العلاج النفسيعلم النفس الاجتماعينظريات الشخصية

الدور المفترض: المفهوم والأسس النفسية والاجتماعية والتطبيقات العيادية

استكشف المفهوم النفسي والاجتماعي للدور المفترض (Assumed Role)، وأسسه النظرية من غوفمان وميد، وتطبيقاته في العلاج النفسي وديناميات الجماعة وتأثيراته على الهوية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 28 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 28 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل مفهوم الدور المفترض (Assumed Role) أحد الركائز الأساسية في دراسة السلوك الإنساني والتفاعل البيني داخل مجالات علم النفس الاجتماعي والتحليل النفسي ونظريات الشخصية. يشير هذا المفهوم إلى النمط السلوكي والوظيفة النفسية أو المكانة المعيارية التي يتبناها الفرد، إما بصورة واعية وقصدية كاستجابة لمطالب بيئية ومواقفية معينة، أو بصورة لاواعية كنتيجة لديناميات نفسية داخلية متراكمة تسعى إلى التكيف أو الدفاع عن الذات. يتيح تبني الدور للفرد صياغة إطار مرجعي يوجه إدراكه لذاته وللآخرين، مما يجعله مدخلاً جوهرياً لفهم آليات بناء الهوية الشخصية، والتمثيل المسرحي للحياة اليومية، والتشخيص والعلاج النفسي في سياقات إكلينيكية متعددة.

مدخل تعريفي وتأصيلي لمفهوم الدور المفترض

يُعرَّف الدور المفترض في المعاجم النفسية والاجتماعية بأنه منظومة من السلوكيات والمواقف والقيم والتوقعات التي يتقمصها الفرد ويمارسها في سياق اجتماعي أو عيادي محدد، بصرف النظر عما إذا كان هذا الدور نابعاً من تكوينه الشخصي الفطري أو مفروضاً عليه بحكم البناء الهيكلي للموقف الذي يتواجد فيه. يتجاوز الدور المفترض كونه مجرد وظيفة عابرة؛ إذ إنه يمثل وسيلة نفسية تكيفية يسعى الكائن البشري من خلالها إلى إدارة الانطباعات، واكتساب القبول الجمعي، والتخفيف من حدة القلق الناجم عن الغموض الوجودي والاجتماعي. يتمايز هذا المفهوم عن “الدور المكتسب” الذي يتحدد بالمكانة الاجتماعية أو المهنية الرسمية المستقرة، إذ يتسم الدور المفترض بمرونة دينامية تسمح للفرد بتجربته، أو إظهاره وإخفائه، تبعاً لحاجاته النفسية ومحددات البيئة المحيطة.

في الفضاء الاصطلاحي لـ نظرية الدور (Role Theory)، يُفهم الدور المفترض بوصفه استجابة تفاعلية لمجموعة من التوقعات المعيارية المتبادلة بين الفرد وجماعته المرجعية. حينما يفترض شخص ما دوراً معيناً، فإنه يقوم بعملية مطابقة داخلية بين ما يتصوره عن متطلبات ذلك الدور وبين أدائه الفعلي له في حيز السلوك الظاهري. هذه العملية ليست مجرد استعراض ميكانيكي للحركات والألفاظ، بل تتضمن استيعاباً وجدانياً ومعرفياً عميقاً ينعكس على البنية الإدراكية برمتها، بحيث تتغير معايير تقييم الفرد لذاته وللعالم من حوله استناداً إلى المنظور الخاص بالدور المتبنى.

تاريخياً، ارتبط المصطلح بالمحاولات المبكرة لعلماء النفس لفهم كيفية انتقال الأفراد من حالتهم الفردية الخالصة إلى حالة التفاعل المنظم داخل الأنساق الاجتماعية المركبة. فمن خلال تولي دور مفترض، يمارس الفرد ضرباً من “التطوع السلوكي” الذي يسهم إما في ترسيخ توازنه النفسي الشخصي أو في تيسير اندماجه الوظيفي في المجموعات الأولية والثانوية. ومع تطور الأبحاث في علم النفس الإكلينيكي وعلم النفس التجريبي، تحول التركيز من دراسة الدور المفترض كأداة للتحليل المجتمعي المجرد إلى تحليله كظاهرة نفسية ذات أبعاد معرفية وعاطفية ترتبط مباشرة بمرونة الأنا، واستراتيجيات المواجهة، والاضطرابات الشخصية السريرية.

