الصحة النفسية والوقايةعلم النفس العياديعلم النفس النمائي

في دائرة الخطر: التأصيل النظري والأبعاد النفسية والنمائية لمفهوم التعرض للخطر

استكشاف أكاديمي معمق لمفهوم ‘في دائرة الخطر’ في علم النفس النمائي والإكلينيكي: عوامل الخطر، المرونة النفسية، النماذج النظرية، واستراتيجيات التدخل المبكر.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 28 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 28 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يشكل مفهوم «في دائرة الخطر» (At Risk) أحد أهم المفاهيم المحورية والمتقاطعة في حقول علم النفس النمائي، والطب النفسي، والعلوم التربوية المعاصرة، إذ يمثل نقطة التقاء ديناميكية بين الهشاشة الفردية والتأثيرات البيئية الضاغطة. لا يعبر هذا المصطلح عن حتمية وقوع الاضطراب السلوكي أو النفسي، بل يصف احتمالية إحصائية مرتفعة لمواجهة مسارات نمائية غير تكيفية بالمقارنة مع المتوسط العام للأقران في ظل ظروف معينة. إن تفكيك هذا المفهوم يتطلب رؤية إبستمولوجية تستوعب التفاعل المعقد بين المحددات الجينية، والسمات المزاجية، والبيئات الأسرية، والبنى الاجتماعية الأوسع التي تسهم مجتمعة في تعزيز القابلية للإصابة بالاعتلالات النفسية أو الإخفاق الأكاديمي والاجتماعي.

التأصيل المفاهيمي لمصطلح “في دائرة الخطر” في علم النفس

يُعرف الفرد بأنه «في دائرة الخطر» عندما تتراكم في مسار حياته مجموعة من المتغيرات الداخلية أو الخارجية التي تزيد من احتمالية ظهور نتائج سلبية على الصعيد النفسي أو الجسدي أو السلوكي. في السياق السيكولوجي، لا يُنظر إلى حالة “الخطر” كخاصية جوهرية ثابتة لصيقة بذات الفرد، بل هي حالة ديناميكية متغيرة تنتج عن اختلال التوازن بين الضغوط المحيطة وآليات التكيف المتاحة. تتضمن هذه النتائج السلبية المحتملة نطاقاً واسعاً يمتد من اضطرابات القلق والاكتئاب، إلى اضطرابات السلوك والميل للجنوح، وضعف التحصيل الأكاديمي، وصولاً إلى الانتكاسات الذهانية وصعوبات التوافق الاجتماعي العامة.

يرتكز الإطار المفاهيمي الحديث على مبدأ الاحتمالية؛ فالانتماء إلى فئة “المعرضين للخطر” يعني وجود مؤشرات بيومترية أو سيكومترية أو بيئية ترتبط إحصائياً بارتفاع معدلات الاعتلال. ومع ذلك، يؤكد علماء النفس المعرفي والنمائي أن العلاقة بين عوامل الخطر والمآلات السلبية ليست خطية أو حتمية، بل تتوسطها عمليات معرفية وتفاعلات سياقية تحدد المسار النهائي للفرد. ومن هنا برزت الحاجة إلى التمييز الدقيق بين “الخطر المباشر” و”الخطر التراكمي”، حيث تفيد الشواهد الإكلينيكية بأن التهديد الحقيقي للنمو السوي ينبع في الغالب من التزامن المكثف لعدة عوامل وليس من وجود عامل خطر منفرد.

علاوة على ذلك، يتداخل مفهوم الخطر مع مفاهيم نفسية لصيقة مثل “الاستعداد النفسي” و”الهشاشة النفسية”. فبينما يشير الاستعداد في الغالب إلى عوامل بيولوجية أو تكوينية كامنة، فإن حالة “في دائرة الخطر” تتسع لتشمل الجوانب السياقية والظرفية الطارئة، مثل الصدمات المفاجئة، والحروب، والفقر المدقع، والتفكك الأسري. هذا التمييز ينقل المفهوم من حيز النظرة الطبية الضيقة إلى نموذج نفسي-اجتماعي تكاملي يعالج الإنسان ضمن بيئته الطبيعية.

