تمثل مضادات السعال فئة صيدلانية وعصبية بالغة التعقيد، إذ لا يقتصر دورها الوظيفي على كبح رد الفعل التنفسي الدفاعي المتمثل في السعال، بل يمتد تأثيرها المباشر إلى بنية الجهاز العصبي المركزي ومساراته الإدراكية والانفعالية. يتجاوز استكشاف هذه المركبات النطاق التقليدي لأمراض الرئة والجهاز التنفسي ليدخل في صميم علم النفس العصبي والطب النفسي الدوائي، حيث تتشابك ميكانيزمات السعال العضوي مع السعال النفسي الجسدي واستجابات البلاسيبو المعقدة. تكتسب دراسة هذه الأدوية أهمية خاصة بالنظر إلى الخصائص النفسية والمؤثرة على العقل لبعض أبرز مركباتها، فضلاً عن قابليتها المرتفعة لإساءة الاستخدام والإدمان في الأوساط السريرية والاجتماعية.
التعريف المعجمي والاصطلاحي لمضادات السعال
يُعرف مضاد السعال (Antitussive) لغوياً واصطلاحياً بأنه كل عامل دوائي أو علاجي صُمم خصيصاً لتثبيط أو تقليل تكرار وشدة منعكس السعال. يُصنف السعال في الأصل كآلية دفاعية حيوية متطورة تهدف إلى تنظيف المسالك الهوائية التنفسية من الإفرازات والمواد الأجنبية والمثيرات الكيميائية والميكانيكية. ومع ذلك، عندما يتحول السعال إلى حالة مزمنة أو غير مجدية، كما هو الحال في السعال الجاف غير المنتج، فإنه يتحول من رد فعل وقائي إلى عبء فسيولوجي ونفسي منهك يؤثر سلباً على جودة نوم الفرد، وحالته المزاجية، وقدرته على التفاعل الاجتماعي والمهني المستقر.
في السياق الطبي النفسي، لا يمكن النظر إلى مضاد السعال كمجرد مركب كيميائي يستهدف عضلات القصبة الهوائية، بل هو أداة تؤثر بشكل مباشر على الحلقات العصبية التي تربط بين جذع الدماغ والقشرة المخية والجهاز الحوفي. تتفاعل هذه المركبات مع شبكات معقدة من النواقل العصبية مثل الغلوتامات، والسيروتونين، والمستقبلات الأفيونية، مما يجعل تأثيراتها متماوجة بين تسكين الألم، والتهدئة النفسية، والتأثير على الإدراك الحسي، بل وحتى التسبب في حالات تفارقية عند إساءة استخدامها بجرعات غير علاجية.
تنقسم هذه الفئة الدوائية تقليدياً بناءً على موضع التأثير الأساسي إلى مضادات سعال مركزية المفعول تؤثر مباشرة على مركز السعال في النخاع المستطيل بالدماغ، ومضادات سعال محيطية المفعول تركز على تثبيط المستقبلات الحسية وتفرعات العصب الحائر في الشجرة القصبية. هذا التقسيم يفتح الباب أمام تباينات واسعة في الملف الدوائي والنفسي لكل صنف، لا سيما فيما يتعلق بإمكانية النفاذ عبر الحاجز الدموي الدماغي وتوليد تأثيرات نفسية وسلوكية بارزة لدى المرضى.
التشريح العصبي والفسيولوجيا النفسية لمنعكس السعال
يتكون منعكس السعال من قوس عصبي معقد يبدأ بالمستقبلات الميكانيكية والكيميائية المنتشرة على طول مجرى التنفس، والتي ترسل إشاراتها الحسية الواردة عبر ألياف العصب الحائر إلى نواة المسار المفرد (Nucleus Tractus Solitarius) الموجودة في جذع الدماغ. تعمل هذه النواة كمحطة ترحيل مركزية تعيد توزيع الإشارات العصبية إلى المراكز الحركية التنفسية لتنسيق انقباض الحجاب الحاجز وعضلات جدار الصدر والبطن بهدف إحداث زفير انفجاري عالي السرعة.
