التشريح العصبي الإكلينيكيعلم النفس العصبي

الحفرة القحفية الأمامية: الأبعاد التشريحية، الوظائف المعرفية، والتداعيات النفسية العصبية

استكشف الحفرة القحفية الأمامية من منظور تشريحي ونفسي عصبي شامل، وتعرف على وظائف القشرة الجبهية الحجاجية والاضطرابات السلوكية المرتبطة بآفاتها وطرق التشخيص والتأهيل.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 27 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 27 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تمثل الحفرة القحفية الأمامية (Anterior Cranial Fossa) إحدى أكثر المناطق التشريحية حساسية وتأثيراً في بنية الدماغ البشري، حيث تشكل الحاضنة العظمية الصلبة للأجزاء السفلية من الفصوص الجبهية المسؤولة عن تشكيل الشخصية والتحكم في النزوات والإدراك المعرفي المعقد. تقع هذه الحفرة في المستوى الأعلى والأكثر أمامية من قاعدة الجمجمة، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعديد من البنى العصبية والحسية التي تميز الكائن البشري عن سائر الكائنات الأخرى، لا سيما ما يتعلق باتخاذ القرار والتنظيم الانفعالي. إن فهم خصائص هذه الحفرة لا يقتصر على قيمته الجراحية أو التشريحية البحتة، بل يمتد بعمق إلى مجال علم النفس العصبي والطب النفسي، نظراً لأن أي اضطراب أو خلل بنائي يصيبها ينعكس مباشرة على السلوك الإنساني والعمليات العقلية العليا.

المدخل البنيوي والتشريحي للحفرة القحفية الأمامية

تتألف الحفرة القحفية الأمامية من بنية عظمية هندسية معقدة تفصل بين تجويف الجمجمة العلوي وتجاويف الوجه والأنف ومحجري العينين بالأسفل. يتشكل جدارها وأرضيتها أساساً من اجتماع ثلاثة عظام رئيسية: العظم الجبهي (Frontal bone)، والعظم الغربالي (Ethmoid bone)، والعظم الوتدي (Sphenoid bone). تساهم الصفيحة الحجاجية للعظم الجبهي في تكوين الجزء الأكبر من قاع هذه الحفرة، حيث تتميز بسطحها الداخلي الوعر والممتلئ بالانطباعات التلافيفية التي تعكس بدقة شكل التلافيف الحجاجية للفص الجبهي، وتفصل الدماغ عن محتويات المحجر المداري الحجاجي في تجويف العينين.

في خط الوسط من هذه الحفرة، يبرز العظم الغربالي عبر تكوينين أساسيين: الصفيحة المصفوية (Cribriform plate) وعُرف الديك (Crista galli). تمتاز الصفيحة المصفوية بوجود ثقوب مجهرية دقيقة تمر من خلالها الحزم العصبية الشمية الدقيقة المتجهة من الغشاء المخاطي للأنف إلى البصلة الشمية، بينما يشكل عرف الديك نتوءاً عظمياً مرتفعاً يعمل كنقطة ارتكاز وتثبيت لأم الجافية ولمنجل المخ (Falx cerebri)، وهو الحاجز الليفي الذي يفصل بين نصفي الكرة المخية. إن هشاشة هذه المنطقة تجعلها ذات حساسية خاصة للإصابات الرضية التي قد تؤدي إلى تسرب السائل الدماغي النخاعي أو فقدان حاسة الشم، وهو ما يقود إلى تأثيرات نفسية وسلوكية بالغة التعقيد.

أما من الناحية الخلفية، فتُحَدّ الحفرة القحفية الأمامية بواسطة الحافة الخلفية للأجنحة الصغرى للعظم الوتدي والجزء الأمامي من الثلم التصالبي والجسم الوتدي. تنتهي هذه الأجنحة الصغرى عند البروزات السريرية الأمامية (Anterior clinoid processes)، والتي تحمي مدخل النفق البصري. وتتميز هذه الحدود بكونها تشكل حافة حادة تفصل بين الحفرة القحفية الأمامية والحفرة القحفية الوسطى، الأمر الذي يجعل الأنسجة العصبية المتوضعة فوقها عرضة للرضوض الانزلاقية وقوى القص الميكانيكية أثناء إصابات الرأس التسارعية والتباطؤية.

