الوظائف التنفيذيةعلم الأعصاب المعرفيعلم النفس المعرفي

نموذج التحكم الانتباهي في الفعل: الأسس النظرية والتطبيقات العصبية النفسية

استكشف نموذج التحكم الانتباهي في الفعل لدونالد نورمان وتيم شاليس؛ دراسة أكاديمية شاملة للمكونات البنيوية، وآلية جدولة التنافس، ونظام الانتباه الإشرافي، وتطبيقاته في علم النفس العصبي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 28 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 28 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُعد نموذج التحكم الانتباهي في الفعل (Attentional Control of Action Model)، والذي صاغه عالما النفس المعرفي دونالد نورمان وتيم شاليس في ثمانينيات القرن العشرين، أحد أهم الأطر النظرية الرائدة التي أعادت صياغة فهمنا لكيفية تنظيم السلوك البشري وتوجيه الأفعال الإرادية. يُقدم هذا النموذج تفسيراً متماسكاً لكيفية انتقال الدماغ البشري بسلاسة ملحوظة بين الأنماط السلوكية الروتينية التلقائية التي تتطلب أدنى قدر من الوعي، وبين القرارات المعقدة والمواقف المستجدة التي تفرض تدخلاً مقصوداً من الوظائف التنفيذية العليا. ومن خلال التمييز الجوهري بين آليات التحكم الآلي وآليات الإشراف المعرفي الواعي، استطاع هذا النموذج أن يُشكل اللبنة الأساسية للأبحاث المعاصرة في علم النفس العصبي الإكلينيكي وعلم الأعصاب الإدراكي.

مقدمة وتأطير مفاهيمي: ما هو نموذج التحكم الانتباهي في الفعل؟

ينطلق نموذج التحكم الانتباهي في الفعل من تساؤل جوهري في علم النفس المعرفي: كيف يستطيع الكائن البشري التوفيق بين فيض المثيرات البيئية والأهداف الذاتية المتغيرة لتنفيذ أفعال حركية وذهنية دقيقة دون الوقوع في الفوضى السلوكية؟ يجيب النموذج بأن النظام المعرفي مصمم وفق بنية هرمية ثنائية المستوى تفصل بين العمليات التي تتم بصفة آلية وسريعة، والعمليات التي تستلزم جهداً انتباهياً مركزاً وموجهاً نحو غاية محددة. يتيح هذا الفصل التكيفي حماية الموارد المعرفية المحدودة للإنسان من الاستنزاف المستمر، مما يسمح بتنفيذ الأنشطة اليومية بكفاءة عالية دون إهدار طاقة التفكير الواعي.

يفترض النموذج أن معظم تصرفاتنا اليومية—مثل المشي في مسار معتاد، أو قيادة السيارة في شارع مألوف، أو حتى قراءة الكلمات البسيطة—تخضع لهيمنة مخططات إجرائية حركية مخزنة مسبقاً في الذاكرة طويلة المدى. هذه المخططات تعمل عند استثارتها بالمثيرات المناسبة دون حاجة إلى انتباه مستمر. ومع ذلك، عندما تتبدل المعطيات البيئية فجأة، أو عندما يواجه الفرد خطأً غير متوقع أو معضلة تتطلب اتخاذ قرار حاسم، فإن هذا النمط الآلي يتنحى أو يتم تعديله قسراً لصالح نظام أعلى رتبة يمتلك القدرة على التدخل الواعي وتعديل مسار الفعل في اللحظة المناسبة.

وعلى هذا النحو، فإن النموذج ليس مجرد خريطة نظرية لآليات الانتباه، بل هو نظرية متكاملة في الفعل الإنساني تُفسر كلاً من الأداء السوي والخلل الوظيفي المرضي. يُنظر إلى الانتباه هنا ليس بوصفه مجرد مصفاة للمعلومات الحسية الواردة، بل كقوة تعديلية فاعلة ومثبطة تتدخل ديناميكياً لتفضيل استجابات وسلوكيات محددة على حساب استجابات أخرى، وهو ما جعل هذا النموذج المرجع الأساسي لتفسير متلازمات الفص الجبهي واضطرابات السيطرة على الانتباه.

