الشخصية والتقييم الذاتيعلم النفس الاجتماعينظريات الدافعية

دافع التقييم: بوصلة الحقيقة في علم النفس

دافع التقييم هو المحرك النفسي والمعرفي الذي يدفع الفرد للبحث عن معلومات دقيقة وموضوعية حول قدراته وسماته الحقيقية، مستهدفاً تقليص عدم اليقين وتحقيق الوعي الذاتي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 3 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 3 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يعد البحث عن الحقيقة الموضوعية حول إمكانات الفرد وقدراته أحد أهم المحركات الجوهرية للسلوك البشري؛ إذ يمثل دافع التقييم (Appraisal Motive) النزوع الفطري والمعرفي لاكتساب معلومات دقيقة وصادقة عن الذات بصرف النظر عما إذا كانت هذه المعلومات إيجابية أم سلبية. ينبثق هذا الدافع من الرغبة العميقة في تقليص حالة عدم اليقين المعرفي، مما يتيح للإنسان بناء خارطة نفسية واقعية تسهم في توجيه قراراته الحياتية وسلوكه التكيفي بكفاءة واقتدار. يكتسب هذا المفهوم أهمية محورية في أروقة علم النفس الاجتماعي وعلم نفس الشخصية، حيث يشكل ركيزة أساسية لفهم كيفية معالجة الأفراد للمعلومات الراجعة واستجابتهم لتقييمات البيئة المحيطة.

التأصيل النظري والمفهومي لدافع التقييم

يُعرَّف دافع التقييم، والذي يُشار إليه في الأدبيات السيكولوجية أيضاً باسم دافع التقييم الذاتي (Self-Assessment Motive)، بأنه الرغبة المعرفية الموجهة نحو الحصول على تقييمات صحيحة وموضوعية للقدرات، والسمات، والمهارات الذاتية. لا يسعى الفرد الواقع تحت تأثير هذا الدافع إلى حماية كبريائه أو تلميع صورته، بل ينصب تركيزه الأساسي على التشخيص الدقيق لمستواه الحقيقي، إيماناً بأن الوهم الإيجابي قد يقود إلى كوارث أدائية وسلوكية على المدى الطويل. يتطلب هذا النمط من المعالجة المعرفية فصلاً واعياً بين الحاجة الوجدانية للشعور بالرضا وبين الاحتياج الوظيفي للتعامل مع معطيات الواقع كما هي دون تزييف أو تجميل.

يرتكز هذا الدافع على مبدأ “تشخيصية المهام” (Task Diagnosticity)؛ فالفرد الذي يحركه دافع التقييم يميل بطبيعته إلى الانخراط في مهام وأنشطة ذات قدرة تمييزية فائقة، أي تلك المهام التي تمتلك حساسية عالية للفصل بين الكفاءة العالية والضعف. ويفضل الشخص في هذه الحالة خوض اختبارات دقيقة تكشف بوضوح عن نقاط القوة ومكامن الخلل، مقارنة بالمهام الغامضة أو السهلة التي قد تمنحه شعوراً زائفاً بالإنجاز. يمثل هذا التوجه تجسيداً للعقلانية المعرفية التي تفترض أن الإنسان كائن باحث عن المعنى والوضوح في بيئة مليئة بالمتغيرات والتحديات.

يتشابك دافع التقييم بصورة وثيقة مع نظرية المعالجة المعرفية، حيث يُنظر إلى الذات باعتبارها موضوعاً للمعرفة ينبغي سبر أغواره وفهمه بدقة. تفترض النماذج الإدراكية أن التقييم غير الدقيق للذات يولد تنافراً معرفياً وقلقاً ناتجاً عن الفجوة بين التوقعات والنتائج الواقعية. لذلك، فإن الاستثمار في تحصيل بيانات موضوعية عن النفس يمثل آلية دفاعية وقائية تقلل من احتمالية الفشل المستقبلي وتدعم بناء كفاءة ذاتية قائمة على أسس صلبة وقابلة للاختبار التجريبي في معترك الحياة اليومية.