تستند السحايا المغلفة للدماغ في هذه الحفرة بشكل محكم إلى السطح العظمي، حيث تزودها فروع الشريان السحائي الأمامي وفروع الشريان الغربالي بالدم والمغذيات الحيوية. هذا التوضع التشريحي الدقيق يجعل الحفرة القحفية الأمامية ممراً حيوياً للعديد من الأوعية الدموية والأعصاب، مما يمنحها أهمية بالغة في التشريح السريري والجراحة العصبية وعلم الأمراض العصبية والنفسية على حد سواء.

المكونات العصبية المستقرة في الحفرة وتوزيعاتها الوظيفية

تحتضن الحفرة القحفية الأمامية السطح السفلي والإنسي لـ الفص الجبهي، وتحديداً القشرة الجبهية الحجاجية (Orbitofrontal Cortex) وقشرة الفص الجبهي البطنية الإنسية (Ventromedial Prefrontal Cortex). تستقر هذه الأجزاء القشرية العالية التخصص مباشرة فوق القباب الحجاجية العظمية، وتلعب دوراً لا غنى عنه في دمج المعلومات الحسية مع الحالات العاطفية لاتخاذ القرارات القائمة على المكافأة والعقاب، إضافة إلى دورها في تنظيم الاستجابات الاجتماعية والأخلاقية السليمة.

إلى جانب القشرة الجبهية، تستقر على جانبي عظم الصفيحة المصفوية البصلتان الشميتان (Olfactory bulbs) والسبيلان الشميان (Olfactory tracts). لا تقتصر وظيفة البصلة الشمية على المعالجة الأولية لحاسة الشم ونقل الإشارات إلى الجهاز الحوفي، بل ترتبط بعمق بالذاكرة الانفعالية والسلوك النفسي الغريزي، نظراً لأن المسار الشمي يتصل مباشرة ببنى الدماغ الانفعالي دون المرور بالمهاد كبقية الحواس، ما يجعل حاسة الشم محفزاً قوياً للذكريات المسترجعة والاستجابات العاطفية التلقائية.

تعتبر التلافيف المستقيمة (Gyrus rectus) والتلافيف الحجاجية المجاورة للبصلة الشمية في قاع الحفرة مسؤولة بنيوياً عن معالجة التقييمات المعرفية المعقدة. تتلقى هذه المناطق مدخلات حسية متعددة الوسائط (بصرية، سمعية، لمسية، وذوقية-شمية) وتعمل كمركز تركيبي لتحديد القيمة النسبية للمحفزات البيئية، وتحديد ما إذا كان الموقف يستدعي الإقبال أو الإحجام السلوكي، وهو ما يفسر حدوث تغيرات جذرية في الطباع والسلوك عند تضرر هذه المناطق المستقرة داخل الحفرة.

تحتوي هذه الحفرة أيضاً على الشبكات العصبية التي تصل الفصوص الجبهية بمراكز تحت القشرة، مثل النوى القاعدية وجذع المخ، من خلال حزم الألياف البيضاء الإسقاطية والترابطية. هذه الروابط البنائية مسؤولة عن تدفق السيالات العصبية المرتبطة بالمبادأة، الدافعية، وضبط النفس، مما يجعل الحفرة القحفية الأمامية قاعدة انطلاق فيزيائية للشبكات العصبية المركزية المتحكمة في السلوك الإنساني المتزن والوعي بالذات.

الصلة الوظيفية بين بنية الحفرة والوظائف النفسية والمعرفية العليا

من منظور علم النفس المعرفي، لا يمكن فصل البنية المكانية والتشريحية للحفرة القحفية الأمامية عن أداء الوظائف التنفيذية (Executive Functions). توفر هذه الحفرة الحماية الميكانيكية للشبكات العصبية المسؤولة عن التخطيط للمستقبل، والتفكير المجرد، والمرونة المعرفية، وحل المشكلات المتشابكة، وتعتبر القشرة التي تستقر فيها بمثابة المشرف العام على السلوك الموجه نحو الأهداف الواعية.