السياق التاريخي والفكري لنشأة النموذج

نشأ نموذج التحكم الانتباهي في سياق الثورة المعرفية التي سعت إلى تفكيك “الصندوق الأسود” للسلوك الإنساني وبناء نماذج حاسوبية ومعلوماتية تمثل تدفق البيانات داخل العقل. ففي أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، كانت النماذج الانتباهية السائدة—كنماذج برودبنت وتريسمان—تركز بشكل شبه حصري على الانتباه الإدراكي أو الحسي، أي كيفية اختيار المدخلات الحسية وتصفيتها. غير أن هذه النماذج عجزت عن تقديم إجابات مقنعة حول كيفية توجيه المخرجات السلوكية والحركية وتنظيم الأفعال المعقدة والمستمرة عبر الزمن.

في عام 1980، نشر نورمان وشاليس ورقة بحثية تأسيسية بعنوان “انتباه إلى الفعل: التحكم الإرادي والآلي في السلوك”، والتي نُقحت وأعيدت صياغتها بتفصيل موسع في عام 1986. كان هدفهما الجمع بين رؤى الذكاء الاصطناعي الناشئ آنذاك، وخاصة أنظمة الإنتاج القائمة على القواعد الشرطية (Production Systems)، وملاحظات علم النفس العصبي السريري، لا سيما الملاحظات المتعلقة بمرضى إصابات الفص الجبهي الذين يُظهرون سلوكيات غريبة مثل الاندفاعية، والجمود السلوكي، والعجز عن التخطيط رغم احتفاظهم بالذكاء العام وسلامة الحواس.

تأثر النموذج أيضاً بأعمال ألكسندر لوريا ونظرياته حول الوظائف التنظيمية للفصوص الجبهية في الدماغ، حيث اعتبر لوريا أن القشرة أمام الجبهية مسؤولة عن برمجة السلوك وتنظيمه والتحقق من نتائجه. دمج نورمان وشاليس هذه المفاهيم العصبية العميقة مع المنهجية المعرفية الصارمة، مقدمين نموذجاً ميكانيكياً قابلاً للاختبار التجريبي، يوضح كيف تتفاعل المخططات المعرفية المحلية مع نظام التحكم الشامل لتحقيق الهدف السلوكي المنشود في بيئة مليئة بالمشتتات.

المكونات البنيوية الأساسية للنموذج

يقوم نموذج نورمان وشاليس على ثلاثة مكونات وظيفية مترابطة تعمل في تناغم وتكامل وثيق لتوجيه الأفعال وتنظيمها، وهي: مخزن المخططات، وآلية جدولة التنافس، ونظام الانتباه الإشرافي. يمثل كل مكون مستوىً محدداً من مستويات المعالجة المعرفية كما هو مفصل أدناه:

1. مخزن المخططات الإجرائية (Action Schemas)

المخططات الإجرائية هي وحدات معرفية وظيفية منظمة ومخزنة في الذاكرة طويلة المدى، تحتوي على تعليمات مبرمجة مسبقاً لتنفيذ سلاسل محددة من الأفعال الحركية أو الإدراكية. تشبه هذه المخططات “البرامج الفرعية” في علوم الحاسوب؛ فحين يتعلم الفرد مهارة معينة—مثل كتابة اسمه بالقلم أو استخدام ملعقة الطعام—فإن تكرار الممارسة يؤدي إلى تشفير هذه الخطوات في صورة مخطط متكامل ومستقل لا يتطلب وعياً بكل خطوة فرعية داخله.

تتميز المخططات بأن لها شروط تفعيل وحالات ترقب؛ فكل مخطط يرتبط بظروف بيئية أو مدخلات حسية معينة تحفزه وتزيد من مستوى استثارته وتنشيطه. فعلى سبيل المثال، رؤية فنجان القهوة على المكتب قد تفعل تلقائياً المخطط الإجرائي المسؤول عن مد اليد والإمساك بالفنجان. يتفاوت مستوى تنشيط هذه المخططات باستمرار بناءً على قوة المثيرات الخارجية، والحالة الداخلية للفرد، والأهداف الراهنة، وهي في حالة تسابق دائم للوصول إلى عتبة الإطلاق السلوكي.