علاوة على ذلك، يمثل هذا الدافع عنصراً محورياً في ديناميات مفهوم الذات المتكامل؛ فالشخصية الناضجة نفسياً تدرك أن تحسين الذات وتطورها لا يمكن أن ينطلقا من فراغ أو من أرضية وهمية، بل يستلزمان نقطة بداية محددة بدقة بالغة. ومن هذا المنطلق، يعمل دافع التقييم كأداة للمسح الطوبوغرافي للشخصية، حيث يرسم الحدود الفاصلة بين ما يمتلكه الفرد من موارد وما يفتقر إليه من كفاءات، مما يجعل منه حجر الزاوية لأي مشروع نمو شخصي أو ارتقاء مهني مستدام.

الجذور التاريخية وتطور المفهوم في علم النفس الاجتماعي

تعود الجذور الأولى لمفهوم دافع التقييم إلى الإرهاصات المبكرة لنظرية المقارنة الاجتماعية التي صاغها العالم ليون فيستنجر عام 1954. افترض فيستنجر في فرضيته الأساسية أن لدى البشر دافعاً أصيلاً لتقييم آرائهم وقدراتهم، وأنهم عندما يفتقرون إلى معايير مادية موضوعية غير اجتماعية، يلجؤون حتماً إلى مقارنة أنفسهم بالآخرين لتقييم ذواتهم بدقة. على الرغم من أن فيستنجر ركز على المقارنة كأداة، إلا أن الأساس المحرك في نموذجه كان هو السعي نحو التقييم الموضوعي وتقليل الشك المرتبط بمستوى الكفاءة الشخصية.

شهدت سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين نقلة نوعية في دراسة هذا المفهوم على يد عالم النفس يعقوب تروب (Yaacov Trope)، الذي يعد المنظر الأبرز لدافع التقييم الذاتي المعاصر. أجرى تروب سلسلة من التجارب الرائدة (1975، 1979، 1982) التي استهدفت عزل هذا الدافع عن الدوافع الذاتية الأخرى، وخاصة الرغبة في رؤية الذات بشكل إيجابي. برهن تروب تجريبياً على أن الأفراد، حينما يُمنحون حرية الاختيار، يختارون المهام الأكثر قدرة على التشخيص والفصل بين مستويات القدرة المختلفة، حتى وإن تضمن ذلك احتمال اكتشاف عيوب مؤلمة في أدائهم المعرفي أو الحركي.

تواصل التطور النظري في تسعينيات القرن العشرين من خلال المراجعات النقدية والتجريبية التي قادها قسطنطين سيديكيدس (Constantine Sedikides)، حيث قام بوضع دافع التقييم في إطار مقارن مع ثلاثة دوافع رئيسية أخرى تحكم معالجة معلومات الذات: تعزيز الذات، والتحقق من الذات، وتحسين الذات. ورغم أن سيديكيدس أشار في بعض أبحاثه إلى هيمنة دافع تعزيز الذات في السياقات الوجدانية، إلا أنه أقر بأن دافع التقييم يظل القوة المهيمنة والفعالة عندما يكون الهدف الأساسي هو الأداء الفعلي، أو اتخاذ قرارات مصيرية تتطلب دقة متناهية ولا تحتمل الخطأ.

في العصر الحديث، اتسع نطاق دراسة دافع التقييم بفضل تضافر أبحاث علم النفس المعرفي والعلوم العصبية، حيث يتم بحث كيفية استجابة الدماغ للمعلومات الراجعة غير المتوافقة مع الرغبات الذاتية. أظهرت الدراسات الحديثة أن تبني عقلية موجهة نحو التقييم الموضوعي يرتبط بتنشيط شبكات عصبية مسؤولة عن الضبط التنفيذي والتفكير التأملي، بدلاً من تنشيط المسارات الدفاعية التلقائية المرتبطة باللوزة الدماغية ومراكز الانفعال، مما يؤكد الأساس العصبي والوظيفي لهذا الدافع الإنساني الراقي.

الآليات النفسية والعمليات المعرفية الحاكمة

تستند دينامية دافع التقييم إلى مجموعة من العمليات المعرفية الدقيقة، في مقدمتها عملية البحث الانتقائي عن المعلومات التشخيصية. لا يكتفي الفرد الخاضع لهذا الدافع بتلقي المعلومات السلبية أو الإيجابية بصورة سلبية، بل ينشط في البحث عن تغذية راجعة تتسم بالموضوعية وقابلية القياس. يتضمن ذلك التدقيق في مصداقية المصادر المقيِّمة، وتفضيل المعايير القياسية المطلقة (مثل مقاييس الذكاء أو الكفاءة الفنية المعتمدة) على المعايير النسبية القائمة على المجاملات الاجتماعية أو الآراء الشخصية غير المنضبطة.