التطور التاريخي والمسار الإبستمولوجي للمفهوم

يعود الظهور المبكر لمفهوم التعرض للخطر إلى الأبحاث الوبائية في منتصف القرن العشرين، حيث كان يُستخدم في المقام الأول لتحديد المجموعات السكانية المعرضة للأمراض المزمنة وأمراض القلب والسكتات الدماغية. وسرعان ما استعار علم النفس العيادي وعلم النفس المرضي النمائي هذه المقاربة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين لدراسة الأطفال المعرضين للإصابة بمرض الفصام (Schizophrenia)، وهي الأبحاث الرائدة التي قادها علماء بارزون مثل نورمان غارميزي وإي. جيمس أنتوني، والذين اهتموا بتتبع أطفال الأمهات المصابات باضطرابات نفسية حادة.

شهدت ثمانينيات القرن الماضي تحولاً بارزاً؛ إذ أدى الاهتمام المتزايد بالتعليم والسياسات الاجتماعية إلى صياغة تقارير دولية ومحلية، من أشهرها التقرير الأمريكي الشهير “أمة في خطر” (A Nation at Risk) عام 1983، والذي أسهم في نقل المصطلح إلى الأوساط التعليمية لتوصيف التلاميذ المعرضين لخطر التسرب المدرسي والفشل التعليمي. وفي هذه الحقبة، تبلورت الرؤية التي تقر بأن الفشل الأكاديمي ليس معزولاً عن الاضطرابات الانفعالية والسلوكية، مما دفع باتجاه صياغة تعريفات أوسع تشمل الأبعاد النفسية والتربوية في آن واحد.

مع مطلع القرن الحادي والعشرين، وتبلور علم الأعصاب التنموي وعلم الوراثة فوق الجينية (Epigenetics)، اكتسب مفهوم التعرض للخطر عمقاً بيولوجياً ملحوظاً. بات الباحثون قادرين على رصد الكيفية التي تحول بها الضغوطات البيئية المبكرة التعبير الجيني، وتؤثر على مرونة الدماغ ونموه الوظيفي والتركيبي. هذا التطور أحدث ثورة في النماذج النظرية؛ حيث انتقل العلم من مجرد رصد المظاهر السلوكية الظاهرة للخطر إلى فهم الآليات العصبية والفيزيولوجية التي تجعل جهازاً عصبياً معيناً غير قادر على امتصاص الصدمات الحياتية بكفاءة.

التصنيف البنيوي لعوامل الخطر النفسية والبيئية

تنتظم عوامل الخطر ضمن مصفوفة معقدة تصنف عادة إلى عوامل داخلية (فردية) وعوامل خارجية (بيئية واجتماعية)، وتتفاعل هذه العوامل بصورة تفاعلية ديناميكية تسهم في تشكيل مسار الفرد. تشمل العوامل البيولوجية والوراثية وجود تاريخ عائلي للاضطرابات النفسية، والولادة المبكرة، ونقص الوزن الشديد عند الولادة، واضطرابات الجهاز العصبي المركزي، والخلل في توازن النواقل العصبية؛ وهي عوامل ترسي أساساً من الهشاشة العضوية التي تقلل من عتبة تحمل الضغوط النفسية اللاحقة في مراحل النمو المختلفة.

على المستوى الفردي والنفسي، تبرز السمات المزاجية المبكرة كعوامل خطر حاسمة، مثل المزاج الصعب (Difficult Temperament)، وتثبيط السلوك الانفعالي المفرط، وضعف القدرة على التنظيم الذاتي للمشاعر، والتشوهات المعرفية مثل التفكير الكارثي وتدني مفهوم الذات. الأفراد الذين يعانون من ضعف في مهارات حل المشكلات أو الذين يتبنون مركز ضبط خارجي يشعرون فيه بانعدام السيطرة على حيواتهم، يكونون أكثر عرضة للانتكاس عند التعرض لأزمات حياتية ضاغطة، ما يضعهم في مقدمة الفئات المستهدفة بالتدخل الإكلينيكي الوقائي.

أما على الصعيد البيئي والأسري، فتعد أنماط التعلق غير الآمن (Insecure Attachment)، وغياب الدفء الوالدي، والممارسات التأديبية القاسية أو غير المتسقة، والعنف الأسري، من أقوى المنبئات بالوقوع في دائرة الخطر النفسي. تتسع هذه الدائرة لتشمل البيئات الاجتماعية الأوسع؛ فالفقر الهيكلي، والتهميش الاجتماعي، وغياب شبكات الدعم المجتمعي، والتعرض للتمييز أو الصدمات المجتمعية كالحروب والنزوح، تسهم في تآكل الموارد النفسية للفرد وتضعه في حالة استنفار فيزيولوجي ونفسي دائم يؤدي إلى الإجهاد الإجهادي المزمن (Allostatic Load).

