يُمثّل الأسبرين (حمض أسيتيل ساليسيليك – Acetylsalicylic acid) أحد أقدم العقاقير الدوائية وأكثرها تأثيراً في تاريخ الطب الحديث، حيث تجاوز استخدامه التقليدي كمسكن للألم وخافض للحرارة ليحتل موقعاً جوهرياً في الأبحاث العصبية والنفسية المعاصرة. مع تطور العلوم البيولوجية النفسية وتنامي فرضية الالتهاب العصبي في نشأة الاضطرابات الوجدانية والتدهور المعرفي، برز الأسبرين كأداة بحثية وعلاجية واعدة تُعيد تشكيل فهمنا للعلاقة التبادلية بين الجهاز المناعي، والأوعية الدموية الدماغية، والحالة النفسية للإنسان. تقدم هذه المقالة دراسة أكاديمية شاملة ومفصلة لمركب الأسبرين من منظور الطب النفسي العصبي وعلم الأدوية النفسية.
المدخل المفاهيمي والتاريخي لمركب الأسبرين
يمتد تاريخ اكتشاف الأسبرين إلى آلاف السنين، حيث استخدمت الحضارات القديمة، بما في ذلك السومريون والمصريون القدماء واليونانيون، مستخلصات لحاء شجر الصفصاف (Salix) لتخفيف الحمى والألم. وقد وثّق أبقراط الخصائص العلاجية لمسحوق أوراق ولحاء الصفصاف، غير أن العزل الكيميائي للمادة الفعالة، وهي الساليسين (Salicin)، لم يتحقق إلا في أوائل القرن التاسع عشر على يد علماء الصيدلة في أوروبا. كان الساليسين بصورته الحرة يسبب تهيجاً شديداً في الغشاء المخاطي للمعدة، مما دفع الكيميائي الألماني فيليكس هوفمان، أثناء عمله في مختبرات شركة باير عام 1897، إلى تحوير المركب كيميائياً عبر عملية الأستلة لإنتاج حمض أسيتيل ساليسيليك، وهو مركب يتمتع بتحمل أفضل وفعالية علاجية فائقة، وسرعان ما تم تسجيله تحت الاسم التجاري المستحدث عالمياً.
على مدار النصف الأول من القرن العشرين، كان يُنظر إلى الأسبرين بصورة حصرية تقريباً باعتباره مضاداً للالتهاب ومسكناً للألم المحيطي، دون فهم معمق لآليته الجزيئية داخل الجهاز العصبي المركزي. غير أن التحول الجوهري حدث في عام 1971 عندما كشف عالم الصيدلة البريطاني جون فين (John Vane) عن الآلية الحيوية لعمل الأسبرين، وهي تثبيط التخليق الحيوي للبروستاغلاندينات من خلال تثبيط إنزيمات الأكسدة الحلقية، وهو الإنجاز الذي نال عليه جائزة نوبل في الطب عام 1982. هذا الاكتشاف لم يفسر فقط الخصائص المسكنة والمضادة للتخثر للعقار، بل فتح الباب على مصراعيه لاستكشاف دور البروستاغلاندينات والوسائط الالتهابية في النقل العصبي، وحساسية مستقبلات الألم، والفسيولوجيا المرضية للأمراض النفسية والعصبية المزمنة.
في العقود الأخيرة، انتقل الاهتمام الأكاديمي بالأسبرين من مجرد اعتباره علاجاً وقائياً للأمراض القلبية الوعائية إلى اعتباره نموذجاً جزيئياً للتدخل المناعي النفسي (Immunopsychiatry). لقد بيّنت الدراسات الوبائية والسريرية أن المرضى الذين يتناولون جرعات منخفضة من الأسبرين لفترات طويلة يظهرون تبدلات ملحوظة في معدلات حدوث بعض الاضطرابات المزاجية والتدهور المعرفي الوعائي. يتطلب الاستيعاب المعاصر للأسبرين تجاوز النظرة الدوائية السطحية نحوه كمركب نمطي، وتأطيره كعامل معدل للاستجابة البيولوجية العصبية قادر على العبور جزئياً عبر الحاجز الدموي الدماغي والتأثير المباشر وغير المباشر على التوازن العصبي المناعي.