إضافة إلى ذلك، فإن المخططات ليست كيانات منعزلة، بل ترتبط بشبكات ترابطية معقدة؛ فقد يُطلق مخطط رئيسي مجموعة من المخططات الفرعية التابعة. وتعتمد كفاءة هذا النظام على الخبرة والتكرار؛ فكلما زادت خبرة الفرد بمهمة معينة، أصبحت مخططاتها أكثر تماسكاً واستقراراً وأقل عرضة للتشويش أو الاعتماد على الجهد الواعي، مما يفسر أداء الخبراء في مختلف الميادين بمهارة وانسيابية تبدو خالية من الجهد الانتباهي.

2. آلية جدولة التنافس (Contention Scheduling)

تمثل جدولة التنافس الآلية المعرفية السريعة والآلية المسؤولة عن فض النزاع والتنافس القائم بين مختلف المخططات الإجرائية المفعلة في وقت واحد. ففي أي لحظة معينة، قد تُستثار عدة مخططات متناقضة بحكم المثيرات البيئية المحيطة، ولا يمكن للجهاز العضلي والحركي تنفيذها جميعاً معاً. على سبيل المثال، لا يمكن للإنسان أن يكتب بيده اليمنى ويلتقط كتاباً باليد ذاتها في الوقت نفسه.

تعمل جدولة التنافس من خلال مبدأ التثبيط التبادلي الجانبي (Lateral Inhibition) الشبيه بالشبكات العصبية الحيوية. عندما يتلقى مخطط معين مدخلات حسية قوية تجعله أكثر تنشيطاً، فإنه يقوم تلقائياً بإرسال إشارات تثبيطية إلى المخططات المنافسة الأخرى لإضعافها وخفض مستوى طاقتها، في الوقت الذي يعزز فيه تنشيطه الذاتي حتى يتجاوز عتبة التفرد والسيادة. بهذه الطريقة، يُضمن اختيار الفعل الأكثر ملاءمة للسياق الحالي بسلاسة وسرعة فائقة دون الحاجة إلى تدخل الوعي البطيء.

تُعد جدولة التنافس كافية بحد ذاتها لإدارة الحياة اليومية في الظروف المعتادة والروتينية المستقرة؛ حيث تتولى البيئة تنشيط المخططات المناسبة، وتتولى الجدولة استبعاد المخططات المعارضة. غير أن هذه الآلية تتسم بالعمى الاستراتيجي؛ فهي عاجزة عن تقييم العواقب بعيدة المدى، ولا يمكنها سوى الاستجابة للأولويات التنافسية الراهنة، مما يجعلها عرضة للأخطاء الفادحة إذا تغيرت الظروف فجأة وتطلبت كبح الاستجابة المعتادة.

3. نظام الانتباه الإشرافي (Supervisory Attentional System – SAS)

يُعد نظام الانتباه الإشرافي (SAS) المكون الأعلى رتبة في النموذج، وهو المعادل المعرفي للتحكم الواعي والإرادة والوظائف التنفيذية. لا يتدخل هذا النظام في التفاصيل الإجرائية الصغيرة للأفعال، بل يمارس سلطة تعديلية عامة من خلال إرسال طاقة تنشيطية أو تثبيطية إضافية إلى آلية جدولة التنافس للتأثير على نتيجتها، وترجيح كفة مخطط ضعيف بيئياً لكنه يتوافق مع النية الواعية للفرد.

يتدخل نظام الانتباه الإشرافي بصفة حاسمة في خمسة مواقف محددة حددها نورمان وشاليس بدقة:

  • المواقف التي تتطلب تخطيطاً مسبقاً واتخاذ قرارات واعية: حيث لا توجد مخططات جاهزة يمكنها قيادة السلوك مباشرة نحو الهدف المنشود.
  • المواقف المستجدة أو غير المألوفة: عندما تكون المعطيات البيئية جديدة كلياً ولا تتوفر استجابات روتينية مخزنة للتعامل معها.
  • المواقف التي يُعتبر فيها الفعل خطراً أو صعباً تقنياً: حيث تترتب على الأخطاء عواقب وخيمة تتطلب يقظة وحذراً انتباهياً مستمراً.
  • المواقف التي تتطلب استكشاف الأخطاء وتصحيحها: عند فشل المخطط الروتيني في تحقيق النتيجة المتوقعة، مما يستدعي إيقافه وإعادة تقييم المسار.
  • المواقف التي تتطلب تجاوز الاستجابة النمطية القوية أو مقاومة الإغراء: حيث يتوجب على الفرد كبح عادة سلوكية راسخة تفرضها البيئة لصالح استجابة بديلة تتطلب جهداً.

