الاضطرابات المعرفيةالطب النفسيعلم النفس العصبي

الأبروكسيا: دراسة تفصيلية في الفقدان التام للانتباه والاضطرابات المعرفية المصاحبة

الأبروكسيا (Aprosexia) هي العجز التام والمرضي عن تركيز الانتباه وتثبيته. تعرف على أسبابها النفسية والعصبية، ومظاهرها السريرية، وطرق تشخيصها وعلاجها في علم النفس العصبي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 27 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 27 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُعد القدرة على توجيه الانتباه وتثبيته الركيزة الأساسية التي تقوم عليها كافة العمليات المعرفية والإدراكية العليا في الدماغ البشري، وبدونها تتداعى قدرة الفرد على التواصل الواعي مع بيئته الداخلية والخارجية. وفي أقصى درجات الاختلال الوظيفي لهذا النظام العصبي الحساس، يبرز مصطلح الأبروكسيا (Aprosexia) بوصفه متلازمة سريرية حادة تعبر عن العجز التام والمطلق عن تركيز الانتباه أو الحفاظ عليه تجاه أي منبه حسي أو فكري. يمثل هذا التدهور الشامل تحدياً نفسياً عصبياً معقداً، إذ ينقل المريض من حالة التفاعل الهادف مع الواقع إلى حالة من التشتت الجذري أو الجمود الذهني الذي يعطل الذاكرة، والتفكير التنفيذي، والأداء الوظيفي اليومي بصورة تامة.

التأصيل اللغوي والمفهومي لمصطلح الأبروكسيا

يعود الأصل اللغوي لمصطلح الأبروكسيا إلى الجذور الإغريقية الكلاسيكية، حيث تتألف الكلمة من السابقة السلبية الحرمانية “A-” (بمعنى انعدام أو فقدان) متبوعة بكلمة “Prosexis” (والتي تشير إلى الانتباه، أو الاهتمام، أو توجيه الذهن نحو غاية محددة). ومن هذا المنطلق الاشتقاقي، فإن المصطلح يعني حرفياً “انعدام الانتباه التام”. وفي المعاجم الطبية والنفسية الحديثة، يُعرّف المفهوم بأنه عدم القدرة المرضية الشديدة والكاملة على تثبيت الانتباه على أي موضوع أو فكرة أو نشاط، وهو ما يختلف جذرياً عن التشتت العابر أو نقص الانتباه المعتاد الذي يعاني منه الأفراد الأصحاء نتيجة الإرهاق أو الملل أو الضغوط النفسية الروتينية.

تاريخياً، ارتبط ظهور هذا المفهوم في الأدبيات الطبية بأواخر القرن التاسع عشر بفضل جهود طبيب الأنف والأذن والحنجرة الهولندي غيلوم غاي (Guillaume Guye) في عام 1889. لاحظ غاي وجود علاقة وثيقة ومباشرة بين الانسداد المزمن في المجاري التنفسية العليا الناتج عن تضخم اللحميات الأنفية لدى الأطفال، وبين العجز الشديد عن التركيز والانحدار في التحصيل المعرفي، وأطلق على هذه الظاهرة حينها مصطلح “الأبروكسيا الأنفية” (Aprosexia Nasalis). كان هذا الاكتشاف المبكر بمثابة شرارة أولى لفهم الرابط العضوي الوثيق بين كفاية التروية الأكسجينية الدماغية، وجودة النوم، والنشاط الهيكلي التنفسي من جهة، واليقظة العصبية والانتباه المستدام من جهة أخرى.

مع تطور الطب النفسي وعلم الأعصاب السلوكي على امتداد القرن العشرين، انسلخ مفهوم الأبروكسيا تدريجياً عن حصره في النطاق التنفسي ليأخذ بعداً سيكوباتولوجياً واسعاً. فقد تبنته المدارس العصبية والنفسية الكبرى لوصف أقصى درجات الانطفاء الانتباهي، مما دفع المنظرين إلى صياغة تصنيفات دقيقة لسلسلة اضطرابات الانتباه (Dysprosexias). ففي إطار هذه التدرجات، تتموضع الأبروكسيا في أقصى درجات العجز الشديد التي تعني الانعدام التام لليقظة الانتقائية، لتقف في مقابل الهيبوبروكسيا (Hypoprosexia) التي تشير إلى الانخفاض أو الضعف النسبي في الانتباه، والهايبربروكسيا (Hyperprosexia) التي تدل على التركيز المفرط والهوسي على منبه واحد مع تجاهل سائر المنبهات الأخرى، والبارابروكسيا (Paraprosexia) التي تعكس تذبذب الانتباه وعجزه عن الاستقرار الهادف.