الجذور النظرية والفلسفية لتبني الأدوار

تعود الجذور الفكرية لمفهوم الدور المفترض إلى التفاعلية الرمزية التي وضع لبناتها الأولى الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي جورج هربرت ميد (George Herbert Mead) من خلال مفهومه الشهير حول “أخذ دور الآخر” (Taking the role of the other). يرى ميد أن الوعي بالذات (Self-consciousness) لا يتشكل بمعزل عن قدرة الطفل النامي على تخيل نفسه في مكان الآخر، وممارسة أدواره المفترضة من خلال اللعب البسيط واللعب المنظم. فمن خلال افتراض دور الأم أو الطبيب أو المعلم، يتدرب الطفل على فهم التوقعات الاجتماعية المتبادلة وتطوير “الآخر المعمم”، وهو الهيكل الداخلي الذي يدمج توقعات المجتمع وقيمه في منظومة الأنا العليا والموجهات الأخلاقية العامة.

أما في علم الاجتماع الظاهراتي وعلم النفس الدرامي، فيبرز إسهام إرفينغ غوفمان (Erving Goffman) في كتابه المرجعي “تقديم الذات في الحياة اليومية” (The Presentation of Self in Everyday Life). يطرح غوفمان نموذجاً مسرحياً يرى فيه أن الحياة الاجتماعية ساحة كبرى، يرتدي فيها الأفراد أقنعة ويمارسون أدواراً مفترضة ومصممة بدقة لتحقيق هدف محدد، وهو إدارة الانطباع لدى الجمهور الحاضر. في هذا السياق، ينقسم السلوك البشري إلى منطقة “الواجهة الأمامية” (Front Stage) التي يتقمص فيها الفرد دوره المفترض بكل صرامة والتزام بالقواعد، ومنطقة “الكواليس الخلفية” (Backstage) التي يتخلى فيها مؤقتاً عن هذا الدور ليعود إلى حيز الاسترخاء وإعادة ترتيب ملامحه النفسية والجسدية.

وفي المسار العيادي الإنساني، برزت إسهامات جاكوب ليفي مورينو (Jacob L. Moreno) مؤسس العلاج بالسيكودراما، والذي اعتبر أن التلقائية الإنسانية والإبداع يرتبطان جوهرياً بقدرة الفرد على ممارسة الأدوار واستبدالها. أكد مورينو أن تجمّد الشخصية واضطرابها ينشأ عن التصاق الفرد بأدوار جامدة ومفروضة تحرمه من المرونة النفسية، بينما يتيح “الدور المفترض” التجريبي والحر داخل المسرح العلاجي فرصة استثنائية لإعادة اختبار الصدمات، وتفريغ الشحنات الانفعالية المكبوتة، وإعادة بناء الواقع النفسي الداخلي بطرق أكثر نضجاً وكفاءة.

الآليات النفسية الكامنة وراء تبني الأدوار المفترضة

تخضع عملية تبني دور مفترض لآليات معرفية وعاطفية معقدة تتضافر فيما بينها لضمان استقرار السلوك الموجه نحو الهدف. من أبرز هذه الآليات نظرية التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance) التي صاغها ليون فستينغر؛ فحينما يجد الفرد نفسه مطالباً بأداء دور مفترض يتعارض مبدئياً مع معتقداته الذاتية، ينشأ توتر نفسي داخلي غير مريح يدفعه حتماً إلى تعديل قناعاته الفكرية الداخلية لكي تتناغم مع السلوكيات الخارجية المفروضة من قبل الدور. وبذلك، يتحول الدور من مجرد افتراض شكلي خارجي إلى قناعة ذاتية متجذرة في البناء النفسي للشخصية مع مرور الوقت.

تتمثل الآلية الثانية في التمثل والتماهي النفسي (Identification)، وهي آلية دفاعية ونمائية عميقة تصف كيف يستوعب الفرد سمات وخصائص الآخر في بنيته النفسية. عندما يتبنى الفرد دوراً مفترضاً (سواء كان دور قائد، أو منقذ، أو ضحية)، فإنه يستحضر نموذجاً ذهنياً داخلياً يوجه تصرفاته وردود أفعاله العاطفية. هذا التماهي يحمي الأنا من مشاعر العجز أو الدونية؛ حيث يستعير الشخص القوة والتماسك المتأصلين في الدور المفترض لتعويض النقص الحاصل في بنائه الذاتي الحقيقي، مما يمنحه شعوراً مؤقتاً بالسيطرة والكفاءة.

