الطب النفسيعلم السلوكعلم النفس الإكلينيكي

محاولة الانتحار: التأصيل النظري، المحددات النفسية العصبية، والتدخلات الإكلينيكية المسندة بالدليل

دراسة أكاديمية شاملة حول محاولة الانتحار: الدوافع النفسية، والأسس العصبية البيولوجية، والنماذج النظرية المفسرة، وأساليب التقييم الإكلينيكي والتدخلات العلاجية الحديثة المسندة بالدليل.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 28 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 28 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُمثّل محاولة الانتحار واحدة من أكثر الظواهر السلوكية تعقيداً في حقل الطب النفسي وعلم النفس الإكلينيكي المعاصر، حيث تتداخل فيها المعاناة الوجدانية الحادة مع الانهيار المعرفي والاضطراب البيولوجي العصبي. يُنظر إلى السلوك الانتحاري غير المميت في الأدبيات السيكولوجية بوصفه صرخة وجودية تعكس وصول الفرد إلى ذروة ما يُعرف بـ “الألم النفسي الذي لا يُطاق”، وليس مجرد رغبة بيولوجية في الفناء بحد ذاتها. يتطلب تفكيك هذه الظاهرة مقاربة أكاديمية متعددة الأبعاد تستوعب الديناميات الداخلية للنفس البشرية وسياقاتها البيئية والفسيولوجية المتشابكة.

المدخل المفاهيمي والتأصيل الاصطلاحي لمحاولة الانتحار

تُعرّف محاولة الانتحار (Suicide Attempt) في المعاجم النفسية والطبية، ولا سيما وفق تصنيفات منظمة الصحة العالمية والدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، بأنها سلوك غير مميت يوجهه الفرد ضد ذاته، ويكون مصحوباً بنية ضمنية أو صريحة للموت نتيجة لهذا الفعل. يُميّز هذا التعريف بدقة بين السلوك الانتحاري الحقيقي وبين إيذاء الذات غير الانتحاري (Non-Suicidal Self-Injury – NSSI)، حيث يفتقر الأخير إلى نية التخلص النهائي من الحياة، ويستهدف غالباً تنظيم المشاعر السلبية الحادة أو خفض التوتر الداخلي، بالرغم من أن تكراره قد يزيد إحصائياً من خطر التحول إلى أفعال انتحارية لاحقة نتيجة تآكل حاجز الخوف من الألم الجسدي.

يقتضي التدقيق الاصطلاحي أيضاً التمييز بين “الأفكار الانتحارية” (Suicidal Ideation)، التي تشمل التخيل أو التفكير السلبي أو الإيجابي في الموت دون اتخاذ خطوات تنفيذية، وبين “خطة الانتحار” (Suicide Plan)، وصولاً إلى “المحاولة الانتحارية” كفعل إجرائي مباشر. في السياق الإكلينيكي، يُصنف الفعل محاولةً انتحارية بمجرد الشروع في تنفيذ الوسيلة المميتة، حتى وإن تم إحباطها من قِبل طرف خارجي أو تراجع الفرد في اللحظات الأخيرة؛ ذلك أن المعيار الجوهري في التقييم النفسي ينصب على “النية الذاتية” (Subjective Intent) ودرجة الفتك المتوقعة (Objective Lethality) من منظور المريض، بصرف النظر عما إذا كانت الوسيلة قادرة طبياً على إحداث الوفاة أم لا.

أدرجت الجمعية الأمريكية للطب النفسي في ملحق التشخيصات التي تحتاج لمزيد من الدراسة فئة “اضطراب السلوك الانتحاري” (Suicidal Behavior Disorder) ككيان تشخيصي مستقل، بهدف تجاوز النظرة التقليدية التي كانت تحصر محاولات الانتحار كعرض تابع حصراً لاضطرابات المزاج مثل الاكتئاب الجسيم أو اضطراب ثنائي القطب. يمنح هذا التأسيس المستقل للظاهرة زخماً بحثياً يركز على دراسة الاستعداد النفسي الكامن، والعجز في آليات التكيف، واختلال النواقل العصبية الخاص بالمسارات السلوكية الاندفاعية، مما يمهد لبناء بروتوكولات علاجية موجهة نوعياً للحد من الانتكاس والمحاولات المتكررة.