على الرغم من الطبيعة الانعكاسية التلقائية لهذا المسار، فإن الفسيولوجيا العصبية الحديثة أثبتت وجود تحكم قشري وتحت قشري علوي مكثف يمارس نفوذاً مثبطاً أو ميسراً على هذا المنعكس. ترتبط المناطق الدماغية العليا مثل القشرة الجزيرية (Insular Cortex)، والقشرة الحزامية الأمامية (Anterior Cingulate Cortex)، والقشرة الجبهية الحجاجية، بظاهرة الإحساس الواعي بالحاجة إلى السعال، وهي تجربة حسية انفعالية تشبه إلى حد كبير الرغبة في الحك أو إدراك الألم المزمن.
يطلق العلماء على هذه الحالة الإدراكية اسم «إلحاح السعال» (Urge-to-Cough)، وتُعتبر المكون النفسي والواعي لمنعكس السعال. تتأثر هذه الحالة بشدة بالحالة العاطفية للفرد، ومستويات القلق، والتوقع المعرفي؛ فالأفراد الذين يعانون من اضطرابات القلق أو الضغوط النفسية الشديدة يظهرون في الغالب فرط حساسية قشرية مركزية تجعلهم يشعرون برغبة ملحة ومستمرة في السعال استجابةً لأدنى المثيرات الهوائية غير المؤذية، وهي ظاهرة تُعرف سريرياً بمتلازمة فرط حساسية السعال.
يوضح هذا الارتباط العصبي الوثيق سبب فاعلية مضادات السعال المركزية في تعديل التجربة الانفعالية والإدراكية للسعال؛ فهي لا تكتفي بقطع الإشارات الحركية في النخاع المستطيل، بل تتدخل أيضاً في تخفيف حدة الإدراك القشري الواعي لـ «إلحاح السعال»، مما يمنح المريض راحة نفسية وجسدية متزامنة، ويكسر الحلقة المفرغة بين التوتر النفسي وزيادة الاستثارة الحركية للقصبات الهوائية.
التصنيف الدوائي والآليات الجزيئية
تُصنف مضادات السعال كيميائياً ووظيفياً إلى مجموعات رئيسية تتفاوت في خصائصها الفارماكولوجية وملفاتها السمية والنفسية، حيث تحتل الأدوية ذات الفاعلية المركزية الصدارة من حيث الانتشار والتعقيد العلاجي:
- مضادات السعال الأفيونية المركزية: وتشمل مركبات مثل الكودايين (Codeine) والمورفين والهيدروكودون. ترتبط هذه الأدوية بمستقبلات مو-الأفيونية (μ-opioid receptors) في جذع الدماغ، وتعمل على خفض استثارة الخلايا العصبية المسؤولة عن بدء السعال، لكنها تقترن أيضاً بآثار جانبية تشمل التسكين، وتثبيط التنفس، والإمساك، وخطر التعود النفسي والجسدي.
- مضادات السعال غير الأفيونية المركزية: ويأتي في مقدمتها مركب ديكستروميثورفان (Dextromethorphan)، والنوسكابين (Noscapine)، والفولكودين. تعمل هذه المجموعة عبر مسارات جزيئية غير أفيونية كلاسيكية، مثل تثبيط مستقبلات NMDA للجلوتامات وتنشيط مستقبلات سيغما-1 (Sigma-1 receptors)، مما يمنحها القدرة على تهدئة المركز النخاعي دون إحداث تثبيط تنفسي مهدد للحياة بالجرعات العلاجية.
- مضادات السعال المحيطية: وتشمل أدوية مثل البنزوناتات (Benzonatate) والليفودروبروبيزين (Levodropropizine). تعمل هذه المركبات موضعياً عبر تخدير وتثبيط المستقبلات التمددية الحسية في الشعب الهوائية وألياف السي غير الميالينية، مما يمنع انتقال التنبيه الحسي الصاعد إلى الجهاز العصبي المركزي دون أن تترك تأثيراً مباشراً على الوعي أو الحالة النفسية.
إن التمايز بين هذه الآليات الجزيئية يحدد بشكل دقيق المدى العلاجي لكل دواء وملفه التفاعلي؛ فالأدوية المحيطية تكاد تخلو تماماً من أي قدرة على إحداث الاعتماد النفسي أو تعديل المزاج، في حين أن المركبات المركزية تتطلب رقابة دوائية دقيقة بسبب تأثيراتها الجهازية الممتدة على كيمياء الدماغ، والمسارات الحركية، والمشاعر الذاتية للمريض.
