تمثل ظاهرة الأستازيا (Astasia)، أو ما يُعرف في الأدبيات الطبية والنفسية بـ تعذر الوقوف، واحدة من أكثر الظواهر السريرية تعقيداً وتشابكاً بين جهازي الأعصاب والنفس البشري. تتجلى هذه الحالة في عدم القدرة على الحفاظ على وضعية الانتصاب والوقوف المتزن على الرغم من احتفاظ الأطراف السفلية بكامل قوتها العضلية وسلامة التنسيق الحركي أثناء الاستلقاء أو الجلوس. يفتح هذا التناقض الظاهري آفاقاً واسعة للبحث الاستقصائي في كوامن التفاعل بين البنى العصبية التشريحية والآليات النفسية الدفاعية، مما يجعلها نموذجاً كلاسيكياً ورائداً لدراسة الاضطرابات الحركية الوظيفية والتحويلية.
المفهوم والتعريف الاصطلاحي للأستازيا
تُعرّف الأستازيا من الناحية اللغوية والاشتقاقية بالعودة إلى الجذر اليوناني القديم؛ حيث تتكون الكلمة من السابقة النفيّة “a-” التي تفيد الانعدام أو السلب، وكلمة “stasis” التي تعني الوقوف أو الاستقرار أو الثبات، ليشير المصطلح في مجمله إلى “انعدام القدرة على الوقوف”. في السياق الطبي والنفسي المعاصر، يُقصد بـ تعذر الوقوف عجز المريض الحركي عن الثبات منتصباً على قدميه دون وجود شلل عضلي صريح، أو فقدان حسي أولي، أو رنح حسي أو دهليزي يفسر هذا العجز بشكل كافٍ ومباشر عبر الفحص السريري المعتاد.
ولا بد من التمييز الدقيق بين الأستازيا كعلامة سريرية منفردة، وبين المتلازمات الحركية الأخرى التي قد تتشابه معها ظاهرياً؛ فالأستازيا لا تعني ضعفاً في عضلات الفخذين أو الساقين، إذ يظهر الفحص البدني للمريض وهو في وضعية الاستلقاء (Supine Position) قدرة عضلية طبيعية تماماً واحتفاظاً متكاملاً بالمنعكسات الوترية العميقة. هذا الانفصال الوظيفي الصارخ بين القدرة الحركية أثناء الاستلقاء والعجز المطلق عنها بمجرد محاولة ملامسة القدمين للأرض يضع الحالة في صلب الاهتمام العصبي-السلوكي، حيث يتحول الحفاظ على الوضعية من مجرد قوس انعكاسي بسيط إلى عملية تكاملية عليا تشترك فيها مسارات الدماغ المعرفية والانفعالية.
غالباً ما تقترن الأستازيا بظاهرة أخرى تُعرف بـ “الأبازيا” (Abasia)، وهي تعذر المشي، لتشكلا معاً المتلازمة السريرية الشهيرة المعروفة بـ أستازيا-أبازيا (Astasia-Abasia). في هذه المتلازمة، يقف المريض عاجزاً عن التوازن أو يتمايل بحركات درامية وغير نمطية بمجرد محاولة النهوض، بينما يستطيع تحريك ساقيه بمرونة وتناسق كاملين إذا طُلب منه تقليد حركات المشي أو التبديل كالدراجة وهو مستلقٍ على السرير. هذا التمايز يفرض على الباحثين والسريريين فك شفرات الآليات الكامنة وراء تعطيل البرامج الحركية الآلية للوقوف دون المساس بالبرامج الحركية الإرادية المجزأة.
الجذور التاريخية والتطور المفاهيمي
يعود الفضل في التوصيف الأكاديمي والسريري الأول والمنهجي لهذه الحالة إلى الطبيب والباحث الفرنسي بول بلوك (Paul Blocq)، الذي نشر في عام 1888 دراسته التاريخية الرائدة تحت إشراف أستاذه الشهير جان مارتن شاركو (Jean-Martin Charcot) في مشفى السالبتريير (Salpêtrière) بباريس. وصف بلوك مجموعة من المرضى الذين أظهروا فقداناً انتقائياً تاماً للقدرة على الوقوف والمشي، دون أن تظهر عليهم علامات التلف العضوي التقليدي مثل ضمور العضلات، أو تبدل المنعكسات، أو التصلب. وقد اعتُبرت أطروحة بلوك نقطة تحول مفصلية فصلت بين العجز الحركي الناتج عن آفات النخاع الشوكي وتلك الناتجة عن اضطرابات وظيفية عليا.
