يمثل علم النفس الترابطي أحد أعرق التيارات الفكرية والنظرية التي أرست الدعائم الأولى لدراسة العقل البشري والعمليات الذهنية؛ حيث ينطلق هذا الاتجاه من افتراض جوهري مفاده أن الظواهر النفسية المعقدة، كالتفكير والذاكرة وحل المشكلات، ليست سوى تشكيلات مركبة ناتجة عن اندماج وحدات حسية أولية ترتبط ببعضها وفق قوانين ميكانيكية محددة. يضرب هذا المنظور بجذوره في أعماق الفلسفة الإبستيمولوجية، وتحديداً في المدرسة التجريبية التي رأت في الخبرة الحسية المصدر الوحيد والأساس لكل معرفة بشرية. وفي ضوء هذا الفهم، شكلت الترابطية حجر الزاوية الذي بنيت عليه نماذج التعلم الكلاسيكية، وتفرعت منه أطروحات متباينة انتقلت لاحقاً إلى المختبرات السيكولوجية ومحاولات القياس الكمي للذاكرة والسلوك.
لقد استطاع الفكر الترابطي أن يهيمن على الخطاب النفسي لقرون طويلة، متحولاً تدريجياً من مجرد تأملات فلسفية حول طبيعة تتابع الأفكار إلى إطار تفسيري شامل يستند إلى فسيولوجيا الأعصاب والنماذج الحاسوبية وشبكات الذكاء الاصطناعي الحديثة. إن فهم علم النفس الترابطي يتطلب تفكيك أنظمته البنيوية، والوقوف على محطاته التاريخية الحاسمة، واستيعاب الكيفية التي أثر بها في ظهور النظريات السلوكية والمعرفية على حد سواء، مسلطاً الضوء على الجدليات المستمرة بين النزعة الاختزالية والنظريات الكلية في تفسير الوعي البشري.
الجذور الفلسفية للترابطية: من أرسطو إلى الفلسفة التجريبية
تعود الإرهاصات الأولى للمفهوم الترابطي إلى الفلسفة اليونانية القديمة، حيث وضع أرسطو في أطروحته الشهيرة حول الذاكرة والتذكر حجر الأساس الفكري الأول. لاحظ أرسطو أن استدعاء ذكرى معينة لا يحدث بمعزل عن غيرها، بل غالباً ما يثير في الذهن ذكرى أخرى بناءً على علاقات ثلاثية كلاسيكية: التشابه، والتضاد، والتجاور. وقد اعتبر أرسطو أن الحركة الذهنية تنتقل تلقائياً من إدراك معين إلى إدراك آخر إذا كان أحدهما يشارك الآخر خصائص معينة، أو كان مناقضاً له تماماً، أو تزامن حدوثهما معاً في الزمان أو المكان. ورغم أن تأملات أرسطو كانت أقرب إلى التوصيف الفينومينولوجي لعملية التذكر، إلا أنها شكلت الإطار المفاهيمي الذي استند إليه فلاسفة العصر الحديث لتطوير نظرية متكاملة للعقل.
مع بزوغ عصر النهضة وتأسيس الفلسفة الحديثة، تلقف الفيلسوف الإنجليزي جون لوك هذه البذور ليصيغ في كتابه «مقال في الفهم البشري» (1690) هجوماً كاسحاً على نظرية الأفكار الفطرية الديكارتية. افترض لوك أن العقل البشري يولد كالصفحة البيضاء الخالية من أي نقوش مسبقة، وأن التجربة الحسية هي المصدر الوحيد لتزويد الذهن بـ«الأفكار البسيطة». هذه الأفكار البسيطة، التي يكتسبها الفرد عبر الإحساس الخارجي والتأمل الداخلي، لا تظل مشتتة، بل يجري تجميعها وتركيبها بواسطة العقل لتكوين «أفكار معقدة». ورغم أن لوك لم يجعل من الترابط الآلية الوحيدة لعمل العقل، بل أشار إليه أحياناً بوصفه خللاً يربط أفكاراً لا علاقة منطقية بينها، إلا أنه نحت مصطلح «ترابط الأفكار» ومهد الطريق لمن بعده ليجعلوه القانون الأساسي للحياة العقلية.
