الفلسفة وعلم النفسالمفاهيم النفسيةعلم النفس البيئي

المركزية البشرية: المفهوم، الأبعاد النفسية، والتداعيات السلوكية والبيئية

استكشاف شامل لمفهوم المركزية البشرية في علم النفس والبيئة: الجذور الفلسفية والتطورية، الانحيازات الإدراكية، الأبعاد السلوكية، وطرق تفكيكها في عصر الأنثروبوسين.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 27 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 27 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تمثل المركزية البشرية (Anthropocentrism) أحد أكثر النماذج المعرفية رسوخاً وهيمنةً على بنية الوعي الإنساني وتاريخ الفكر الغربي والعالمي، حيث تضع الإنسان في بؤرة الوجود الكوني وتعتبره المعيار الأسمى لتقييم الغايات والقيم. يتجاوز هذا المفهوم كونه مجرد نظرية فلسفية مجردة، ليمثل إطاراً نفسياً وإدراكياً عميقاً يوجه عمليات الإدراك الحسي، وتشكيل المعتقدات، وصياغة السلوكيات التفاعلية مع العالم الحيوي المحيط. في السياق النفسي المعاصر، يُنظر إلى المركزية البشرية كبنية ذهنية تحفيزية تؤثر بشكل جذري على المسافة الأخلاقية بين الذات الإنسانية والأنظمة البيئية غير البشرية، مما يفرض ضرورة تفكيك محدداتها السيكولوجية لفهم الأزمات البيئية المعاصرة وكيفية إعادة تشكيل الهوية البيئية للإنسان.

التحديد المفاهيمي والتأصيل المعرفي للمركزية البشرية

يُشتق مصطلح المركزية البشرية من الجذور اليونانية التي تجمع بين كلمة “أنثروبوس” (ánthrōpos) وتعني الإنسان، و”كنترون” (kéntron) وتعني المركز أو النواة. يعبر هذا المفهوم في جوهره الإبستيمولوجي عن ميل الكائن البشري إلى تفسير الواقع الموضوعي، والكون، والبيئة الطبيعية من خلال منظار التجربة الإنسانية الحصرية ومنطلقاتها النفعية. تتأسس هذه الرؤية على فرضية أن الوجود البشري يمتلك قيمة جوهرية مطلقة (Intrinsic Value)، في حين تُختزل باقي الكائنات الحية والأنظمة الإيكولوجية إلى قيمة أداتية نفعية (Instrumental Value) تتحدد فقط بمدى قدرتها على تلبية الاحتياجات والرغبات البشرية المادية والرمزية.

تاريخياً، تجذرت المركزية البشرية عبر عدة محطات فلسفية ودينية مفصلية؛ فمنذ مقولة الفيلسوف السفسطائي بروتاغوراس الشهيرة بأن “الإنسان هو مقياس كل شيء”، تبلور مسار فكري يعزل الكائن البشري عن محيطه الحيوي. وتعمق هذا التوجه لاحقاً مع الفلسفة الديكارتية في القرن السابع عشر، حيث رسخ رينيه ديكارت ثنائية صارمة تفصل بين “الجوهر المفكر” الإنساني، وبين الطبيعة والحيوانات التي اعتبرها مجرد “آلات ميكانيكية” تفتقر إلى الوعي والشعور. هذا الإرث الفلسفي توافق مع أطروحات فرانسيس بيكون التي دعت إلى السيطرة على الطبيعة وتطويعها لخدمة الرفاه البشري، مما مهّد لظهور نموذج تنموي وصناعي يرتكز على الاستغلال اللامحدود للموارد الطبيعية وتشييئها.

يميز الباحثون في الفلسفة والعلوم السلوكية بين نوعين رئيسيين من المركزية البشرية: المركزية البشرية الصلبة أو الجذرية (Strong Anthropocentrism)، والمركزية البشرية المرنة أو التبصيرية (Weak or Enlightened Anthropocentrism). تفترض النسخة الصلبة أن الطبيعة لا قيمة لها إلا بما تقدمه للإنسان، مما يشرعن الاستنزاف المفرط دون أي التزام أخلاقي تجاه الكيانات الأخرى. أما النسخة التبصيرية، فتعترف بأن رفاهية الإنسان واستمراره وبقاءه البيولوجي والنفسي يعتمدان اعتماداً وثيقاً على استقرار النظم البيئية وسلامتها؛ وعلى الرغم من أنها لا تزال تضع الإنسان في المركز، إلا أنها تدعو إلى إدارة بيئية رشيدة وحماية الأنواع انطلاقاً من المصلحة البشرية طويلة الأمد للأجيال الحالية والمستقبلية.