في عصر شاركو الذهبي، صُنفت الأستازيا في الغالب الأعم كأحد المظاهر الصارخة لـ “الهستيريا” (Hysteria)، وهو المصطلح التاريخي الذي تطور لاحقاً ليصبح ما نعرفه اليوم بالاضطرابات التحويلية أو الاضطرابات العصبية الوظيفية. اعتقد شاركو أن الأستازيا تمثل “آفة ديناميكية” أو “آفة وظيفية” في قشرة الدماغ المخية تعطل المخطط الحركي المشترك للوقوف، وافترض وجود صدمة نفسية أو فكرة لاواعية تستحوذ على الجهاز العصبي وتمنعه من تفعيل المسارات الحركية التلقائية. كان هذا التفسير بمثابة الجسر الذي عبرت منه المفاهيم العصبية البحتة نحو الفضاء السيكولوجي التحليلي.
مع بزوغ فجر التحليل النفسي على يد سيغموند فرويد وبيير جانيه (Pierre Janet)، اكتسبت الأستازيا بعداً تفسيرياً جديداً؛ حيث رأى فرويد في عدم القدرة على الوقوف رمزية بليغة تعكس صراعاً نفسياً لاواعياً عميقاً. وفقاً للنموذج الفرويدي المبكر، يمثل العجز الحركي تحويلاً (Conversion) للطاقة النفسية المكبوتة والمقلقة إلى عرض جسدي جسيم يخدم هدفين أساسيين: تحقيق مكسب أولي يتمثل في تخفيف وطأة القلق الداخلي، وتحقيق مكسب ثانوي يكمن في استدرار عطف البيئة المحيطة والهروب من مسؤوليات أو مواقف حياتية لا يمكن للمريض مواجهتها وهو منتصب القامة مجازياً وواقعياً.
الأبعاد السيكولوجية والاضطرابات التحويلية
تحتل الأستازيا مكانة محورية في تصنيف الاضطراب التحويلي (اضطراب الأعراض العصبية الوظيفية – FND) وفق الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية بطبعته الخامسة (DSM-5). من منظور علم النفس العيادي المعاصر، لا تُعد هذه الظاهرة تظاهراً متعمداً بالمرض أو تمارضاً (Malingering)، بل هي تجربة ذاتية حقيقية ومؤلمة يعاني فيها المريض من انقطاع حقيقي في التحكم الإرادي الواعي بالشبكات العصبية المنظمة للوقوف. إن إدراك هذه الحقيقة السيكولوجية يشكل حجر الزاوية في بناء التحالف العلاجي وتجنب الوصمة التي طالما لاحقت هؤلاء المرضى تاريخياً.
تلعب الصدمات النفسية الحادة، أو فترات الضغط العاطفي المزمن، دور المسرع والزناد الذي يطلق أعراض الأستازيا. تشير الدراسات السريرية المعمقة إلى أن المرضى الذين تظهر لديهم هذه الأعراض غالباً ما يمتلكون آليات تكيف دفاعية غير ناضجة، مثل الكبت الشديد أو التفكك (Dissociation). عندما تصبح المشاعر المؤلمة—كالخوف الشديد، أو الذنب، أو الشعور بالعجز الوجودي—غير قابلة للاحتمال في الحيز النفسي المعرفي، يعمد العقل اللاواعي إلى نقل المعاناة إلى الجسد، متخذاً من شلل القدرة على الانتصاب تعبيراً درامياً عن العجز عن مواجهة واقع مؤلم، وهو ما يُعرف بالجسدنة المتطرفة.
تتميز الاستجابة النفسية لدى مرضى الأستازيا التحويلية أحياناً بظاهرة لافتة وصفها الكلاسيكيون بـ “اللامبالاة الجميلة” (La belle indifférence)؛ حيث يُظهر المريض هدوءاً وجدانياً مفاجئاً وتناقضياً مع حجم الإعاقة الجسدية الجسيمة التي أصابته، فلا يبدو عليه الهلع المتوقع ممن فقد فجأة القدرة على الوقوف على قدميه. وعلى الرغم من أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن هذه العلامة ليست ثابتة لدى جميع الحالات، إلا أنها تعكس بوضوح الآلية الدفاعية التي قامت بعزل القلق الانفعالي عن الوعي الحركي، واستبدلته بالعرض الحركي الجسدي الصرف.