ارتقى الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم بهذا الاتجاه إلى ذروته المنطقية، حيث اعتبر في كتابه «رسالة في الطبيعة البشرية» (1739) أن الترابط هو المعادل النفسي لقانون الجاذبية في الفيزياء النيوتونية. قسم هيوم المحتويات العقلية إلى انطباعات حسية وأفكار مجردة، مجادلاً بأن الأفكار مجرد نسخ باهتة من الانطباعات الأولية. وحدد هيوم ثلاثة مبادئ حاكمة تربط الأفكار بعضها ببعض في تيار الوعي: التشابه، والاقتران في الزمان والمكان، والعلية (السبب والنتيجة). بالنسبة لهيوم، فإن حتى مفهوم العلية الذي تبنى عليه العلوم الطبيعية ليس سوى ترابط نفسي ناشئ عن الاقتران المتكرر بين حدثين، مما يولد لدى العقل عادة نفسية تجعله ينتظر حدوث الثاني بمجرد ظهور الأول، وبذلك تم تجريد السببية من ضرورتها الأنطولوجية وتحويلها إلى مجرد رابطة ترابطية سيكولوجية.
المأسسة الفسيولوجية والتحول إلى مذهب علمي متكامل
شهد القرن الثامن عشر نقلة نوعية في علم النفس الترابطي مع ظهور الطبيب والفيلسوف ديفيد هارتلي، الذي يعد المؤسس الفعلي للترابطية كمذهب نفسي وفسيولوجي متماسك. في مؤلفه «ملاحظات حول الإنسان» (1749)، حاول هارتلي سد الفجوة بين الفلسفة العقلية وفيزياء الأعصاب، مستلهماً نظرية إسحاق نيوتن حول الاهتزازات الأثيرية. افترض هارتلي أن المثيرات البيئية الخارجية تحدث اهتزازات في الجسيمات المجهرية للأعصاب، وتنتقل هذه الاهتزازات إلى الدماغ؛ وعندما تتكرر هذه الاهتزازات معاً، تترك أثراً يُعرف بـ«الاهتزازات الضئيلة» أو الرواسب العصبية.
بنى هارتلي فرضيته على أن الاقتران المتزامن أو المتتالي بين الاهتزازات العصبية يجعل استثارة أحدها كافية لإعادة تنشيط الآخر في الدماغ، وهو ما يفسر حدوث الترابط الذهني على المستوى المادي. وبذلك، كان هارتلي رائداً في اختزال الظواهر السيكولوجية إلى آليات بيولوجية قابلة للتفسير الميكانيكي، مقترحاً أن قانون التجاور الزمني هو القانون الشامل الذي يحكم الإحساسات، والأفكار، والحركات العضلية التلقائية والإرادية على السواء. هذا التحول من التفسير الفلسفي التجريدي إلى النموذج الفسيولوجي منح الترابطية صبغة علمية عززت مكانتها في الأوساط الأكاديمية الصاعدة.
واصل الفيلسوفان جيمس ميل وابنه جون ستيوارت ميل تطوير هذا المنظور في القرن التاسع عشر ولكن باتجاهين متباينين. اتخذ جيمس ميل موقفاً ميكانيكياً متطرفاً في كتابه «تحليل ظواهر العقل البشري» (1829)، معتبراً أن العقل آلة سلبية تماماً، وأن الأفكار المركبة تتألف من وحدات حسية ذرية تجتمع وتتلاصق كما تتلاصق حبات الرمل أو الطوب في الجدار دون أن تفقد هويتها الأصلية، وهو ما عرف بـ«الميكانيكا الذهنية». في المقابل، رفض جون ستيوارت ميل هذا التفسير الاختزالي الصارم، وقدم في كتاباته مفهوماً بديلاً أسماه «الكيمياء الذهنية»؛ حيث جادل بأن الأفكار البسيطة عندما تندمج معاً قد تولد فكرة معقدة جديدة ذات خصائص كيفية تختلف تماماً عن خصائص العناصر المكونة لها، تماماً كما ينتج عن اتحاد غازي الهيدروجين والأكسجين مركب سائل هو الماء. هذا التعديل خفف من صرامة النزعة الآلية ومهد لظهور رؤى نفسية تأخذ في الحسبان التفاعلية والكلية.