إن إدراك البعد المفاهيمي للأبروكسيا يتطلب النظر إليها ليس كمجرد اضطراب سلوكي معزول، بل كعلامة سريرية جذرية تشير إلى انهيار البنية المعمارية للوعي الإنساني. فعندما ينعدم الانتباه كلياً، يفقد العقل وسيلته الفضلى لترشيح المعلومات وتصفية الضوضاء المحيطة، وتغدو المدخلات الحسية ركاماً عشوائياً عاجزاً عن التحول إلى ذكريات أو قرارات. وبالتالي، فإن الأبروكسيا تشكل النواة التي تتلاشى عندها الحدود بين المعرفة الواعية وحالات التوهان الإدراكي الشامل.

الأسس العصبية الحيوية وفيسيولوجيا الانتباه المفقود

يرتكز الانتباه الإنساني على شبكات عصبية معقدة وموزعة تشريحياً عبر طبقات متعددة من الدماغ، ويؤدي أي اعتلال هيكلي أو وظيفي حاد في هذه الدوائر إلى نشوء الأبروكسيا. تأتي في مقدمة هذه الهياكل التشكيلة الشبكية الصاعدة (Ascending Reticular Activating System – ARAS) المتمركزة في جذع الدماغ. تعمل هذه التشكيلة كمولد رئيسي للاستثارة الحيوية وتعديل التيقظ القشري العام؛ وحينما تتعرض مراكز جذع الدماغ هذه للإصابة الرضية، أو نقص التروية، أو التثبيط الكيميائي الحاد، تنهار إشارات التنبيه المتدفقة إلى القشرة الدماغية، مما يؤدي فوراً إلى تهاوي القدرة على الانتباه وتدشين حالة الأبروكسيا العميقة.

تلعب القشرة المخية وبخاصة التكوينات الجبهية دوراً مركزياً موازياً؛ إذ يُعتبر الفص الجبهي المايسترو التنفيذي المسؤول عن توجيه الانتباه الإرادي وتثبيطه وانتقائه. وتحديداً، تسهم القشرة الجبهية ظهرانية الوحشية (DLPFC) وقشرة الحزام الأمامية (Anterior Cingulate Cortex) في توجيه الموارد المعرفية ومراقبة النزاعات الإدراكية وتثبيط المشتتات غير ذات الصلة. إن أي خلل تنكسي، أو أورام ورمية، أو جلطات تصيب هذه المناطق تؤدي إلى عجز الجهاز العصبي عن تثبيت التركيز، مما يدفع بالفرد إلى عجز انتباهي مفرط يرقى إلى مستوى الأبروكسيا الإكلينيكية.

إلى جانب القشرة الجبهية، تتكامل شبكات الانتباه الجدارية الظهرية والبطنية (Dorsal and Ventral Attention Networks) التي وصفها العالمان مايكل بوسنر وماركوس رايتشل. تتولى الشبكة الظهرية (المكونة من الفصيص الجداري العلوي وحقول العين الجبهية) مهام التوجيه الإرادي الموجه من الأعلى إلى الأسفل (Top-down attention)، في حين تنشط الشبكة البطنية عند رصد المنبهات البارزة والمفاجئة الموجهة من الأسفل إلى الأعلى (Bottom-up attention). وتحدث الأبروكسيا عندما ينقطع الاتصال بين هذه الشبكات التوزيعية، أو عند حدوث تلف متزامن يعطل كلاً من الرصد اللاإرادي للمحيط والتحكم الإرادي في الموارد العقلية، فتغدو المعالجة العصبية مشلولة إزاء أي تدفق حسي وارد.

من المنظور الكيميائي العصبي، تبرز النواقل العصبية الحيوية مثل الدوبامين، والنورإبينفرين، والأسيتيل كولين كمحركات أساسية لا غنى عنها لاستقرار الانتباه. فالنورإبينفرين، المنبثق من الموضع الأزرق (Locus Coeruleus)، يضبط عتبات الحساسية للإشارات الحسية ويحدد كفاءة اليقظة؛ بينما يعمل الدوبامين في المسارات المتوسطة القشرية (Mesocortical pathways) على تدعيم الإشارات الهادفة وقمع التشويش الذهني. أما الأسيتيل كولين الصادر من النواة القاعدية لمينرت، فيعد مسؤولاً عن اللدونة التشابكية وتعزيز التشفير الإدراكي. إن النضوب الحاد أو الخلل الوظيفي الكارثي في توازنات هذه النواقل، كما يُشاهد في التسمم الحاد أو التنكس العصبي، يفضي حتماً إلى الانهيار التام لشبكة المعالجة الانتباهية وظهور متلازمة الأبروكسيا.