الآليات الدوائية العصبية والبيوكيميائية
تتمحور الآلية الدوائية الرئيسة للأسبرين حول التثبيط غير القابل للعكس (Irreversible inhibition) لإنزيمات الأكسدة الحلقية: سيكلوأوكسيجيناز-1 (COX-1) وسيكلوأوكسيجيناز-2 (COX-2). يقوم الأسبرين بنقل مجموعة الأسيتيل تساهمياً إلى ثمالة سيرين محددة في الموقع النشط للإنزيم (سيرين 530 في COX-1 وسيرين 516 في COX-2). يؤدي هذا التعديل الهيكلي إلى إعاقة وصول حمض الأراكيدونيك إلى الجيب التحفيزي، مما يمنع تحويله إلى بروستاغلاندين H2 (PGH2)، وهو الطليعة الحيوية المباشرة لإنتاج الثرومبوكسان A2، والبروستاغلاندينات الالتهابية المختلفة مثل PGE2 وPGD2 وPGF2α. يمتلك هذا التثبيط تأثيراً مباشراً في تقليل تنشيط الصفائح الدموية ومنع التخثر، فضلاً عن خفض التعبير الموضعي والجهازي عن الجزيئات المحرضة على الالتهاب.
على المستوى العصبي المركزي، تمارس البروستاغلاندينات، وبخاصة PGE2، دوراً محورياً في تعديل النقل المشبكي والإفراج عن النواقل العصبية الرئيسة مثل الغلوتامات والسيروتونين والدوبامين. يؤدي الالتهاب العصبي المستمر إلى تحريض مفرط لإنزيم COX-2 في الخلايا البطانية الدماغية وخلايا الدبقية الصغيرة (Microglia)، مما ينتج عنه تدفق مستمر لـ PGE2 داخل النسيج العصبي. يسهم هذا التدفق في زيادة استثارة الخلايا العصبية عبر التأثير على مستقبلات EP، مما يولد ظاهرة السمية الإثارية (Excitotoxicity) المرتبطة بفرط تنشيط مستقبلات NMDA، ويفضي في نهاية المطاف إلى ضمور التفرعات الشجيرية وموت الخلايا العصبية المبرمج. يتدخل الأسبرين هنا لكبح هذا الشلال التنكسي عن طريق خفض التخليق المفرط لهذه الوسائط الشحمية الالتهابية.
علاوة على ذلك، يتميز الأسبرين بآلية بيوكيميائية فريدة تميزه عن بقية مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs)؛ فعندما يرتبط بإنزيم COX-2 المؤستل، فإنه لا يثبطه كلياً، بل يغير نوعياً نشاطه الحفزي ليُحوّل حمض الأراكيدونيك إلى مركب 15R-HETE، والذي يتحول بدوره بواسطة إنزيمات كريات الدم البيضاء إلى مركبات تُعرف باسم “الليبيدات المحلولة للالتهاب والمحفزة بالأسبرين” أو ما يُصطلح عليه بالـ Aspirin-Triggered Lipoxins (مثل AT-LXA4). تمتلك هذه المركبات قدرة فائقة وموثقة على إيقاف هجرة العدلات، وتحفيز بلعمة الحطام الخلوي بواسطة البلاعم والدبقية دون إحداث تفاعل التهابي إضافي، وتثبيط العامل النووي كابا ب (NF-κB)، مما يجعل الأسبرين ليس مجرد مانع للالتهاب، بل محفزاً نشطاً لعملية “حل الالتهاب” (Resolution of inflammation) داخل الدماغ.