يمتاز نظام SAS بمرونته الهائلة، لكنه يعاني من محدودية السعة المعرفية؛ إذ يتطلب تشغيله جهداً ذهنياً كبيراً ويبعث على الإجهاد العقلي إذا استمر لفترات طويلة. لذا، صُمم النظام ليتدخل فقط عند الضرورة القصوى، تاركاً دفة القيادة اليومية لجدولة التنافس والمخططات الروتينية لضمان التوازن الأمثل بين الكفاءة والمرونة السلوكية.

ديناميات التفاعل بين السلوك التلقائي والتحكم الواعي

إن جوهر نموذج التحكم الانتباهي يكمن في التفاعل السلس والمستمر بين المستويين الآلي والإشرافي. فالأفعال البشرية ليست إما آلية بالكامل أو واعية بالكامل، بل هي تدرج ديناميكي تتداخل فيه آليات جدولة التنافس مع تعديلات نظام الانتباه الإشرافي. فالإنسان عندما يتعلم مهارة جديدة، مثل العزف على آلة موسيقية، يكون نظام SAS في أقصى درجات استنفاره، حيث يراقب كل حركة إصبع، ويصحح الأخطاء بصورة واعية ومضنية، مما يجعل الأداء بطيئاً ومتقطعاً ومجهداً ذهنياً.

مع استمرار التدريب والتعزيز الإيجابي، تبدأ المخططات الإجرائية في التشكل والاندماج، وتتولى آلية جدولة التنافس مهمة ربط النغمات والحركات المتتابعة عبر التثبيط التبادلي والاستثارة التلقائية. وعند هذه المرحلة، ينسحب نظام الانتباه الإشرافي تدريجياً من تفاصيل الأداء اليومي، ليتحول دوره إلى المراقبة العامة فقط أو يفرغ موارده للتفكير في التعبير الجمالي والمشاعر المصاحبة للعزف بدلاً من التركيز على الموضع الفيزيائي للأصابع.

غير أن هذا الانسحاب قد يؤدي في بعض الأحيان إلى ما يسمى بـ “زلات الفعل” (Action Slips) في الحياة اليومية. تحدث هذه الزلات عندما ينشغل نظام الانتباه الإشرافي بموضوع خارجي أو تفكير شارد، فتترك آلية جدولة التنافس تعمل بمفردها في بيئة تحتوي على مثيرات تطلق مخططات سابقة قوية ولكنها غير مناسبة للهدف الحالي. ومن الأمثلة الكلاسيكية على ذلك: دخول الفرد إلى غرفة نومه لتغيير ملابسه استعداداً للخروج في المساء، فيجد نفسه قد نزع ملابسه وارتدى ملابس النوم واستلقى في السرير؛ حيث تم تفعيل مخطط النوم التلقائي نظراً لغياب التدخل التثبيطي من نظام SAS.

الأسس العصبية والمعرفية لنموذج التحكم الانتباهي

حظي النموذج باعتراف واسع في مجتمع العلوم العصبية لأنه قدم إطاراً وظيفياً توافق بشكل مذهل مع الاكتشافات اللاحقة في التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) والدراسات العصبية السريرية. فقد ربط الباحثون بين المكونات النفسية لنموذج نورمان وشاليس وشبكات دماغية تشريحية محددة ترتبط بالقشرة الجبهية والمناطق تحت القشرية ذات الصلة:

يُعتقد أن نظام الانتباه الإشرافي (SAS) يعتمد بشكل أساسي على الشبكة الجبهية الجدارية المعقدة، وفي القلب منها قشرة الفص الجبهي الظهرانية الجانبية (DLPFC). هذه المنطقة مسؤولة عن التمثيل النشط للأهداف وتوجيه الطاقة الانتباهية وضبط الذاكرة العاملة. كما تلعب القشرة الحزامية الأمامية (Anterior Cingulate Cortex – ACC) دوراً محورياً كأداة لرصد النزاع المعرفي؛ فهي ترصد التنافس الشديد بين المخططات في جدولة التنافس أو حدوث الأخطاء، وترسل إشارة استنفار عاجلة إلى قشرة الفص الجبهي الظهرانية الجانبية للتدخل وفرض التحكم الإشرافي.