المنظور المعرفي والنفسي العصبي للمركزية البشرية

من الناحية المعرفية، لا تنشأ المركزية البشرية كعقيدة أيديولوجية فحسب، بل تُعد امتداداً لبنى التفكير البشري الفطرية وميوله الاختزالية. يرتبط هذا المفهوم ارتباطاً وثيقاً بظاهرة الانحياز المعرفي المتمثل في “الأنانية المعرفية” (Cognitive Egocentrism)، حيث يعجز الفرد غالباً عن إدراك العالم وتصوره إلا من خلال إطاره المرجعي الذاتي. في علم النفس المعرفي، يُلاحظ أن الأطفال في مراحل نموهم المبكرة يفسرون الظواهر الطبيعية بوظائفها المتعلقة بخدمة الإنسان، كأن يُعتقد أن السحاب خُلق ليمطر على مزارعنا، أو أن الشمس تشرق لتوقظنا؛ ورغم نضوج الفكر التحليلي لاحقاً، تظل رواسب هذا النمط التفسيري كامنة في العقل اللاواعي للبالغين وتوجه تقديراتهم للمخاطر والأولويات.

تلعب قدرة العقل البشري على استخدام نظرية العقل (Theory of Mind) دوراً مزدوجاً ومتناقضاً في تكريس المركزية البشرية. فمن جهة، قد يمارس الإنسان “التجسيم” أو إضفاء الصفات البشرية (Anthropomorphism) على الحيوانات والنباتات لفهمها، ولكن عندما يتعارض هذا الفهم مع المصالح الاقتصادية والاستهلاكية، يُفعّل العقل آليات دفاعية مضادة تُعرف بـ “إنكار العقل” (Mind Denial) أو تجريد الكائنات الأخرى من القدرة على الشعور بالألم والوعي الذاتي. هذا النفي المتعمد للقدرات المعرفية والانفعالية للحيوانات يقلل من التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance) الذي قد يشعر به الإنسان عند استهلاكها أو تدمير موائلها الطبيعية، مما يحافظ على التوازن النفسي الذاتي على حساب الحقيقة الإيكولوجية.

تشير الدراسات النفسية العصبية إلى أن مناطق المعالجة الانفعالية في الدماغ، وتحديداً نظام الخلايا العصبية المرآتية (Mirror Neuron System) واللوزة الدماغية وقشرة الفص الجبهي الإنسية، تُظهر استجابة تعاطفية أعلى بكثير عند مشاهدة معاناة أفراد ينتمون إلى النوع البشري مقارنة بمشاهدة معاناة كائنات غير بشرية. هذا التفاوت العصبي في توليد الاستجابة الوجدانية يفسر جزئياً سبب اقتصار دائرة الاهتمام الأخلاقي لمعظم الأفراد على بني جنسهم، مما يرسخ حدوداً نفسية غير مرئية تفصل بين الألم البشري المعترف به أخلاقياً، وألم بقية الكائنات الحية الذي يُعامل بلا مبالاة نسبية.

علم النفس التطوري وجذور الاستعلاء النوعي

يقدم علم النفس التطوري تفسيرات بنيوية لجذور المركزية البشرية من خلال دراسة الضغوط الانتقائية التي واجهت أسلافنا في بيئة التكيف التطوري (Environment of Evolutionary Adaptedness). خلال عصور الصيد وجمع الثمار، كان البقاء الجسدي للجماعة البشرية يعتمد على الاستغلال الكفؤ للموارد الحية المحيطة، وتصنيف البيئة بدقة إلى فرائس ومفترسات ومنافسين وموارد نباتية. إن تطور عقلية تصنيفية نفعية كانت توفر ميزة تكيفية تعزز اللياقة الشاملة (Inclusive Fitness) للفرد وجماعته الجينية، في حين أن تبني منظور إيكولوجي شامل يمنح حقوقاً متساوية لجميع الكائنات كان من شأنه إضعاف فرص البقاء والتنافس البيولوجي.