الأسبرين والاضطرابات النفسية: فرضية الالتهاب العصبي في الاكتئاب
تُعد الفرضية المناعية النفسية من أهم الثورات العلمية في دراسة الاضطراب الاكتئابي الرئيسي والاضطراب ثنائي القطب. تشير الأدلة المتراكمة إلى أن شريحة كبيرة من المصابين بالاكتئاب يُظهرون ارتفاعاً مزمناً في المؤشرات الالتهابية الجهازية مثل بروتين C التفاعلي عالي الحساسية (hs-CRP)، والإنترلوكين-6 (IL-6)، وعامل نخر الورم ألفا (TNF-α). يؤدي هذا الالتهاب المزمن منخفض الدرجة إلى تنشيط إنزيم إندولامين 2،3-ثنائي الأوكسيجيناز (IDO) في الدماغ، وهو الإنزيم المسؤول عن تحويل حمض التريبتوفان—الطليعة الحيوية للسيروتونين—إلى مسار الكينورينين بدلاً من تصنيع السيروتونين. ينتج عن هذا المسار إنتاج حمض الكينولينيك، وهو ناهض قوي لمستقبلات NMDA ومولد جذري حر يتسبب في ضمور الخلايا العصبية في الحصين والقشرة الجبهية الأمامية.
في هذا السياق، يُطرح الأسبرين كاستراتيجية علاجية مساعدة (Adjunctive therapy) تهدف إلى كسر هذه الحلقة المفرغة. من خلال تثبيط التخليق الحيوي للبروستاغلاندينات وتقليل السيتوكينات الالتهابية المحيطية، يُسهم الأسبرين في تثبيط نشاط إنزيم IDO، مما يتيح إعادة توجيه التريبتوفان نحو تصنيع السيروتونين واستعادة التوازن الوظيفي للأميناات الأحادية. وقد أظهرت تجارب سريرية منضبطة بالعلاج الوهمي أن إضافة الأسبرين بجرعات منخفضة (75 إلى 100 ملغ/يوم) أو جرعات مضادة للالتهاب إلى مضادات الاكتئاب التقليدية من فئة مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) قد ساعدت على تسريع الاستجابة العلاجية ورفع معدلات الهجوع السريري، لا سيما لدى المرضى الذين أظهروا مستويات مرتفعة من المؤشرات الالتهابية قبل البدء في التدخل الدوائي.
كذلك الحال في الاضطراب ثنائي القطب، حيث تُشير الدراسات العصبية الحيوية إلى وجود خلل مناعي مزمن مصحوب بإجهاد تأكسدي يرافق تقلبات المزاج بين النوبات الهوسية والاكتئابية. يعمل الأسبرين على تقليل مستويات حمض الأراكيدونيك الحر المفرط داخل الخلايا العصبية والدبقية، وهو مسار يُعتقد أنه يتآزر مع آليات عمل مثبتات المزاج الكلاسيكية مثل الليثيوم وفالبروات الصوديوم، والتي تؤثر هي الأخرى في تقليل مسارات تجديد حمض الأراكيدونيك. وبناءً على ذلك، يتم استكشاف الأسبرين حالياً ليس فقط كعامل مضاد للاكتئاب، بل كعامل محتمل لتعزيز الاستقرار المزاجي لدى المرضى الذين يعانون من مقاومة دوائية مزمنة مرتبطة بخلل المناعة الذاتية.
دوره في الوقاية من التدهور المعرفي والخرف الوعائي
ترتبط الصحة النفسية والوظائف التنفيذية ارتباطاً وثيقاً بنزاهة الدورة الدموية الدماغية المجهرية. يُعتبر الخرف الوعائي والتدهور المعرفي الوعائي (Vascular Cognitive Impairment) من أبرز المسببات لفقدان الاستقلالية الوظيفية، والتغيرات السلوكية، والاكتئاب اللاحق لدى كبار السن. تنشأ هذه الاضطرابات نتيجة الاحتشاءات الدماغية الصامتة المتعددة، وأمراض الأوعية الدماغية الصغيرة، واعتلال المادة البيضاء الإقفاري المزمن. يمارس الأسبرين، بجرعاته المضادة للصفيحات، تأثيراً وقائياً حاسماً من خلال الحفاظ على تروية الأنسجة الدماغية العميقة، ومنع التخثرات المجهرية داخل الشرايين الثاقبة، وبالتالي حماية الدوائر الجبهية-تحت القشرية المسؤولة عن الوظائف التنفيذية وضبط المزاج.
