيقية والاجتماعية.
التأطير النظري والمفاهيمي لانفعالية الحيوان
يقتضي الفحص الأكاديمي لمفهوم الانفعالية عند الحيوان تفكيك المصطلحات المتشابكة التي طالما أثارت خلطاً مفاهيمياً بين الانفعال (Emotion)، والمزاج (Mood)، والوجدان (Affect)، والدافع أو الغريزة (Drive/Instinct). يُعرّف الانفعال في السياق السيكولوجي المقارن بأنه استجابة بيولوجية وسلوكية ومعرفية مركبة ومتمايزة زمنياً، تنشأ كرد فعل لمثير داخلي أو خارجي ذي دلالة بيئية أو بقائية للكائن. تشتمل هذه الاستجابة على ثلاثة مكونات وظيفية مترابطة: التغيرات الفسيولوجية والذاتية (كالتغيرات الهرمونية ومعدل نبضات القلب)، والتعبيرات السلوكية الحركية (كأوضاع الجسد وتعبيرات الوجه وإصدار الأصوات)، والحالة التجريبية الذاتية (الوعي الفينومينولوجي أو الوجدان الخام).
يُميز علماء النفس المعاصرون بين الوجدان الأولي (Primary Affects) الذي يشمل الحالات الانفعالية الأساسية المشتركة بين الثدييات كافة مثل الخوف والغضب واللعب والرعاية، وبين الانفعالات الثانوية الأكثر تعقيداً والتي تفترض وجود درجة متقدمة من معالجة الذات والتقييم المعرفي التداولي، مثل الشعور بالخجل أو الذنب أو الغيرة. إن التركيز البحثي في علم انفعالية الحيوان لا يفترض بالضرورة تماثلاً تاماً مع التجربة اللغوية الإنسانية، وإنما ينطلق من فكرة التماثل الوظيفي (Functional Homology)؛ حيث تُخدم العمليات الانفعالية نفس الأهداف التكيفية عبر الأنواع البيولوجية المختلفة، مما يتيح دراستها وتوصيفها علمياً دون السقوط في مغالطات المقارنة غير المتكافئة.
علاوة على ذلك، يجب الفصل بدقة بين الانفعالات والحالات المزاجية؛ فبينما تتسم الانفعالات بأنها سريعة الظهور وقصيرة الأمد وترتبط بموضوع محدد (كالخوف من مفترس ظاهر)، تمثل الحالات المزاجية أطراً وجدانية معممة وممتدة زمنياً تفتقر غالباً إلى محفز مباشر مرئي، وتعمل على خفض أو رفع عتبات الاستجابة لمجموعة واسعة من المثيرات البيئية. وقد أتاح هذا التمييز للباحثين تصميم أدوات قياس تجريبية ترصد التحيزات المعرفية الناتجة عن الأمزجة المزمنة لدى الحيوانات، كالقلق العام والاكتئاب البيئي.
الجذور التاريخية والتطور الفكري لدراسة عواطف الحيوان
شهد الفكر الإنساني تحولات عميقة فيما يتعلق بإدراك الحالة الوجدانية للحيوان. سادت في الفلسفة الغربية لقرون طويلة رؤية الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت الذي اعتبر الحيوانات مجرد “آلات حية” (Bêtes-machines) تفتقر إلى العقل والروح والشعور الذاتي بالألم أو اللذة، مفسراً سلوكياتها على أنها آليات ميكانيكية بحتة ناتجة عن حركة السوائل والحرارة في الألياف العصبية. فرضت هذه النظرة الديكارتية حصاراً إبستمولوجياً طويلاً على دراسة وعي الحيوان وانفعالاته، وشجعت على تبرير القسوة والتعامل الأداتي مع الكائنات الحية.
جاء التحول المعرفي الأول والجوهري مع أطروحات عالم الأحياء البريطاني تشارلز داروين، لا سيما في كتابه التأسيسي المنشور عام 1872 بعنوان تعبير الانفعالات عند الإنسان والحيوان (The Expression of the Emotions in Man and Animals). حاجج داروين بأن الانفعالات البشرية لم تظهر من فراغ تطوري، بل هي امتداد مستمر لأسلافنا الحيوانيين، مؤكداً مبدأ “التواصلية التطورية” (Evolutionary Continuity) الذي ينص على أن الاختلافات العقلية والوجدانية بين الإنسان والحيوانات الراقية هي اختلافات في الدرجة وليست في النوع. استند داروين في تحليله إلى تتبع الحركات العضلية التعبيرية في الوجه والجسد، وربطها بالمزايا التكيفية التي ضمنت بقاء الأفراد وحمايتهم من المخاطر البيئية.