إضافة إلى ذلك، تلعب العمليات المعرفية المتعلقة بـ المخططات الذهنية (Cognitive Schemas) دور المحرك الأساسي؛ إذ إن كل دور مفترض يتضمن سيناريو سلوكياً مخزناً مسبقاً في الذاكرة الدلالية والذاكرة الإجرائية. حين يتم استدعاء الدور، تتنشط شبكة من المفاهيم والروابط العصبية والنفسية الجاهزة، مما يقلل من العبء المعرفي الواقع على الفرد أثناء معالجة المواقف الاجتماعية المعقدة. فبدلاً من التفكير في كل حركة أو كلمة بصورة منعزلة، يوفر الدور المفترض قالباً سلوكياً متكاملاً يسهل الأداء الآلي ويقلل من استهلاك الموارد الذهنية للفرد في بيئات تتطلب استجابات سريعة وتكيفاً فورياً.

التصنيفات والأنماط الوظيفية للأدوار المفترضة

تتعدد مظاهر وتصنيفات الأدوار المفترضة بحسب السياق الوظيفي والمستوى النفسي الذي تنشأ فيه، ويمكن تقسيمها إلى محاور رئيسية تشمل الأبعاد النمائية والاجتماعية والسريرية:

  • الأدوار التعويضية (Compensatory Roles): وهي أدوار يفترضها الفرد دون وعي كامل لتعويض جروح نرجسية، أو صدمات طفولية مبكرة، أو نقص حاد في تقدير الذات. ومن أشهر نماذجها تقمص دور “البطل المنقذ” في العلاقات العائلية أو المهنية للتغطية على مشاعر داخلية بالهشاشة وعدم الجدارة.
  • الأدوار الموقفية العابرة (Situational Transient Roles): تنشأ استجابة لضرورات اللحظة الراهنة دون أن تؤثر بعمق على جوهر الهوية الشخصية؛ مثل تقمص دور الحازم الصارم في إدارة أزمة مؤقتة، أو دور التلميذ المستمع في ورشة عمل تدريبية، حيث يسهل خلع الدور بمجرد زوال الداعي الموقفي.
  • الأدوار العلاجية المنظمة (Therapeutic Structured Roles): هي الأدوار التي توظف عمداً في سياق نفسي إكلينيكي ممنهج لمساعدة العميل على اختبار استجابات جديدة وتحرير صراعات ماضية؛ كما يحدث في العلاج بالدور الثابت (Fixed-Role Therapy) أو تقنيات كرسي فارغ في العلاج الجشطالتي.
  • الأدوار الوظيفية التكيفية (Adaptive Functional Roles): وتتمثل في الأقنعة المهنية والاجتماعية التي تيسر التفاعل اليومي في المنظمات والمؤسسات؛ حيث يفترض الموظف دوراً يتميز بالحياد الموضوعي والدبلوماسية لإخفاء مشاعره الشخصية وضمان سير العمل المهني.
  • الأدوار الهدامة والتثبيطية (Maladaptive/Self-Defeating Roles): كتقمص دور “الضحية الأبدية” أو “كبش الفداء”، حيث يحقق الفرد مكاسب ثانوية (Secondary Gains) من خلال افتراض العجز وجلب تعاطف البيئة المحيطة أو التهرب من المسؤولية الفردية.

التطبيقات العيادية وتقنيات العلاج بالدور المفترض

يعد توظيف الدور المفترض في المعالجة النفسية أحد أكثر المداخل فعالية لإحداث التحول المعرفي والانفعالي في الشخصية. في منتصف القرن العشرين، ابتكر عالم النفس المعرفي الأمريكي جورج كيلي (George Kelly) أسلوباً علاجياً فريداً ضمن نظريته في “الأطر الشخصية” (Personal Construct Theory) عُرف باسم العلاج بالدور الثابت (Fixed-Role Therapy). في هذا الأسلوب، يقوم المعالج بصياغة ملف شخصية وهمية تتضمن سمات وسلوكيات وطرق تفكير تختلف جوهرياً عن النمط المأزوم الذي يعاني منه المريض، ويُطلب من المريض أن يفترض هذا الدور الجديد ويمارسه بشكل كامل لمدة أسبوعين متواصلين في حياته اليومية الواقعية.