وفيما يخص مرض ألزهايمر، كانت الفرضية الالتهابية محط تدقيق واسع. يتميز دماغ مريض ألزهايمر بتراكم لويحات ببتيد بيتا أميلويد والتشابكات الليفية العصبية لبروتين تاو، وهو ما يثير استجابة مناعية مستمرة من خلايا الدبقية الصغيرة تؤدي إلى إطلاق وسائط التهابية تسرّع التنكس العصبي المشبكي. أظهرت بعض الدراسات الوبائية طويلة المدى أن الاستخدام المزمن للأسبرين في مراحل مبكرة من العمر يرتبط بانخفاض احتمالية الإصابة بمرض ألزهايمر. وتُعزى هذه الظاهرة إلى قدرة الأسبرين والليبيدات المحفزة به على تعزيز نشاط بلعمة لويحات الأميلويد بواسطة الدبقية، وتقليل الاستجابة السامة للخلايا المجاورة، فضلاً عن تحسين تدفق الدم المخي العام الذي يقي من نقص الأكسجين الموضعي المحرض لتراكم البروتينات الشاذة.
مع ذلك، يجب التأكيد على أن التجارب السريرية الكبرى، مثل دراسة ASPREE (Aspirin in Reducing Events in the Elderly)، قد بينت أن بدء تناول الأسبرين في سن متقدمة (فوق 70 عاماً) لدى أشخاص أصحاء لا يحملون مؤشرات سابقة لأمراض الأوعية الدموية لم يؤدِّ إلى خفض ملموس في خطر الخرف الكلي، بل ترافق مع زيادة في مخاطر النزيف داخل القحف. يُبرز هذا التباين أهمية “النافذة العلاجية” (Therapeutic Window) والتشخيص التمييزي؛ فالأسبرين يعمل بفعالية قصوى كإجراء وقائي ثانوي للأوعية الدموية المعرفية ولدى الأفراد الذين يمتلكون عبئاً وعائياً والتهابياً صريحاً، ولا ينبغي استخدامه كتدخل عشوائي غير مشروط دون مراعاة عوامل الخطورة الفردية للمريض.
التداخلات الدوائية مع مضادات الاكتئاب ومعدلات المزاج
إن الجمع بين الأسبرين والأدوية النفسية يستلزم فهماً صيدلانياً وسريرياً دقيقاً، لا سيما مع فئة مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) مثل السيرترالين، والباروكستين، والفلوكسيتين. تعتمد الصفائح الدموية على قبط السيروتونين من البلازما عبر نواقل السيروتونين (SERT) لتعزيز تجمعها وتخثر الدم عند حدوث جرح وعائي. تقوم مضادات الاكتئاب من فئة SSRIs بإيقاف هذا القبط، مما يستنزف مخزون الصفائح من السيروتونين ويضعف وظيفتها التجميعية بصورة ملحوظة. عند إعطاء الأسبرين بالتزامن مع هذه الأدوية، يحدث تآزر ديناميكي دوائي (Pharmacodynamic synergism) يُضاعف بشكل كبير من خطر النزيف، وبخاصة نزيف الجهاز الهضمي العلوي والنزيف داخل الجمجمة.
تستدعي هذه المخاطر تقييماً دقيقاً لميزان الفائدة والمخاطرة قبل وصف الأسبرين كعلاج نفسي معزز. يُنصح الأطباء النفسيون بمراقبة عوامل الخطورة لدى المريض، مثل التاريخ المرضي للقرحة الهضمية، والتقدم في السن، والاستخدام المتزامن لمضادات التخثر الأخرى أو الكورتيكوستيرويدات. في الحالات التي يكون فيها الجمع الدوائي ضرورياً لدواعي قلبية وعائية أو لتعزيز الاستجابة المضادة للاكتئاب، يُوصى بشدة بوصف مثبطات مضخة البروتون (PPIs) كإجراء وقائي لحماية البطانة المعدية، مع توعية المريض بالعلامات التحذيرية للنزيف الخفي مثل التغوط الأسود أو الإرهاق الشديد غير المبرر.
