اضطرابات الأكلالمصطلحات الطبية والنفسيةعلم النفس الإكلينيكي

اللاسيتيا (Asitia): المفهوم النفسي والسريري لفقدان الشهية والنفور من الطعام

اللاسيتيا (Asitia) مصطلح نفسي وطبي تاريخي يشير إلى النفور الحاد وفقدان الشهية المستمر للطعام، مستعرضاً أبعاده النفسية والعصبية والتشخيصية المتكاملة.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 28 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 28 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُعد اللاسيتيا (Asitia) من المصطلحات التراثية والطبية النفسية الدقيقة التي تشير إلى النفور التام من الطعام، أو الفقدان الحاد والمستمر للشهية، والذي لا يعود بالضرورة إلى انسداد ميكانيكي في الجهاز الهضمي، بل يتداخل بعمق مع الصراعات النفسية والاضطرابات الجسدية-النفسية المعقدة. تمثل هذه الظاهرة نافذة استثنائية لفهم العلاقة الجدلية بين الرغبة البيولوجية في البقاء والنزوع النفسي نحو الامتناع عن التغذية، مما يضعها في صميم اهتمامات التحليل النفسي والطب النفسي العصبي المعاصر. يستعرض هذا المدخل المعجمي الموسع الأصول المفاهيمية لظاهرة اللاسيتيا، وسياقاتها التاريخية، ونماذجها التفسيرية المتعددة، متتبعاً المسار الدقيق الذي يربط بين الأعراض البدنية والديناميات النفسية اللاواعية.

التأصيل المعجمي والتاريخي لمفهوم اللاسيتيا

يعود الأصل اللغوي لمفردة اللاسيتيا إلى اللغة الإغريقية القديمة، حيث تتألف من السابقة السلبية الحرمانية -a (ألف السلب) متبوعة بكلمة sition أو sitos، والتي تعني القمح أو الخبز أو الطعام بوجه عام. وبالتالي، فإن المعنى الحرفي للكلمة يحيل إلى انعدام الطعام أو الامتناع الإرادي أو اللاإرادي عن إدخال الغذاء إلى الجسد، وقد استُخدمت تاريخياً في نصوص الأطباء القدماء لوصف حالات القهم أو النفور العضال من الأكل. في الأدبيات الطبية الكلاسيكية، ميز الأطباء اليونانيون والرومان بين الجوع كإحساس بيولوجي ناتج عن فراغ الأحشاء، وبين الشهية كنزوع سيكولوجي ورغبة حسية في تذوق الطعام، واعتبروا اللاسيتيا خللاً يصيب قوى النفس المرتبطة بالشهوة والرغبة الحيوانية وفق التقسيمات الأفلاطونية والأرسطية للنفس البشرية.

خلال العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث، اكتسب الامتناع عن الطعام دلالات روحية ولاهوتية معقدة، حيث تحول في سياقات معينة إلى ما عُرف بالصوم التقشفي المقدس، بينما نُظر إليه في سياقات أخرى كعرض من أعراض الماليخوليا (Melancholia) أو فساد المزاج السوداوي. كان يُعتقد أن تراكم المادة السوداوية في المعدة وبطينات الدماغ يؤدي إلى فقدان الإحساس بالجوع وتوليد حالة من النفور والاشمئزاز من كل ما يمت إلى الغذاء بصلة، وهو ما وثّقه روبرت بيرتون في كتابه الموسوعي “تشريح الكآبة”. ومع تمايز الطب النفسي كحقل علمي مستقل في القرن التاسع عشر، أُعيدت صياغة هذا المصطلح ليدخل في مقارنات دقيقة مع مصطلحات ناشئة أخرى مثل القهم العصبي ورهاب الطعام (Sitophobia).

في الفكر الطبي العربي الإسلامي الوسيط، تناول كبار الأطباء مثل ابن سينا في “القانون في الطب” والرازي في “الحاوي” عوارض بطلان الشهية وفسادها، مشيرين إلى أن انقطاع الرغبة في الغذاء قد يكون ناشئاً إما عن علة في فم المعدة، أو عن اشتغال النفس بهموم وأفكار وسواسية تدفع الروح الحيوية بعيداً عن التدبير الطبيعي للبدن. هذا الربط المبكر بين انشغال الذهن وتعطل الغريزة الغذائية يمثل الركيزة الأولى لما أضحى يُعرف لاحقاً بالأسباب النفسية الجسدية (Psychosomatic) للاسيتيا، حيث يصبح الجسد مسرحاً تراجيدياً تعبر عبره الذات عن معاناتها الصامتة برفض التغذية.