ترتبط الآلية الثانية ارتباطاً وثيقاً بنظرية خفض عدم اليقين (Uncertainty Reduction Theory)؛ إذ يولد الشك في مستوى القدرة حالة من التوتر المعرفي والغموض المستمر. يعمل دافع التقييم كمحرك يهدف إلى إغلاق هذه الفجوة المعرفية وتحقيق الوضوح الإدراكي. يرى الفرد هنا أن معرفة الحقيقة، حتى وإن كانت غير مريحة أو صادمة في اللحظة الراهنة، تعد أفضل بكثير من البقاء في حالة من التيه وعدم التأكد، لأن الحقيقة تمكنه من حساب المخاطر بدقة وإعادة توجيه موارده بكفاءة نحو الأهداف الممكنة تحصيلاً وتطبيقاً.

تتمثل الآلية الثالثة في التفسير والترميز الموضوعي للمعلومات؛ فحينما يواجه الفرد معلومة تشير إلى نقص في كفاءته، فإنه في ظل دافع التقييم يمتنع عن تفعيل حيل الدفاع النفسي الشائعة كالإسقاط أو التبرير. وبدلاً من إلقاء اللوم على صعوبة الاختبار أو انحياز الفاحص، يقوم بترميز المعلومة الراجعة على أنها انعكاس واقعي لمستواه الراهن، مما يتيح له دمج هذه البيانات في البناء المعرفي للذات دون تحريف أو تشويه إدراكي، وهو ما يسهم في بلورة وعي ذاتي فائق النضج.

كما تؤدي استراتيجيات التقييم المستمر للتقدم دوراً محورياً في هذه المنظومة؛ حيث يقوم الفرد بمقارنة أدائه الحالي بمستويات أدائه السابقة استناداً إلى معايير محددة سلفاً. تتطلب هذه العملية صرامة ذهنية عالية وقدرة على المراقبة الذاتية (Self-Monitoring) المتجردة من الرغبات العاطفية، حيث يتم تقييم كل خطوة في ضوء ما تم تحقيقه فعلياً وما تبقى من مسار نحو تحقيق الكفاءة المنشودة، مما يمنح الفرد مرونة تكيفية نادرة أمام المتغيرات المعقدة.

دافع التقييم في مواجهة دوافع الذات الأخرى: صراع الحقيقة والتعزيز

لفهم مكانة دافع التقييم بدقة، يتعين وضعه في ميزان المقارنة مع الدوافع الثلاثة الأخرى المهيمنة على معالجة الذات في علم النفس الاجتماعي، وهي: دافع تعزيز الذات (Self-Enhancement)، ودافع التحقق من الذات (Self-Verification)، ودافع تحسين الذات (Self-Improvement). يمثل التنافس بين هذه الدوافع صراعاً أزلياً بين ما ترغب النفس في تصديقه لحماية المشاعر الإيجابية، وبين ما يجب أن تعترف به لمواكبة الواقع الخارجي والتكيف معه.

يسعى دافع تعزيز الذات، الذي درسه بتوسع قسطنطين سيديكيدس، إلى تعظيم التغذية الراجعة الإيجابية وتقليل التغذية الراجعة السلبية لحماية احترام الذات؛ إنه دافع انفعالي بالدرجة الأولى ينحاز للأوهام الإيجابية. في المقابل، يقف دافع التقييم كقوة معرفية مضادة؛ حيث لا يهتم بتلميع الصورة أو تجنب الشعور بالألم النفسي العابر، بل يفضل مواجهة الفشل إذا كان ذلك سيوفر بياناً دقيقاً عن حدود القدرة الحقيقية، معتبراً أن التعزيز الزائف يقود حتماً إلى هشاشة نفسية وأخطاء كارثية.

أما دافع التحقق من الذات، الذي صاغه ويليام سوان (William Swann)، فيركز على تأكيد المفاهيم المسبقة التي يمتلكها الفرد عن نفسه، سواء كانت إيجابية أو سلبية، من أجل الحفاظ على الاستقرار المعرفي وإمكانية التنبؤ بالسلوك. يختلف دافع التقييم عن دافع التحقق اختلافاً جوهرياً؛ فالأخير يرفض المعلومات الجديدة إذا تعارضت مع الصورة المستقرة للذات، بينما يتسم دافع التقييم بالانفتاح التام على أي معلومات جديدة شريطة أن تكون دقيقة وتشخيصية، حتى لو نسفت المعتقدات السابقة التي تبناها الفرد عن نفسه لسنوات طويلة.