المبادئ والقوانين الجوهرية للترابطية
يقوم صرح علم النفس الترابطي على مجموعة من القوانين التفسيرية التي استخدمها رواده لتفسير مختلف أنماط التفكير والسلوك البشري. هذه القوانين حاولت صياغة معادلات حتمية تحكم سريان العمليات الذهنية وتحدد شروط تكوين الروابط بين المثيرات والاستجابات، أو بين الإحساسات والأفكار، ويمكن تلخيصها في النقاط الأساسية التالية:
- قانون التجاور الزماني والمكاني (Law of Contiguity): يعد القانون الأساسي والأكثر قبولاً بين المنظرين؛ وينص على أنه إذا حدث إحساسان أو فكرتان في نفس الوقت (تجاور متزامن) أو تتابعا بشكل وثيق جداً (تجاور متتالٍ)، فإن أحدهما سيميل بالضرورة إلى استدعاء الآخر في المستقبل بمجرد حدوثه.
- قانون التكرار أو التردد (Law of Frequency): يقرر هذا المبدأ أن قوة الرابطة الترابطية بين فكرتين أو خبرتين تتناسب طردياً مع عدد المرات التي اقترنتا فيها معاً في الماضي، فكلما تكرر الحدثان معاً تعزز المسار العصبي والذهني الرابط بينهما.
- قانون الشدة والوضوح (Law of Intensity/Vividness): يفترض أن التجارب الحسية الأكثر قوة، أو تلك المصحوبة بانفعالات حادة وألم أو متعة بالغة، تشكل ترابطات ذهنية أكثر رسوخاً وثباتاً في الذاكرة مقارنة بالتجارب الباهتة أو الضعيفة، حتى لو حدثت لمرة واحدة فقط.
- قانون التشابه (Law of Similarity): ينص على أن وجود تشابه بنيوي، حسي، أو دلالي بين فكرة حاضرة وفكرة سابقة يؤدي إلى استدعاء الأخيرة تلقائياً عبر تفعيل الخصائص المشتركة بينهما داخل الفضاء الذهني.
- قانون الأسبقية والحداثة (Law of Primacy and Recency): يرى هذا المبدأ أن الانطباعات الأولى في سلسلة من المثيرات (الأسبقية) والانطباعات الأخيرة الأكثر قرباً من لحظة الاسترجاع (الحداثة) تمتلك قوة ترابطية أكبر وفرصاً أعلى في الاستدعاء التلقائي.
تكاملت هذه المبادئ لتقدم نموذجاً اختزالياً يفسر كافة الأبعاد الإدراكية والشخصية؛ فالعواطف، على سبيل المثال، تم تفسيرها في السياق الترابطي بوصفها اقترانات بين إحساسات بدنية ذات طابع ممتع أو مؤلم مع صور عقلية لمثيرات خارجية معينة. وبذلك اختزلت الترابطية العقل إلى شبكة معقدة من المسارات الميكانيكية التي يتم تفعيلها ميكانيكياً بواسطة معطيات البيئة والمدخلات الحسية.
الانعطاف التجريبي: إبنجهاوس وتأسيس القياس المعملي
حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ظل علم النفس الترابطي حبيس الفلسفة التحليلية والنزعة الاستبطانية؛ غير أن التحول الجذري نحو المنهج العلمي الدقيق تحقق على يد عالم النفس الألماني هيرمان إبنجهاوس. تأثر إبنجهاوس بمبادئ الترابطية، وتحديداً بقانوني التجاور والتكرار، وسعى إلى إخضاع هذه القوانين للاختبار الإمبيريقي الكمي في دراسة العمليات العقلية العليا، وهو ما كان يعتبره فيلهلم فونت أمراً مستحيلاً آنذاك.
ولعزل الترابطات الذهنية الأولية عن المعاني المسبقة والخبرات الثقافية واللغوية السابقة للمفحوصين، ابتكر إبنجهاوس أداة منهجية غير مسبوقة: «المقاطع عديمة المعنى» (Nonsense Syllables)، وهي توليفات من ثلاثة أحرف تتكون من حرف ساكن يليه حرف متحرك ثم حرف ساكن آخر (مثل: WID, ZOF, BUK). اعتمد إبنجهاوس على نفسه كمفحوص وحيد، وقام بتعلم سلاسل طويلة من هذه المقاطع عبر تكرار قراءتها بصوت عالٍ حتى يتمكن من استرجاعها كاملة دون أخطاء، ثم قام باختبار تذكره لها بعد فترات زمنية متفاوتة تبدأ من دقائق وتصل إلى أشهر.