على الرغم من إسهامات داروين، شهدت بدايات القرن العشرين ارتداداً منهجياً صارماً مع صعود المدرسة السلوكية بقيادة جون واطسون وبي إف سكينر، حيث تم حظر دراسة الحالات العقلية الداخلية والوجدانية واعتُبرت صندوقاً أسود (Black Box) غير قابل للرصد التجريبي. اعتبرت السلوكية الراديكالية أن الحديث عن عواطف الحيوان هو ضرب من ضروب “التجسيم غير العلمي” (Anthropomorphism). استمر هذا التضييق حتى السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، حين قاد دونالد غريفين ثورة جديدة من خلال تأسيس علم السلوك المعرفي (Cognitive Ethology)، مدعوماً بأبحاث فرانس دي فال في السلوك الاجتماعي للرئيسيات، وجاك بانكسيب في البيولوجيا العصبية الوجدانية، مما مهد الطريق لعودة الانفعالية كظاهرة بيولوجية موضوعية تخضع للقياس العلمي.
الركائز العصبية والبيولوجية للأنظمة الوجدانية عند الحيوان
أثبتت أبحاث علم الأعصاب الحديثة أن الأساس البيولوجي للانفعالات يرتكز على بنى دماغية تحت قشرية (Subcortical Structures) قديمة جداً من المنظور التطوري، وهي بنى متطابقة إلى حد كبير عبر جميع فئات الثدييات وجزء من الطيور. يرجع الفضل الأكبر في رسم الخرائط العصبية لهذه الحالات إلى العالم جاك بانكسيب (Jaak Panksepp)، الذي حدد سبعة أنظمة انفعالية أولية غريزية تتمركز في الجذع الدماغي والجهاز الحوفي (Limbic System)، وتعمل كمحركات عصبية فطرية تطلق استجابات وجدانية متخصصة بمجرد استثارتها كهربائياً أو كيميائياً دون الحاجة إلى تدخل القشرة الدماغية الحديثة.
تشمل هذه الأنظمة العصبية الأولية ما يلي:
- نظام البحث والتقصي (SEEKING System): الدائرة العصبية المسؤولة عن الحافز والاستكشاف والتوقع والرغبة، وتعتمد بشكل رئيسي على مسارات الدوبامين الوسطية الطرفية (Mesolimbic Dopamine Pathway). يُعد هذا النظام المحرك الأساسي للحياة اليومية والفضول الحركي لدى الحيوانات.
- نظام الخوف (FEAR System): يمتد من نوى اللوزة الدماغية (Amygdala) إلى المادة الرمادية المركزية (PAG) في الدماغ المتوسط، وهو مسؤول عن استجابات الحماية الفورية، مثل التجمد الحركي (Freezing) أو الهروب في مواجهة التهديد المفاجئ.
- نظام الغضب (RAGE System): يُفعل عند إحباط حركة الكائن أو تقييد وصوله إلى الموارد الحيوية، ويرتبط بمسارات محددة بين اللوزة ومنطقة تحت المهاد (Hypothalamus)، محفزاً الهجوم الدفاعي أو التنافسي.
- نظام الشبق أو الرغبة الجنسية (LUST System): ينظم الدوافع التناسلية والاقتران والتفضيل الجنسي تحت تحكم الهرمونات الستيرويدية والدوائر الدماغية الوسيطة.
- نظام الرعاية (CARE System): الدائرة البيولوجية المسؤولة عن الارتباط الأمومي وتنشئة الصغار وإظهار الحنان، وتلعب هرمونات مثل الأوكسيتوسين والبرولاكتين دوراً محورياً في تنشيطه.
- نظام الهلع والحزن (PANIC/GRIEF System): يُثار عند انفصال الصغير عن الأم أو تشتت المجموعة الاجتماعية، ويقود إلى نداءات الاستغاثة وإفراز هرمونات الضغط العصبي، وهو أساس المعاناة من الوحدة والحزن الاجتماعي لدى الحيوانات.
- نظام اللعب الاجتماعي (PLAY System): دائرة مسؤولة عن الفرح الجسدي والتفاعل الاجتماعي الحركي غير العدائي (Rough-and-tumble play)، وينتج عنه تحفيز عصبي مكثف ومشاعر متعة ذاتية ظاهرة عبر الضحك والقفز.