أما فيما يتعلق بـ جدولة التنافس والمخططات الإجرائية، فإن الأبحاث تشير بقوة إلى ارتباطها بـ العقد القاعدية (Basal Ganglia) والمنطقة الحركية الإضافية (Supplementary Motor Area – SMA) والقشرة أمام الحركية، بالإضافة إلى القشور الحسية الترابطية الخلفية. تُشكل العقد القاعدية من خلال مساراتها المباشرة وغير المباشرة حلقة ترشيح قوية قادرة على تثبيط الاستجابات الحركية المتنافسة وتسهيل مسار حركي وحيد، وهو التجسيد العصبي الدقيق لمفهوم التثبيط التبادلي في جدولة التنافس.

التطبيقات الإكلينيكية والاضطرابات العصبية والنفسية المرتبطة بالنموذج

قدم نموذج التحكم الانتباهي في الفعل إطاراً تشخيصياً وتفسيرياً لا غنى عنه في علم النفس العصبي السريري، حيث سمح بفهم دقيق للاضطرابات التنفيذية والسلوكية التي ظلت لسنوات طويلة عصية على الفهم المنهجي. من أبرز هذه التطبيقات والاضطرابات:

  • متلازمة الخلل التنفيذي (Dysexecutive Syndrome): والتي تنتج عن تلف في الفص الجبهي نتيجة السكتات الدماغية أو الرضوض أو الخرف الجبهي الصدغي. يُظهر هؤلاء المرضى تدهوراً صريحاً في نظام SAS؛ مما يترك سلوكهم تحت رحمة آلية جدولة التنافس والمثيرات البيئية العارضة. يتجلى ذلك في سلوكيات مثل “المثابرة السلوكية” (Perseveration)، حيث يعجز المريض عن التوقف عن تكرار فعل معين رغم تغير التعليمات، أو “سلوك الاستخدام” (Utilization Behavior)، حيث يمسك المريض بأي غرض أمامه ويستخدمه تلقائياً دون طلب (مثل ارتداء نظارات الطبيب الموضوعة أمامه على الطاولة فور رؤيتها).
  • اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD): يُفسر النموذج هذا الاضطراب على أنه ضعف تكويني في كفاءة التثبيط التي يمارسها نظام الانتباه الإشرافي. يجد المصاب صعوبة في كبح المخططات الاستجابية التي تثيرها المحفزات البيئية الجذابة، مما يجعله مشتتاً ومندفعاً وعاجزاً عن الحفاظ على الأهداف طويلة المدى في مواجهة المشتتات اللحظية.
  • اضطراب الوسواس القهري (OCD): يمكن تأطير الوساوس والأفعال القهرية كنتاج لخلل في حلقة الاتصال بين العقد القاعدية والقشرة الجبهية، حيث تفشل آلية الإشراف في إيقاف أو كبح مخططات إجرائية معينة (مثل مخطط غسل اليدين أو تفقد الأقفال)، مما يؤدي إلى انحباس المريض في دوامة تكرار لا نهائية بسبب قصور في آليات استشعار اكتمال الفعل وتثبيطه.
  • الفصام (Schizophrenia): تُظهر الدراسات أن مرضى الفصام يعانون من اضطراب وظيفي في التنسيق بين القشرة الحزامية الأمامية وقشرة الفص الجبهي، مما يؤدي إلى فشل نظام SAS في التمييز بين الأفعال الصادرة عن الذات وتلك الموجهة خارجياً، ويسهم في ظهور أعراض التشتت الإدراكي والجمود السلوكي واضطراب التفكير المنطقي.

أوجه النقد والتقييم المعرفي للنموذج ونماذج الامتداد الحديثة

على الرغم من النجاح التاريخي الهائل الذي حققه نموذج نورمان وشاليس، فإنه واجه عدة انتقادات معرفية وإبستيمولوجية على مر العقود. تمحور النقد الأساسي حول ما يُعرف في الفلسفة وعلم النفس بـ “معضلة القزم الداخلي” (Homunculus Problem). فقد جادل بعض النقاد بأن افتراض وجود “نظام انتباه إشرافي” أعلى يتخذ القرارات ويوجه الانتباه يشبه وضع رجل صغير داخل الدماغ يقرر متى يتدخل وكيف، دون تقديم تفسير آلي دقيق لكيفية اتخاذ هذا النظام ذاته لقراراته الخاصة بمعزل عن حلقة لامتناهية من الأنظمة الإشرافية الأعلى.