يهدف هذا الافتراض المتعمد للدور إلى تمكين المريض من رؤية العالم من خلال عدسات مفاهيمية مغايرة، مما يثبت له أن واقعه النفسي ليس قدراً حتمياً لا فكاك منه، بل هو نتاج لمنظومة تأويلاته الخاصة. حينما يعيش المريض الدور المفترض، فإنه يختبر استجابات جديدة من البيئة المحيطة به تكسر الدوائر المعرفية السلبية المغلقة، مما يتيح له دمج سلوكيات وسمات الدور المفترض الناجحة ضمن منظومته الذاتية الحقيقية بعد انتهاء التجربة العلاجية، وبذلك تتحقق المرونة البنائية للنفس.

وفي مجال العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، تُستخدم تقنية “تمثيل الأدوار السلوكي” (Behavioral Role-Playing) كأداة لا غنى عنها في تدريب توكيد الذات وتنمية المهارات الاجتماعية وإزالة الحساسية المنهجية تجاه المواقف المولدة للقلق. من خلال افتراض أدوار المواجهة، يتدرب المريض القلق على التعبير عن مطالبه ورفض طلبات الآخرين داخل البيئة العلاجية الآمنة، مما يؤدي إلى إعادة هيكلة التقييمات المعرفية التلقائية الخاطئة وخفض الاستثارة الفسيولوجية للجهاز العصبي الودي، قبل نقل هذا السلوك المفترض إلى بيئة الواقع المباشر.

الدور المفترض في ديناميات الجماعة وسياقات القوة

لا يقتصر تأثير الدور المفترض على البعد الفردي البحت، بل يتعداه ليكون محركاً حاسماً في ديناميات الجماعة والسلوك الجمعي، خاصة في ظل توزيع موازين القوة والسلطة. كشفت الدراسات الكلاسيكية في علم النفس الاجتماعي، وفي مقدمتها تجربة سجن ستانفورد الشهيرة التي قادها فيليب زيمباردو عام 1971، عن القوة الجارفة التي يمتلكها الدور المفترض في إعادة تشكيل الهوية الأخلاقية والسلوكية للإنسان في غضون أيام معدودة وبصورة دراماتيكية مرعبة.

في تلك التجربة، تم توزيع طلاب أصحاء نفسياً وأخلاقياً بصورة عشوائية لافتراض دورين محددين: “سجانون” و”سجناء”، ضمن محاكاة بيئية دقيقة لظروف السجن. والنتيجة الصادمة تمثلت في السرعة التي استوعب بها الأفراد أدوارهم المفترضة؛ إذ تحول أولئك الذين افترضوا دور السجانين إلى ممارسة سلوكيات تعذيب وإذلال قاسية وسادية تجاه زملائهم، بينما أظهر من افترضوا دور السجناء استسلاماً مرضياً وبكاءً وانهيارات عصبية حادة. أثبتت التجربة أن تقمص الدور المفترض قد يطغى على الخصائص الشخصية الراسخة ويدفع الفرد إلى ممارسة سلوكيات تتناقض تماماً مع منظومته القيمية المعتادة إذا ما وفر السياق الاجتماعي دعماً مؤسسياً ورمزياً لهذا الدور.

ترتبط هذه الظاهرة ارتباطاً وثيقاً بمفهوم “نزع الفردية” (Deindividuation) والامتثال المعياري؛ فحينما يتماهى الفرد بشدة مع دوره المفترض داخل جماعة متجانسة، تتراجع الرقابة الذاتية والمسؤولية الفردية الأخلاقية، وتُستبدل بالمسؤولية الجمعية التي يحددها الدور. يفسر هذا المسار النفسي كيف يمكن للأفراد العاديين التورط في انتهاكات جسيمة أو سلوكيات قمعية مروعة في فترات الأزمات والحروب بمجرد افتراضهم لأدوار عسكرية أو أيديولوجية تُملى عليهم من قبل منظومات سلطوية صارمة.

التبعات والآثار النفسية لتماهي الذات مع الدور المفترض

على الرغم من الفوائد التكيفية والتطورية لتبني الأدوار، فإن الاستغراق الشديد والتماهي غير الواعي مع الدور المفترض ينطوي على مخاطر نفسية بالغة التعقيد، من أبرزها ما يعرف بـ الابتلاع بالدور (Role Engulfment). يحدث هذا التردي حينما تصبح متطلبات الدور المفترض هي المحدد الوحيد والمهيمن على كافة مناحي حياة الفرد، مما يؤدي إلى ضمور وتآكل الهوية الذاتية الأصلية، وتهميش الاهتمامات والقيم الشخصية التي لا تخدم استمرارية هذا الدور السلوكي المتبنى.