علاوة على ذلك، تلعب العمليات المعرفية كالانتباه المفرط للمشاعر الجسدية (Somatic Hyper-attention) والمعتقدات المشوهة حول المرض دوراً كبيراً في ديمومة الحالة؛ فبمجرد حدوث نوبة أولى من عدم الاتزان، يدخل المريض في حلقة مفرغة من توقع السقوط والخوف المرضي من الوقوف، مما يؤدي إلى إعادة توجيه الانتباه الداخلي الواعي نحو عمليات التوازن التي يفترض أن تظل تلقائية ولاواعية. هذا التدخل المعرفي الواعي يربك البرامج العصبية التلقائية لحفظ التوازن ويفكك ترابطها، مما يفاقم الأستازيا ويحولها إلى نمط حركي مرسخ في الذاكرة الحركية للمريض.
الفسيولوجيا العصبية والآليات الحركية
على الرغم من الشهرة التاريخية والسريرية للأستازيا كاضطراب وظيفي ونفسي، إلا أن الطب العصبي الحديث كشف عن أن تعذر الوقوف قد ينشأ أيضاً عن آفات عضوية دقيقة ومحددة في مناطق محددة من الجهاز العصبي المركزي، وهو ما يُعرف في الأدبيات الحديثة بـ الأستازيا العضوية أو أستازيا المهاد (Thalamic Astasia). إن دراسة هذه الآليات العضوية تمنحنا رؤية عميقة لكيفية تنظيم الدماغ البشري لوضعية الانتصاب ضد الجاذبية الأرضية عبر شبكات عصبية بالغة الدقة والتكامل.
أظهرت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي وتخطيط الدماغ أن الوقوف ليس استجابة سكونية سلبية، بل هو عملية ديناميكية مستمرة تتطلب تكاملاً آنياً بين المدخلات البصرية، والحسية العميقة (Proprioceptive)، والدهليزية (Vestibular) داخل نوى جذع الدماغ والمخيخ والمهاد، وصولاً إلى القشرة الجبهية الحركية الإضافية (Supplementary Motor Area). يؤدي حدوث أي تلف أو احتشاء إقفاري حاد في النوى الخلفية الوحشية للمهاد (Posterolateral Thalamus) إلى تعطيل محطة الترحيل الحسي الدهليزي الرئيسية، مما يولد لدى المريض شعوراً مشوهاً وشديداً بالانحراف عن الخط العمودي للجاذبية، فتكون النتيجة فقداناً حاداً للقدرة على الانتصاب، وهو ما يجسد الأستازيا ذات المنشأ العضوي البحت.
تساهم الآفات الفصية الجبهية (Frontal Lobe Lesions)، وخاصة تلك التي تصيب المسارات الجبهية-الجسرية والمناطق المحاذية للخط الناصف، في ظهور شكل آخر من تعذر الوقوف العضوي يُعرف بـ “تعذر الأداء الجبهي للوقوف والمشي” (Frontal Apraxia of Stand). في هذه الحالة، تفقد الدوائر العصبية التي تخزن “مخططات العمل الحركي” القدرة على استدعاء برامج التنسيق الحركي العضلي المتزامنة واللازمة لمقاومة الجاذبية، فيثبت المريض أقدامه في الأرض وكأنها ملتصقة تماماً بها أو يترنح ويسقط فور سحب الدعم الخارجي منه، دون أن يعاني من علامات الشلل الهرمي التقليدي.
في مقابل الآليات العضوية البنيوية، تقترح النماذج العصبية الحيوية للاضطرابات الوظيفية وجود خلل في نموذج “المعالجة التنبؤية” (Predictive Processing) في الدماغ. يفترض هذا النموذج أن الدماغ يعمل كآلة استدلالية تولد توقعات مسبقة حول الإشارات الحسية والحركية؛ وفي حالة الأستازيا الوظيفية، تطغى التوقعات المعرفية اللاواعية المشوهة بـ “عدم القدرة على الوقوف” أو “السقوط الحتمي” على الإشارات الحسية القادمة من الأطراف السفلية، مما يؤدي إلى تثبيط المسارات الحركية التنازلية من القشرة الحركية عبر القنوات القشرية النخاعية دون وجود أي تلف في الأسلاك العصبية ذاتها.