المظاهر السريرية والسمات السلوكية للأبروكسيا

تتجلى الأبروكسيا سريرياً من خلال لوحة من الأعراض السلوكية والمعرفية التي لا تخطئها عين الممارس الإكلينيكي المتمرس. يظهر المريض المصاب بالأبروكسيا عجزاً تاماً عن متابعة التعليمات البسيطة، حتى وإن كانت صادرة بلغة واضحة ومباشرة وذات مغزى بيولوجي ملح. لا يستطيع المريض المحافظة على التواصل البصري الهادف لأكثر من أجزاء معدودة من الثانية، حيث تبدو عيناه هائمتين في الفراغ أو منتقلتين بطريقة تشنجية عشوائية بين تفاصيل البيئة دون الاستقرار على أي منها، مما يعكس غياب المركزية الإدراكية للوعي.

يرافق هذا التشتت التام انقطاع عميق في مجرى الحديث التواصلي، حيث يفقد المريض القدرة على الإجابة عن الأسئلة الموجهة إليه، ليس لعلة في مراكز الكلام اللغوية ذاتها (كالحبسة الحركية أو الحسية)، بل لأنه عاجز بنيوياً عن معالجة السؤال واستبقاء فحواه في الذاكرة العاملة ريثما يصيغ إجابته. ويظهر هذا الانقطاع أحياناً في صورة صمت مطبق وانعزال تام، أو في صورة هذيان لفظي مفكك تخلو فيه العبارات من أي ترابط موضوعي، إذ تنجرف الاستجابات مع أول منبه حسي عارض، كالضوضاء الصادرة من النافذة أو حركة عقارب الساعة، قبل أن يتبدد الاهتمام سريعاً بدوره.

على المستوى الحركي، تتراوح سلوكيات مرضى الأبروكسيا بين نمطين قطبيين متباينين تفرزهما العلة العصبية الكامنة. النمط الأول يتسم بالحركية المفرطة غير الهادفة (Hyperkinetic/Agitated state)، حيث يتحرك المريض بلا هوادة ويتناول الأدوات المحيطة به بطريقة اندفاعية خالية من القصد ثم يسقطها على الفور لينتقل إلى غيرها، عاجزاً عن استكمال أي تسلسل حركي نافع. أما النمط الثاني، فيتسم بالخمول الحركي الكامل والذهول (Hypokinetic/Stuporous state)، حيث يظل المريض في وضعية جسدية ثابتة جامدة، فاقداً أي استجابة تحفيزية، ويبدو وكأن وعيه قد انطفأ في دائرة من الانفصال الحسي التام عن الواقع المحيط به.

بالإضافة إلى ذلك، ينعكس هذا الفقدان الشامل للانتباه على سائر القدرات العقلية كالتعلم والحكم والذاكرة الإجرائية؛ إذ يستحيل تقييم ذكاء الفرد أو قدراته التذكرية في ظل وجود الأبروكسيا، لأن الانتباه يمثل بوابة العبور الوحيدة لتسجيل المعلومات وتخزينها. وعندما يوصف المريض في الملفات السريرية بأنه يعاني من الأبروكسيا، فإن ذلك يعني عملياً أن وظائفه المعرفية العليا متوقفة بصورة مؤقتة أو دائمة عن التفاعل التبادلي، مما يجعله في حالة اعتمادية مطلقة وغير قادر على حماية نفسه من المخاطر البيئية البديهية كالحروق، أو السقوط، أو التعرض للحوادث.

الاعتلالات النفسية والعصبية المرتبطة بحدوث الأبروكسيا

لا تحدث الأبروكسيا في فراغ، بل تمثل علامة فارقة ترافق مجموعة متنوعة من الاضطرابات النفسية الشديدة والحالات العصبية الطارئة. في طليعة هذه الاضطرابات يبرز الهذيان (Delirium) والاعتلالات الدماغية الحادة الناتجة عن أسباب سمية أو استقلابية أو إنتانية؛ إذ يُعد التشتت الانتباهي الشديد الذي يصل إلى مرتبة الأبروكسيا جوهر التشخيص السريري للهذيان وفق المعايير العالمية. في حالات التسمم بالمهدئات أو النقص الحاد في سكر الدم أو الفشل الكبدي والكلوي، تتعرض شبكات الانتباه إلى شلل مفاجئ يدخل المريض في حالة متقدمة من الأبروكسيا والارتباك الحاد.