تتحكم الأنسجة العصبية المتمركزة في الحفرة القحفية الأمامية في عملية الكبح السلوكي (Behavioral Inhibition). تتيح هذه الوظيفة للإنسان كبح الرغبات اللحظية وردود الفعل الاندفاعية، ومقاومة المشتتات الخارجية لتحقيق أهداف طويلة الأجل. عندما تتعرض البنى المقيمة في هذه الحفرة لأي ضغط ناتج عن نمو ورمي أو رض فيزيائي، يفقد الفرد القدرة على ممارسة هذا الكبح، مما ينتج عنه سلوكيات تتسم بالنزق والتصرفات غير الملائمة اجتماعياً دون وعي بالعواقب.

ترتبط الحفرة القحفية الأمامية بنظرية العقل (Theory of Mind)، وهي القدرة المعرفية على استنتاج مشاعر الآخرين ومعتقداتهم ونواياهم. ترتكز هذه المهارة الاجتماعية الأساسية على سلامة القشرة الجبهية البطنية الإنسية المستندة على قاع الحفرة، والتي تتفاعل مع الشبكات العصبية الأخرى لتشكيل التعاطف الوجداني والأخلاقي؛ وبذلك فإن أي إصابة بنيوية في هذا الموضع تضعف الكفاءة التفاعلية للشخص وتسلخه عن واقعه الاجتماعي.

تلعب هذه المنطقة دوراً بارزاً في توظيف الذاكرة العاملة (Working Memory) وتنظيم الانفعالات؛ حيث تسمح بالحفاظ على المعلومات النشطة وتحديثها بصورة مستمرة في الذهن مع معالجة الشحنات الانفعالية المصاحبة لها. هذا التنسيق المستمر يمنع طغيان الجهاز الحوفي والقلق المفرط على القرارات المنطقية، مما يضمن اتزاناً نفسياً وثباتاً ذهنياً في المواقف الضاغطة.

المسارات العصبية والتوصيلات القشرية وتحت القشرية

تتصل التراكيب الدماغية المستقرة في الحفرة القحفية الأمامية بشبكات واسعة عبر الدوائر العصبية الجبهية-المخططية (Fronto-striatal circuits). تتشكل هذه الدوائر من حلقات متكررة تنطلق من القشرة الجبهية الحجاجية وتمر عبر النواة المذنبة (Caudate nucleus) والبطامة (Putamen)، ثم تعبر عبر الكرة الشاحبة والمهاد لتعود مجدداً إلى القشرة، وتتحكم بشكل دقيق في توجيه الانتباه، وضبط السلوك الحركي والمعرفي، ومراقبة الأخطاء في الوقت الفعلي.

ترتبط هذه المنطقة بصلات قوية ومباشرة مع اللوزة الدماغية (Amygdala) ونواة المتكأ (Nucleus accumbens) عبر الحزمة الدماغية الأمامية الإنسية (Medial forebrain bundle). يمثل هذا الاتصال العصبي محور نظام المكافأة ومعالجة المشاعر، حيث تقوم القشرة في الحفرة الأمامية بتقييم إشارات اللوزة المرتبطة بالخوف والتهديد، وتوجيه استجابات التكيف أو الهروب بصورة عقلانية، مما يحافظ على التوازن العاطفي ويمنع استثارة نوبات الهلع غير المبررة.

يعد الاتصال بين القشرة الحجاجية في قاع الحفرة والحصين (Hippocampus) عن طريق القشرة الشمية الداخلية أمراً جوهرياً في تثبيت الذكريات المرتبطة بالسياق المكاني والزماني والوجداني. هذا المسار العصبي المتقاطع يفسر الاندماج الوثيق بين الشم واسترجاع المشاعر القديمة، حيث تتدفق المنبهات الحسية المعالجة داخل الحفرة مباشرة إلى أرشيف الذكريات لتمنحها طابعاً حياً ودلالة وجدانية عميقة.