المقاربات النفسية والديناميكية لظاهرة النفور من الطعام

تقدم مدرسة التحليل النفسي رؤية معمقة لفهم ظاهرة اللاسيتيا بوصفها تعبيراً رمزياً عن صراعات لاواعية ترتبط بالمراحل الأولى لنمو الشخصية، وتحديداً المرحلة الفموية (Oral Stage). وفقاً لسيغموند فرويد، فإن التغذية ليست مجرد فعل بيولوجي لإبقاء الكائن حياً، بل هي التجربة الأولى لاختبار اللذة والعلاقة بموضوع الحب الأول (الأم). من هذا المنطلق، يمكن أن ينشأ النفور من الطعام كآلية دفاعية تعبر عن تثبيت سلبي أو نكوص إلى هذه المرحلة، حيث يرتبط إدخال الغذاء عبر الفم بالرغبة اللاواعية في التهام الموضوع أو الخوف من تدميره، مما يولد قلقاً عصابياً حاداً يتبدى على شكل رفض قاطع للطعام ونفور مستمر منه.

من منظور نظرية العلاقة بالموضوع، وبخاصة لدى ميلاني كلاين، يتخذ رفض الطعام دلالة إسقاطية على درجة عالية من التعقيد؛ فالطعام يمثل “الثدي الجيد” الذي يمنح الحياة، أو “الثدي السيئ” الذي يُختبر كعنصر مسمم ومضطهد. في حالات اللاسيتيا الشديدة، يختبر الفرد الطعام ككيان خبيث يهدد بتلويث الذات أو تفكيكها من الداخل، مما يدفع الأنا إلى تفعيل ميكانيزمات الإسقاط والإنكار لحماية النقاء الداخلي المتخيل. إن الرفض المستمر للأكل في هذا السياق لا يعد تعبيراً عن غياب الرغبة في التغذية فحسب، بل هو نضال رمزي ضد التسميم الوجداني والامتزاج القهري بالأم البديلة المتمثلة في الوجبة الغذائية.

تضيف المقاربات النفسية البنيوية والنظامية بعداً آخر يتعلق بصراع السيطرة والاستقلالية، لاسيما لدى فئة المراهقين والشباب الذين يطورون نمطاً لاسيتياً مزمناً. يرى المحللون النفسيون الوجوديون أن التحكم في المدخلات الغذائية يمثل المحاولة الأخيرة والأكثر تطرفاً للأنا لفرض سيادتها على الجسد في مواجهة بيئة أسرية خانقة أو متطفلة تمارس رقابة شمولية على رغبات الفرد. يصبح الجوع المستمر والنفور الصريح من التغذية إعلاناً صامتاً عن الوجود، حيث تتغذى الذات على الحرمان ذاته بوصفه إنجازاً أخلاقياً ونفسياً يعوض مشاعر الدونية والعجز الوجودي المكبوت في أعماق الشخصية.

الأسس النيوروبيولوجية والفسيولوجية لاضطرابات التغذية

على الرغم من الأهمية الفائقة للأبعاد النفسية، لا يمكن فصل اللاسيتيا عن بنيتها التحتية العصبية والفسيولوجية المعقدة، والتي تتمحور أساساً حول اضطرابات التحكم المركزي في الشهية داخل الوطاء (Hypothalamus). تؤكد الدراسات النيوروبيولوجية المعاصرة أن النواة المقوسة (Arcuate Nucleus) في الوطاء تلعب دور المحرك الأساسي لموازين الجوع والشبع، من خلال التفاعل الديناميكي بين مسارين متناقضين: مسار الببتيد العصبي (NPY/AgRP) المحفز للشهية، ومسار الببتيد العصبي المحول للطفرات والميلانوكورتين (POMC/CART) المثبط لها. في حالات اللاسيتيا، يُلاحظ حدوث خلل وظيفي يؤدي إلى تثبيط شاذ للمسار الأول وفرط تنشيط مستمر للمسار الثاني، مما يمنع الدماغ من ترجمة إشارات الحرمان الطاقي الطرفية إلى سلوك بحث عن الطعام.

