يمثل مفهوم السكتة، أو ما عُرف تاريخياً بـ “الأبوبليكسيا”، إحدى أقدم الظواهر السريرية التي واجهت الفكر الطبي والفلسفي عبر العصور؛ إذ تجسد اللحظة المباغتة التي يتصدع فيها الجسر الواصل بين الوظائف العصبية الحيوية والحالة النفسية الواعية للإنسان. إن الفهم المعاصر لهذا المفهوم يتجاوز مجرد اعتباره حادثاً وعائياً دماغياً مجرداً، ليمتد إلى شبكة معقدة من التفاعلات النيوروسيكولوجية والسلوكية التي تعيد تشكيل هوية الفرد المعرفية والوجدانية بصورة جذرية. تستكشف هذه الدراسة الموسوعية ماهية السكتة من منظور تاريخي، وفيزيولوجي، ونفسي عصبي، مسلطة الضوء على الكيفية التي أفضى بها الانقطاع الفجائي للتروية الدماغية إلى فتح آفاق علمية لفهم تموضع الوظائف النفسية داخل الدماغ البشري.
التأصيل المعجمي والتاريخي لمفهوم السكتة (الأبوبليكسيا)
ينحدر المصطلح اللاتيني Apoplexia تاريخياً من الأصل الإغريقي ἀποπληξία المشتق من الفعل ἀποπλήσσειν (أبوبليسّين)، والذي يحمل في طياته دلالة الصعق، أو الانقضاض، أو الشلل الناجم عن ضربة عنيفة مفاجئة. يعكس هذا التأصيل اللغوي الصدمة السريرية التي كان يعاينها الأطباء القدماء عندما يسقط مريض متمتع بكامل قواه الحيوية في غيبوبة عميقة أو شلل نصفي فجائي دون سابق إنذار مرضي واضح، وكأن قوة خفية قاهرة قد أصابته بصاعقة أوقفت مسار روحه وحركته. لقد ظل هذا المصطلح لقرون طويلة واصفاً لمتلازمة عيادية شاملة تفوق في دلالتها الوصف التشريحي الحديث، حيث كانت تجمع تحت مظلتها طيفاً واسعاً من الاضطرابات التي تشترك في خاصية السقوط الفجائي وفقدان الوعي الحركي والحسي.
في التراث الطبي الإغريقي، ولا سيما ضمن مؤلفات أبقراط، وُصفت الأبوبليكسيا بأنها اختناق مفاجئ للأرواح الحيوية داخل الأوعية الدماغية ناجم عن اضطراب أخلاطي حاد. اعتقد جالينوس لاحقاً أن السبب الجوهري يكمن في تراكم خلطي البلغم أو المرة السوداء في بطينات الدماغ، مما يعيق تدفق “الروح النفسانية” عبر الأعصاب إلى بقية أعضاء الحس والحركة. وقد انعكس هذا التصور النظري بعمق على الممارسات الطبية في الحضارة الإسلامية؛ حيث أفرد أطباء بارزون مثل أبو بكر الرازي في كتابه “الحاوي في الطب” وابن سينا في “القانون في الطب” فصولاً مدققة حول “السكتة”، مفرقين بين السكتة التامة التي تودي بالحياة سريعاً والسكتة غير التامة التي تخلف الفالج وخدر الأعضاء واضطراب النطق وتغير المزاج العام للمريض.
مع بزوغ عصر النهضة والقرن السابع عشر، بدأت الرؤية الطبية تتحول تدريجياً من التفسيرات الأخلاطية المجردة نحو التشريح المرضي العياني؛ حيث قدم الطبيب السويسري يوهان ياكوب فيبفر (Johann Jakob Wepfer) عام 1658 دليلاً تشريحياً قاطعاً يربط السكتة بحدوث نزف داخل النسيج الدماغي أو انسداد في الشرايين السباتية والشريان الفقري. تلاه في ذلك الطبيب الإنجليزي توماس ويليس الذي أرسى دعائم تشريح التروية الوعائية الدماغية عبر توصيفه الشهير لـ “دائرة ويليس”، رابطاً بين انقطاع الدم وتوقف النشاط النفسي والعقلي. تحولت الأبوبليكسيا تدريجياً عبر هذه المحطات الاستكشافية من لغز ميتافيزيقي وأخلاطي إلى متلازمة سريرية وعائية عصبية تمهد لولادة علم الأعصاب الحديث.