علاوة على ذلك، ترسل المناطق الجبهية في الحفرة القحفية الأمامية إشارات مثبطة هابطة إلى نوى جذع الدماغ المسؤولة عن إفراز النواقل العصبية الرئيسية، كالسيروتونين والدوبامين والنورأدرينالين. تساهم هذه المسارات الرقابية التنازلية في تعديل مستويات اليقظة والانفعال الفسيولوجي والاستجابة للضغوط، مما يؤكد أن السلامة التشريحية للحفرة القحفية الأمامية شرط أساسي لاستقرار الكيمياء الدماغية بأكملها.

المظاهر الإكلينيكية والاضطرابات النفسية العصبية المرتبطة بالحفرة

تعد الإصابات الرضية لقاع الجمجمة الأمامي من أبرز مسببات المتلازمات النفسية العصبية السريرية؛ فبسبب عدم انتظام السطح العظمي لأرضية الحفرة، تصاب القشرة الجبهية الحجاجية بكدمات شديدة أثناء حوادث السير أو السقوط نتيجة حركة الدماغ الارتجاجية فوق العظام البارزة. يُعرف هذا النمط من الإصابة بمتلازمة الفص الجبهي الحجاجي (Orbitofrontal Syndrome)، والتي تتجلى إكلينيكياً في صورة فوضى سلوكية، وتلاشي الحياء الاجتماعي، وفرط النشاط غير الهادف، والاندفاع الشديد، مع بقاء الذكاء العام والقدرات اللغوية سليمة ظاهرياً في كثير من الأحيان.

غالباً ما تتطور في هذه الحفرة أورام بطيئة النمو كالأورام السحائية للحفرة الشمية (Olfactory groove meningiomas) أو أورام الصفيحة المصفوية؛ ونظراً للنمو البطيء لهذه الكتل، فإنها قد تصل إلى أحجام ضخمة قبل أن تُحدث أعراضاً عصبية بؤرية كالشلل أو اضطراب الحركة، وتتجلى أعراضها الأولية في صورة اضطرابات نفسية تدريجية كالاكتئاب، واللامبالاة العميقة (Apathy)، والخمول الذهني، وفقدان الدافعية، وتغيرات طفيفة في المزاج قد تُشخص خطأً على أنها اضطرابات وجدانية أو خرف مبكر لسنوات عدة.

تعد متلازمة فوستر كينيدي (Foster Kennedy syndrome) نموذجاً كلاسيكياً لأمراض الحفرة القحفية الأمامية؛ وتحدث نتيجة ورم قاعدي كبير يضغط مباشرة على العصب الشمي والعصب البصري في جانب واحد، مؤدياً إلى فقدان الشم (Anosmia) وضمور العصب البصري في الجانب المصاب، مصحوباً بوذمة حليمة العصب البصري (Papilledema) في الجانب الآخر نتيجة ارتفاع الضغط داخل الجمجمة، وتترافق هذه المتلازمة بشكل شبه دائم مع اضطرابات حادة في الذاكرة القريبة وتدهور ملحوظ في السلوك التنفيذي للمريض.

تسهم الآفات والتشوهات التي تصيب محتويات الحفرة القحفية الأمامية في ظهور أعراض ذهان شبيهة بالفصام، وهلاوس شمية ذات طابع منفر، أو اضطرابات هوسية ثانوية لا تستجيب للعلاجات النفسية التقليدية. توضح هذه التظاهرات الإكلينيكية أن تقييم الاضطرابات النفسية الحادة لا يكتمل إلا بالتحقق من السلامة البنائية للأرضية العظمية والعصبية للحفرة الأمامية، لتمييز الأسباب العضوية الكامنة عن الاعتلالات الوظيفية الأولية.

أساليب التقييم النفسي العصبي والتشخيص التصويري

يتطلب تشخيص الاعتلالات المرتبطة بالحفرة القحفية الأمامية تكاملاً دقيقاً بين المقاييس النفسية العصبية المتقدمة وتقنيات التصوير العصبي الطبي. تُستخدم الاختبارات النفسية العصبية المقننة لتقييم كفاءة التلافيف الجبهية الحجاجية، ومن أهمها اختبار تصنيف بطاقات ويسكونسن (Wisconsin Card Sorting Test – WCST) لقياس المرونة الإدراكية والتجريد، واختبار ستروب (Stroop Test) لقياس القدرة على تثبيط الاستجابات التلقائية.