إن وجود هذه المنظومات تحت القشرية المشتركة يبرهن على أن المشاعر والانفعالات ليست نتاجاً حصرياً للقشرة المخية الحديثة (Neocortex) المتضخمة لدى البشر؛ فالقشرة تمنح الانفعال صبغة معرفية وتأملية لغوية، بينما ينشأ جوهر الخبرة الوجدانية وشحنتها الحيوية في الأعماق السفلية للدماغ التي نشترك فيها مع بقية الثدييات، مما يؤكد أن الحيوانات تشعر وتتألم وتفرح بآليات فسيولوجية وعصبية حقيقية وملموسة.
المظاهر السلوكية والفسيولوجية للتعبير الانفعالي
يتجلى انفعال الحيوان في العالم الخارجي عبر مروحة غنية من المؤشرات السلوكية والفسيولوجية غير اللفظية التي يمكن للعلماء قياسها وتوثيقها بدقة. على الصعيد الفسيولوجي الذاتي، يؤدي تنشيط الجهاز العصبي الودي (Sympathetic Nervous System) أثناء الانفعالات الحادة إلى تحولات سريعة في معدل ضربات القلب، والتوصيل الكهربائي للجلد، وتمدد حدقة العين، وزيادة وتيرة التنفس، وإفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين. تُستخدم تقنيات التصوير الحراري بالأشعة تحت الحمراء اليوم لرصد انخفاض درجة حرارة الأنف أو محيط العينين لدى الماشية والخيول كدلالة على تدفق الدم إلى العضلات الكبيرة استعداداً للاستجابة الانفعالية الدفاعية.
أما على المستوى السلوكي، فتُعد الأصوات الحيوية (Bioacoustics) نافذة جوهرية على الحالات الوجدانية. أظهرت الأبحاث الرائدة أن الجرذان تُطلق زقزقات صوتية فوق صوتية بتردد 50 كيلوهرتز أثناء اللعب الاجتماعي أو عند ملامستها ودغدغتها من قبل الباحثين، وهي أصوات ارتبطت باللذة والضحك البدائي، بينما تُطلق أصواتاً بتردد 22 كيلوهرتز في حالات الهلع والألم والتهديد. وبالمثل، تحمل نداءات الاستغاثة لدى صغار الثدييات، ونباح الكلاب ذو الترددات المختلفة، وخرخرة السنوريات، توقيعات صوتية خاصة بالتردد والشدة تعكس بدقة الحالة الانفعالية الداخلية للكائن.
تلعب لغة الجسد والحركات الموضعية دوراً رئيساً في التواصل الانفعالي داخل المجموعات الحيوانية؛ فالانحناء المخصص للعب لدى الكلبيات (Play Bow) يرسل إشارة تطمينية تدل على أن العض والمطاردة اللاحقة هما مجرد لعب وتفريغ لطاقة نظام الوجدان الإيجابي، وليسا عدواناً حقيقياً. كما كشفت دراسات نظام ترميز حركة الوجه للحيوانات (Animal FACS) عن وجود تعبيرات وجهية دقيقة لدى الخيول والشمبانزي والأغنام تعكس مشاعر مثل الألم أو التوجس أو الرضا، من خلال انقباض عضلات العينين أو حركة الشفاه أو توتر الأذنين.
التمايز المعرفي والعاطفي: الوعي والانفعالات الثانوية
تتجاوز الانفعالية الحيوانية دائرة البقاء الغريزي الفوري لترتبط بمستويات معقدة من التقييم المعرفي والوعي الاجتماعي لدى الأنواع ذات الأدمغة المتطورة، مثل الدلافين والفيلة والرئيسيات والغربان. أثبتت الدراسات التجريبية والميدانية أن هذه الكائنات تختبر ما يمكن تسميته “الانفعالات المركبة”، وفي مقدمتها ظاهرة التعاطف الوجداني (Empathy). صاغ عالم الرئيسيات فرانس دي فال نموذج “الدمية الروسية” للتعاطف، مشيراً إلى أن الطبقة المركزية تبدأ بالعدوى العاطفية (Emotional Contagion) حيث يشارك الحيوان ألم أو فزع أقرانه تلقائياً، وصولاً إلى الطبقات الخارجية التي تتضمن المواساة السلوكية (Consolation) وتقديم المساعدة الهادفة لإنقاذ الفرد المتضرر دون وجود مصلحة ذاتية فورية.