الفيزيولوجيا المرضية والتصنيف السريري الحديث
في المشهد العلمي المعاصر، تطور مصطلح الأبوبليكسيا ليحل محله مفهوم السكتة الدماغية (Stroke أو Cerebrovascular Accident)، مع الاحتفاظ بلفظ الأبوبليكسيا في سياقات مرضية محددة مثل “السكتة النخامية” (Pituitary Apoplexy) التي تشير إلى نخر نزفي أو احتشائي مفاجئ في الغدة النخامية. تُمثل السكتة الدماغية في جوهرها الفيزيولوجي اضطراباً حاداً في الدورة الدموية المخية ينجم إما عن انسداد وعائي يخفض التروية الدموية دون العتبة الحرجة اللازمة لبقاء الخلايا العصبية حية (السكتة الإقفارية)، أو عن تمزق في جدار وعاء دموي يقود إلى انسكاب الدم داخل لحمة الدماغ أو الحيز تحت العنكبوتية (السكتة النزفية).
تستند السكتة الإقفارية، التي تشكل الغالبية العظمى من الحالات السريرية، إلى سلسلة تفاعلات كيميائية حيوية مدمرة تُعرف باسم “الشلال الإقفاري” (Ischemic Cascade). يبدأ هذا المسار بنضوب الأدينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP) نتيجة حرمان الخلايا من الأكسجين والغلوكوز، مما يؤدي إلى فشل مضخات الصوديوم والبوتاسيوم الأيونية، ونزع الاستقطاب الخلوي المستمر، وانطلاق كميات هائلة من النواقل العصبية الاستثارية ولا سيما الغلوتامات. يقود التدفق المفرط لأيونات الكالسيوم داخل الخلية إلى تفعيل الإنزيمات المحللة للبروتينات والدهون، وإنتاج الجذور الحرة التفاعلية، مما ينتهي بموت الخلايا المبرمج والنخر في المنطقة المركزية للاحتشاء، في حين تبقى المنطقة المحيطة بها—المعروفة بـ “منطقة الظل الإقفاري” (Penumbra)—عرضة للخطر وقابلة للإنقاذ في حال التدخل العلاجي السريع.
في المقابل، تتميز السكتة النزفية بآلية إمراضية مزدوجة تتضمن أذية ميكانيكية مباشرة ناجمة عن الضغط الورمي للورم الدموي المتشكل، وارتفاع الضغط داخل القحف، وتأثيرات سمية كيميائية ناتجة عن تحلل كريات الدم الحمراء وإطلاق الحديد ونواتج أكسدة الهيموغلوبين التي تحفز الالتهاب العصبي الشديد. تتداخل هذه التغيرات الفيزيولوجية الحادة بصورة وثيقة مع مراكز الضبط الذاتي العصبي، مؤدية إلى اضطراب فوري في الاتصال الوظيفي للشبكات الدماغية الكبرى، وهو ما ينعكس سريرياً على شكل تدهور واسع النطاق في الوظائف التنفيذية، والوعي، والقدرات المعرفية المتمايزة.
المظاهر النفسية العصبية والمعرفية المترتبة على السكتة
لا تتوقف عواقب السكتة عند حدود العجز الحركي مثل الفالج والشلل النصفي، بل تمتد لتضرب البنية المعرفية العميقة للشخصية الإنسانية، متيحة لعلماء الأعصاب والباحثين النفسيين نافذة تجريبية لفهم آليات توزع الوظائف العليا في القشرة المخية. تعتمد المظاهر النيوروسيكولوجية الناتجة بصورة مباشرة على التموضع الطبوغرافي للبؤرة التالفة؛ فالإصابات التي تلحق بنصف الكرة المخية الأيسر تؤدي في المقام الأول إلى تفكك البنى اللغوية، بينما تسفر آفات النصف الأيمن عن اضطرابات حادة في الإدراك المكاني والبصري، والوعي بالجسد، والقدرات الانفعالية التعبيرية.