ديكستروميثورفان: من التهدئة التنفسية إلى التطبيقات النفسية وسوء الاستخدام
يعد ديكستروميثورفان (DXM) النموذج الأكثر إثارة للاهتمام من منظور الطب النفسي وعلم الأدوية العصبي ضمن عائلة مضادات السعال. تم تطويره في منتصف القرن العشرين كبديل آمن وغير إدماني للكودايين، لكن الأبحاث العصبية المعاصرة كشفت عن ملف دوائي بالغ التعقيد يجعله أقرب وظيفياً إلى فئات المهدئات التفارقية ومضادات الاكتئاب الحديثة منه إلى مجرد مثبط للسعال التقليدي.
يعمل الديكستروميثورفان بجرعاته العلاجية العادية كمثبط فعال لمنعكس السعال عن طريق محاكاة ناهضات مستقبلات سيغما-1 وتثبيط النقل العصبي للجلوتامات. ومع ذلك، يتم استقلاب هذا المركب كبدياً عبر إنزيم السيتوكروم (CYP2D6) إلى مستقلبه النشط «ديكستروفان» (Dextrorphan)، وهو مناهض قوي وقاطع لمستقبلات NMDA، مما يجعله يشترك في خواصه الدوائية مع عقاقير تفارقية معروفة مثل الكيتامين والفينسيكليدين (PCP). بالإضافة إلى ذلك، يثبط الديكستروميثورفان استرداد السيروتونين والنورإبينفرين في المشابك العصبية.
هذا الملف الفارماكولوجي الفريد فتح آفاقاً جديدة في العلاج النفسي؛ حيث وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية حديثاً على دمج الديكستروميثورفان مع البوبروبيون (Bupropion) كعلاج سريع المفعول للاكتئاب السريري الجسيم. يعمل البوبروبيون هنا كمثبط لإنزيم CYP2D6، مما يزيد من التوافر الحيوي للديكستروميثورفان ويطيل عمره النصفي داخل الدماغ، مستفيداً من آليته المزدوجة المضادة للاكتئاب عبر تعديل الجلوتامات وتحفيز مسارات السيروتونين واللدونة العصبية.
على الجانب الآخر، أدى هذا النشاط العصبي المعقد إلى ظهور ظاهرة إساءة استخدام واسعة النطاق لمستحضرات السعال المحتوية على الديكستروميثورفان بين المراهقين والشباب، فيما يعرف اصطلاحياً بـ «Robotripping». تناول جرعات تفوق الجرعات العلاجية بأضعاف يقود إلى تأثيرات نفسية مقسمة إلى أربع هضاب سريرية من التسمم، تتراوح بين النشوة الخفيفة والتحفيز الحركي في المراحل الأولى، وصولاً إلى الهلوسة البصرية والسمعية، وتبدد الشخصية، والانفصال الكامل عن الواقع والغيبوبة في المراحل المتقدمة، مما يشكل خطراً داهماً يهدد بالذهان والاضطرابات الإدراكية المستمرة.
الكودايين ومخاطر الاعتماد والإدمان السلوكي
يمثل الكودايين (الميثيلمورفين) أحد أقدم مضادات السعال المركزية التي استُخدمت تاريخياً لتسكين السعال المنهك والألم المعتدل. يخضع الكودايين للتحول الحيوي في الكبد عبر إنزيم CYP2D6 ليتحول إلى المورفين، وهو المركب الفعال المسؤول عن التأثيرات المثبطة للسعال، والتأثيرات المسكنة، ولكن أيضاً عن الآثار الأفيونية المهدئة والمكافئة داخل الجهاز العصبي.
تكمن الخطورة النفسية والسلوكية للكودايين في قدرته على تفعيل المسار الدوباميني في الدماغ المتوسط والمكافأة (Mesolimbic Dopamine Pathway)، وتحديداً في النواة المتكئة (Nucleus Accumbens). يؤدي هذا التنشيط إلى توليد شعور بالنشوة والاسترخاء النفسي والتخلص المؤقت من القلق، مما يعزز سلوك التعاطي المتكرر ويقود تدريجياً إلى التحمل الدوائي (Tolerance)، حيث يحتاج المريض إلى رفع الجرعة للوصول إلى التأثير المهدئ نفسه، ومن ثم تطور الاعتماد الفيزيولوجي والنفسي الصريح.