يمثل الحزن والحداد على فقدان الرفاق أحد أبرز الأمثلة الموثقة تجريبياً وميدانياً؛ فقد لوحظت أمهات الشمبانزي وهي تحمل جثث صغارها الميتة لأسابيع مع إظهار سلوكيات شبيهة بالاكتئاب السريري كالعزوف عن الطعام والانسحاب من التفاعل الجماعي. كذلك تُظهر الفيلة سلوكيات جنائزية استثنائية عند مصادفة بقايا عظام أفراد نوعها؛ حيث تقف بصمت مطبق، وتتحسس الجماجم والعظام بخراطيمها بحذر شديد، وتصدر أصوات نحيب خافتة، مما يشير إلى استجابة انفعالية مستمرة ترتبط بإدراك الموت والفقدان.
علاوة على ذلك، أظهرت تجارب رائدة قام بها باحثون مثل سارة بروسنان وفرانس دي فال أن قرود الكابوشين تتمتع بإحساس فطري بالعدالة والإنصاف (Inequity Aversion). في التجربة الشهيرة لتبادل الرموز بمكافآت غذائية، رفضت القرود الاستمرار في المهمة وألقت بالطعام (الخيار) في وجه المجرب بغضب ظاهر عندما رأت قردًا مجاوراً يحصل على مكافأة أفضل (العنب) مقابل نفس الجهد البسيط. تعكس ردود الفعل هذه أن الانفعال هنا ليس بيولوجياً مجرداً، بل هو استجابة لانتهاك التوقعات الاجتماعية والمعايير النسبية للتوزيع، مما يماثل مشاعر الإحباط والرفض الأخلاقي للغبن لدى الإنسان.
الإشكاليات المنهجية والتحديات الإبستمولوجية في دراسة الانفعال الحيواني
تواجه دراسة الانفعالية عند الحيوان تحديات إبستمولوجية معقدة نظراً لغياب التقرير الذاتي اللفظي الذي يعتمد عليه علماء النفس التقليديون في دراسة المشاعر البشرية. قاد هذا الغياب تاريخياً إلى حذر مفرط استند إلى مبدأ “معيار لويد مورغان” (Morgan’s Canon)، والذي ينص على وجوب عدم تفسير أي فعل سلوكي على أنه ناتج عن ممارسة قدرة نفسية عليا إذا كان من الممكن تفسيره بأنه نتيجة لعملية نفسية أدنى مرتبة. ورغم فائدة هذا المبدأ في تجنب التفسيرات الخرافية، إلا أنه تحول في كثير من الأحيان إلى ما يصفه الباحثون بـ “إنكار التجسيم” (Anthropodenial)، وهو العمى المتعمد عن رؤية الخصائص النفسية المشتركة بين الإنسان وبقية الحيوانات بدافع التمركز البشري حول الذات.
وللتغلب على هذه العقبة المنهجية، طور علماء السلوك المعرفي أدوات اختبار صارمة لا تعتمد على التأويل الذاتي، بل على قياس العمليات المعرفية المتأثرة بالحالة الانفعالية، وأبرزها “بارادايم التحيز المعرفي” (Cognitive Bias Paradigm) المستعار من علم النفس البشري. يعتمد هذا الاختبار على فكرة أن الأفراد المكتئبين أو القلقين يميلون إلى تفسير المثيرات الغامضة بطريقة تشاؤمية، بينما يفسرها الأفراد في الحالات الإيجابية بتفاؤل. عند تطبيق هذا النموذج على الجرذان والماشية والدلافين، أثبتت الدراسات أن الحيوانات التي تعيش في بيئات فقيرة أو تمر بتجارب مؤلمة تظهر تحيزاً تشاؤمياً واضحاً عند تعرضها لمثيرات محايدة، في حين تظهر الحيوانات المتمتعة بالإثراء البيئي استجابات تفاؤلية واثقة من الحصول على مكافأة، مما يوفر مقياساً موضوعياً مستقلاً للحالة المزاجية للحيوان.
تتمثل المشكلة المنهجية الأخرى في صعوبة فصل الاستجابة الانفعالية الذاتية عن ردود الفعل الآلية غير الشعورية؛ فهل الحيوان الذي يهرب من التهديد يشعر بالخوف الفعلي (Qualia)، أم أنه ينفذ برنامجاً حركياً مبرمجاً؟ تجيب الأبحاث الحديثة بأن التأثير الكيميائي للمسكنات، والبحث النشط عن الأدوية المخففة للقلق، وتفضيل البيئات الآمنة، تشير بوضوح إلى أن الحيوانات تحركها رغبة في تخفيف المعاناة الوجدانية الذاتية وليس مجرد تفعيل منعكسات عصبية فارغة من الشعور.