تعتبر الحبسة الكلامية (Aphasia) من أبرز الاضطرابات النفسية اللغوية الناتجة عن السكتات الدماغية التي تصيب مناطق تجهيز اللغة. يؤدي تضرر باحة بروكا في التلفيف الجبهي السفلي الأيسر إلى حبسة تعبيرية يعاني فيها المريض من عسر شديد في إنتاج الكلام والطلاقة اللفظية مع احتفاظ نسبي بالفهم، مما يولد إحباطاً نفسياً كبيراً نتيجة إدراك المريض لعجزه التواصلي. في المقابل، يقود تلف باحة فيرنيكه في الفص الصدغي الخلفي إلى حبسة استقبالية يفقد فيها المريض القدرة على فهم اللغة المنطوقة والمكتوبة، متحدثاً بطلاقة لغوية زائفة تعج بالألفاظ الشاذة والنيولوجيزمات (الكلمات المبتكرة غير المفهومة)، دون أن يعي في كثير من الأحيان اختلال خطابه اللغوي.
تتجلى اضطرابات الإدراك الذاتي والمكاني بأوضح صورها عند إصابة الفص الجداري الأيمن؛ حيث يصاب المريض بما يُعرف بمتلازمة “الإهمال الحيزي النصفي” (Hemispatial Neglect)، متجاهلاً بشكل كامل المثيرات البصرية والسمعية والحسية القادمة من الجانب المقابل للإصابة (الجانب الأيسر غالباً). قد يترافق ذلك مع ظاهرة سريرية نفسية معقدة هي “عمى العاهة” أو فقد إدراك المرض (Anosognosia)، حيث ينكر المريض بصورة جازمة وجود أي شلل في أطرافه العاجزة، مدعياً قدرته على الحركة أو ناسباً أطرافه المشلولة إلى أشخاص آخرين؛ وهي حالة تنبع من تصدع الروابط القشرية التحت-قشرية المسؤولة عن تحديث المخطط الجسدي وصورته الذهنية الواعية.
الاضطرابات النفسية والانفعالية اللاحقة للسكتة الدماغية
يمثل التغير الانفعالي والسلوكي بعد السكتة أحد أكبر التحديات في حقل الطب النفسي العصبي (Neuropsychiatry)، حيث تتضافر الآفات العضوية الدماغية مع الصدمة النفسية الوجودية الناجمة عن الفقدان المفاجئ للاستقلالية الذاتية. يبرز الاكتئاب التالي للسكتة (Post-Stroke Depression – PSD) بوصفه أكثر هذه الاضطرابات شيوعاً وفتكاً بنوعية حياة المريض، إذ يصيب ما يقارب ثلث الناجين من السكتات الدماغية خلال فترات متفاوتة من مسار التعافي.
تتباين الرؤى العلمية في تفسير مسببات الاكتئاب التالي للسكتة؛ إذ ترى النظرية العصبية الحيوية أنه ينجم عن انقطاع مباشر في المسارات أحادية الأمين الصاعدة (الدوبامينية، والسيروتونينية، والنورأدرينالية) إثر الآفات القشرية الجبهية والعقد القاعدية، ولا سيما في النصف الأيسر من الدماغ، فضلاً عن دور الإجهاد التأكسدي والوسائط الالتهابية مثل السيتوكينات (IL-1, IL-6, TNF-alpha) التي تعبر الحاجز الدموي الدماغي وتستحث حالة من العصابية المزاجية العضوية. في المقابل، تؤكد المقاربات النفسية الديناميكية على البعد التفاعلي؛ حيث يعاني المريض من حداد نفسي عميق لفقدانه السيطرة على جسده ووظائفه الحيوية ومركزه الاجتماعي والمهني، مما يدخله في حلقة مفرغة من العجز المتعلم واليأس.
إلى جانب الاكتئاب، تظهر أعراض وجدانية وسلوكية متمايزة سريرياً تستوجب التشخيص الدقيق، ومنها:
- العاطفة البصلية الكاذبة (Pseudobulbar Affect – PBA): وتعرف أيضاً بالسلس الانفعالي، وتتميز بنوبات مفاجئة، قهرية، وغير متطابقة من الضحك أو البكاء دون وجود محفز عاطفي ملائم أو شعور داخلي مكافئ للحالة التعبيرية، وتنتج عن انقطاع المسارات القشرية البصلية المثبطة للمراكز الحركية في جذع الدماغ.