وعند مقارنة دافع التقييم بدافع تحسين الذات، نجد بينهما علاقة تكاملية عضوية ولكن مع تمايز بنيوي واضح؛ إذ يركز دافع تحسين الذات على عملية الارتقاء بالمهارات وبلوغ مستويات أعلى من الكفاءة، في حين يمثل دافع التقييم الشرط القبلي والضروري لحدوث هذا التحسين. بعبارة أخرى: لا يمكن لأي فرد أن يشرع في تحسين ذاته بشكل حقيقي ومنهجي ما لم يعتمد أولاً على دافع التقييم لتحديد موقعه الدقيق وفهم نواقصه؛ فالتقييم هو التشخيص، والتحسين هو العلاج والتطور اللاحق.

المحددات الموقفية والفردية المؤثرة في دافع التقييم

لا يعمل دافع التقييم بمعزل عن السياق النفسي والبيئي، بل يخضع لتأثير مجموعة من المحددات الفردية والموقفية التي تحدد متى يتفوق على غيره من الدوافع ومتى يتراجع لصالح حماية الذات وتعزيزها. ومن أبرز الفروق الفردية في هذا السياق هو مستوى احترام الذات المستقر؛ فالأفراد الذين يمتلكون تقديراً ذاتياً مرتفعاً وأصيلاً يشعرون بأمان نفسي يمكنهم من تحمل التغذية الراجعة التشخيصية حتى لو كانت سلبية، مما يجعل دافع التقييم لديهم أعلى بكثير من أولئك الذين يعانون من هشاشة الأنا والاضطراب الداخلي.

يلعب البعد الزمني دوراً موقفياً حاسماً؛ حيث أظهرت دراسات يعقوب تروب أن الأفراد يظهرون تفضيلاً قوياً للمعلومات التشخيصية الدقيقة (دافع التقييم) عندما تكون المهمة أو القرار في المستقبل البعيد نسبياً، لأن الفائدة المعرفية تكون هي الأبرز في تلك المرحلة لبناء خطط واقعية. في المقابل، عندما يقترب الموعد النهائي للأداء الفعلي، يميل دافع تعزيز الذات وحمايتها إلى الهيمنة، حيث يسعى الفرد آنذاك إلى حشد الثقة وطرد الشكوك لتقليل التوتر الآني وتسهيل الأداء.

تؤثر طبيعة المهارة ومدى قابليتها للتعديل أيضاً في نشاط هذا الدافع، وهو ما يرتبط بنظرية كارول دويك حول عقليات النمو؛ فالأفراد الذين يتبنون عقلية النمو (Growth Mindset) يدركون أن القدرات قابلة للتطوير والتدريب، وبالتالي ينشط لديهم دافع التقييم بشدة لأنهم يرون في كشف العيوب فرصة ذهبية للتعلم. على النقيض من ذلك، فإن أصحاب العقلية الثابتة (Fixed Mindset) يميلون إلى إخماد دافع التقييم والهروب منه، خوفاً من أن يكشف التقييم الدقيق عن قصور دائم ولا يمكن تداركه في جوهر هويتهم وقدراتهم الشخصية.

كما تؤثر البيئة الاجتماعية والتنظيمية في استثارة هذا الدافع؛ فالبيئات الآمنة نفسياً، التي تشجع على الشفافية وتعتبر الأخطاء محطات طبيعية في مسار التجربة الإنسانية، تتيح مساحة رحبة لازدهار دافع التقييم لدى أفرادها. أما البيئات العقابية أو التنافسية الشرسة التي تفرض عقوبات قاسية على الفشل وتكافئ النتائج فقط بغض النظر عن الوسائل، فإنها تدفع الأفراد دفعاً نحو إخفاء الحقائق وتفضيل دافع التملق والتعزيز الزائف على حساب التقييم الحقيقي الموضوعي.