التطور التاريخي والنظري لدراسة السلوك الانتحاري

مرت دراسة محاولات الانتحار بمحطات فكرية مفصلية، بدأت مع الطرح السوسيولوجي الرائد الذي قدمه إميل دوركهايم في كتابه الشهير عام 1897، حيث رأى أن الانتحار انعكاس لخلل في الاندماج الاجتماعي والتنظيم المعياري للمجتمع، وصنف الأنماط الانتحارية إلى أنانية، وغيرية، وأنومية (لا معيارية)، وقدرية. بالرغم من الطابع الاجتماعي لنظرية دوركهايم، إلا أنها أرست الأساس لفهم أثر العزلة النفسية وفقدان المعنى والصلات الاجتماعية كعوامل ضغط تدفع الفرد نحو إنهاء وجوده.

مع بزوغ التحليل النفسي الكلاسيكي، نقل سيغموند فرويد التركيز إلى الصراعات اللاشعورية، طارحاً مفهوم “غريزة الموت” أو الهدام (Thanatos) في مواجهة غريزة الحياة (Eros). افترض فرويد، لا سيما في عمله “الحداد والمالنخوليا” (Mourning and Melancholia)، أن المحاولة الانتحارية تمثل عدواناً داخلياً موجهاً ضد موضوع محبوب جرى استدخاله ثم فقدانه؛ فالغضب والعنف الذي كان موجهاً في الأصل نحو الخارج ينقلب إلى الداخل ليدمر الأنا. لاحقاً، طور أتباع مدرسة العلاقات الموضوعية هذه الرؤية لتركز على فشل بناء التماسك الذاتي والتعرض للانهيار النرجسي عند التعرض للرفض أو الخذلان الحاد.

في النصف الثاني من القرن العشرين، أحدث إدوين شنايدمان (Edwin Shneidman)، الأب الروحي لعلم الانتحار المعاصر (Suicidology)، نقلة كوبرنيكية بتأكيده أن الانتحار ليس حركة باتجاه الموت بقدر ما هو هروب من ألم نفسي لا يُطاق صك له مصطلح (Psychache). رأى شنايدمان أن محاولة الانتحار تحدث عندما تتجاوز شدة هذا الألم قدرة الفرد على الاحتمال، وتصبح الحاجات النفسية المحبطة (مثل الحاجة للانتماء، وتقدير الذات، والسيطرة) مصدراً لعذاب مستمر. رافقت هذه الرؤية نظريات المعرفي آرون بيك، الذي ركّز على مفهوم “اليأس” (Hopelessness) والتشوهات المعرفية مثل النفق المظلم (Cognitive Constriction)، مبيناً أن التنبؤ بالمحاولة الانتحارية يرتبط باليأس أكثر من ارتباطه بشدة أعراض الاكتئاب وحدها.

النماذج المعرفية والدافعية الحديثة للظاهرة

شهدت الألفية الجديدة ولادة نماذج تفسيرية أكثر تكاملاً، أبرزها “النظرية الشخصية المتبادلة للانتحار” (Interpersonal Theory of Suicide) التي صاغها توماس جوينر (Thomas Joiner). تفترض هذه النظرية أن الرغبة في الانتحار تنشأ من تلاقي بُعدين نفسيين متزامنين: “الشعور بكون الفرد عبئاً على الآخرين” (Perceived Burdensomeness)، و”الانتماء المحبط أو العزلة الاجتماعية” (Thwarted Belongingness). غير أن جوينر يضيف شرطاً حاسماً للانتقال من مجرد الرغبة إلى التنفيذ الفعلي لمحاولة الانتحار، وهو ما أسماه “القدرة المكتسبة على الانتحار” (Acquired Capability for Suicide).