- اللامبالاة العصبية (Apathy): وتتمثل في فقدان المبادأة، والخمود الدافعي، وتسطح المشاعر، وتعد متلازمة مستقلة بحد ذاتها عن الاكتئاب، وترتبط بقوة بآفات النواة المذنبة والدارة الجبهية تحت القشرية.
- القلق المعمم ونوبات الهلع: الناجمة عن الخوف المستمر من تكرار السكتة أو العجز عن مواجهة المتطلبات البيئية بالقدرات المعرفية المتراجعة.
- الذهان العضوي والتهيجات السلوكية: وهي أقل شيوعاً، ولكنها قد تحدث نتيجة الآفات الوعائية في الفصوص الصدغية والجدارية، وتظهر على شكل أوهام اضطهادية وهلاوس سمعية أو بصرية معقدة.
التدهور المعرفي الوعائي والخرف بعد السكتة
تُعد السكتة الدماغية عاملاً مساهماً ورئيسياً في نشوء ما يُعرف سريرياً بـ “الاعتلال المعرفي الوعائي” (Vascular Cognitive Impairment – VCI)، والذي يتدرج من القصور المعرفي الطفيف وصولاً إلى الخرف الوعائي الكامل (Vascular Dementia). لا يرتبط هذا التدهور فقط بحجم المنطقة المتنخرة نتيجة السكتة الواسعة، بل يرتبط أيضاً بتراكم الاحتشاءات الصغيرة الصامتة (Lacunar Infarcts) وتضرر المادة البيضاء الدماغية نتيجة اعتلال الأوعية الدقيقة، مما يعزل المراكز المعرفية العليا ويحول دون تكامل وظائفها التنسيقية المعقدة.
يختلف البروفيل المعرفي للمرضى المصابين بالتدهور الوعائي عن مرضى داء ألزهايمر بصورة جوهرية؛ فبينما يتركز العجز في ألزهايمر حول الذاكرة العرضية وتخزين المعلومات الجديدة في مراحل المرض الأولى، يعاني مريض السكتات الوعائية من بطء ملحوظ في سرعة المعالجة الذهنية، واضطراب بارز في الوظائف التنفيذية (Executive Functions) مثل التخطيط، والمرونة المعرفية، والتجريد، وضبط الاندفاعات، وحل المشكلات. يعود هذا النمط الانتقائي إلى حساسية الدارات الجبهية-المخططية (Fronto-striatal circuits) البالغة للانسدادات الإقفارية ونقص التروية الدموية المزمن.
علاوة على ذلك، أظهرت الأبحاث النيوروباثولوجية الحديثة وجود تداخل معقد بين السكتات الدماغية والعمليات التنكسية العصبية؛ حيث يؤدي الحادث الوعائي إلى تحفيز ترسب بروتينات الأميلويد بيتا وفسفرة بروتين تاو، مما يسرّع من ظهور الأعراض السريرية لدى المرضى الذين يحملون استعداداً بيولوجياً مسبقاً للخرف التنكسي. هذا التلاقي الميكانيكي يبرز ضرورة اعتبار السكتة ليس مجرد حدث آني ينتهي بانقضاء التدخل الإسعافي، بل عملية بيولوجية مستمرة تعيد توجيه مسار الشيخوخة المعرفية للمخ بأكمله.
منهجيات التقييم والتشخيص النفسي العصبي
يتطلب التقييم السريري الشامل لآثار السكتة تعاوناً متكاملاً بين أطباء الأعصاب، والطب النفسي، وعلماء النفس العصبي، من أجل رسم خريطة وظيفية دقيقة لنقاط القوة والضعف المعرفية والنفسية لدى الناجي من السكتة. تبدأ هذه العملية بالمسح المعرفي الأولي باستخدام أدوات قياسية سريعة مثل تقييم مونتريال المعرفي (MoCA) أو فحص الحالة العقلية المصغر (MMSE)، واللذين يتيحان الكشف المبدئي عن وجود عجز عام في الانتباه، أو التوجه، أو الذاكرة، أو التسمية، مع الأخذ بالحسبان محدودية هذه الأدوات السريعة أمام العيوب اللغوية البؤرية كالحبسة.