التطبيقات الإكلينيكية والعملية في السياقات الواقعية

يمتلك دافع التقييم تطبيقات تطبيقية واسعة في ميادين متعددة، ويأتي في مقدمتها المجال الإكلينيكي والعلاج النفسي؛ حيث ترتكز مدارس العلاج المعرفي السلوكي (CBT) على إعادة إحياء دافع التقييم لدى المسترشدين من خلال تدريبهم على فحص الأفكار الآلية واختبار صحة الفرضيات المشوهة عن الذات والواقع. يساعد هذا التوجه العلاجي الأفراد على التخلي عن الانحيازات المعرفية السلبية أو التضخيمية، واستبدالها بنظرة موضوعية وقائمة على الأدلة الدقيقة، مما يعزز مرونتهم وقدرتهم على التكيف.

في السياق التعليمي والتربوي، يعد تفعيل دافع التقييم الذاتي من أسمى غايات العملية التعليمية الحديثة؛ فالطلاب الذين يتجاوزون الرغبة في تحصيل الدرجات العالية الصورية، ويتطلعون بصدق لمعرفة مستواهم الحقيقي في مهارات التفكير النقدي أو التحليل العلمي، يظهرون معدلات استبقاء أعلى للمعلومات وقدرة أكبر على توظيفها مستقبلاً. يتطلب ذلك من المنظومات التعليمية تصميم أدوات تقويم بنائية (Formative Assessment) تركز على التشخيص الدقيق لجوانب القوة والضعف بدلاً من الاكتفاء بالتقويم الختامي القائم على التصنيف وإصدار الأحكام.

أما في بيئات العمل وإدارة الموارد البشرية، فإن ثقافة التغذية الراجعة البناءة تقوم أساساً على استثمار دافع التقييم لدى القادة والموظفين على حد سواء؛ فالمنظمات التي تتبنى آليات تقييم متعددة المصادر (مثل تقييم 360 درجة) تهدف في المقام الأول إلى إعطاء الموظف صورة بانورامية صادقة عن كفاءاته القيادية والتنفيذية. يسمح هذا التقييم الموضوعي بتصميم خطط تدريب مخصصة تسد الفجوات الحقيقية في الأداء، وتمنع تفشي تأثير دانينغ-كروجر (Dunning-Kruger Effect) الذي يصيب المؤسسات عندما يعتقد ذوو الكفاءة المحدودة أنهم بلغوا قمة المهارة والتميز.

في مجال الصحة البدنية والطب السلوكي، يؤدي دافع التقييم دوراً مصيرياً في اتخاذ القرارات الوقائية؛ فالأفراد الذين يتمتعون بدافع تقييم قوي يكونون أكثر شجاعة واستعداداً لإجراء الفحوصات الطبية الدورية والتحاليل الوراثية الشاملة لكشف احتمالات الإصابة بالأمراض، حتى وإن كانت النتائج المحتملة مقلقة ومثيرة للخوف. يفضل هؤلاء الأفراد معرفة الواقع البيولوجي المؤكد في مرحلة مبكرة للبدء في خطط العلاج والوقاية، متفوقين بذلك على رغبة الإنكار والهروب التي يقودها دافع تجنب التهديد وتفضيل الطمأنينة الزائفة.

النماذج التجريبية وطرائق القياس في دراسة دافع التقييم

تطلب قياس دافع التقييم ابتكار نماذج تجريبية بالغة الدقة لعزل الرغبة في الحقيقة عن رغبات التفاخر وحماية الذات؛ ومن أشهر هذه النماذج التجريبية النموذج الذي ابتكره يعقوب تروب، والقائم على التلاعب المنهجي بدرجة تشخيصية المهمة (Diagnosticity Manipulation). في هذا الإجراء، يُعرض على المشاركين مجموعة من الأسئلة أو الاختبارات التي تختلف في قدرتها على التمييز بين مستويات القدرة العالية والمنخفضة، مع تثبيت مستوى الصعوبة ونوع النتيجة المتوقعة؛ ويُظهر اختيار المشارك المتكرر للمهام ذات التشخيصية العالية، حتى مع ارتفاع احتمال الفشل، دلالة إحصائية واضحة على سيطرة دافع التقييم.