يتجلى أحد أبرز أشكال هذه المشكلة في ظاهرة “الإجهاد الانفعالي” (Emotional Exhaustion) والاحتراق النفسي، لا سيما لدى الأفراد العاملين في المهن التي تفرض متطلبات وجدانية صارمة (كالرعاية الطبية والتعليم والخدمات الاجتماعية). هؤلاء المهنيون يضطرون يومياً لافتراض دور الشخصية المتعاطفة، والصبورة، والمتماسكة، متجاهلين احتياجاتهم النفسية الحقيقية وضغوطاتهم الخاصة. هذا الانفصال المستمر بين المشاعر الباطنية الحقيقية والتمثيل السلوكي الخارجي المفترض يولد اغتراباً نفسياً حاداً (Self-Alienation) يُفضي بدوره إلى الاكتئاب السريري وتبدد الشخصية والقلق المزمن.

علاوة على ذلك، يبرز خطر “صراع الأدوار” (Role Conflict) و”غموض الدور” (Role Ambiguity) كعوامل ضغط نفسي شديدة الوطأة. يحدث صراع الأدوار حينما يضطر الفرد إلى تبني أدوار مفترضة متعددة في آن واحد تتعارض متطلباتها البينية تعارضاً جذرياً (مثل تعارض دور المهني الناجح المتطلب لساعات عمل طويلة مع دور الوالد الحاضر والراعي لأسرة تحتاج رعاية دقيقة). هذا التمزق المستمر بين متطلبات الأدوار المفترضة المتنافرة يضعف قدرة الأنا على التنسيق والتكامل، مما ينعكس سلباً على التوازن النفسي العام ويزيد من هشاشة الشخصية أمام الاضطرابات النفسجسدية والعلائقية.

الخاتمة

يبرز مفهوم الدور المفترض بوصفه نافذة جوهرية لفهم الطبيعة التكيفية والدينامية للنفس البشرية في تفاعلها المستمر مع الواقع الاجتماعي والمواقف الوجودية. إن قدرة الإنسان على التحرك بمرونة بين الأدوار وتمثيلها واختبارها تعكس نضجاً نفسياً وقدرة فائقة على التطور والتعلم؛ غير أن الخطر يكمن دائماً في تحول الدور المفترض من أداة وظيفية واعية للتكيف والتواصل والنمو إلى قفص مغلق يبتلع الهوية الأصلية ويشوه المشاعر الحقيقية الكامنة في أعماق الذات. لذلك، فإن التحدي النفسي الأسمى يكمن في الحفاظ على مسافة نقدية مرنة ومستمرة بين “الذات الأصيلة” وأقنعتها السلوكية المتعددة التي تفرضها متطلبات الحياة والمجتمع، لضمان اكتمال النضج العاطفي والتوازن الإنساني الراسخ.

المراجع

  • Goffman, E. (1959). The presentation of self in everyday life. Anchor Books.
  • Kelly, G. A. (1955). The psychology of personal constructs: Volume 1 & 2. W. W. Norton & Company.
  • Mead, G. H. (1934). Mind, self, and society: From the standpoint of a social behaviorist. University of Chicago Press.
  • Moreno, J. L. (1946). Psychodrama: First volume. Beacon House.
  • Zimbardo, P. G. (2007). The Lucifer effect: Understanding how good people turn evil. Random House.
  • Biddle, B. J. (1986). Recent developments in role theory. Annual Review of Sociology, 12(1), 67-92.
  • Festinger, L. (1957). A theory of cognitive dissonance. Stanford University Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 28). الدور المفترض: المفهوم والأسس النفسية والاجتماعية والتطبيقات العيادية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/assumed-role-psychology/
looti, Mohammed. “الدور المفترض: المفهوم والأسس النفسية والاجتماعية والتطبيقات العيادية.” عرب سايكلوجي, 28 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/assumed-role-psychology/.
looti, Mohammed. “الدور المفترض: المفهوم والأسس النفسية والاجتماعية والتطبيقات العيادية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 28, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/assumed-role-psychology/.