تستلزم المرحلة المتقدمة تطبيق بطاريات نفسية عصبية متخصصة ومقننة تهدف إلى فحص الوظائف العليا بصورة مفصلة. يتضمن ذلك استخدام اختبار بوسطن لتشخيص الحبسة لتقييم المهارات اللغوية المختلفة، واختبار صنع المسار (Trail Making Test) لتقييم الوظائف التنفيذية والمرونة الإدراكية، وبطارية ويشسلر للذاكرة لتقييم السجلات التذكرية البصرية والسمعية. كما يتم تقييم متلازمات الإهمال الحيزي عبر اختبارات شطب الخطوط، ورسم الساعة، ونسخ الأشكال الهندسية المعقدة، لتحديد درجة وعي المريض بالفضاء المحيط به.
تتكامل هذه القياسات السيكومترية مع تقنيات التصوير العصبي الوظيفي والهيكلي المتقدمة؛ حيث يوفر التصوير بالرنين المغناطيسي ببروتوكولات مثل موتر الانتشار (Diffusion Tensor Imaging – DTI) صوراً بالغة الدقة لتلف المسارات العصبية والمادة البيضاء الناجم عن انقطاع التروية. كما يتيح الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET) مراقبة التغيرات في التمثيل الغذائي للمخ والاتصالية الوظيفية للشبكات الدماغية في حالة الراحة وأثناء أداء المهام، مما يساعد في التنبؤ بمسارات التعافي وتصميم خطط التدخل التأهيلي الفردية بصورة أكثر علمية ورصانة.
المرونة العصبية وإعادة التأهيل النفسي الشامل
إن النظرة الطبية التقليدية التي كانت تفترض جمود الجهاز العصبي المركزي وعجزه التام عن التعويض بعد النخر الوعائي قد تراجعت بصورة جذرية لصالح مفهوم المرونة العصبية (Neuroplasticity). تعكس المرونة العصبية قدرة الدماغ البشري الفائقة على إعادة تنظيم شبكاته المشبكية وتجنيد مسارات بديلة غير متضررة لتولي الوظائف التي فقدتها البؤر المتموتة، سواء عبر إنبات نهايات عصبية جديدة، أو فك تثبيط المشابك الكامنة، أو إعادة هيكلة القشرة الدماغية في نصف الكرة المخية السليم.
يقوم التأهيل النفسي العصبي المعاصر على استثمار هذه الإمكانات البيولوجية عبر برامج تدريبية سلوكية ومعرفية مكثفة تستند إلى التعلم الموجه. تشمل هذه البرامج:
- التدريب التعويضي (Compensatory Training): تدريب المريض على استخدام استراتيجيات ومساعدات خارجية (مثل المذكرات الإلكترونية والمفكرات المكانية) للالتفاف على العجز الدائم في الذاكرة أو الانتباه.
- التدريب الترميمي (Restorative Training): محاولة استعادة المسارات العصبية المفقودة جزئياً من خلال التدريبات المحوسبة المتكررة للتركيز وسرعة الاستجابة المعرفية.
- العلاج بالحركة المقيدة المستحثة (CIMT): وهي مقاربة مقتبسة من التأهيل الحركي يتم تطبيق مبادئها في التأهيل السلوكي والمعرفي لتحفيز الدماغ على عدم الاستسلام للإهمال المكتسب.
- العلاج النفسي المعرفي السلوكي المكيّف (CBT): تعديل الأنماط الفكرية الكارثية والمشاعر الاكتئابية المصاحبة للعجز الجسدي، مع مراعاة الصعوبات الإدراكية للمريض عبر تبسيط المهام وتقديمها بصيغ مدعمة بصرياً.
لا يكتمل التأهيل دون دمج البيئة الأسرية والاجتماعية في المنظومة العلاجية؛ إذ تؤكد الدراسات السريرية على ظاهرة “إجهاد مقدم الرعاية” (Caregiver Burden)، حيث يؤدي الضغط النفسي المستمر والانفعالي المرافق لرعاية مريض أصيب بالسكتة إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الاحتراق النفسي والاكتئاب لدى أفراد الأسرة. يتطلب التدخل الفعال تقديم برامج دعم نفسي وتثقيف صحي للمحيطين بالمريض لفهم طبيعة التغيرات السلوكية والانفعالية الناجمة عن تلف المخ، وتوفير آليات تواصل تكيفية تحد من الصراعات الأسرية وتدعم مسار الدمج الاجتماعي للمريض داخل مجتمعه.