تستخدم دراسات أخرى استراتيجية استبيان التفضيل للنتائج الراجعة (Feedback Preference Inventory)، حيث يُوضع المشاركون في مواقف افتراضية أو واقعية يتعين عليهم فيها الاختيار بين تقارير تحليلية مفصلة تتضمن نقداً موضوعياً مباشراً، وبين تقارير عامة تقدم إشادة مبطنة دون تحديد مكامن الخلل. يُحلل الباحثون خيارات المشاركين لقياس مدى استعدادهم لقبول المعلومات الحقيقية كدالة لدافع التقييم الذاتي مقابل نزعة البحث عن الاستحسان الاجتماعي المضلل.

كما لجأ الباحثون إلى أساليب تتبع زمن الاستجابة وحركات العين (Eye-Tracking Methodologies) لفحص كيفية معالجة الأفراد للمعلومات التقييمية؛ وتكشف هذه الأدوات أن الأفراد الذين يسيرهم دافع التقييم يقضون وقتاً أطول في قراءة وتحليل الفقرات التي تشير إلى أخطائهم وجوانب قصورهم مقارنة بالفقرات التي تحتوي على إطراء أو معلومات حيادية، مما يثبت تجريبياً أن عقولهم تعمل على تفكيك التغذية الراجعة التشخيصية والاستفادة منها بشكل بنّاء بدلاً من محاولة تجاهلها وتجاوزها سريعاً.

في الآونة الأخيرة، دُمجت تقنيات الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) في هذه النماذج لدراسة الارتباطات العصبية للبحث عن المعلومات التشخيصية؛ حيث لوحظ زيادة النشاط في القشرة الجبهية الظهرية الجانبية (DLPFC) والقشرة الحزامية الأمامية (ACC) أثناء قيام الأفراد بمعالجة التقييمات الموضوعية الصارمة، وهي مناطق مرتبطة بضبط النفس وحل الصراعات المعرفية، مما يمنح القياس النفسي لهذا الدافع دقة فسيولوجية وعصبية عميقة تدعم النتائج السلوكية القائمة منذ عقود.

خاتمة استشرافية

يمثل دافع التقييم علامة فارقة على الرشد المعرفي والنضج النفسي للإنسان؛ فهو القوة التي تحرر الفرد من سجن الأوهام الذاتية المريحة وتدفعه بشجاعة لمواجهة حقائق قدراته وإمكاناته في عالم يتطلب التكيف الدائم والتطور المستمر. ورغم الصراع المستمر بين هذا الدافع وبين الرغبات الفطرية في حماية الذات وتضخيمها، يظل السعي نحو الحقيقة هو الأساس الحقيقي لبناء تقدير ذاتي راسخ لا تهزه الرياح، ولتحقيق تحسين حقيقي ومستدام للشخصية ينعكس أثره بوضوح على كافة المستويات الفردية والمهنية والاجتماعية.

المراجع

  • Festinger, L. (1954). A theory of social comparison processes. Human Relations, 7(2), 117–140. https://doi.org/10.1177/001872675400700202
  • Sedikides, C. (1993). Assessment, enhancement, and verification determinants of the self-evaluation process. Journal of Personality and Social Psychology, 65(2), 317–338. https://doi.org/10.1037/0022-3514.65.2.317
  • Swann, W. B., Jr. (1983). Self-verification: Bringing social reality into harmony with the self. In J. Suls & A. G. Greenwald (Eds.), Psychological perspectives on the self (Vol. 2, pp. 33–66). Lawrence Erlbaum Associates.
  • Trope, Y. (1975). Seeking information about one’s own ability as a determinant of choice among tasks. Journal of Personality and Social Psychology, 32(6), 1004–1013. https://doi.org/10.1037/0022-3514.32.6.1004
  • Trope, Y. (1983). Self-assessment in achievement behavior. In J. M. Suls & A. G. Greenwald (Eds.), Psychological perspectives on the self (Vol. 2, pp. 93–121). Lawrence Erlbaum Associates.
  • Trope, Y. (1986). Self-enhancement and self-assessment in early social development. In R. M. Sorrentino & E. T. Higgins (Eds.), Handbook of motivation and cognition: Foundations of social behavior (pp. 350–378). Guilford Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 3). دافع التقييم: بوصلة الحقيقة في علم النفس. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/appraisal-motive/
looti, Mohammed. “دافع التقييم: بوصلة الحقيقة في علم النفس.” عرب سايكلوجي, 3 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/appraisal-motive/.
looti, Mohammed. “دافع التقييم: بوصلة الحقيقة في علم النفس.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 3, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/appraisal-motive/.