من زاوية أخرى، يجب الانتباه إلى التداخلات الحركية الدوائية للأسبرين مع مثبتات المزاج، وتحديداً الليثيوم. على الرغم من أن مضادات الالتهاب غير الستيرويدية الأخرى (مثل الإيبوبروفين والديكلوفيناك) تُقلل بشدة من الإفراز الكلوي لليثيوم مما يؤدي إلى تراكمه وحدوث تسمم حاد به، فإن الأسبرين يُعد استثناءً نسبياً؛ إذ تشير الدراسات إلى أن الجرعات المنخفضة والمتوسطة من الأسبرين لا تُحدث تأثيراً كبيراً على تصفية الليثيوم الكلوية. ومع ذلك، فإن الجرعات العالية جداً من الساليسيلات قد تؤثر على التروية الكلوية وتعدل معدل الترشيح الكبيبي، مما يستوجب رصد التركيز المصلي لليثيوم بانتظام لتجنب أي تذبذبات غير محسوبة في نافذته العلاجية الضيقة.
التأثيرات النفسجسدية وإدارة الألم المزمن
تتداخل مسارات الألم والاضطراب النفسي داخل الجهاز العصبي في علاقة تبادلية وثيقة؛ فالألم المزمن ليس مجرد إحساس حسي بل تجربة انفعالية ومعرفية معقدة تشترك في دوائرها العصبية مع القلق والاكتئاب، ولا سيما القشرة الحزامية الأمامية واللوزة الدماغية والمهاد. يعاني غالبية مرضى الألم المزمن من أعراض اكتئابية موازية، كما يشتكي مرضى الاكتئاب في كثير من الأحيان من أعراض جسدية مؤلمة غير مفسرة عضوياً، كالصداع والآلام العضلية الليفية. يلعب الأسبرين دوراً مزدوجاً في هذا السياق؛ فهو يخفف الألم المحيطي عن طريق تقليل حساسية نهايات الأعصاب لمادة البراديكينين والهيستامين عبر كبح البروستاغلاندينات، مما يحد بدوره من تدفق الإشارات المؤلمة الصاعدة نحو الجهاز العصبي المركزي.
على الصعيد المركزي، يُسهم كبح الالتهاب المحيطي بواسطة الأسبرين في منع ظاهرة “التحسس المركزي” (Central Sensitization)، وهي الحالة التي تصبح فيها الخلايا العصبية في القرن الخلفي للنخاع الشوكي مفرطة الاستجابة للمنبهات الحسية العادية. يترافق التحسس المركزي مع إفراز مكثف للسيتوكينات وتنشيط مستمر للدبقية النخاعية، مما يخلق حالة من الألم المعمم والإرهاق النفسجسدي الذي يشبه أعراض “سلوك المرض” (Sickness Behavior). من خلال ترويض هذه العاصفة الالتهابية المجهرية، يُسهم الأسبرين في تحسين كفاءة وجودة النوم، ورفع مستويات النشاط البدني، وتخفيف الشعور بالعجز لدى مرضى الحالات النفسجسدية، مما ينعكس إيجاباً على فاعلية العلاجات النفسية السلوكية المتبعة.
علاوة على ذلك، يُستخدم الأسبرين بفعالية سريرية راسخة في بروتوكولات تدبير نوبات الصداع النصفي الحادة والصداع التوتري، وكلاهما يُظهر معدلات مراضة مشتركة فائقة الارتفاع مع اضطرابات القلق العام والاكتئاب. إن التسكين السريع للألم الحاد يمنع تشكل الذاكرة التكيفية السيئة للألم والخوف الاستباقي (Anticipatory Anxiety)، مما يحول دون انزلاق المريض إلى سلوكيات التجنب والانسحاب الاجتماعي التي تزيد من شدة العزلة والاكتئاب الثانوي. وبذلك يتبدى الأسبرين كجسر علاجي تكاملي يربط بين تخفيف المعاناة الجسدية واستعادة الاستقرار الانفعالي والنفسي.