في ميدان الاضطرابات النفسية الكبرى، يظهر اضطراب الفصام (Schizophrenia) وخاصة النمط الجامودي (Catatonic Schizophrenia) أو الفصام التفككي الشديد كبيئة خصبة للأبروكسيا. فالمرضى الذين يمرون بنوبة جامودية يظهرون عجزاً كلياً عن الالتفات إلى المؤثرات البيئية أو التفاعل مع محاولات الفاحص لجذب انتباههم، وهو ما يفسره علم النفس العصبي بأنه انسداد للمسارات الجبهية-المخططية واختلال عميق في أنظمة الكبح والتحفيز المعرفي. كما تسجل حالات الاكتئاب الجسيم المصحوب بالذهول الاكتئابي (Depressive Stupor) انحساراً انتباهياً مشابهاً، حيث ينغلق وعي المريض على ألم نفسي داخلي متطرف يجعله عاجزاً عن توجيه انتباهه إلى أي منبه خارجي، محاكياً بذلك متلازمة الأبروكسيا العصبية.

أما على صعيد الأمراض العصبية البنيوية والتنكسية، فتعد المراحل المتقدمة من الخرف (Dementia) كمرض ألزهايمر، والخرف الجبهي الصدغي، وخرف أجسام ليوي، سبباً رئيساً للأبروكسيا المزمنة والمستعصية. يؤدي التلف الميكانيكي المستمر للطبقات القشرية والروابط العصبية في هذه الأمراض إلى التآكل التدريجي للشبكات الانتباهية المعقدة، حتى ينتهي المريض إلى عجز تام عن معالجة البيئة. كذلك تبرز إصابات الدماغ الرضية الحادة (Traumatic Brain Injuries) والسكتات الدماغية الواسعة—لا سيما تلك التي تصيب نصف الكرة المخية الأيمن أو المهاد أو الفصوص الجبهية—كمسببات مباشرة لظهور الأبروكسيا الفجائية التي تتطلب تدخلاً إنعاشياً عاجلاً.

ولا يمكن إغفال الأصل التاريخي للمفهوم في طب الأطفال واضطرابات النوم؛ حيث تتسبب متلازمة انقطاع النفس الانسدادي النومي الناتجة عن تضخم النسيج الغداني الأنفي (اللحميات) في نقص أكسجة الدماغ الليلي المتقطع، فضلاً عن تقطيع البنية الهندسية للنوم العميق. ويترتب على هذا الخرمان المستمر من النوم الصحي تدهور كارثي في اليقظة النهارية لدى بعض الأطفال يصل إلى شكل مزمن وشديد من الأبروكسيا السلوكية، والتي قد تُشخّص خطأً بأنها تخلف عقلي أو اضطراب طيف التوحد، بينما يكون منشؤها الحقيقي قابلاً للعلاج الجراحي العضوي البسيط.

التشخيص التفريقي والتقييم النفسي العصبي للأبروكسيا

يمثل التقييم النفسي العصبي لمريض الأبروكسيا تحدياً إكلينيكياً استثنائياً، ذلك لأن الاختبارات النفسية العصبية المعيارية—مثل اختبار ستروب (Stroop Test)، أو اختبار صنع المسار (Trail Making Test)، أو اختبار الأداء المستمر (Continuous Performance Test)—تتطلب حداً أدنى من الانتباه والامتثال لإجرائها. وفي وجود الأبروكسيا التامة، يعجز المريض عن الشروع في هذه المهام أصلاً، مما يستدعي الاعتماد على المقاييس السلوكية القائمة على الملاحظة السريرية المباشرة والملاحظة الديناميكية لسلوك المريض التلقائي واستجاباته الحسية الأساسية.

يتضمن البروتوكول الإكلينيكي لتقييم الأبروكسيا تطبيق مقاييس اليقظة ومراقبة الوعي، مثل مقياس غلاسكو للغيبوبة (GCS) في الحالات الحادة، أو استخدام أداة تقييم الارتباك (CAM – Confusion Assessment Method) للكشف عن الهذيان. يقوم الفاحص بمحاولة تتبع حركة العينين استجابةً لمنبهات بصرية ساطعة ومتحركة، أو قياس استجابة الإجفال الصوتي لمنبهات مفاجئة. إذا أظهر المريض غياباً ثابتاً للقدرة على تثبيت البصر أو توجيه الرأس نحو مصدر الصوت، أو استمر في حالة عدم الاكتراث الكامل بالتحفيز اللمسي غير المؤلم، فإن ذلك يعزز بقوة تشخيص انعدام الانتباه التام أو الأبروكسيا الحادة.