قادت هذه التجارب الصارمة إبنجهاوس إلى صياغة نتائج ثورية في تاريخ علم النفس التجريبي؛ حيث نجح في رسم «منحنى النسيان» (Forgetting Curve) الشهير، الذي أظهر رياضياً أن النسيان يحدث بسرعة هائلة في الساعات الأولى التي تلي التعلم، ثم يتباطأ معدل التراجع بعد ذلك تدريجياً ليستقر عند نسبة معينة. كما صاغ مفهوم «طريقة الوفر» (Savings Method)، مبرهناً على أن إعادة تعلم السلسلة الترابطية بعد نسيانها يتطلب وقتاً وتكرارات أقل بكثير من التعلم للمرة الأولى، مما يعني أن الرابطة العصبية والذهنية لا تتلاشى كلياً بل تظل كامنة تحت عتبة الوعي.
أكدت أبحاث إبنجهاوس أن التكرار هو العامل الحاسم في تثبيت الروابط، وأثبتت أن قوة الرابطة الترابطية لا تقتصر على العناصر المتجاورة مباشرة فحسب، بل تمتد لتشمل عناصر أخرى مفصولة بوسائط (الترابطات البعيدة)، وإن كانت بقوة أضعف. بذلك، حوّل إبنجهاوس الترابطية من مجرد مذهب فلسفي تأملي إلى فرع تجريبي تطبيقي يرتكز على القياس الرياضي والإحصائي، ممهداً الطريق لنشوء نظريات التعلم الحديثة.
من الترابطية العقلية إلى الوصلية والسلوكية
مع مطلع القرن العشرين، انتقل الإرث الترابطي من دراسة الأفكار المجردة داخل الوعي إلى دراسة الروابط الموضوعية بين المثيرات والاستجابات القابلة للملاحظة الخارجية. وكان الرائد الفعلي لهذا التحول عالم النفس الأمريكي إدوارد لي ثورندايك، الذي صاغ نظرية «الوصلية» (Connectionism) بناءً على تجاربه الرائدة مع الحيوانات باستخدام ما عرف بـ«أقفاص المشكلات» (Puzzle Boxes).
وضع ثورندايك القطط الجائعة داخل أقفاص مزودة بآليات ومزالج لفتح الباب، وراقب كيف تتعلم الحيوانات الخروج للوصول إلى الطعام. لاحظ ثورندايك أن الحيوان يمر في البداية بحركات عشوائية ومحاولات غير موجهة، ولكن بمجرد أن يضغط بالصدفة على الرافعة التي تفتح الباب ويحصل على المكافأة، يبدأ في التخلص التدريجي من السلوكيات الخاطئة في المحاولات اللاحقة، حتى تنخفض المدة الزمنية المستغرقة لفتح القفص إلى أدنى حد ممكن. قادته هذه المشاهدات إلى صياغة قانونه البارز: «قانون الأثر» (Law of Effect)، الذي ينص على أن أي استجابة يعقبها شعور بالارتياح والرضا تتعزز صلتها بالمثير، مما يزيد من احتمالية تكرارها في المستقبل، بينما تضعف الاستجابات التي تعقبها نتائج غير مريحة أو مؤلمة.
استبدل ثورندايك فكرة ترابط الأفكار بترابط الاستجابات الفيزيائية مع المثيرات المادية، وهو ما شكل الجسر الانتقالي المباشر نحو المدرسة السلوكية. وقد التقت هذه الأطروحة مع اكتشافات عالم وظائف الأعضاء الروسي إيفان بافلوف في مجال «المنعكس الشرطي» أو الإشراط الكلاسيكي؛ حيث أثبت بافلوف عبر تجاربه على لعاب الكلاب أن التجاور الزمني المتكرر بين مثير محايد (كصوت الجرس) ومثير غير شرطي (كالطعام) يؤدي إلى تحول المثير المحايد إلى مثير شرطي قادر بمفرده على استدعاء الاستجابة الفسيولوجية (سيلان اللعاب).