لقياس اتخاذ القرار القائم على العاطفة والمخاطرة، يُعد اختبار أيوا للمقامرة (Iowa Gambling Task – IGT) المعيار الذهبي لتقييم تضرر القشرة الجبهية البطنية الإنسية والحجاجية المستقرة في الحفرة الأمامية. يفشل المرضى الذين يعانون من آفات في هذا الموقع في تعلم تفادي الخيارات المالية الخطرة ذات المكاسب اللحظية الكبيرة والخسائر اللاحقة الفادحة، مما يمنح الفاحص أداة قياس دقيقة لعجز السلوك التكيفي والحدس الانفعالي.

على الصعيد الشعاعي، يلعب التصوير بالرنين المغناطيسي عالي الدقة (MRI) دوراً مركزياً عبر بروتوكولات متخصصة تبرز التفاصيل المورفولوجية للفصوص الجبهية وقاع الجمجمة، لا سيما تقنية (T2-weighted FLAIR) وتصوير الانتشار الموزون (DWI) لرصد الوذمات الدماغية والرضوض الميكروية. كما يتيح التصوير المقطعي المحوسب (CT) بنافذة العظام تقييماً ثلاثي الأبعاد لسلامة الصفيحة المصفوية والسقف الحجاجي والجيوب الهوائية الجبهية لكشف الكسور الدقيقة والتحام العظام.

أما التصوير العصبي الوظيفي، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET)، فيسمح بفحص الأيض الجلوكوزي والتدفق الدموي الدماغي في التلافيف الحجاجية في الحفرة أثناء أداء المهام المعرفية والانفعالية. تكشف هذه التقنيات المتقدمة عن مناطق نقص التروية أو الخلل الوظيفي المستتر الذي قد يعجز التصوير البنيوي التقليدي عن رصده، مما يدعم دقة الربط الإكلينيكي بين الآفة والاضطراب السلوكي.

التدخلات العلاجية وإعادة التأهيل المعرفي والسلوكي

تعتمد الإستراتيجية العلاجية للمرضى الذين يعانون من آفات في الحفرة القحفية الأمامية على استئصال المسبب البنيوي وحماية النسيج العصبي الحساس. تطورت الجراحة العصبية طفيفة التوغل، حيث أصبحت تقنيات التنظير الداخلي عبر الأنف (Endonasal endoscopic approaches) تتيح الوصول الآمن للأورام والتشوهات دون الحاجة إلى إبعاد أو سحب الفصوص الجبهية جراحياً، مما يقلل بشكل ملحوظ من تلف القشرة الحجاجية ويحد من التدهور المعرفي والسلوكي التالي للعمليات الجراحية.

في الحالات الرضية التي تسفر عن تمزقات سحائية وتسرب السائل الدماغي النخاعي عبر الصفيحة المصفوية، يتم اللجوء إلى الترميم الجراحي المبكر لقاع الحفرة لمنع حدوث التهاب السحايا الجرثومي القاتل. يتطلب هذا المسار تدخلاً دوائياً مدروساً لخفض الضغط داخل الجمجمة، والسيطرة على التشنجات العصبية والاضطرابات العصبية والنفسية الحادة باستخدام مثبتات المزاج ومضادات الذهان غير النمطية بحذر شديد لتجنب التأثير على التعافي الحركي والمعرفي للدماغ.

يمثل التأهيل النفسي العصبي الركيزة الأساسية لاستعادة جودة حياة المريض بعد استقرار الحالة الطبية. يركز هذا التأهيل على تدريب الوظائف التنفيذية المتدهورة وتطوير استراتيجيات تعويضية كاستخدام المفكرات الرقمية وجداول التنبيه للتغلب على نقص المبادأة وضعف التخطيط، فضلاً عن تدريب المريض عبر العلاج المعرفي السلوكي الموجه لمراقبة الذات وتعديل الاستجابات الاندفاعية غير المتكيفة في المواقف الاجتماعية.