الأبعاد السيكودينامية والوجودية للسكتة الدماغية
تفرض السكتة الدماغية صدعاً وجودياً مباغتاً في المسار السردي لحياة الفرد؛ ففي غضون ثوانٍ معدودة، يُنتزع الإنسان من موقعه كفاعل حر ومستقل في العالم ليتحول إلى كائن يعتمد كلياً على الآخرين لتلبية أبسط احتياجاته البيولوجية والحركية. هذا التحول الراديكالي يعيد إحياء آليات دفاعية نفسية أولية مثل النكوص، والإنكار، والعدوان الارتدادي نحو الذات، حيث يواجه الفرد حالة من التمزق بين “الذات الجسدية السابقة” المفعمة بالقوة و”الذات الحالية” المحدودة والمعتلة.
تتعرض “صورة الجسد” (Body Image) إلى تشوه حاد نتيجة فقدان الإحساس أو الشلل؛ إذ يصبح الطرف المشلول في نظر المريض جسماً غريباً أو متطفلاً، مما يولد صراعات نفسية ديناميكية عميقة تتصل بالسيطرة والاعتمادية. تتطلب مساعدة المريض على تجاوز هذه الأزمة الوجودية تبني منظور إنساني يتجاوز مجرد التعامل مع الأعراض العصبية كمعطيات آلية معزولة، للتركيز على مساعدة المريض في إعادة بناء “معنى الحياة” بعد السكتة، وتطوير هوية ذاتية جديدة تدمج الواقع الجسدي الجديد ضمن سرديته الوجودية بكرامة وقبول وتوافق تكيفي.
خاتمة
تظل السكتة، أو الأبوبليكسيا في عمقها التاريخي، نقطة التماس الأكثر تعقيداً وجلاءً بين الدماغ المادي والروح النفسية للإنسان؛ فالمسار التاريخي الممتد من المفهوم الأخلاطي القديم وصولاً إلى البيولوجيا العصبية المعاصرة يكشف كيف تضافر العلم مع الملاحظة الإكلينيكية لإزاحة الغموض عن هذا الاضطراب المباغت. إن الفهم الحديث لهذه الحالة يؤكد بجلاء أن السكتة ليست مجرد عارض وعائي يصيب نسيجاً خلوياً، بل هي زلزال نفسي عصبي يمس بنية الوعي، واللغة، والشخصية، مما يفرض بالضرورة اعتماد مقاربة علاجية وتأهيلية تكاملية لا تفصل بين الجسد والروح، بل تعيد نسج شبكات التواصل العصبي والوجود الإنساني في آنٍ واحد.
المراجع
- ابن سينا، الحسين بن عبد الله. (2005). القانون في الطب. دار الكتب العلمية.
- الرازي، أبو بكر محمد بن زكريا. (2002). الحاوي في الطب. دار إحياء التراث العربي.
- American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
- Feigin, V. L., Stark, B. A., Johnson, C. O., Roth, G. A., Bisignano, C., Abady, G. G., … & GBD 2019 Stroke Collaborators. (2021). Global, regional, and national burden of stroke and its risk factors, 1990–2019: A systematic analysis for the Global Burden of Disease Study 2019. The Lancet Neurology, 20(10), 795-820. https://doi.org/10.1016/S1474-4422(21)00252-0
- Lezak, M. D., Howieson, D. B., Bigler, E. D., & Tranel, D. (2012). Neuropsychological assessment (5th ed.). Oxford University Press.
- Pound, P., Bury, M., & Ebrahim, S. (1998). From apoplexy to stroke: Historical concepts and modern clinical management. Journal of the Royal College of Physicians of London, 32(5), 478-482.
- Robinson, R. G., & Jorge, R. E. (2016). Post-stroke depression: A review. American Journal of Psychiatry, 173(3), 221-231. https://doi.org/10.1176/appi.ajp.2015.15030363
- Wardlaw, J. M., Smith, C., & Dichgans, M. (2019). Small vessel disease: Mechanisms and clinical implications. The Lancet Neurology, 18(7), 684-696. https://doi.org/10.1016/S1474-4422(19)30079-1