على صعيد التشخيص التفريقي، تقتضي الدقة الأكاديمية تمييز الأبروكسيا عن حالات فقد الإرادة أو انعدام الحافز (Abulia) والخرس اللافسيولوجي (Akinetic Mutism). في حالة انعدام الإرادة، قد تكون آليات الانتباه العصبية سليمة تشريحياً، لكن المريض يفتقر إلى الدافع الداخلي أو الطاقة النفسية لبدء الفعل؛ بينما في الأبروكسيا، تكمن المشكلة في تحلل وظيفة ترشيح وتوجيه الانتباه ذاتها. كما يجب التفريق بحذر بين الأبروكسيا ومتلازمة الإهمال النصفي (Hemispatial Neglect) الناجمة عن آفات الفص الجداري؛ إذ يتجاهل مريض الإهمال جانباً واحداً فقط من الفضاء المكاني (غالباً الأيسر)، بينما يحتفظ بقدرته على الانتباه في الجانب المقابل، في حين أن الأبروكسيا تتسم بانهيار كلي وشامل يشمل كافة المجالات المكانية والحسية دون استثناء.

فضلاً عن ذلك، يلتزم الطبيب النفسي وطبيب الأعصاب باستبعاد حالات العجز الحسي المحيطي التام، مثل الصمم الحاد أو العمى القشري، والتي قد تبدو مظهرياً وكأنها تشتت أو عدم انتباه للتعليمات. ويتطلب استكمال اللوحة التشخيصية إخضاع المريض لفحوصات تصوير عصبي دقيقة، تشمل الرنين المغناطيسي للدماغ (MRI) لتحديد الآفات الهيكلية، وتخطيط كهربية الدماغ (EEG) لاستبعاد النوبات الصرعية غير التشنجية (Non-convulsive Status Epilepticus) أو اعتلالات الدماغ التسممية التي تُعد من أهم الأسباب الخفية وراء التراجع الانتباهي المفاجئ للأبروكسيا.

المقاربات العلاجية والتدبير السريري لحالات الأبروكسيا

نظراً لأن الأبروكسيا هي متلازمة أو عرض سريري فائق الحدة وليست مرضاً مستقلاً بذاته، فإن الاستراتيجية العلاجية الناجحة تعتمد بصورة كلية وجوهرية على سرعة تحديد السبب العضوي أو النفسي الكامن ومكافحته. ففي السياقات الطارئة المرتبطة بالهذيان والاعتلالات الأيضية، يعد تصحيح الاضطرابات الكهرلية (Electrolyte Imbalances)، وتعديل مستويات سكر الدم، وعلاج الإنتانات الحادة بالمضادات الحيوية، وإيقاف الأدوية ذات الخصائص المضادة للكولين أو المهبطة للجهاز العصبي، الخطوة العلاجية الأولى والأكثر حسماً لاستعادة التيقظ القشري وزوال الأبروكسيا.

وفي الحالات التي تعود فيها الأبروكسيا إلى مسببات جراحية، كما في النمط الكلاسيكي للأبروكسيا الأنفية لدى الأطفال، فإن الإجراء الجراحي المتمثل في استئصال الناميات الأنفية المتضخمة (Adenoidectomy) أو تصحيح انحراف الحاجز الأنفي يؤدي إلى استعادة التنفس الطبيعي وتصحيح اضطرابات النوم على نحو جذري. تُظهر الدراسات الإكلينيكية أن التخلص من هذا العائق الميكانيكي ينعكس خلال أسابيع قليلة على تنشيط قدرات الانتباه المستدام والارتقاء بالأداء المدرسي، مما يبرهن على مرونة الجهاز العصبي وقدرته على استعادة وظائف الانتباه ما لم يحدث تلف دماغي بنيوي مزمن.