يلعب التثقيف النفسي لأسرة المريض دوراً حاسماً في منظومة العلاج الشاملة؛ إذ يجب مساعدة أفراد العائلة على إدراك أن التغيرات الحادة في شخصية المريض واندفاعه أو بروده الانفعالي هي أعراض ناتجة عن خلل عصبي بنيوي في الحفرة القحفية الأمامية، وليست خيارات سلوكية متعمدة، مما يوفر بيئة داعمة ومتقبلة تخفف من الضغوط النفسية وتسرع من وتيرة التعافي الاجتماعي والمهني.

خاتمة وخلاصة تركيبية

تظل الحفرة القحفية الأمامية منطقة فريدة تجتمع فيها دقة التكوين التشريحي العظمي مع أرقى مخرجات التطور الدماغي البشري المتمثلة في القشرة الجبهية الحجاجية والمسارات الشمية والتنفيذية. إن أي اضطراب يصيب هذه البنية الهيكلية أو محتوياتها العصبية يتجاوز مجرد كونه عارضاً جسدياً ليتحول إلى اضطراب نفسي وسلوكي معقد، يمس جوهر الهوية الإنسانية والشخصية والقدرة على التكيف الاجتماعي السليم. يبرز هذا التداخل الحاجة الملحة إلى تكامل متعدد التخصصات يجمع بين جراحة المخ والأعصاب، وعلم الأعصاب الإكلينيكي، والطب النفسي، وعلم النفس العصبي للوصول إلى تشخيص مبكر ودقيق، وتقديم تدخلات علاجية وتأهيلية تسهم في الحفاظ على التكامل العقلي والسلوكي للإنسان.

المراجع

  • Baddeley, A. (2007). Working memory, thought, and action. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/acprof:oso/9780198528012.001.0001
  • Bechara, A., Damasio, H., & Damasio, A. R. (2000). Emotion, decision making and the orbitofrontal cortex. Cerebral Cortex, 10(3), 295–307. https://doi.org/10.1093/cercor/10.3.295
  • Frodl, T., & O’Keane, V. (2013). How does the brain deal with stress? Functional and structural changes in the anterior cranial structures and limbic system. Dialogues in Clinical Neuroscience, 15(4), 417–433. https://doi.org/10.31887/DCNS.2013.15.4/tfrodl
  • Kandel, E. R., Koester, J. D., Mack, S. H., & Siegelbaum, S. A. (2021). Principles of neural science (6th ed.). McGraw-Hill Education.
  • Mesulam, M. M. (2000). Principles of behavioral and cognitive neurology (2nd ed.). Oxford University Press.
  • Rhoton, A. L., Jr. (2002). The anterior cranial fossa: Microsurgical anatomy and surgical approaches. Neurosurgery, 51(Suppl 1), S159–S202. https://doi.org/10.1097/00006123-200210001-00007
  • Rolls, E. T. (2019). The orbitofrontal cortex and emotion in health and disease, including depression. Neuropsychologia, 128, 14–43. https://doi.org/10.1016/j.neuropsychologia.2017.09.021
  • Stuss, D. T., & Knight, R. T. (Eds.). (2013). Principles of frontal lobe function (2nd ed.). Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/med/9780199837755.001.0001

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 27). الحفرة القحفية الأمامية: الأبعاد التشريحية، الوظائف المعرفية، والتداعيات النفسية العصبية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/anterior-cranial-fossa-neuropsychology/
looti, Mohammed. “الحفرة القحفية الأمامية: الأبعاد التشريحية، الوظائف المعرفية، والتداعيات النفسية العصبية.” عرب سايكلوجي, 27 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/anterior-cranial-fossa-neuropsychology/.
looti, Mohammed. “الحفرة القحفية الأمامية: الأبعاد التشريحية، الوظائف المعرفية، والتداعيات النفسية العصبية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 27, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/anterior-cranial-fossa-neuropsychology/.