تلعب الهرمونات الطرفية المنظمة للتغذية دوراً محورياً في هذه المعادلة البيولوجية، وعلى رأسها اللبتين (Leptin) والغرلين (Ghrelin). يعمل الغرلين كمعدِّل حاسم لإثارة الجوع البدئي، بينما يعمل اللبتين كهرمون إشباع يفرز من الأنسجة الدهنية لإبلاغ المراكز الدماغية بحجم الاحتياطيات الطاقية. أظهرت الأبحاث الإكلينيكية أن حالات النفور الشديد من الطعام قد تترافق مع ظاهرة “مقاومة الغرلين”، أو مع اضطراب في حساسية المستقبلات العصبية داخل الجهاز الحافي (Limbic System)، حيث يفقد الفرد الاستجابة المكافئة المعتادة لروائح الغذاء ومشاهده، بل وتتحول هذه المنبهات إلى محفزات لاستجابة القلق والاشمئزاز عبر مسارات تشمل اللوزة الدماغية (Amygdala) وقشرة الفص الجزيري (Insular Cortex).

إلى جانب ذلك، تسهم النواقل العصبية التقليدية، لاسيما السيروتونين والدوبامين، في تشكيل التجربة الإدراكية والوجدانية المرتبطة بتناول الغذاء. يرتبط فرط نشاط مسارات السيروتونين (5-HT) في مناطق محددة من القشرة الجبهية الحجاجية بفرط التثبيط السلوكي والنفور الشديد من تناول المواد الغنية بالدهون والسكريات، في حين يؤدي تراجع الاستجابة الدوبامينية في النواة المتكئة (Nucleus Accumbens) إلى تجريد فعل الأكل من قيمته الإمتاعية (Anhedonia). هذه الشبكة المتشابكة من الاضطرابات النيوروكيميائية تكرس حلقة مفرغة، حيث يؤدي الامتناع الأولي عن الطعام إلى تفاقم الخلل الكيميائي في الدماغ، مما يجعل استعادة الشهية الطبيعية مهمة شديدة التعقيد بيولوجياً ونفسياً على حد سواء.

التشخيص التفريقي: اللاسيتيا، القهم العصبي، ورهاب الطعام

يمثل التمييز الدقيق بين اللاسيتيا والاضطرابات السريرية المتقاربة ضرورة منهجية ملحة في التقييم النفسي والتشخيص الطب نفسي المعاصر. على الرغم من أن مصطلح اللاسيتيا يُستخدم أحياناً كمرادف فضفاض للقهم، إلا أن التحليل السريري المتمعن يظهر فروقاً جوهرية؛ فالقهم العصبي (Anorexia Nervosa) يتميز بوجود تشوه شديد ومستمر في صورة الجسد، وخوف مرضي هستيري من زيادة الوزن أو البدانة، مصحوباً بمحاولات نشطة لتقليل السعرات الحرارية من خلال الرياضة المفرطة أو التقيؤ المتعمد، وهو ما قد لا يكون حاضراً بالضرورة في حالات اللاسيتيا الخالصة التي ينصب فيها العرض على العزوف الفعلي عن تناول الغذاء وفقدان الرغبة الغريزية دون هاجس النحافة كدافع أساسي.

من ناحية أخرى، يجب تمييز اللاسيتيا عن رهاب الطعام (Sitophobia)، والذي يتخذ طابعاً فوبياوياً واضحاً يقوم على الخوف الحاد من ابتلاع الطعام، أو الخوف من التعرض للاختناق (Pseudodysphagia)، أو الخوف الهلعي من أن يكون الطعام مسمماً أو ملوثاً بالبكتيريا والسموم. في الرهاب الغذائي، تكون الشهية البيولوجية سليمة في كثير من الأحيان، وتظل الرغبة في الأكل قائمة، لكنها تصطدم بحاجز من الرعب التجنبي المشروط بوجود خطر خارجي متصور يهدد سلامة البلعوم أو الأحشاء، في حين تتسم اللاسيتيا ببرود وانطفاء حقيقي للرغبة وانعدام اللذة المرتبطة بالطعام (Food Anhedonia) دون وجود نوبات ذعر حادة مرافقة لفعل الابتلاع ذاته.