الجدلية التفاعلية: عوامل الخطر في مواجهة عوامل الحماية والمرونة

لا يمكن قراءة حالة “التعرض للخطر” بمعزل عن نقيضها المتمثل في عوامل الحماية (Protective Factors) والظاهرة المعروفة بـ المرونة النفسية (Resilience). تشير الأبحاث المكثفة لإيمي فيرنر (Emmy Werner) في دراساتها الطولية الشهيرة إلى أن قطاعاً كبيراً من الأطفال الذين نشأوا في ظروف بالغة القسوة ومحفوفة بمستويات خطر مرتفعة للغاية قد استطاعوا، على عكس التوقعات الإحصائية، أن يتطوروا ليصبحوا أفراداً أسوياء وناجحين على الصعيدين النفسي والاجتماعي.

تعمل عوامل الحماية كدرع وسيط يقوم بتعديل استجابة الفرد للمخاطر وتخفيف حدتها؛ وتتوزع هذه العوامل أيضاً على مستويات متعددة: الفردية (كالذكاء المرتفع، وروح الفكاهة، والفاعلية الذاتية)، والأسرية (كوجود علاقة دافئة وداعمة مع شخص بالغ واحد على الأقل، سواء كان أحد الوالدين أو معلماً أو مرشداً)، والمجتمعية (كتوفر بيئات مدرسية آمنة وداعمة ومراكز رعاية مجتمعية متخصصة). هذه العوامل لا تلغي وجود الخطر تماماً، ولكنها تغير المسار المعرفي والعاطفي لكيفية إدراك الأزمة والتعامل معها.

يقود هذا الفهم المتوازن إلى النظر إلى مفهوم “في دائرة الخطر” بوصفه ميزاناً حركياً؛ فالمآل النفسي النهائي للفرد لا يتحدد فقط بحجم ونوع المخاطر التي تداهمه، بل بمدى وفرة وفعالية موارد الحماية المقابلة التي يمكن تعبئتها لمجابهة تلك المخاطر. ومن هذا المنطلق، لم يعد التدخل الإكلينيكي المعاصر يقتصر على مجرد محاولة استئصال عوامل الخطر (وهو أمر قد يكون متعذراً أحياناً، مثل الفقر أو الأمراض الجينية)، بل يركز بقوة على تنمية وتقوية أصول وموارد المرونة النفسية لدى الفرد ومحيطه الاجتماعي.

الأطر والنماذج النظرية المفسرة لحالات الخطر

قدمت مدرسة التحليل النفسي والنظريات السلوكية والمعرفية أطراً متعددة لتفسير ماهية السقوط في دائرة الخطر، غير أن النموذج الأكثر شمولاً واعتماداً في الأوساط الأكاديمية المعاصرة هو نموذج الاستعداد والضغط (Diathesis-Stress Model). يفترض هذا النموذج أن نشوء الاضطراب النفسي يتطلب التقاء عنصرين رئيسيين: استعداد داخلي كامن (بيولوجي أو نفسي مسبق) وضغوط بيئية خارجية تفجر هذا الاستعداد. فالفرد الذي يمتلك استعداداً وراثياً للاكتئاب قد يظل سليماً طوال حياته ما لم يتعرض لضغوط حياتية شديدة كالفقد أو الصدمات التي تدفعه لتفعيل مسارات الاضطراب.

من جهة أخرى، يوفر النموذج البيئي الإيكولوجي للعالم يوري برونفنبرينر (Urie Bronfenbrenner) منظوراً نسقياً رصيناً لتحليل بيئات الخطر. يرى برونفنبرينر أن نمو الفرد يتأثر بخمسة نظم متداخلة تبدأ من النظام المصغر (الأسرة، المدرسة) وتصل إلى النظام الأكبر (الثقافة العامة والسياسات الاقتصادية والاجتماعية). وفقاً لهذا النموذج، فإن الخطر الذي يهدد الطفل في المدرسة لا ينفصل عن الضغوط المهنية التي يعاني منها الوالد، أو عن السياسات الحكومية المتعلقة بالدعم الاجتماعي؛ مما يجعل توصيف “في دائرة الخطر” حالة مركبة تشمل المنظومة بأكملها وليس الفرد كعنصر معزول.