المظاهر الإكلينيكية والتشخيص الفارقي
يتطلب تقييم مريض يعاني من الأستازيا حساً إكلينيكياً فائق الدقة، نظراً للتنوع الواسع والمعقد للمظاهر السريرية التي تتبدى في العيادة. عادة ما يُلاحظ على المرضى الذين يعانون من الأستازيا الوظيفية نمط حركي متناقض في دراماتيكيته؛ فعند محاولة إيقافهم، يشرعون في التمايل بحركات اهتزازية وتموجية واسعة النطاق في الجذع والأطراف، تبدو ظاهرياً وكأنها تترنح نحو السقوط، لكن المريض ينجح في اللحظات الأخيرة وببراعة حركية استثنائية في تجنب الارتطام بالأرض عبر الإمساك بالأثاث أو الاستناد على الفاحص.
هذا النمط الحركي، الذي يتضمن في الواقع حركات تصحيحية فائقة التعقيد تستهلك جهداً عضلياً وتنسيقياً هائلاً يفوق بكثير الجهد المطلوب للوقوف العادي المتزن، يُعد دليلاً سريرياً قوياً يرجح المنشأ الوظيفي النفسي للأستازيا على المنشأ العضوي التلفي. إضافة إلى ذلك، تشمل الخصائص السريرية المميزة للأستازيا ما يلي:
- التشتيت الإيجابي (Distractibility): تتحسن قدرة المريض على التوازن وتتضاءل حركات التمايل الاهتزازية بشكل ملحوظ إذا تم تشتيت انتباهه بمهمة معرفية معقدة (كالعد التنازلي للأرقام) أو مهمة حركية باليدين أثناء محاولة الوقوف.
- التباين والتقلب الزمني (Inconsistency): يتغير شكل وشدة اضطراب الوقوف بشكل مفاجئ بين موقف وآخر، حيث قد يعجز المريض كلياً عن الوقوف أثناء الفحص السريري المباشر، بينما يقف بتوازن ملحوظ عند محاولته الذهاب إلى دورة المياه دون وعي منه بأنه تحت المراقبة الطبية.
- التحسن بالأرجحة السريعة: قد يظهر المريض عجزاً مطلقاً عن الوقوف الثابت، لكنه يظهر تحسناً تناقضياً في القدرة على التوازن الحركي إذا طُلب منه الجري السريع أو القفز، وهي أفعال تتطلب برامج حركية تتجاوز التحكم التثبيطي الواعي.
- علامة “هوفر” الإيجابية للوقوف: تماثل علامة هوفر الشهيرة للأطراف، حيث يمكن توظيف القوة الانعكاسية التلقائية للأطراف لإثبات سلامة المسارات العصبية البنيوية.
أما على صعيد التشخيص الفارقي، فيجب على الطبيب النفسي وطبيب الأعصاب العمل معاً لاستبعاد طيف واسع من الاضطرابات العضوية قبل القطع بالتشخيص الوظيفي. يشمل هذا الفحص الدقيق نفي:
- الرنح المخيخي (Cerebellar Ataxia)، الذي يتسم بتمايل ثابت ومستمر لا يستجيب للتشتيت ويزداد وضوحاً عند تضييق قاعدة الوقوف دون الحركات البهلوانية التعويضية للنمط التحويلي.
- الاعتلال الدهليزي الحاد، والذي يترافق عادة مع دوار دوراني صريح، وغثيان شديد، ورأرأة عينية (Nystagmus) أفقية أو دورانية منتظمة.
- استسقاء الرأس سوي الضغط (Normal Pressure Hydrocephalus – NPH)، والذي يسبب اضطراباً شديداً في الوقوف والمشي يُعرف بالمشية المغناطيسية، ولكنه يقترن بالثالوث السريري الشهير الذي يضم التدهور المعرفي وسلس البول.
- باركنسونية الأوعية الدموية ومرض الرعاش، التي تعيق المبادأة الحركية وتؤدي إلى الجمود والتصلب الحركي الملحوظ.