التداعيات الأخلاقية والتطبيقية في علم رعاية الحيوان
إن الاعتراف العلمي بالانفعالية والوعي الذاتي لدى الحيوانات ليس مجرد ترف أكاديمي أو نقاش نظري في علم النفس المقارن، بل هو زلزال فكري ترتبت عليه التزامات قانونية وأخلاقية عميقة في الحضارة المعاصرة. شكل “إعلان كامبريدج بشأن الوعي” الصادر عام 2012 من قبل نخبة من علماء الأعصاب نقطة تحول تاريخية، حيث أقر الإعلان رسمياً بأن الحيوانات غير البشرية، بما في ذلك جميع الثدييات والطيور والعديد من الكائنات الأخرى كالأخطبوط، تمتلك الركائز العصبية التي تولد الوعي والحالات الانفعالية المعقدة.
أدى هذا التحول إلى ولادة وتطوير حقل “علم رعاية الحيوان” (Animal Welfare Science) القائم على الأدلة؛ حيث انتقلت معايير الرعاية من النموذج السلبي القديم القائم على مجرد توفير الضروريات المادية وغياب المعاناة (مثل تجنب الجوع والألم الجسدي)، إلى نموذج إيجابي يركز على تلبية الاحتياجات الوجدانية وتشجيع الحالات الانفعالية الإيجابية. لم يعد كافياً إبقاء الحيوان على قيد الحياة في المزارع أو المختبرات أو حدائق الحيوان، بل بات لزاماً توفير بيئات غنية تحفز نظام اللعب ونظام البحث والتقصي، وتتيح للحيوان ممارسة سلوكياته الطبيعية وتحقيق الرضا النفسي والوجداني.
على الصعيد التشريعي، بدأت العديد من الدول والاتحادات القانونية، مثل الاتحاد الأوروبي وسويسرا ونيوزيلندا، في تعديل قوانينها المدنية والجنائية لتعريف الحيوانات بأنها “كائنات حية شاعرة” (Sentient Beings) وليست مجرد ممتلكات أو بضائع مادية جامدة. يفرض هذا التوصيف القانوني قيوداً صارمة على التجارب العلمية المؤلمة، ويجرم حبس الحيوانات الاجتماعية في عزلة انفرادية تسبب لها الهلع والاكتئاب، ويضع قواعد مشددة لإجراءات التربية والذبح بما يضمن تقليص المعاناة النفسية والخوف إلى الحدود الدنيا الممكنة علمياً.
خاتمة
تؤكد المعطيات المتراكمة في علم النفس والبيولوجيا التطورية وعلم الأعصاب أن الانفعالية ليست امتيازاً بشرياً فريداً، بل هي نسيج حيوي تطوري يربط الكائنات الحية ببعضها البعض عبر ملايين السنين. تتقاسم الحيوانات، ولا سيما الثدييات والطيور، معنا الأسس العصبية العميقة للرعب والألم والفرح والارتباط واللعب، مما يجعل عالمها الداخلي مفعماً بالدلالات والخبرات التي تتطلب فهماً علمياً رصيناً وموقفاً أخلاقياً مسؤولاً. إن الاعتراف بعواطف الحيوان يحرر الإنسان من أوهام الانفصال التام عن الطبيعة، ويضع دراسة النفس في سياقها البيولوجي الأوسع، مبيناً أن عقولنا ومشاعرنا ليست سوى فرع في شجرة تطورية مورقة تفيض بالحياة والوجدان.
المراجع
- Panksepp, J. (1998). Affective neuroscience: The foundations of human and animal emotions. Oxford University Press.
- Darwin, C. (1872). The expression of the emotions in man and animals. John Murray.
- de Waal, F. (2019). Mama’s last hug: Animal emotions and what they tell us about ourselves. W. W. Norton & Company.
- Griffin, D. R. (2001). Animal minds: Beyond cognition to consciousness. University of Chicago Press.
- Bekoff, M. (2007). The emotional lives of animals: A leading scientist explores animal joy, sorrow, and empathy―and why they matter. New World Library.
- Mendl, M., Burman, O. H., & Paul, E. S. (2010). An integrative framework for animal emotion and welfare. Nature Reviews Neuroscience, 11(8), 587-593.
- Paul, E. S., Harding, E. J., & Mendl, M. (2005). Measuring emotional processes in animals: the utility of a cognitive bias approach. Neuroscience & Biobehavioral Reviews, 29(3), 469-491.
- Low, P., Panksepp, J., Reiss, D., Edelman, D., Van Swinderen, B., & Koch, C. (2012). The Cambridge declaration on consciousness. In Francis Crick Memorial Conference on Consciousness in Human and non-Human Animals, Cambridge, UK.