بالإضافة إلى ذلك، تقترح نظرية مسارات الحياة التطورية (Developmental Cascades) أن الفشل في إنجاز المهام النمائية التكيفية في مرحلة معينة (مثل الفشل في تنظيم الانفعالات في مرحلة الطفولة المبكرة) ينتقل كشلال متدفق ليخلق مصاعب جديدة في مراحل تالية، مثل الرفض من قبل الأقران في المدرسة الابتدائية، والذي يقود بدوره إلى الجنوح في مرحلة المراهقة. يوضح هذا النموذج التراكمي كيف يمكن لمؤشر خطر صغير في البداية أن يتسع ويتفرع ما لم يتم تطويقه من خلال استراتيجيات التدخل الوقائي المبكر.

المؤشرات النمائية والتشخيصية للفئات المعرضة للخطر عبر مراحل العمر

تتباين المؤشرات والعلامات الدالة على كون الفرد في دائرة الخطر تبايناً جذرياً باختلاف المرحلة العمرية والنمائية التي يمر بها، وتتطلب عيناً إكلينيكية فاحصة للتمييز بين الأزمات النمائية العابرة والاضطرابات المهددة للاستقرار النفسي:

  • مرحلة الرضاعة والطفولة المبكرة: تتجلى مؤشرات الخطر في اضطرابات النوم والتغذية الشديدة غير المفسرة طبياً، والانسحاب الاجتماعي وتجنب الاتصال البصري، وضعف استجابات التفاعل الاجتماعي المتبادل، وتأخر اكتساب المعالم الحركية واللغوية الأساسية، فضلاً عن نوبات الغضب الانفعالي غير المنضبطة وصعوبة التهدئة الذاتية.
  • مرحلة الطفولة المتوسطة والمدرسية: تظهر المؤشرات في صورة صعوبات التعلم الأكاديمي، والعجز عن الاندماج في جماعات اللعب، والسلوك العدواني المفرط تجاه الأقران أو الحيوانات، والقلق الانفصالي الحاد، أو الشكاوى الجسدية المتكررة (كالصداع والمغص المعوي) التي تفتقر إلى أساس طبي عضوي وتخفي وراءها قلقاً نفسياً عميقاً.
  • مرحلة المراهقة: تأخذ مؤشرات الخطر طابعاً أكثر خطورة ووضوحاً؛ وتتضمن التراجع المفاجئ في الأداء الدراسي، والانسحاب الاجتماعي والعزلة، والانخراط في سلوكيات إيذاء النفس غير الانتحارية، وتعاطي المواد المخدرة، واضطرابات الأكل (كفقدان الشهية العصبي)، والتصرفات المتهورة جنسياً أو القيادة الخطرة، فضلاً عن التعبير عن أفكار اليأس والتشاؤم الوجودي الشديد.
  • مرحلة الرشد والشيخوخة: ترتبط عوامل الخطر بتراجع القدرات الوظيفية، وفقدان الدور الاجتماعي بعد التقاعد، والترمل والعيش في عزلة قسرية، والأمراض الجسدية المزمنة، والاضطرابات المعرفية الطفيفة التي قد تنبئ بالخرف وتزيد من احتمالية الاكتئاب المتأخر والانتحار.

منهجيات القياس النفسي والتقييم الإكلينيكي لرصد مستويات الخطورة

يتطلب تحديد الأفراد المعرضين للخطر تطبيق منظومة قياس وتقييم نفسي متعددة الأبعاد تستند إلى أدوات مقننة تتمتع بدرجات عالية من الصدق والثبات. لا يمكن الاكتفاء بملاحظة انطباعية أو اختبار نفسي منفرد؛ بل يعتمد علماء النفس الإكلينيكيون على ما يُعرف بالتقييم متعدد المخبرين والمتعدد المصادر (Multi-informant / Multi-method Assessment)، والذي يشمل جمع البيانات من الفرد نفسه، وأسرته، ومعلميه، وملاحظي سلوكه في بيئاته الطبيعية.

تعتمد الممارسات التشخيصية المعاصرة على بطاريات مقاييس فحص المخاطر المقننة، مثل مقاييس التقييم السلوكي للأطفال (BASC)، ومقاييس آخنباخ للسلوك التكيفي (Achenbach System of Empirically Based Assessment). تتيح هذه الأدوات الكشف عن المشكلات الاستبطانية (Internalizing Problems) كالقلق والاكتئاب والانسحاب، والمشكلات البرانية (Externalizing Problems) كالعدوان وفرط النشاط وخرق القواعد. كما يتم توظيف مقاييس الأحداث الحياتية الضاغطة ومسوح الصدمات المبكرة لتقييم الحمل النفسي التراكمي الذي يثقل كاهل المفحوص.