من هذه الدينامية التطورية، انبثقت ظاهرة “الاستعلاء النوعي” (Speciesism)، وهو مفهوم صاغه ريتشارد رايدر وعممه الفيلسوف بيتر سينغر، ويقصد به التحيز غير المبرر لصالح مصالح أفراد نوع معين (الإنسان) ضد مصالح أفراد الأنواع الأخرى. يرى علماء النفس التطوري أن هذا التحيز النوعي ليس سوى امتداد نفسي للانحياز للجماعة الداخلية (In-group Bias)؛ فمثلما يميل البشر تاريخياً إلى تفضيل أفراد قبيلتهم على الغرباء لحماية الموارد وضمان التماسك الاجتماعي، فإنهم يوسعون هذا الانحياز ليشمل كامل النوع البشري كجماعة داخلية عليا تواجه “الجماعة الخارجية” المتمثلة في بقية المملكة الحيوانية والنباتية.

في المقابل، يبرز توتر تطوري داخلي وثيق الصلة بصياغة عالم الأحياء إدوارد ويلسون لما أسماه فرضية بيوفيليا (Biophilia Hypothesis)، والتي تشير إلى ميل بشري فطري ووراثي للانجذاب العاطفي نحو أشكال الحياة والأنظمة الطبيعية والارتباط بها. هذا الصراع التطوري بين الحاجة النفعية لاستغلال الطبيعة (المركزية البشرية) والميل الوجداني الفطري للشعور بالانتماء إليها والتناغم معها (البيوفيليا) يخلق حالة مستمرة من التجاذب النفسي تؤثر بشكل مباشر في تحديد مواقف الأفراد وسلوكياتهم البيئية وتوازنهم الانفعالي.

الأبعاد القيمية والدافعية: التمييز بين التوجهات البيئية

في حقل علم النفس البيئي، اهتم الباحثون بتحليل المنظومات القيمية التي توجه سلوكيات الحماية أو التدمير البيئي، وكان من أبرز تلك النماذج نظرية القيمة-المعتقد-المعيار (Value-Belief-Norm Theory) التي طورها بول ستيرن وزملاؤه. تصنف هذه النظرية التوجهات القيمية المرتبطة بالقضايا البيئية إلى ثلاثة أبعاد رئيسية: التوجه القيمي الأناني (Egoistic)، والتوجه القيمي الإيثاري/الاجتماعي (Altruistic)، والتوجه القيمي الحيوي/الإيكولوجي (Biospheric). وتندرج المركزية البشرية بقوة تحت المظلتين الأنانية والإيثارية الاجتماعية، حيث يُنظر إلى البيئة كوعاء وظيفي لخدمة الذات أو حماية رفاهية المجتمع البشري حصراً دون اعتبار لحقوق النظم الطبيعية بذاتها.

يمثل التوجه المركزي الحيوي (Biocentrism) والتوجه المركزي البيئي (Ecocentrism) النقيض المباشر للتوجه المركزي البشري. فبينما تقر المركزية البشرية بأن الأضرار البيئية، مثل تلوث الهواء أو إزالة الغابات، تشكل أزمة فقط لأنها تهدد الصحة العامة للإنسان أو تدمر الموارد الاقتصادية والسياحية، يرى التوجه البيئي المركزي أن هذه الأضرار تمثل انتهاكاً للكرامة الذاتية وحق الحياة الذي تتمتع به المنظومات البيئية المستقلة عن الوجود البشري. هذا التمايز القيمي يؤدي إلى نتائج سلوكية متباينة للغاية؛ فالأشخاص الذين يمتلكون دوافع مركزية بيئية يميلون إلى إظهار سلوكيات مناصرة للبيئة تتسم بالديمومة والتضحية الطوعية، في حين يظل السلوك البيئي للمنتمين للتيار المركزي البشري هشاً ومشروطاً بوجود مكافآت مادية أو تجنب أضرار شخصية مباشرة وملموسة.