تبنى جون واطسون، مؤسس السلوكية الراديكالية، هذه المفاهيم الترابطية وجعل من آلية الاقتران الشرطي التفسير الأوحد لاكتساب السلوك الإنساني بأسره، متجرداً تماماً من أي إشارة للعمليات العقلية الذاتية. لاحقاً، طور بي إف سكينر نظرية «الإشراط الإجرائي»، التي تمثل صياغة متطورة وممتدة للترابطية؛ إذ ركز سكينر على ربط السلوك بنتائجه وتأثيرات التعزيز والتعاقب الزمني في تشكيل العادات المعقدة. هكذا يتبين أن السلوكية الأمريكية، في جوهرها، لم تكن سوى الترابطية البريطانية القديمة وقد تم تجريدها من مصطلحاتها العقلانية والاستبطانية وإلباسها ثوباً ميكانيكياً سلوكياً صارماً يقتصر على مدخلات البيئة ومخرجات الكائن الحي.
الانتقادات المعرفية والنزعة الجشطالتية
على الرغم من النجاح الواسع الذي حققه المذهب الترابطي، إلا أنه واجه انتقادات منهجية ونظرية لاذعة هزت أركانه في النصف الأول من القرن العشرين، وكان أبرز هذه الهجمات قادماً من مدرسة علم نفس الجشطالت الألمانية بزعامة ماكس فيرتهايمر، وولفجانج كوهلر، وكورت كوفكا. شجب علماء الجشطالت «النزعة الذرية» (Atomism) والنزعة التفكيكية في علم النفس الترابطي؛ حيث أكدوا أن الإدراك البشري لا يتألف من تجميع إحساسات منفصلة تترابط عبر التجاور، بل إن العقل يدرك البنى والأنماط الكلية ككل موحد متكامل، وفق الشعار الجشطالتي الشهير: «الكل أكبر من مجموع أجزائه».
أثبتت تجارب كوهلر على الشمبانزي في جزيرة تينيريف أن حل المشكلات لا يتم عبر تراكم ترابطات آلية عمياء من خلال المحاولة والخطأ كما زعم ثورندايك، بل يحدث عبر عملية ديناميكية يطلق عليها «الاستبصار» (Insight)، حيث يعيد الكائن الحي تنظيم مجاله الإدراكي ككل متماسك ويفهم العلاقات الكامنة بين عناصر المشكلة فجأة. انتقد الجشطالتيون النموذج الترابطي لأنه يصور الكائن الحي بوصفه مستقبلاً سلبياً للمثيرات يربط بينها ميكانيكياً، متجاهلاً العمليات الديناميكية النشطة التي ينفذها العقل لإضفاء المعنى والشكل على التجربة الحسية.
تلقى علم النفس الترابطي ضربة قاصمة أخرى في أواخر خمسينيات القرن العشرين مع انطلاق «الثورة المعرفية»، التي قادها علماء مثل نعوم تشومسكي وجورج ميلر. في مراجعته النقدية الشهيرة لكتاب سكينر «السلوك اللفظي» عام 1959، برهن تشومسكي على استحالة تفسير اكتساب اللغة البشرية بواسطة آليات الترابط الخطي والتعزيز؛ إذ إن الطفل يمتلك القدرة على إنتاج وفهم عدد لا نهائي من الجمل الإبداعية الجديدة التي لم يسبق له سماعها أو تعزيزها من قبل، مما يؤكد وجود بنى معرفية فطرية وقواعد توليدية معقدة تتجاوز القوانين الترابطية البسيطة. كما أظهر علم النفس المعرفي الحديث أن الذاكرة ليست مجرد مخزن سلبي للارتباطات، بل هي نظام معقد لمعالجة المعلومات يتضمن استراتيجيات نشطة للتنظيم، والترميز الدلالي، والتحكم التنفيذي المركزي.
الترابطية المعاصرة: من معالجة المعلومات إلى الشبكات العصبية
على الرغم من التراجع المؤقت للمفهوم الترابطي أمام سيطرة النموذج المعرفي الحاسوبي القائم على المعالجة الرمزية المتسلسلة (Symbolic Processing)، إلا أن الترابطية عادت لتنبثق بقوة هائلة في ثمانينيات القرن العشرين في إطار ما عُرف بالترابطية الجديدة أو «نماذج المعالجة الموزعة المتوازية» (Parallel Distributed Processing – PDP)، بقيادة ديفيد روميلهارت وجيمس ماكليلاند.