إلى جانب المقاييس السيكومترية، تحتل المقابلات الإكلينيكية نصف البنائية (Semi-structured Interviews) مكانة جوهرية؛ إذ تسمح للأخصائي باستكشاف التاريخ النمائي للمفحوص، وتحديد الأنماط الأسرية المرضية، واستكشاف التاريخ المرضي العائلي، وفحص الحالة العقلية الراهنة. إن الهدف النهائي لعملية التقييم النفسي للمخاطر ليس مجرد وضع ملصق تشخيصي، بل صياغة فهم تكويني شامل (Case Formulation) يحدد بوضوح آليات الخطر ومواطن القوة القابلة للتوظيف في خطة الدعم.

برامج التدخل المبكر والوقاية النفسية: من النظرية إلى التطبيق

يعد تصنيف الفرد بأنه “في دائرة الخطر” الدافع الأساسي لإطلاق برامج التدخل المبكر والوقاية في الصحة النفسية. وتنقسم الاستراتيجيات الوقائية تقليدياً إلى ثلاثة مستويات أساسية صاغها جيرالد كابلان (Gerald Caplan):

  • الوقاية الأولية (Primary Prevention): تستهدف المجتمع بأسره أو مجموعات عامة دون تمييز مسبق لتقليل حدوث الاضطرابات أصلاً، ومن أمثلتها برامج التثقيف النفسي العامة في المدارس، وحملات تعزيز الوعي بالصحة النفسية، ودورات الإرشاد الوالدي الشاملة لجميع الآباء الجدد.
  • الوقاية الثانوية أو الانتقائية (Secondary / Indicated Prevention): وتستهدف بالتحديد الأفراد الذين تم تشخيصهم بأنهم “في دائرة الخطر”، أي الذين تظهر عليهم مؤشرات مبكرة للهشاشة ولكنهم لم يطوروا اضطراباً نفسياً كاملاً بعد. تركز البرامج هنا على التدخلات المركزة، مثل جلسات التدريب على المهارات الاجتماعية للأطفال المرفوضين اجتماعياً، أو تقديم الدعم النفسي المتخصص للأطفال الذين يمر آباؤهم بطلاق نزاعي مرير، أو برامج العلاج المعرفي السلوكي الوقائي للمراهقين المعرضين لاضطرابات المزاج.
  • الوقاية الثالثية (Tertiary Prevention): تركز على الأفراد الذين طوروا بالفعل الاضطراب، وتهدف إلى تقليل المضاعفات، ومنع الانتكاس المزمن، وتأهيل المريض لإعادة الاندماج الاجتماعي والحد من تدهور الحالة إلى مستويات أكثر خطورة وتهديداً للحياة.

تشير دراسات الفعالية الإكلينيكية إلى أن العائد الاجتماعي والاقتصادي للتدخلات المبكرة الموجهة للفئات المعرضة للخطر يفوق بكثير تكاليف العلاج بعد استشراء المرض واستقراره؛ فالبرامج التي تقدم تدريباً في مرحلة الطفولة الأولى قادرة على تعديل المسارات العصبية والمعرفية الدماغية نظراً لمرونة الدماغ (Neuroplasticity) العالية في هذه المراحل المبكرة من الحياة.

المحاذير الأخلاقية والأثر السلبي للوصم النفسي والاجتماعي

بالرغم من القيمة الإكلينيكية العالية لتحديد الأفراد المعرضين للخطر بهدف تقديم الدعم المبكر، إلا أن هذا الإجراء يحمل في طياته مخاطر أخلاقية ومنهجية بالغة التعقيد، على رأسها إشكالية الوصم الاجتماعي (Social Stigmatization) ونظرية الوصم (Labeling Theory). فعندما يُطلق على طفل أو مراهق تصنيف “معرض للخطر”، قد يتحول هذا التوصيف الإحصائي إلى ملصق هوية يؤثر سلباً على إدراكه لذاته، ويقوده إلى خفض احترامه لذاته وتبني نظرة عاجزة حيال إمكاناته ومستقبله.