أكدت دراسات شولتز (P. Wesley Schultz) حول بنية الاهتمامات البيئية أن المركزية البشرية تولد قلقاً بيئياً مشروطاً. فالأفراد الذين يحصلون على درجات عالية في مقاييس الاهتمام الأناني والإيثاري تتركز مخاوفهم المناخية حول: كيف سيؤثر التغير المناخي على نمط حياتي، ومستوى دخلي، ومستقبل أطفالي؟ في المقابل، يمتد قلق أصحاب التوجه الحيوي ليشمل تدمير الموائل، وانقراض الطيور، واختلال التنوع الأحيائي بغض النظر عن فائدتها للإنسان. هذا التباين الدافعي يعكس كيف تعمل المركزية البشرية كمرشح نفسي انتقائي يحدد ما يستحق التعاطف والاستجابة وما يُترك للإهمال والإقصاء الأخلاقي.

التداعيات السلوكية والاجتماعية في عصر الأنثروبوسين

يتجلى الأثر العملي للمركزية البشرية في تكريس ما يُعرف بحقبة “الأنثروبوسين” (Anthropocene)، وهي الحقبة الجيولوجية التي بات فيها النشاط الإنساني القوة المهيمنة على التغيرات المناخية والبيئية لكوكب الأرض. على المستوى النفسي الاجتماعي، تغذي المركزية البشرية نزعة الاستهلاك التفاخري (Conspicuous Consumption) والوهم بامتلاك قدرة تقنية مطلقة على إدارة الأرض والتحكم فيها، وهو ما يُعرف بـ “غطرسة الهيمنة التكنولوجية”. هذا الموقف يمنح الشرعية النفسية لاستنزاف الموارد دون شعور بالذنب، حيث تُبرر العمليات التدميرية على أنها تضحيات ضرورية وحتمية في سبيل التقدم الحضاري والاقتصادي للإنسانية.

علاوة على ذلك، ترتبط المركزية البشرية بظاهرة “الاغتراب عن الطبيعة” (Nature Alienation) وفقدان الترابط الإيكولوجي، وهو ما وثقه الكاتب والباحث ريتشارد لوف تحت مصطلح “اضطراب نقص الطبيعة” (Nature-Deficit Disorder). عندما يتربى الأفراد في بيئات تفصلهم فيزيقياً ومفاهيمياً عن الدورات البيئية الطبيعية، تتراجع لديهم مشاعر الانتماء إلى الأرض، وتتطور لديهم مخاوف غير مبررة من عناصر الطبيعة (Biophobia)، مما يعزز تبنيهم التلقائي للمواقف المركزية البشرية التي ترى في الطبيعة فضاءً فوضوياً أو معادياً تجب حصر آثاره والسيطرة عليه داخل حدود المدن الخرسانية والبيئات المصطنعة.

على صعيد آخر، تواجه المجتمعات التي تتبنى المركزية البشرية تصاعداً حاداً في اضطرابات الصحة النفسية الناشئة عن الأزمة الإيكولوجية، مثل “القلق البيئي” (Eco-anxiety) و”السولاستالجيا” (Solastalgia) وهي الشعور بالحزن والاكتئاب الناجم عن التحول البيئي التدميري للمكان الذي يعتبره المرء وطنه. والمفارقة النفسية هنا هي أن المركزية البشرية الصلبة التي سعت تاريخياً إلى تعظيم أمان الإنسان واستقلاليته عن قيود الطبيعة، انتهت إلى توليد حالة عميقة من الهشاشة الوجودية واللايقين النفسي، بعد أن أثبتت التغيرات المناخية استحالة فصل الرفاه النفسي والجسدي للإنسان عن الاستقرار البيئي الكوكبي.