الجدل السريري والمحاذير الدوائية في الممارسة النفسية
على الرغم من البيانات الواعدة حول الخصائص النفسية العصبية للأسبرين، فإن دمجه في الممارسة النفسية الروتينية يواجه جدلاً علمياً وأخلاقياً محتدماً. تتمثل نقطة الخلاف الرئيسة في صعوبة تعميم النتائج؛ إذ لم تظهر جميع التجارب السريرية العشوائية استجابة إيجابية موحدة لدى مرضى الاكتئاب أو الفصام عند استخدام الأسبرين كمساعد علاجي. يعود هذا التباين إلى الطبيعة غير المتجانسة للاضطرابات النفسية؛ فالمرضى الذين لا يعانون أصلاً من حالة التهابية جهازية نشطة (أي يمتلكون مستويات طبيعية من hs-CRP) نادراً ما يستفيدون من إضافة مضادات الالتهاب، بل قد يتعرضون لمخاطر دوائية دون مسوغ سريري واضح، مما يحتم تبني مبدأ الطب النفسي الدقيق القائم على المؤشرات الحيوية.
تتضمن المحاذير الدوائية الصارمة للأسبرين مخاطر التسمم بالساليسيلات (Salicylism)، والذي يتجلى في مراحله المبكرة بأعراض نفسية وعصبية تشمل الطنين، والدوخة، والتشوش الذهني، والهذيان، والفرط التنفسي الناجم عن تنشيط المركز التنفسي النخاعي مباشرة. في المرضى النفسيين، وبخاصة أولئك الذين يعانون من أفكار انتحارية أو خلل في التحكم بالاندفاعات، يجب توخي أقصى درجات الحذر لتفادي تناول جرعات مفرطة ذات عواقب مميتة ناتجة عن الحماض الأيضي والنزيف الداخلي. كما يُحظر استخدام الأسبرين بشكل قاطع لدى الأطفال والمراهقين الذين يعانون من عدوى فيروسية تزامناً مع اضطرابات سلوكية أو نفسية، لتجنب حدوث متلازمة راي (Reye’s syndrome) الخطيرة والمسببة للاعتلال الدماغي الحاد والتنكس الدهني الكبدي.
بالإضافة إلى ذلك، تُطرح إشكالية ظاهرة “مقاومة الأسبرين” (Aspirin Resistance)، حيث يفشل الدواء في تحقيق التثبيط الكافي لإنتاج الثرومبوكسان A2 لدى نسبة تتراوح بين 10% إلى 25% من الأفراد. ترتبط هذه المقاومة بعوامل جينية وتعدد الأشكال في جينات COX-1، فضلاً عن تأثير عوامل نمط الحياة مثل السمنة والتدخين والتوتر النفسي المزمن. يؤدي الإجهاد النفسي الحاد إلى تحفيز هرموني عبر المحور الوطائي-النخامي-الكظري (HPA axis)، مما يرفع مستويات الكاتيكولامينات في الدم ويزيد من تنشيط الصفائح الدموية بطرق تتجاوز مسار إنزيم COX، الأمر الذي قد يُبطل جزءاً كبيراً من التأثيرات الوقائية القلبية والعصبية للعقار لدى الأفراد المضطربين نفسياً.
آفاق البحث المستقبلي في الطب النفسي المناعي
يمثل الأسبرين نقطة ارتكاز محورية في صياغة الجيل القادم من استراتيجيات الطب النفسي المناعي (Immunopsychiatry). تتجه الأبحاث الراهنة نحو تطبيق بروتوكولات “العلاج المشخصن” (Personalized Medicine)، حيث يتم قياس المؤشرات الحيوية الالتهابية في المصل والسائل الدماغي الشوكي، وتصوير الالتهاب العصبي باستخدام تقنيات التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET) الموجه نحو بروتين الانتقال الموضعي (TSPO) في خلايا الدبقية الصغيرة، وذلك قبل اتخاذ القرار بإشراك الأسبرين كعلاج مساعد لمضادات الاكتئاب أو الذهان.