علاوة على ذلك، يبرز خطر ظاهرة “النبوءة المحققة لذاتها” (Self-fulfilling Prophecy) وتأثير بجماليون (Pygmalion Effect)؛ حيث يميل المعلمون والآباء والأخصائيون إلى تعديل توقعاتهم وسلوكياتهم دون وعي تجاه الأفراد المصنفين بأنهم في دائرة الخطر. يؤدي انخفاض التوقعات الأكاديمية أو السلوكية من قبل المحيطين إلى تراجع دافعية الفرد وإنجازه، مما يدفعه نحو المسار السلبي عينه الذي حاول التصنيف حمايته منه في الأصل. وهذا ما يدعو الأوساط النفسية المتقدمة إلى توخي الحذر الشديد واستخدام لغة قائمة على نقاط القوة (Strength-based Approach) بدلاً من التركيز الحصري على النواقص والعجز.

تفرض الاعتبارات الأخلاقية أيضاً احترام سرية البيانات وحماية الخصوصية عند تطبيق اختبارات المسح السيكولوجي واسعة النطاق في المدارس أو المؤسسات العامة. يجب ألا تتحول معلومات تصنيف الخطر إلى مسوغ للإقصاء، أو الفصل التأديبي، أو الحرمان من الفرص التعليمية والمهنية، بل يجب أن تظل وثيقة إكلينيكية محصورة في أيدي المتخصصين وموجهة لغرض وحيد هو بناء منظومة الرعاية والتمكين النفسي للفرد.

خاتمة

إن مفهوم “في دائرة الخطر” هو مفهوم متعدد الأبعاد، ديناميكي، واستشرافي، يبتعد تماماً عن الرؤى الجبرية الحتمية للاعتلال النفسي ليؤكد على مساحات الإمكان والوقاية. يمثل هذا التوصيف نداءً استباقياً للمؤسسات النفسية والتربوية والاجتماعية للتدخل قبل أن تتحول بذور الهشاشة إلى اضطرابات راسخة يصعب علاجها. ومن خلال الموازنة الدقيقة بين رصد عوامل الخطر وتعزيز مكامن المرونة النفسية، مع مراعاة الأبعاد الأخلاقية لتجنب الوصم، يمكن للعلوم النفسية أن تقدم مساهمة جوهرية في صياغة بيئات حاضنة تعيد توجيه المسارات النمائية للأفراد الأكثر هشاشة نحو النضج النفسي، والتكيف، والفاعلية الاجتماعية الخلّاقة.

المراجع

  • Cicchetti, D. (2016). Developmental Psychopathology: Risk, Resilience, and Intervention (3rd ed.). John Wiley & Sons.
  • Garmezy, N. (1991). Resiliency and vulnerability to adverse outcomes for children. American Behavioral Scientist, 34(4), 416-430. https://doi.org/10.1177/0002764291034004003
  • Luthar, S. S., Cicchetti, D., & Becker, B. (2000). The construct of resilience: A critical evaluation and guidelines for future work. Child Development, 71(3), 543-562. https://doi.org/10.1111/1467-8624.00164
  • Masten, A. S. (2014). Ordinary Magic: Resilience in Development. Guilford Press.
  • Rutter, M. (2012). Resilience as a dynamic concept for practice and research. The Journal of Child Psychology and Psychiatry, 53(4), 335-344. https://doi.org/10.1111/j.1469-7610.2012.02528.x
  • Werner, E. E., & Smith, R. S. (2001). Journeys from Childhood to Midlife: Risk, Resilience, and Recovery. Cornell University Press.
  • الشناوي، محمد محروس. (2018). العملية الإرشادية والعلاجية: الوقاية والتدخل في مسارات النمو. دار الفكر العربي.
  • عبد الخالق، أحمد محمد. (2020). أبعاد الشخصية ومسارات الهشاشة والمرونة النفسية. دار المعارف.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 28). في دائرة الخطر: التأصيل النظري والأبعاد النفسية والنمائية لمفهوم التعرض للخطر. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/at-risk-psychological-concept/
looti, Mohammed. “في دائرة الخطر: التأصيل النظري والأبعاد النفسية والنمائية لمفهوم التعرض للخطر.” عرب سايكلوجي, 28 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/at-risk-psychological-concept/.
looti, Mohammed. “في دائرة الخطر: التأصيل النظري والأبعاد النفسية والنمائية لمفهوم التعرض للخطر.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 28, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/at-risk-psychological-concept/.