القياس النفسي والتقييم الإمبيريقي للمركزية البشرية

لتشخيص وقياس التوجهات المركزية البشرية تجريبياً، طور علماء النفس مجموعة من الأدوات السيكومترية الموثوقة التي تسعى إلى رصد المعتقدات والقيم الكامنة لدى الأفراد. ويعد “مقياس النموذج البيئي الجديد” (New Ecological Paradigm – NEP Scale)، الذي صممه دانلاب وزملائه (Dunlap et al.)، أحد أشهر هذه المقاييس وأكثرها استخداماً في البحوث النفسية والاجتماعية على مستوى العالم. يقيس المقياس درجات تأييد الأفراد للنظرة العالمية البيئية في مقابل النظرة المركزية البشرية التقليدية التي يُطلق عليها أحياناً “النموذج الاستثنائي البشري” (Human Exceptionalism Paradigm)، من خلال محاور تفحص إيمان الفرد بحدود النمو، وتوازن الطبيعة، وحق الإنسان في تعديل المحيط البيولوجي لحاجاته.

بالإضافة إلى ذلك، يُستخدم مقياس “الاهتمامات البيئية” (Environmental Motives Scale) الذي ابتكره شولتز لتفكيك الأبعاد الثلاثية للاهتمام الأخلاقي؛ حيث يقدم المقياس سيناريوهات ومصفوفات تقيس مدى ارتباط قلق المفحوص بالقضايا البيئية بذاته، أو بمجتمعه البشري، أو بجميع الكائنات الحية. كما طور باحثون آخرون مقاييس إسقاطية وغير لفظية لتقييم مقدار الإدراك الذاتي للترابط مع الطبيعة، ومن أبرزها مقياس “دمج الطبيعة في الذات” (Inclusion of Nature in Self – INS Scale)، وهو مقياس غرافي يعتمد على رسم دائرتين متداخلتين (الأنا والطبيعة) بدرجات متفاوتة، ويكشف بدقة مدى استقلال الهوية الشخصية للمفحوص عن العالم الطبيعي، حيث تمثل الدرجات المنخفضة أعلى مستويات الانفصال والمركزية البشرية.

تساعد هذه الأدوات التشخيصية الباحثين على استكشاف الفروق الفردية في المركزية البشرية وتأثرها بالمتغيرات الديموغرافية والاجتماعية والثقافية، مثل مستوى التعليم، والتوجه السياسي، والبيئة الحضرية مقابل الريفية، والتدين. وقد أظهرت نتائج الدراسات عبر الثقافات أن المجتمعات الغربية الصناعية تسجل عموماً درجات أعلى في المركزية البشرية الفردية مقارنة بالمجتمعات التقليدية أو الشعوب الأصلية، التي غالباً ما تتبنى نماذج قرابة بيئية شاملة تدمج الإنسان كعضو متساوٍ داخل نسيج مجتمع الأرض (The Land Community).

المقاربات النفسية والعلاجية لتفكيك المركزية البشرية

في مواجهة التحديات النفسية والبيئية المتصاعدة، ظهرت تيارات علاجية وسيكولوجية تحويلية تسعى إلى زحزحة المركزية البشرية وإعادة تموضع الإنسان ضمن شبكة الحياة. يأتي في مقدمة هذه التيارات تيار علم النفس الإيكولوجي (Ecopsychology) الذي يرى أن الصحة النفسية الفردية لا يمكن فصلها عن صحة الكوكب ككل. يهدف العلاج النفسي البيئي إلى معالجة الوهم البصري والنفسي بالانفصال عن الطبيعة، وتفكيك بنية “الأنا النرجسية” المستعلية، وإحلال مفهوم “الذات الإيكولوجية” (The Ecological Self) محلها، وهو مفهوم فلسفي ونفسي طوره آرني نايس في إطار حركة “الإيكولوجيا العميقة” (Deep Ecology).

تتضمن استراتيجيات التدخل المعرفي والسلوكي الهادفة إلى توسيع الدائرة الأخلاقية تفكيك التحيزات النوعية وتنمية مهارات “أخذ المنظور” (Perspective-Taking) مع الكائنات الحية الأخرى. تشير التجارب المخبرية في علم النفس الاجتماعي إلى أن تدريب الأفراد على تخيل المعاناة التي تعيشها الحيوانات البرية نتيجة لتدمير مواطنها، أو تصور العالم من منظور غير بشري، يولد انخفاضاً معنوياً في مستويات المركزية البشرية ويزيد من استعداد الأفراد للتخلي عن الاستهلاك المضر ودعم السياسات البيئية الصارمة. يسهم هذا التدريب الإدراكي في إضعاف آليات التبرير والإنكار النفسي، ويدفع باتجاه تطوير تعاطف عابر للأنواع (Cross-species Empathy).