تُكتسب هذه القدرة عبر مسار تدريجي من إزالة التحسس (Habituation) تجاه الخوف الجسدي والألم المرتبطين بالموت، ويحدث ذلك من خلال تجارب سابقة من الصدمات، أو إيذاء الذات، أو الانخراط في سلوكيات خطرة، أو التعرض المتكرر للعنف؛ هذا التعرض يكسر الغريزة البيولوجية الفطرية للبقاء، مما يفسر لماذا يفشل غالبية من تراودهم أفكار انتحارية في الإقدام على محاولة حقيقية، بينما يُقدم عليها أولئك الذين امتلكوا الجرأة الجسدية والتبلد الحسي تجاه الألم.

من جانبه، طوّر روري أوكونور (Rory O’Connor) “نموذج الدافعية والإرادة المتكامل” (Integrated Motivational-Volitional Model – IMV)، الذي قسّم المسار الانتحاري إلى ثلاث مراحل: ما قبل الدافعية (العوامل الحيوية والشخصية والبيئية)، والمرحلة الدافعية (حيث يتولد الألم النفسي والشعور بالاستحباس أو الوقوع في فخ نفسي لا مخرج منه – Entrapment)، والمرحلة الإرادية (حيث تتحول النوايا إلى محاولات انتحار فعلية). يؤكد هذا النموذج أن الشعور بالاستحباس النفسي والداخلي هو المحرك الأساسي للأفكار الانتحارية، لكن العوامل الإرادية—مثل الوصول إلى الوسائل الفتاكة، والتخطيط، ووجود نماذج انتحارية في المحيط—هي التي تفجر المحاولة المادية.

الأسس البيولوجية والعصبية لمحاولة الانتحار

أكدت أبحاث البيولوجيا العصبية والوراثة السلوكية أن السلوك الانتحاري يترافق مع تغيرات بنيوية ووظيفية محددة في الدماغ، لا تتطابق كلياً مع التغيرات المصاحبة للاكتئاب النمطي. يبرز الخلل في النظام السيروتونيني المركزي (Serotonergic System) كواحد من أكثر المؤشرات البيولوجية رسوخاً؛ إذ كشفت دراسات السائل الدماغي الشوكي للمحاولين انخفاضاً حاداً في مستويات حمض 5-هيدروكسي إندول أسيتيك (5-HIAA)، وهو المستقلب الرئيسي لـ السيروتونين، مما يرتبط إكلينيكياً بارتفاع وتيرة الاندفاعية والعدوانية الموجهة نحو الذات وفقدان السيطرة على الانفعالات.

تُظهر تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وجود اضطرابات وظيفية في القشرة الجبهية الحجاجية (Orbitofrontal Cortex) والقشرة أمام الجبهية البطنية الإنسية (Ventromedial Prefrontal Cortex)، وهي مناطق مسؤولة عن تقييم المخاطر، والتحكم في النزوات، واتخاذ القرارات العقلانية. يؤدي هذا القصور العصبي إلى عجز الفرد في لحظات الأزمة عن توليد حلول بديلة للمشكلات الحياتية، فيما يُعرف بـ “التصلب المعرفي الإجرائي”، حيث يرى المريض في محاولة الانتحار الحل المنطقي الوحيد المتاح لإنهاء معاناته.

إلى جانب ذلك، يلعب المحور الوطائي-النخامي-الكظري (HPA Axis) دوراً محورياً في هذا السياق؛ إذ يؤدي فرط نشاط هذا المحور الناتج عن الضغوط المزمنة أو الصدمات المبكرة إلى إفراز كميات سامة من هرمون الكورتيزول، مما يلحق ضرراً بنيوياً بقرن آمون (Hippocampus) واللوزة الدماغية (Amygdala). ينعكس هذا التلف في صورة استجابات انفعالية مفرطة للمثيرات الضاغطة العادية، وشلل في قدرة الجهاز العصبي على استعادة التوازن الداخلي، مما يجعل الفرد عرضة للانهيار السريع أمام الأزمات البينشخصية.