متلازمة أستازيا-أبازيا: الامتداد الحركي للظاهرة
لا يمكن استيعاب العمق الكامل للأستازيا دون التوسع في متلازمة “أستازيا-أبازيا”، حيث يتعدى العجز مجرد الوقوف ليمتد إلى سلوك المشي بأسره. يمثل هذا التلازم الحالة الأكثر تعقيداً ولفتاً للانتباه في تاريخ الطب الإكلينيكي النفسي والجسدي، حيث يتحول فعل المشي الإنساني المألوف إلى عرض مسرحي حركي غير واعي يعكس اضطراباً عميقاً في تكامل الإرادة الحركية مع الفعل السلوكي النهائي.
عند مراقبة مريض الأستازيا-أبازيا وهو يحاول المشي، تبدو مشيته غريبة وشاذة ولا تتطابق مع أي نمط من أنماط المشيات العصبية العضوية المعروفة كالمشية التشنجية أو المشية الشللية أو مشية هبوط القدم. قد يبدو المريض وكأنه يتزلج على الجليد، أو يقفز بحركات وثابة غير منتظمة، أو يثني ركبتيه بشكل حاد مقترباً من الأرض في وضعية القرفصاء المستمرة دون أن يسقط فعلياً، وهو ما يطلق عليه في الفحص الطبي العصبي “المشية البهلوانية الوظيفية”. إن الطاقة الاستقلابية والميكانيكية الحيوية اللازمة لمثل هذا النمط الحركي تفوق بمراحل الطاقة المطلوبة للمشي الطبيعي، مما يثبت تماماً سلامة التغذية العصبية المحيطية وقدرة العضلات على إنتاج القوة الميكانيكية القصوى.
تكمن المفارقة في هذه المتلازمة في انحلال الوظيفة الحركية المركبة (Complex Motor Gestalt)؛ فالدماغ قادر على إعطاء الأوامر العصبية اللازمة لانقباض كل عضلة على حدة، والمريض قادر على أداء حركات ثني وبسط الساقين ودورانهما أثناء الفحص السريري التقليدي، ولكن بمجرد دمج هذه الحركات المفردة في السياق السلوكي التواصلي لـ “الوقوف والمشي في الفضاء المكاني”، تتدخل الحواجز النفسية الوظيفية لتعطيل استدعاء البرنامج الحركي الكلي، مما يؤدي إلى التفكك المشهود.
المنهجيات العلاجية والتدخلات النفسية والعصبية
يتطلب علاج الأستازيا نموذجاً علاجياً تكاملياً متعدد التخصصات يجمع بين علم النفس الإكلينيكي، والطب النفسي، وطب الأعصاب، والعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل. لقد أثبتت الدراسات السريرية أن المواجهة الصدامية الفجة للمريض ومحاولة إقناعه بأن “مرضه وهمي” أو “أنه يفتعل هذه الأعراض” تؤدي إلى عواقب وخيمة؛ إذ تعزز المقاومة النفسية، وتزيد من تمسك الجهاز النفسي بالعرض كخط دفاع أخير، مما قد يفاقم الحالة ويدفع بها نحو الإزمان والتعطيل الوظيفي الدائم.
تتمثل الخطوة الأولى والأساسية في العلاج بما يُعرف بـ “التثقيف النفسي العصبي التواصلي”؛ حيث يتوجب على الفريق المعالج تقديم التشخيص للمريض بطريقة بناءة وشفافة، عبر شرح مفهوم الاضطراب العصبي الوظيفي باعتباره “مشكلة في برمجيات الدماغ (Software Problem) وليس في عتاده البنيوي (Hardware Problem)”. يتم إيضاح أن الدوائر العصبية والأسلاك الكهربائية للمخ والنخاع سليمة تماماً وقادرة على العمل، ولكن هناك خللاً وظيفياً قابلاً للشفاء والتعافي في طريقة إرسال الإشارات الحركية وتلقيها، وهو ما يمنح المريض أملاً علاجياً واقعياً ويزيل عنه مشاعر الخزي أو الاتهام.
يحتل العلاج المعرفي السلوكي (CBT) مكانة مركزية في الخطة العلاجية؛ حيث يهدف إلى مساعدة المريض على تحديد المشاعر والصراعات والضغوطات النفسية الدفينة التي جرى تحويلها وتجسيدها في صورة هذا العجز الحركي. يعمل المعالج المعرفي السلوكي على تفكيك الأفكار التلقائية الكارثية المتعلقة بالسقوط وفقدان السيطرة، وتعديل السلوكيات التجنبية التي تغذي الأستازيا، ومساعدة المريض على استعادة الشعور بالوكالة الذاتية والسيطرة على جسده وحركاته.