كما ينبغي في السياق التشخيصي استبعاد اضطراب تجنب/تقييد تناول الطعام (ARFID) واضطرابات الاكتئاب الجسيم، حيث يؤدي الاكتئاب السوداوي في الغالب إلى قهم حاد وتراجع وزني كبير نتيجة التثبيط الحركي النفسي العام وانعدام التلذذ الشامل. يتميز العرض اللاسيتي في هذا الإطار بكونه إما عرضاً مستقلاً ينشأ عن آليات نفسية غير اكتئابية، أو تجلياً جسدياً أولياً لنفور انتقائي مزمن لا ترافقه بالضرورة أفكار انتحارية صريحة أو تباطؤ فكري شامل، مما يستوجب فحصاً متعدد المحاور للوصول إلى توصيف دقيق للحالة الإكلينيكية.

الأبعاد السوسيوثقافية والمظاهر النفس-جسدية

لا تتشكل اضطرابات تناول الطعام في فراغ بيولوجي منعزل، بل تتأثر بعمق بالبنى الاجتماعية والمعايير الثقافية السائدة التي تحدد معنى الجسد، والجمال، والصحة. في المجتمعات الحديثة والمعاصرة، يخضع الجسد البشري لعمليات تنميط قسرية عبر وسائل الإعلام وثقافة الاستهلاك التي تروج للنحافة المفرطة كمرادف للنجاح والجاذبية والانضباط الذاتي. يمارس هذا الضغط الثقافي المستمر تشويهاً منهجياً لإشارات الجسد الطبيعية، حيث يتم تحويل الجوع إلى “عدو” ينبغي قمعه ومحاربته، مما يهيئ الأرضية النفسية لنشوء نفور دفاعي دائم من الغذاء، يتحول تدريجياً من سلوك واعٍ إلى عجز وظيفي غير خاضع للإرادة.

تتجلى اللاسيتيا عبر سلسلة واسعة من المظاهر النفس-جسدية (Psychosomatic) التي تعكس انهيار التوازن التكيفي للعضوية الحية؛ إذ يؤدي الحرمان الغذائي المزمن إلى هبوط معدل الأيض الأساسي، وبطء ضربات القلب (Bradycardia)، وانخفاض ضغط الدم الشرياني، واضطراب وظائف الغدد الصماء كضمور المحور المهادي-النخامي-التناسلي، مما يقود إلى انقطاع الطمث عند الإناث وتراجع مستويات التستوستيرون عند الذكور. تترافق هذه التغيرات البدنية مع مظاهر عاطفية وسلوكية مميزة، مثل الانطواء الاجتماعي، والتبلد الوجداني، وصعوبة التعبير عن المشاعر أو ما يُعرف طبياً بـ الأليكسيثيميا (Alexithymia).

تسلط الدراسات الأنثروبولوجية النفسية الضوء أيضاً على ما يُسمى بـ “الأعراض المحددة ثقافياً” (Culture-bound syndromes)؛ ففي بعض البيئات التقليدية، يمكن للنفور من الطعام أن يُفسر في ضوء معتقدات مس الأرواح، أو العين، أو السحر، حيث يُنظر إلى انسداد الشهية كدليل على وجود طاقة سلبية خارجية تعطل وظائف الجسد الحيوية. هذا التباين الثقافي في إدراك العرض وتفسيره يفرض على الممارس الإكلينيكي حساسية تأويلية خاصة، تمكنه من قراءة العرض العضوي كرسالة لغوية مشفرة تعبر عن تمزق في شبكة الروابط الرمزية بين الفرد ومحيطه الاجتماعي والثقافي المباشر.

المقاربات التشخيصية والتقييم النفسي السريري

يتطلب التقييم السريري لحالات اللاسيتيا بروتوكولاً تشخيصياً شاملاً يتسم بالتكامل بين الفحوصات الطبية الباطنية والتقييمات السيكومترية النفسية المتخصصة. تبدأ هذه العملية بإجراء مسح جسدي دقيق لاستبعاد الاضطرابات العضوية الصريحة التي قد تسبب فقدان الشهية الحاد، مثل الأورام الخبيثة، والقصور الكلوي المزمن، وقصور الغدة الكظرية (مرض أديسون)، واعتلالات الجهاز الهضمي المناعية مثل الداء البطني (Celiac Disease) أو داء كرون. يشمل هذا التقييم تحاليل دموية شاملة لقياس شوارد الدم، ووظائف الكبد والكلى، ومستويات الفيتامينات الأساسية خاصة مجموعة فيتامين (ب) والزنك والحديد.