المحددات النفسية-الاجتماعية والبيئية

تتفاعل العوامل النفسية العميقة مع شبكة معقدة من الضغوط البيئية لتشكيل بيئة خصبة للمحاولات الانتحارية. تُشير الدراسات الوبائية إلى أن تجارب الطفولة السلبية (Adverse Childhood Experiences – ACEs)—كالاعتداء الجسدي، أو الجنسي، أو الإهمال العاطفي الشديد—تُحدث ندوباً نفسية طويلة الأمد، وتزرع لدى الفرد شعوراً دفيناً بانعدام القيمة واللاجدوى، مما يجعله أكثر هشاشة عند مواجهة ضغوط البلوغ. تؤدي هذه الصدمات إلى نمط تعلق غير آمن يعيق تأسيس علاقات مساندة ويزيد من وتيرة الشعور بالاغتراب والرفض.

تلعب الأحداث الحياتية الضاغطة الوشيكة (Proximal Risk Factors)، مثل فقدان شريك الحياة، أو الانهيار المالي المفاجئ، أو الوصمة الاجتماعية، دور المفجر للمحاولة الانتحارية لدى الشخص المهيأ. في كثير من المجتمعات، تسهم الوصمة الثقافية المحيطة بالمرض النفسي في منع الأفراد من طلب المساعدة المتخصصة في مراحل مبكرة، مما يحول المعاناة القابلة للعلاج إلى حالة مزمنة من اليأس الصامت، الذي ينفجر في النهاية كفعل انتحاري غير محسوب النتائج تماماً من حيث البقاء.

تبرز أيضاً ظاهرة “العدوى الانتحارية” (Suicide Contagion) أو ما يُعرف بتأثير فيرتر (Werther Effect)، حيث يمكن للتغطيات الإعلامية غير المسؤولة أو تفاصيل انتحار الشخصيات العامة أن تحفز أفراداً يعانون من هشاشة نفسية كامنة على محاكاة هذه الأفعال. يعود ذلك إلى آليات النمذجة الاجتماعية وتطبيع فعل الانتحار في الوعي الجمعي كاستجابة درامية أو مقبولة للألم، وهو ما دعا المنظمات الصحية إلى صياغة معايير إعلامية صارمة لنقل أخبار الانتحار لتجنب إثارة هذه السلسلة من المحاولات المحاكية.

التقييم الإكلينيكي وإدارة المخاطر في الممارسة السريرية

يُعد التقييم الدقيق لخطر الإقدام على محاولة انتحار من أعقد المسؤوليات الملقاة على عاتق المعالج أو الطبيب النفسي. لا يعتمد هذا التقييم على التكهن أو الحدس الشخصي، بل يستند إلى فحص إكلينيكي متعمق يستعين بأدوات قياس مقننة وموثوقة، مثل “مقياس كولومبيا لتقييم شدة التهديد بالانتحار” (Columbia-Suicide Severity Rating Scale – C-SSRS) و”مقياس بيك لليأس” (Beck Hopelessness Scale). تهدف هذه الأدوات إلى رسم خريطة دقيقة لطبيعة الأفكار، ودرجة الإلحاح، ووجود خطة محددة، وسهولة الوصول إلى الوسائل الفتاكة.

يُميّز الإكلينيكيون بين عوامل الخطر الثابتة (Static Risk Factors)—مثل التاريخ العائلي للانتحار، والمحاولات السابقة، والجنس، والصدمات الطفولية—وبين عوامل الخطر الديناميكية القابلة للتعديل (Dynamic Risk Factors)، مثل نوبات القلق الحاد، والأرق الشديد المستمر، واليأس، والانسحاب الاجتماعي المفاجئ، وتعاطي المواد الإدمانية. يمثل التعامل السريع مع العوامل الديناميكية جوهر التدخل الإسعافي لخفض درجة الخطورة الفورية، إذ تمنح المعالج فرصة لتفكيك الأزمة قبل اكتمال شروط الفعل الانتحاري.

يستوجب التقييم الرصين صياغة “تقييم شامل للحالة” بدلاً من الاكتفاء برقم أو تصنيف منخفض/متوسط/مرتفع. يتضمن ذلك فهم المعنى الشخصي الذي تحمله المحاولة للمريض؛ فهل تمثل رغبة في الانتقام، أم بحثاً عن راحة من ألم لا يُحتمل، أم شعوراً بعدم الاستحقاق للعيش، أم محاولة يائسة لاستعادة السيطرة على واقع مضطرب؟ يساعد هذا الفهم المعمق في تحديد المسار العلاجي اللاحق وضمان سلامة المريض البدنية والنفسية.