كذلك تبرز تطبيقات “العلاج بالطبيعة” (Ecotherapy) وممارسات الغمر الحسي الطبيعي، مثل الاستحمام الغابوي الياباني (Shinrin-yoku)، كآليات فعالة لإعادة بناء الروابط الوجدانية مع البيئة. إن تجربة مشاعر “الرهبة والذهول” (Awe) أمام اتساع الطبيعة وقوتها الحيوية تؤدي وظيفياً إلى تقليص حجم الذات المتضخمة وتواضع الأنا، مما يزعزع القناعة الذهنية الدفينة بأن الإنسان هو سيد الوجود ومركزه الوحيد. من خلال هذه التجارب الشعورية العميقة، يتحول الوعي من مركزية بشرية نفعية ومغلقة إلى حس بالترابط الشبكي والتكافل الوجودي مع جميع صور الحياة.

خاتمة

في الختام، يتضح أن المركزية البشرية ليست مجرد فرضية فلسفية مجردة، بل هي إطار إدراكي ومنظومة قيمية ونفسية تشكلت عبر مسارات تطورية وتاريخية وثقافية معقدة، وأسهمت في صياغة سلوكياتنا الفردية والمجتمعية تجاه الكوكب. وعلى الرغم من أن هذا النموذج قد خدم في مراحل تطورية معينة أهداف البقاء البشري وتشييد الحضارة المادية، إلا أن تكاليفه في العصر الراهن باتت تهدد الأساس الحيوي للوجود البشري وغير البشري على حد سواء. إن تجاوز هذا المأزق يتطلب ثورة معرفية وسيكولوجية تعيد تعريف الذات الإنسانية من كونها كياناً متعالياً ومسيطراً إلى جزء مكمل ومسؤول داخل منظومة الحياة الكوكبية الواسعة، وهو ما يمهد السبيل لبناء هوية إيكولوجية ناضجة قادرة على تحقيق الاستدامة والوئام الوجودي.

المراجع

  • Dunlap, R. E., Van Liere, K. D., Mertig, A. G., & Jones, R. E. (2000). Measuring endorsement of the New Ecological Paradigm: A revised NEP scale. Journal of Social Issues, 56(3), 425–442.
  • Leopold, A. (1949). A Sand County Almanac, and Sketches Here and There. Oxford University Press.
  • Louv, R. (2005). Last Child in the Woods: Saving Our Children from Nature-Deficit Disorder. Algonquin Books.
  • Naess, A. (1973). The shallow and the deep, long-range ecology movement. A summary. Inquiry, 16(1-4), 95–100.
  • Schultz, P. W. (2000). Empathizing with nature: The effects of perspective taking on concern for environmental issues. Journal of Social Issues, 56(3), 391–406.
  • Schultz, P. W. (2001). The structure of environmental concerns: Concern for self, other people, and the biosphere. Journal of Environmental Psychology, 21(4), 327–339.
  • Singer, P. (1975). Animal Liberation: A New Ethics for Our Treatment of Animals. HarperCollins.
  • Stern, P. C. (2000). Toward a coherent theory of environmentally significant behavior. Journal of Social Issues, 56(3), 407–424.
  • Wilson, E. O. (1984). Biophilia. Harvard University Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 27). المركزية البشرية: المفهوم، الأبعاد النفسية، والتداعيات السلوكية والبيئية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/anthropocentrism-psychological-concept/
looti, Mohammed. “المركزية البشرية: المفهوم، الأبعاد النفسية، والتداعيات السلوكية والبيئية.” عرب سايكلوجي, 27 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/anthropocentrism-psychological-concept/.
looti, Mohammed. “المركزية البشرية: المفهوم، الأبعاد النفسية، والتداعيات السلوكية والبيئية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 27, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/anthropocentrism-psychological-concept/.