في الشق السيكولوجي، يعتمد الفاحص الإكلينيكي على مقابلات سريرية نصف موجهة، تهدف إلى استكشاف التاريخ المرضي للوظيفة الغذائية منذ الطفولة المبكرة، وتحليل العلاقة الوجدانية بالمائدة والمواقف الأسرية المرتبطة بها. يتم استخدام مجموعة من المقاييس النفسية المعتمدة لتقييم عمق العرض وأبعاده التبعية، ومن أهم هذه الأدوات:

  • اختبار مواقف الأكل (EAT-26): لتقييم مستويات القلق والاهتمامات غير السوية المتعلقة بالوزن والطعام.
  • مقياس بيك للاكتئاب (BDI): لتحديد ما إذا كان النفور من الطعام يمثل عرضاً ثانوياً لحالة وجدانية اكتئابية كامنة.
  • استبيان صورة الجسد (BSQ): للتحقق من وجود تشوه إدراكي للجسد من عدمه، وهو المعيار الفارق بين اللاسيتيا والقهم العصبي النموذجي.
  • مقاييس الأليكسيثيميا (مثل TAS-20): لتقييم قدرة المريض على التعرف على الحالات الوجدانية وتسميتها وربطها بالأعراض الجسدية.

يقود الجمع المتأني بين هذه المعطيات إلى بناء صياغة سريرية تكاملية (Clinical Formulation) تحدد العوامل المهيئة (Predisposing Factors) مثل السمات الجينية والبيئة الوالدية، والعوامل المفجرة (Precipitating Factors) كالصدمات النفسية وفقدان الموضوع، والعوامل المكرِّسة (Perpetuating Factors) كالعزلة الاجتماعية والخلل الأيضي الناجم عن التجويع الذاتي، مما يوفر خارطة طريق متماسكة لرسم الخطة العلاجية الفردية.

الاستراتيجيات العلاجية وبروتوكولات التدخل المتكامل

نظراً للطبيعة المزدوجة للاسيتيا، فإن التدخل العلاجي الناجح يستلزم نموذجاً متعدد التخصصات يدمج بين الطب النفسي، وعلم النفس الإكلينيكي، والتغذية العلاجية، والطب الباطني. في الحالات الحرجة التي ينخفض فيها مؤشر كتلة الجسد (BMI) إلى مستويات مهددة للحياة (أقل من 13-14 كجم/م²)، تصبح الأولوية القصوى لإعادة التأهيل الغذائي والإنعاش الاستقلابي داخل بيئة استشفائية مغلقة، مع مراقبة حثيثة لتفادي ما يعرف بـ “متلازمة إعادة التغذية” (Refeeding Syndrome) الناتجة عن الهبوط الحاد في مستويات الفوسفات والمغنيسيوم في مصل الدم.

على الصعيد النفسي العلاجي، يحتل العلاج السلوكي المعرفي المطور لاضطرابات التغذية (CBT-E) مكانة مركزية في تعديل المخططات المعرفية المشوهة المتعلقة بالأكل، وإعادة التدريب على قراءة الإشارات الجسدية للجوع والامتلاء عبر تقنيات الأكل اليقظ (Mindful Eating). يوازيه في الأهمية العلاج النفسي الديناميكي الداعم، الذي يركز على مساعدة المريض على فك الارتباط الرمزي بين الطعام والصراعات النفسية، وتطوير قدرة الأنا على استيعاب المشاعر السلبية دون الحاجة إلى التعبير عنها عبر الجسد من خلال الإضراب الصامت عن التغذية.

يلعب العلاج الأسري دوراً محورياً، لا سيما نمط علاج مودسلي (Maudsley Model)، الذي يعيد تمكين الأسرة من أداء دورها الداعم في مراقبة الوجبات، وتفكيك أنماط التواصل المرضية أو المتشابكة (Enmeshment) التي قد تغذي سلوك الرفض الغذائي لدى الفرد. ومن الناحية الدوائية، لا توجد علاجات نوعية مخصصة للاسيتيا بذاتها، بيد أن استخدام بعض مضادات الاكتئاب مثل مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) بعد استعادة جزء من الوزن، أو جرعات منخفضة من مضادات الذهان اللانمطية مثل الأولانزابين (Olanzapine)، قد يسهم بفعالية في كسر حلقة الوساوس المتطرفة، وتخفيف حدة القلق الحشوي الملازم لعملية تناول الطعام، وتحفيز الشهية بصورة غير مباشرة.