شهدت العقود الأخيرة تحولاً اجتماعياً وثقافياً مقلقاً نحو إساءة استخدام شراب السعال المحتوي على الكودايين ومضادات الهيستامين (مثل البروميثازين)، وهو المزيج المعروف شعبياً باسم «Lean» أو «Purple Drank». ينتج عن هذا الخليط تأثير مهدئ مضاعف يؤدي إلى خمول حركي، ونشوة بطيئة، وتشوش ذهني، إلا أنه يرفع من مخاطر التثبيط التنفسي القاتل بصورة كارثية، خاصة عند مزجه بالكحول أو المهدئات الأخرى، فضلاً عن أعراض الانسحاب النفسية الشديدة المتمثلة في الاكتئاب، والأرق، والقلق الانفجاري، والرغبة القهرية في التعاطي.
تتأثر فاعلية الكودايين وخطر سميته بشدة بالاختلافات الجينية في إنزيمات الاستقلاب الكبدي بين الأفراد؛ فالأشخاص المصنفون كـ «مستقلبين فائقين السرعة» (Ultra-rapid metabolizers) يقومون بتحويل الكودايين إلى مورفين بكميات هائلة وسريعة للغاية حتى عند تناول الجرعات العلاجية المعتادة، مما يعرضهم لتسمم أفيوني حاد وتثبيط تنفسي مهدئ ومفاجئ، في حين يفقد الدواء قدرته العلاجية لدى «ضعاف الاستقلاب» دون أي تحسن يذكر في منعكس السعال.
التأثير الوهمي والتحكم الإدراكي في استجابة السعال
يعد السعال واحداً من أكثر الحالات الطبية استجابة لظاهرة التأثير الوهمي (Placebo Effect)؛ حيث أثبتت الدراسات السريرية المعشاة والمضبوطة بالعلاج الوهمي أن ما يقرب من 50% إلى 85% من فاعلية أدوية السعال ومثبطاته في تقليل وتيرة وشدة الأعراض يعود في حقيقته إلى الاستجابة النفسية المعرفية والتوقعات الذاتية للمريض، وليس إلى الخصائص الدوائية الحيوية للجزيء بحد ذاته.
تستند هذه الاستجابة النفسية القوية إلى أسس فسيولوجية عصبية ملموسة، فالاعتقاد الإيجابي بتلقي دواء شافٍ ومضاد للسعال يحفز الدماغ على إفراز الببتيدات الأفيونية الذاتية (Endorphins) ومادة الدوبامين في مناطق جذع الدماغ والمراكز القشرية العليا. تؤدي هذه النواقل العصبية الذاتية إلى كبح المسارات الحسية الصاعدة ونواة المسار المفرد تماماً كما تفعل العقاقير الدوائية الخارجية، مما يخفض بشكل حقيقي من استثارة المنعكس ويقلل من شدة «إلحاح السعال» المدرك.
تسهم الخصائص الحسية لشراب السعال، مثل القوام اللزج والمذاق الحلو ولون الدواء والنكهة المضافة (كالنعناع أو المنثول)، في تفعيل منعكسات نفسية شرطية مستقرة عبر الذاكرة. يتفاعل المريض حسياً ونفسياً مع شعور البرودة والترطيب في الحلق، وهو ما يبعث إشارات طمأنة فورية إلى الجهاز العصبي المركزي تقلل من القلق المصاحب للاحتقان التنفسي، وتزيد من الشعور بالتحسن قبل أن يتاح للمركب الكيميائي وقت كافٍ للامتصاص والدخول في الدورة الدموية العامة.
تسلط هذه الحقائق الضوء على الدور المحوري للعلاقة العلاجية بين الممارس الصحي والمريض؛ إذ إن أسلوب تقديم الوصفة الدوائية، وإبداء التعاطف، وتعزيز التوقعات الإيجابية بالشفاء، يمثل جزءاً لا يتجزأ من الآلية العلاجية لمضادات السعال، ويؤكد استحالة فصل المكون العضوي الصرف عن المحددات النفسية والسلوكية في علاج اضطرابات المسالك التنفسية.