المداخل العلاجية والتدخلات النفسية والدوائية المسندة بالدليل

تطورت في العقود الأخيرة منظومة متكاملة من العلاجات النفسية المتخصصة في التعامل مع السلوكيات الانتحارية والمحاولات المتكررة. يتصدر العلاج السلوكي الجدلي (Dialectical Behavior Therapy – DBT)، الذي أسسته مارشا لينهان، هذه التدخلات؛ حيث صُمم بالأساس للتعامل مع الأفراد المصابين باضطراب الشخصية الحدية ممن يكررون محاولات الانتحار وإيذاء الذات. يرتكز هذا العلاج على موازنة القبول والتغيير، وتدريب المرضى على مهارات تنظيم الانفعالات، وتحمل الضغوط، واليقظة الذهنية، والفاعلية البينشخصية، مما يقلل بشكل جذري من اللجوء للمحاولات الانتحارية كآلية تفريغ وجداني.

أثبت “العلاج المعرفي السلوكي للوقاية من الانتحار” (CBT-SP) كفاءة استثنائية في خفض تكرار المحاولات؛ إذ يركز على رصد المعتقدات الجوهرية المرتبطة باليأس وتعديل مسارات التفكير الآلي الكارثي. يشمل هذا النهج بناء وتطبيق “خطة الأمان النفسي” (Safety Planning Intervention – SPI)، وهي أداة مكتوبة وموجزة يطورها المعالج بالتعاون مع المريض، وتتضمن التعرف على العلامات التحذيرية الخاصة به، واستراتيجيات التهدئة الذاتية، وشبكة التواصل الاجتماعي الداعمة، وصولاً إلى جهات الطوارئ المتخصصة، مع التركيز الصارم على حجب وسائل الإيذاء وتقييد الوصول إليها.

من الناحية الدوائية، يتطلب التدخل الطبي النفسي الحذر البالغ في اختيار العقاقير؛ حيث أظهرت مادة الليثيوم (Lithium) فاعلية فريدة ومثبتة في خفض معدلات الانتحار لدى مرضى اضطرابات المزاج بشكل مستقل عن تأثيره المضاد للاكتئاب. كذلك يُعد الكلوزابين (Clozapine) الدواء الوحيد المعتمد من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية لتقليل خطر السلوك الانتحاري لدى مرضى الفصام. حديثاً، أظهر استخدام الكيتامين الوريدي (Ketamine) والإسكيتامين (Esketamine) قدرة سريعة وفائقة على إخماد الأفكار الانتحارية الحادة خلال ساعات، مما يمنح الفريق الطبي نافذة زمنية ثمينة للشروع في التدخلات النفسية الداعمة قبل وقوع المحاولة.

الأبعاد الأخلاقية والقانونية والسياسات الوقائية المجتمعية

تضع محاولة الانتحار المنظومة الصحية والأخلاقية أمام معضلات دقيقة، تتأرجح بين مبدأ “استقلالية المريض” (Patient Autonomy) وحقه في تقرير مصيره، وبين مبدأ “الإحسان والواجب المهني لحماية الحياة” (Beneficence). في أغلب التشريعات الإكلينيكية المعاصرة، يُلزم القانون الطبيب بالتدخل الإجباري وتنويم المريض قسراً في المنشآت النفسية إذا ثبت وجود خطر داهم ومباشر على حياته، مع تعطيل مبدأ السرية الطبية مؤقتاً لإخطار ذوي المريض أو السلطات المعنية لتأمين حمايته الجسدية.