تتضمن المجالات الواعدة أيضاً استكشاف المشتقات الاصطناعية الحديثة للأسبرين، مثل الأسبرين المحرر لأكسيد النيتريك (NO-releasing aspirin) أو الأسبرين المحرر لكبريتيد الهيدروجين (H2S-releasing aspirin). تهدف هذه المركبات المهندسة حيوياً إلى تقديم خصائص مضادة للالتهاب ومحفزة للتروية الدماغية بقوة مضاعفة، مع تقليل الأضرار الجانبية الواقعة على الغشاء المخاطي للمعدة بنسبة كبيرة، مما يتيح استخدامها بأمان لفترات أطول في الوقاية من التدهور المعرفي والاضطرابات النفسية المصاحبة للشيخوخة.
ختاماً، تستمر الدراسات الميكروحيومية في الكشف عن كيفية تأثير الأسبرين على تكوين ميكروبات الأمعاء والاتصال عبر محور الأمعاء-الدماغ (Gut-Brain Axis). تشير البيانات الأولية إلى أن الساليسيلات قد تعدل من نفاذية الحاجز المعوي، وتمنع انتقال الذيفانات الداخلية البكتيرية (LPS) إلى مجرى الدم، وهو أحد المصادر الرئيسة للالتهاب المزمن منخفض الدرجة المسبب للاكتئاب. إن التعمق في فهم هذه التفاعلات متعددة الأجهزة يضمن للأسبرين البقاء في طليعة العقاقير التي تُعيد ردم الهوة بين الطب الجسدي والطب النفسي، وتحويل النظرة التاريخية لهذا المركب من مسكن عابر إلى منظم استراتيجي للمسارات الحيوية العصبية.
المراجع
- Berk, M., Dean, O., Drexhage, H., McNeil, J. J., Moylan, S., O’Neil, A., Davey, C. G., Sanna, L., & Maes, M. (2013). Aspirin: a review of its neurobiological properties and therapeutic potential for mental illness. BMC Medicine, 11(1), 74. https://doi.org/10.1186/1741-7015-11-74
- Dantzer, R., O’Connor, J. C., Freund, G. G., Johnson, R. W., & Kelley, K. W. (2008). From inflammation to sickness and depression: when the immune system subjugates the brain. Nature Reviews Neuroscience, 9(1), 46-56. https://doi.org/10.1038/nrn2297
- Khandaker, G. M., Dantzer, R., & Jones, P. B. (2017). Immunopsychiatry: Important facts. Psychological Medicine, 47(13), 2229-2237. https://doi.org/10.1017/S0033291717001423
- McNeil, J. J., Woods, R. L., Nelson, M. R., Reid, C. M., Kirpach, B., Wolfe, R., Storey, E., Shah, R. C., Lockery, J. E., Tonkin, A. M., Newman, A. B., Williamson, J. D., & ASPREE Investigator Group. (2018). Effect of aspirin on cognitive function in healthy elderly individuals. New England Journal of Medicine, 379(15), 1459-1468. https://doi.org/10.1056/NEJMoa1803955
- Müller, N. (2019). The role of anti-inflammatory treatment in psychiatric disorders. Psychiatric Annals, 49(4), 164-169. https://doi.org/10.3928/00485713-20190308-01
- Vane, J. R. (1971). Inhibition of prostaglandin synthesis as a mechanism of action for aspirin-like drugs. Nature New Biology, 231(25), 232-235. https://doi.org/10.1038/newbio231232a0
- Wang, Y., & Miller, A. H. (2018). Neuroinflammatory mechanisms of depression: Implications for treatment. Current Topics in Behavioral Neurosciences, 43, 3-28. https://doi.org/10.1007/7854_2018_74