بالتوازي مع العلاج النفسي، يُعد العلاج الطبيعي المتخصص في الاضطرابات الحركية الوظيفية ركيزة لا غنى عنها في إعادة تدريب المسارات العصبية. يتبع هذا العلاج استراتيجيات فريدة ترتكز على إبعاد الانتباه الواعي عن الأطراف، واستخدام التدريب الحركي المتدرج عبر آليات التحفيز غير المباشر، وتحدي التوازن الحركي في بيئات آمنة ومسيطر عليها تدريجياً. يتم تعليم المريض تقنيات إعادة ضبط الخطوة والوقوف بالاعتماد على محفزات بصرية وإيقاعات سمعية خارجية تساعد الدماغ على تجاوز مناطق الانسداد الوظيفي واستعادة الوصول إلى البرامج الحركية التلقائية المخزنة مسبقاً.
أما على الصعيد الدوائي، فلا توجد أدوية مخصصة للأستازيا في حد ذاتها كعرض حركي، ولكن يتم استخدام التدخلات الدوائية لعلاج الأمراض النفسية المصاحبة التي غالباً ما تغذي الحالة؛ مثل استخدام مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) لعلاج اضطرابات الاكتئاب الجسيم أو نوبات الهلع والقلق الشديد التي قد تشكل التربة الخصبة لظهور الاضطراب التحويلي وتثبيته. كما يمكن اللجوء إلى التنويم المغناطيسي الإكلينيكي في بعض الحالات المختارة للمساعدة في كسر الجمود الحركي وتسهيل استعادة السيطرة الإرادية.
الخاتمة وخلاصة الرؤى المستقبلية
تقف الأستازيا شاهداً سريرياً بليغاً على الوحدة العميقة وغير القابلة للتجزئة بين الجسد والروح، أو بين المادة العصبية والوعي النفسي؛ فهي العرض الذي استطاع عبر أكثر من قرن وربع من الزمان أن يتحدى التفسيرات الأحادية البسيطة التي تحاول تصنيف المرض الإنساني إما كعطل ميكانيكي بحت في الأعصاب أو كوهم سيكولوجي لا أساس مادي له. لقد أثبت التطور العلمي الحديث في تصوير الدماغ والعلوم السلوكية أن الأستازيا اضطراب شبكي معقد تلتقي فيه الصدمات والضغوط النفسية مع المسارات الفسيولوجية العصبية العليا المنظمة للجسد والمكان.
إن الفهم المعاصر لتعذر الوقوف يدعو المجتمع الطبي والنفسي إلى تبني نظرة شمولية ترأف بالمريض وتتعامل مع شكواه بأقصى درجات الجدية العلمية والتعاطف الإنساني؛ فاستعادة المريض لقدرته على الوقوف بثبات على قدميه ليست مجرد استعادة لمنعكس ميكانيكي بيولوجي، بل هي في جوهرها استعادة لاستقلاليته الوجودية وقدرته على مواجهة أعباء الحياة وتحدياتها بوعي متزن وجسد قادر على المقاومة والثبات.
المراجع
- Blocq, P. (1888). Sur une affection caractérisée par de l’astasie et de l’abasie. Archives de Neurologie, 15, 187-211.
- Charcot, J. M. (1889). Leçons du mardi à la Salpêtrière: Policlinique 1887-1888. Progrès Médical.
- American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing.
- Hallett, M. (2016). Functional neurological disorders: The new stance for neurology and psychiatry. The Lancet Neurology, 15(11), 1109-1111.
- Stone, J., & Edwards, M. (2012). Trick or treat? Showing patients with functional (psychogenic) motor symptoms their physical signs. Journal of Neurology, Neurosurgery & Psychiatry, 83(6), 577-578.
- Freud, S., & Breuer, J. (1895). Studien über Hysterie. Franz Deuticke.
- Masdeu, J. C., & Gorelick, P. B. (1988). Thalamic astasia: Inability to stand after unilateral thalamic lesions. Annals of Neurology, 23(6), 596-603.
- Espay, A. J., Aybek, S., Carson, A., Edwards, M. J., Goldstein, L. H., Hallett, M., … & Morgante, F. (2018). Current concepts in diagnosis and treatment of functional neurological disorders. JAMA Neurology, 75(9), 1132-1141.