السعال النفسي الجسدي واضطرابات السعال الوظيفية
في العديد من السيناريوهات السريرية، يعاني المريض من سعال مزمن ومستمر لشهور أو سنوات دون وجود أي اعتلال عضوي رئوي أو حساسية أو مشكلة هيكلية في القصبات الهوائية، وهو ما يشار إليه في الطب النفسي بـ «اضطراب السعال الجسدي» (Somatic Cough Disorder) وفق معايير الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس (DSM-5)، أو ما كان يعرف تاريخياً بالسعال النفسي (Psychogenic Cough) أو سعال العادة (Habit Cough).
يتميز هذا النوع من السعال بنمط سلوكي ونفسي فريد؛ حيث يكون السعال غالباً رناناً، وجافاً، وقاسياً يشبه نعيق الغراب أو نباح الكلب، ويزداد وضوحاً وحدة في وجود الآخرين أو في فترات التوتر والضغوط النفسية والاجتماعية الشديدة، في حين يختفي تماماً وبشكل لافت بمجرد استغراق المريض في النوم أو تشتيت انتباهه بنشاط ذهني أو حركي ممتع ومستغرق.
يكتسي الفارق بين السعال العضوي والنفسي أهمية بالغة في الاستجابة لمضادات السعال؛ حيث تفشل كافة مضادات السعال التقليدية، سواء كانت أفيونية مركزية المفعول مثل الكودايين أو غير أفيونية، في كبح هذا النوع من السعال النفسي الجسدي. إن إصرار الأطباء على رفع جرعات مضادات السعال الكيميائية في مثل هذه الحالات يعرض المريض لسمية دوائية دون أي جدوى إكلينيكية، لأن الخلل يكمن في البنية السلوكية ومسارات التكيف النفسي مع التوتر وليس في حساسية المستقبلات النخاعية التنفسية.
يتطلب العلاج الناجح للسعال النفسي الجسدي نهجاً نفسياً سلوكياً شاملاً؛ يشمل العلاج السلوكي المعرفي (CBT) لتفكيك المخاوف الصحية المرتبطة بالتنفس، وتقنيات «عكس العادة» (Habit Reversal Therapy) التي تدرب المريض على استبدال منعكس السعال باستجابات حركية منافسة مثل البلع المتعمد أو التنفس البطني البطيء مع شرب رشفات صغيرة من الماء، فضلاً عن استخدام التدخلات الداعمة التي تخفف من حدة القلق والصدمات النفسية الدفينة المحفزة للأعراض.
التفاعلات الدوائية والمخاطر العصبية والنفسية
تنطوي مضادات السعال المركزية على مجموعة معقدة من التفاعلات الدوائية والمخاطر السريرية التي تتطلب حذراً فائقاً، لا سيما عند وصفها لمرضى يتلقون علاجات نفسية متزامنة، أو كبار السن، أو الذين لديهم تاريخ من تعاطي المواد المخدرة:
- متلازمة السيروتونين المهددة للحياة: نظراً لأن الديكستروميثورفان يثبط إعادة امتصاص السيروتونين، فإن استخدامه المتزامن مع مضادات الاكتئاب الشائعة مثل مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، ومثبطات استرداد السيروتونين والنورإبينفرين (SNRIs)، ومثبطات أكسيداز أحادي الأمين (MAOIs)، قد يؤدي إلى تراكم مفرط وسمي للسيروتونين في الدماغ، مما يسبب متلازمة السيروتونين المتجلية في الهذيان، والاهتزاز العضلي، وفرط الحرارة، والتقلبات المستقلية القاتلة.
- تثبيط الجهاز العصبي المركزي والتدهور المعرفي: تؤدي إضافة مضادات السعال الأفيونية كالكودايين إلى أدوية مهدئة أخرى مثل البنزوديازيبينات، ومضادات الذهان، والمهدئات المنومة، إلى تثبيط تراكمي حاد في مراكز التنفس بجذع الدماغ، وتدهور شديد في الانتباه والإدراك الحركي، مما يرفع احتمالات حوادث السقوط لدى المسنين وحوادث السير القاتلة.
- التأثيرات التناقضية والذهان الحاد: قد تظهر لدى بعض المرضى، ولا سيما الأطفال والمسنين، ردود فعل تناقضية غير متوقعة عند تناول مضادات السعال المركزية؛ تشمل الهياج الحركي النفسي، والهلع، والأرق الشديد، والتشتت الذهني، بدلاً من التهدئة والاسترخاء المرجوين، كما قد تؤدي الجرعات المفرطة إلى تفجير نوبات ذهانية كامنة لدى الأفراد المعرضين جينياً لمرض الفصام.