رفض أنصار المعالجة الموزعة المتوازية تشبيه العقل بالحاسوب التقليدي الذي يعالج الرموز خطوة بخطوة عبر معالج مركزي؛ واقترحوا بدلاً من ذلك نموذجاً مستوحى بشكل مباشر من البنية البيولوجية للدماغ البشري. في هذه النماذج الترابطية الحديثة، لا يتم تمثيل المعرفة في شكل رموز ومفاهيم مخزنة في عناوين محددة، بل تُمثل المعرفة عبر «أوزان الترابط» (Connection Weights) الموزعة عبر شبكة ضخمة من الوحدات الحسابية البسيطة الشبيهة بالخلايا العصبية. التعلم في هذه النماذج ليس سوى تعديل مستمر لقوة هذه الترابطات استجابة للمدخلات البيئية، استناداً إلى مبادئ شبيهة بـ«قاعدة هيب» (Hebbian Rule) التي تفترض أن الخلايا العصبية التي تنشط معاً، ترتبط معاً (Cells that fire together, wire together).
أعادت هذه النماذج العصبية الاصطناعية الاعتبار لقوانين الترابط الكلاسيكية؛ إذ برهنت على أن قدرات عقلية معقدة، مثل تمييز الأنماط البصرية، وفهم الكلام، والتعرف على الوجوه، يمكن أن تنبثق تلقائياً من تفاعلات كمية بين وحدات شبكية دون الحاجة إلى افتراض قواعد فطرية مبرمجة سلفاً. يشكل هذا المنظور اليوم العمود الفقري لتقنيات «التعلم العميق» (Deep Learning) في الذكاء الاصطناعي المعاصر، مما يعكس حيوية المفهوم الترابطي وقدرته المستمرة على التجدد والتكيف مع التطورات التكنولوجية والعلمية الحديثة، ليتحول من فلسفة عقلية أولية إلى أساس للأنظمة الذكية الأكثر تعقيداً في عالمنا الرقمي.
خاتمة
يظل علم النفس الترابطي أحد أعمق التيارات تأثيراً في صياغة تاريخ المعرفة النفسية والعصبية. فمنذ ملاحظات أرسطو الأولية حول تتابع الأفكار، مروراً بتأسيسات الفلسفة التجريبية البريطانية والقياسات المعملية الصارمة لإبنجهاوس، وصولاً إلى المدارس السلوكية والشبكات العصبية الحاسوبية المعاصرة، ظل المبدأ الترابطي يقدم تفسيراً بسيطاً وأنيقاً لكيفية تشكل المعرفة والخبرة الإنسانية. ورغم الانتقادات الوجيهة التي وجهت إلى طابعه الاختزالي وميله إلى تجاهل العمليات الكلية والديناميات المعرفية العليا، إلا أن الترابطية أثبتت مرونة مذهلة في إعادة صياغة فرضياتها بلغة علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي. إن الإرث الحقيقي للترابطية يكمن في ترسيخها للنزعة العلمية الطبيعية في دراسة الظواهر العقلية، وإثباتها أن أسمى العمليات الفكرية تستند في أساسها العميق إلى شبكة بالغة التعقيد من الروابط التي نسجتها التجربة والممارسة عبر مسار التطور الإنساني.
المراجع
- Ebbinghaus, H. (1913). Memory: A contribution to experimental psychology (H. A. Ruger & C. E. Bussenius, Trans.). Teachers College, Columbia University. (Original work published 1885).
- Hartley, D. (1749). Observations on man, his frame, his duty, and his expectations. S. Richardson.
- Hume, D. (1739). A treatise of human nature. John Noon.
- Locke, J. (1690). An essay concerning human understanding. Thomas Basset.
- Mill, J. S. (1865). An examination of Sir William Hamilton’s philosophy. Longman, Green, Longman, Roberts & Green.
- Rumelhart, D. E., McClelland, J. L., & the PDP Research Group. (1986). Parallel distributed processing: Explorations in the microstructure of cognition (Vol. 1: Foundations). MIT Press.
- Thorndike, E. L. (1911). Animal intelligence: Experimental studies. Macmillan.
- Watson, J. B. (1913). Psychology as the behaviorist views it. Psychological Review, 20(2), 158–177. https://doi.org/10.1037/h0074428