الآفاق المستقبلية في أبحاث الشهية والنفور الغذائي

تفتح الثورة التقنية في مجالات التصوير العصبي الوظيفي والجينوميات مسارات بحثية غير مسبوقة لفهم الآليات الأكثر دقة لظاهرة اللاسيتيا. تشير دراسات الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) الحديثة إلى وجود خلل في الاتصالية الوظيفية بين الشبكة المركزية التنفيذية (CEN) وشبكة التميز (Salience Network) لدى الأفراد الذين يعانون من نفور مزمن من التغذية، مما يمنع التحويل المرن للوعي من المهام الإدراكية الخارجية إلى الحاجات الجسدية الداخلية الحشوية (Interoception). إن فهم هذه الشبكات العصبية المعطلة يمهد الطريق لتقنيات تدخل مبتكرة مثل التحفيز المغناطيسي المتكرر عبر الجمجمة (rTMS) لتعديل النشاط القشري واستعادة التوازن الوظيفي في مراكز المعالجة الحسية للأغذية.

علاوة على ذلك، يكتسب محور الأمعاء-الدماغ (Gut-Brain Axis) اهتماماً علمياً متصاعداً؛ حيث كشفت الدراسات الحديثة عن دور بكتيريا الميكروبيوتا المعوية في إفراز نواقل عصبية وببتيدات تؤثر تأثيراً مباشراً على مراكز الشهية والمزاج في الجهاز العصبي المركزي. قد يؤدي تدهور التنوع البكتيري المعوي الناتج عن الحميات القاسية أو التجويع إلى تعزيز حالة الالتهاب العصبي المجهري، واستدامة النفور الحسي من الطعام، مما يطرح آفاقاً علاجية مستقبلية تستند إلى استخدام المعينات الحيوية (Psychobiotics) لإعادة تشكيل البيئة المعوية ودعم تعافي الجهاز الهضمي على الصعيدين العضوي والسلوكي.

ختاماً، تمثل دراسة اللاسيتيا تحدياً علمياً وإنسانياً يذكر الباحثين والممارسين بأن الجسد البشري ليس مجرد آلة بيولوجية تتزود بالوقود الطاقي، بل هو كيان رامز، تختلط في كل لقمة يتناولها الرغبة في الحياة بالخوف من الفناء، وحب الاتصال برهبة الامتلاك. إن التعاطي العلاجي والبحثي الرصين مع هذا الاضطراب يقتضي تجاوز الثنائيات التقليدية بين النفسي والجسدي، واعتماد نموذج تركيبي شمولي يعيد للإنسان المصاب توازنه مع طعامه، وجسده، وعالمه.

المراجع

  • ابن سينا، الحسين بن عبد الله. (2009). القانون في الطب (ط. 2). دار الكتب العلمية.
  • فرويد، سيغموند. (2014). ثلاث مقالات في النظرية الجنسية (جورج طرابيشي، مترجم). دار الطليعة.
  • American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed., text rev.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425787
  • Fairburn, C. G. (2008). Cognitive behavior therapy and eating disorders. Guilford Press.
  • Kaye, W. H., Fudge, J. L., & Paulus, M. (2009). New insights into symptoms and neurocircuitry of anorexia nervosa. Nature Reviews Neuroscience, 10(8), 573-584. https://doi.org/10.1038/nrn2686
  • Morton, R. (1694). Phthisiologia: Or, a treatise of consumptions. Smith and Walford.
  • Treasure, J., Duarte, T. A., & Schmidt, U. (2020). The cognitive-interpersonal maintenance model of anorexia nervosa revisited: A summary of the evidence for cognitive, socio-emotional and interpersonal predisposing and perpetuating factors. Journal of Eating Disorders, 8(1), 1-14. https://doi.org/10.1186/s40337-020-00364-3

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 28). اللاسيتيا (Asitia): المفهوم النفسي والسريري لفقدان الشهية والنفور من الطعام. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/asitia-loss-of-appetite-psychology/
looti, Mohammed. “اللاسيتيا (Asitia): المفهوم النفسي والسريري لفقدان الشهية والنفور من الطعام.” عرب سايكلوجي, 28 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/asitia-loss-of-appetite-psychology/.
looti, Mohammed. “اللاسيتيا (Asitia): المفهوم النفسي والسريري لفقدان الشهية والنفور من الطعام.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 28, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/asitia-loss-of-appetite-psychology/.