أما في الحالات النفسية والعصبية المزمنة، كمرض الفصام الجامودي أو الاكتئاب الذهولي الحاد، فإن التدخل الدوائي الموجه يُعد حجر الزاوية. يُستخدم العلاج بالبنزوديازيبينات بجرعات علاجية مدروسة لتحرير المسارات العصبية المثبطة في حالات الجامود، بينما يمثل العلاج بالاختلاج الكهربائي (ECT) خياراً حاسماً ومنقذاً للحياة في حالات الذهول الاكتئابي أو الجامود الخبيث المستعصي، حيث يساعد على إعادة تنظيم التدفق العصبي وتوازنات النواقل العصبية واسترداد النشاط المعرفي الواعي.

في إطار إعادة التأهيل النفسي العصبي للمرضى المتعافين من إصابات الدماغ الرضية أو السكتات، يرتكز العمل على برامج تدريبية صارمة تبدأ بتحفيز الانتباه الحسي الأساسي عبر بيئات منخفضة التشتيت تماماً. يتم إدخال المنبهات تدريجياً، مع تدريب المريض عبر تمارين التركيز المتدرجة (Attention Process Training) لتعزيز الاتصال العصبي القشري. يتكامل هذا الجهد مع توفير دعم تمريضي مكثف يهدف إلى حماية المريض من الحوادث ومساعدته في تأدية الوظائف الحيوية الأساسية حتى تستقر حالته العقلية، إذ يظل مريض الأبروكسيا التامة في حالة عجز بيولوجي كامل يمنعه من إدراك المخاطر المحيطة به.

الخاتمة

تجسد الأبروكسيا (Aprosexia) أقصى درجات الانهيار الوظيفي في شبكات الانتباه البشري، معبرةً عن انقطاع مأساوي بين الوعي الذاتي للفرد ومحيطه الحيوي. إن فهم هذه المتلازمة يتجاوز مجرد رصد العجز المعرفي السطحي؛ إنه يمثل غوصاً عميقاً في التفاعلات البيولوجية الكيميائية، والشبكات العصبية القشرية وتحت القشرية، والاضطرابات النفسية الكبرى التي تدير بوصلة الوعي الإنساني. وتثبت الأبحاث المستمرة في علم الأعصاب الإدراكي أن تشخيص الأبروكسيا المبكر والتعامل مع مسبباتها الجذرية بدقة ليس مجرد إجراء طبي لتحسين الذاكرة أو التركيز، بل هو شرط لا غنى عنه لإعادة إحياء الشخصية الإنسانية وقدرتها على استيعاب العالم والتفاعل معه بوعي وحرية.

المراجع

  • Posner, M. I., & Petersen, S. E. (1990). The attention system of the human brain. Annual Review of Neuroscience, 13(1), 25-42. https://doi.org/10.1146/annurev.ne.13.030190.000325
  • Guye, A. A. G. (1889). On aprosexia: being the inability to fix the attention and other mental symptoms in connection with nasal disorders. British Medical Journal, 2(1499), 709-711. https://doi.org/10.1136/bmj.2.1499.709
  • Mesulam, M. M. (1998). From sensation to cognition. Brain, 121(6), 1013-1052. https://doi.org/10.1093/brain/121.6.1013
  • Corbetta, M., & Shulman, G. L. (2002). Control of goal-directed and stimulus-driven attention in the brain. Nature Reviews Neuroscience, 3(3), 201-215. https://doi.org/10.1038/nrn755
  • American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed., text rev.). American Psychiatric Publishing.
  • Inouye, S. K., Westendorp, R. G., & Saczynski, J. S. (2014). Delirium in elderly people. The Lancet, 383(9920), 911-922. https://doi.org/10.1016/S0140-6736(13)60688-1
  • Petersen, S. E., & Posner, M. I. (2012). The attention system of the human brain: 20 years after. Annual Review of Neuroscience, 35, 73-89. https://doi.org/10.1146/annurev-neuro-062111-150525
  • Sadock, B. J., Sadock, V. A., & Ruiz, P. (2017). Kaplan and Sadock’s Comprehensive Textbook of Psychiatry (10th ed.). Wolters Kluwer.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 27). الأبروكسيا: دراسة تفصيلية في الفقدان التام للانتباه والاضطرابات المعرفية المصاحبة. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/aprosexia-lack-of-attention/
looti, Mohammed. “الأبروكسيا: دراسة تفصيلية في الفقدان التام للانتباه والاضطرابات المعرفية المصاحبة.” عرب سايكلوجي, 27 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/aprosexia-lack-of-attention/.
looti, Mohammed. “الأبروكسيا: دراسة تفصيلية في الفقدان التام للانتباه والاضطرابات المعرفية المصاحبة.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 27, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/aprosexia-lack-of-attention/.