على مستوى الصحة العامة، برهنت استراتيجيات الوقاية الشاملة أن الحد من وسائل الوصول إلى الأدوات القاتلة (Means Restriction)—مثل وضع حواجز على الجسور العالية، وتنظيم بيع الأدوية السامة، وفرض ضوابط صارمة على حيازة الأسلحة النارية والمبيدات الحشرية—يعد الإجراء الأكثر نجاحاً في خفض معدلات محاولات الانتحار القاتلة؛ ذلك أن كثيراً من المحاولات تقع تحت تأثير دافع اندفاعي لحظي يستمر لفترة قصيرة، وإذا تعذر الوصول إلى وسيلة سهلة ومباشرة، يتراجع احتمال تنفيذ الفعل أو استبداله بوسيلة أخرى بنفس الفتك.

يضاف إلى ذلك مفهوم “ما بعد الحدث” أو الدعم اللاحق (Postvention)، وهو برنامج التدخل الموجه لأسر ومحيط الشخص الذي أقدم على محاولة انتحار أو فارق الحياة به. يهدف هذا الإجراء إلى علاج الصدمة النفسية الشديدة الناتجة عن الحدث، وتخفيف مشاعر الذنب والعار المجتمعي، والحد من احتمالية وقوع محاولات انتحارية تالية بين المحيطين به نتيجة الألم الضاغط أو الإيحاء النفسي المتولد عن الكارثة.

خاتمة

تمثل محاولة الانتحار حدثاً نفسياً بالغ التعقيد يقع عند تقاطع الألم الداخلي المبرح، والهشاشة البيولوجية، والانهيار المعرفي، والعوامل البيئية الضاغطة. لا تعكس المحاولة رغبة حقيقية في الفناء بقدر ما تجسد عجزاً مأساوياً عن مواصلة التعايش مع عذاب نفسي تخطى عتبة التحمل، مصحوباً بانسداد الآفاق وتراجع القدرة على حل المشكلات. تتطلب الإحاطة بهذه الظاهرة تحولاً جذرياً من المقاربات الوصمية العقابية إلى الفهم العلمي الرصين المبني على الرحمة والرعاية والتدخلات النفسية والطبية المتخصصة. إن الاستثمار في بناء استراتيجيات وقائية مجتمعية، وتعزيز مهارات التدخل الإكلينيكي المبكر، ودعم مسارات الأمل والتواصل الإنساني، يظل السبيل الحاسم لإنقاذ أرواح كادت أن تنطفئ تحت وطأة المعاناة الصامتة.

المراجع

  • American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing.
  • Beck, A. T., Steer, R. A., Kovacs, M., & Garrison, B. (1985). Hopelessness and eventual suicide: A 10-year prospective study of patients hospitalized with suicidal ideation. American Journal of Psychiatry, 142(5), 559-563.
  • Durkheim, É. (1951). Suicide: A study in sociology (J. A. Spaulding & G. Simpson, Trans.). The Free Press. (Original work published 1897).
  • Joiner, T. E. (2005). Why people die by suicide. Harvard University Press.
  • Linehan, M. M. (1993). Cognitive-behavioral treatment of borderline personality disorder. Guilford Press.
  • Mann, J. J. (2003). Neurobiology of suicidal behaviour. Nature Reviews Neuroscience, 4(10), 819-828.
  • O’Connor, R. C., & Kirtley, O. J. (2018). The integrated motivational-volitional model of suicidal behaviour. Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences, 373(1754), 20170268.
  • Shneidman, E. S. (1993). Suicide as psychache: A clinical approach to self-destructive behavior. Jason Aronson.
  • World Health Organization. (2014). Preventing suicide: A global imperative. World Health Organization.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 28). محاولة الانتحار: التأصيل النظري، المحددات النفسية العصبية، والتدخلات الإكلينيكية المسندة بالدليل. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/attempted-suicide-psychology/
looti, Mohammed. “محاولة الانتحار: التأصيل النظري، المحددات النفسية العصبية، والتدخلات الإكلينيكية المسندة بالدليل.” عرب سايكلوجي, 28 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/attempted-suicide-psychology/.
looti, Mohammed. “محاولة الانتحار: التأصيل النظري، المحددات النفسية العصبية، والتدخلات الإكلينيكية المسندة بالدليل.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 28, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/attempted-suicide-psychology/.