- تفاقم الاضطرابات المزاجية والانسحاب: يؤدي الانقطاع المفاجئ عن مضادات السعال بعد استخدامها لفترات ممتدة إلى متلازمة انسحاب تتضمن أعراضاً نفسية بارزة مثل عسر المزاج الحاد، وسرعة الانفعال، والهجمات الانفعالية، وتفاقم القلق الأولي الذي ربما كان محركاً للاضطراب التنفسي منذ البداية.
تفرض هذه المخاطر ضرورة التقييم السريري الدقيق للملف الدوائي والنفسي للمريض قبل وصف أي مضاد سعال مركزي، وتجنب الجمع التلقائي بين مستحضرات البرد متعددة المكونات ومثبطات المزاج النفسية، مع مراقبة العلامات المبكرة للاعتماد والتشوش الذهني بشكل منهجي ومستمر.
الخاتمة والتطلعات المستقبلية
توضح المراجعة الشاملة لمضادات السعال أنها ليست مجرد مستحضرات صيدلانية بسيطة لمعالجة أعراض نزلات البرد العابرة، بل هي مركبات متطورة تتصل بأعمق الدوائر العصبية والنفسية في الدماغ البشري. يتطلب التعامل الطبي الواعي مع هذه الأدوية إدراكاً عميقاً للتفاعل الحيوي بين ميكانيزمات السعال العضوي والمؤثرات النفسية المعرفية، والتمييز الدقيق بين استجابات التثبيط النخاعية وتأثيرات الإيحاء النفسي الإيجابي.
تتجه الأبحاث الدوائية المعاصرة نحو تطوير جيل جديد من مضادات السعال غير المهدئة وغير القابلة لإساءة الاستخدام، والتي تستهدف مستقبلات نوعية محددة مثل مضادات مستقبلات P2X3 (مثل عقار جيفابيكسانت Gefapixant) ومضادات مستقبلات النوروكينين (NK-1 antagonists). تهدف هذه التطورات إلى تثبيط فرط حساسية المسارات العصبية المحيطية والمركزية للسعال المزمن دون التسبب في تأثيرات جانبية تؤثر على المزاج، أو الوعي، أو تشكل خطراً إدمانياً يثقل كاهل الصحة العامة والطب النفسي المعاصر.
المراجع
- Bolser, D. C. (2006). Central mechanisms II: Pharmacology of brainstem pathways. In Cough: Causes, Mechanisms and Therapy (pp. 205-214). Blackwell Publishing.
- Chung, K. F., & Pavord, I. D. (2008). Prevalence, pathogenesis, and causes of chronic cough. The Lancet, 371(9621), 1364-1374. https://doi.org/10.1016/S0140-6736(08)60595-4
- Eccles, R. (2002). The powerful placebo in cough studies? Pulmonary Pharmacology & Therapeutics, 15(3), 303-308. https://doi.org/10.1006/pupt.2002.0364
- Mazzone, S. B., McGovern, A. E., Yang, S. K., Woo, A., Phipps, S., Ando, A., & Farrell, M. J. (2013). Sensorimotor circuitry involved in the higher brain control of cough. Pulmonary Pharmacology & Therapeutics, 26(5), 488-493. https://doi.org/10.1016/j.pupt.2013.03.016
- Morice, A. H., Millqvist, E., Bieksiene, K., Birring, S. S., Dicpinigaitis, P., Domingo Ribas, C., … & Chung, K. F. (2020). EURCA European Respiratory Society guidelines on the diagnosis and treatment of chronic cough in adults and children. European Respiratory Journal, 55(1), 1901136. https://doi.org/10.1183/13993003.01136-2019
- Romanova, M., & Burns, M. J. (2014). Dextromethorphan. In Medical Toxicology of Drug Abuse: Synthesized Chemicals and Psychoactive Plants (pp. 248-260). John Wiley & Sons.
- Vertigan, A. E., Murdoch, B. E., & Gibson, P. G. (2007). The state of the art in the management of chronic cough: Behavioural voice therapy and speech pathology intervention. Thorax, 62(8), 724-730. https://doi.org/10.1136/thx.2006.072314