كذلك عيب على النموذج الأولي عدم تقديمه وزناً كافياً للجانب العاطفي والدافعي؛ فالقرارات والتحكم في الأفعال لا تعتمد حصراً على معالجة معلوماتية باردة بين نظام روتيني ونظام إشرافي، بل تتأثر بشدة بالأنظمة الحوفية، والتقييم العاطفي، والمكافأة الفورية المتوقعة، وهي العوامل التي ركزت عليها لاحقاً نظريات مثل نظرية “العلامة الجسدية” لأنطونيو داماسيو.

استجابة لهذه الانتقادات، خضع النموذج لعمليات تطوير وتوسيع مكثفة قادها تيم شاليس وزملاؤه في التسعينيات ومطلع الألفية. تم تفكيك نظام SAS الموحد إلى مجموعة من العمليات الفرعية المعيارية، مثل: توليف الأهداف الاستراتيجية، ومراقبة مطابقة المخرجات للأهداف، والتنشيط المؤقت للذاكرة العاملة، والتثبيط الانتقائي. كما طور الباحثون نماذج حوسبية قائمة على الشبكات العصبية الاصطناعية أثبتت إمكانية محاكاة سلوك SAS وجدولة التنافس دون الحاجة إلى افتراض “قزم داخلي”، بل من خلال ديناميات التغذية الراجعة والتفاعل المتزن بين الشبكات العصبية الموزعة.

خاتمة واستشراف مستقبلي

في الختام، يظل نموذج التحكم الانتباهي في الفعل لنورمان وشاليس علامة فارقة في تاريخ علم النفس المعرفي والعلوم العصبية الإدراكية. لقد استطاع هذا النموذج برؤيته الثنائية المتوازنة أن يردم الهوة بين السلوك التلقائي الخاضع للمثيرات والتحكم الإرادي المستقل، مقدماً بنية نظرية متماسكة استطاعت الصمود أمام الاختبارات التجريبية والعصبية على مدى عقود. ومع التطور المتسارع لتقنيات تصوير الدماغ عالية الدقة، والنمذجة العصبية الحاسوبية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، يواصل النموذج تقديم إلهام خصب لفهم هندسة العقل البشري، والمساهمة الفاعلة في تطوير برامج إعادة التأهيل العصبي للمرضى الذين عانوا من إصابات جبهية سلبتهم القدرة على ممارسة التحكم الواعي في تفاصيل حياتهم اليومية.

المراجع

  • Baddeley, A. (1986). Working memory. Oxford University Press.
  • Botvinick, M. M., Braver, T. S., Barch, D. M., Carter, C. S., & Cohen, J. D. (2001). Conflict monitoring and cognitive control. Psychological Review, 108(3), 624–652. https://doi.org/10.1037/0033-295X.108.3.624
  • Norman, D. A., & Shallice, T. (1980). Attention to action: Willed and automatic control of behavior (CHIP Report 99). University of California, San Diego.
  • Norman, D. A., & Shallice, T. (1986). Attention to action: Willed and automatic control of behavior. In R. J. Davidson, G. E. Schwartz, & D. Shapiro (Eds.), Consciousness and self-regulation: Advances in research and theory (Vol. 4, pp. 1–18). Plenum Press. https://doi.org/10.1007/978-1-4757-0629-1_1
  • Shallice, T. (1988). From neuropsychology to mental structure. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511526817
  • Shallice, T., & Burgess, P. W. (1996). The domain of supervisory processes and temporal organization of behaviour. Philosophical Transactions of the Royal Society of London. Series B: Biological Sciences, 351(1346), 1405–1412. https://doi.org/10.1098/rstb.1996.0124
  • Stuss, D. T., & Knight, R. T. (Eds.). (2002). Principles of frontal lobe function. Oxford University Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 28). نموذج التحكم الانتباهي في الفعل: الأسس النظرية والتطبيقات العصبية النفسية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/attentional-control-of-action-model/
looti, Mohammed. “نموذج التحكم الانتباهي في الفعل: الأسس النظرية والتطبيقات العصبية النفسية.” عرب سايكلوجي, 28 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/attentional-control-of-action-model/.
looti, Mohammed. “نموذج التحكم الانتباهي في الفعل: الأسس النظرية والتطبيقات العصبية النفسية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 28, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/attentional-control-of-action-model/.