يمثل التركيز الانتباهي (Attentional Focus) البوابة المعرفية الأساسية التي يعالج من خلالها الكائن البشري طوفان المثيرات الحسية والوجدانية المتدفقة من بيئتيه الداخلية والخارجية. إن قدرة العقل على توجيه موارده المعرفية المحدودة وانتقاء هدف محدد واستبعاد المشتتات ليست مجرد مهارة إدراكية هامشية، بل هي الركيزة الجوهرية التي تنهض عليها العمليات العقلية العليا كالتفكير، وحل المشكلات، والتعلم الحركي، وتكوين الذاكرة. يهدف هذا المدخل المعجمي المفصل إلى تفكيك مفهوم التركيز الانتباهي عبر استعراض جذوره النظرية، وآلياته النيوروبيولوجية، وأبعاده التصنيفية، وتجلياته في الأداء الحركي والاضطرابات النفسية وطرق قياسه وتطويره.
المفهوم والتعريف الاصطلاحي لبؤرة الانتباه
يُعرَّف التركيز الانتباهي في أدبيات علم النفس المعرفي بأنه التخصيص النشط والانتقائي للطاقة الإدراكية والموارد الذهنية نحو مدخلات حسية أو أفكار أو مهام سلوكية محددة، مع كف أو تثبيط الاستجابة للمثيرات غير ذات الصلة. لا يقتصر الانتباه على كونه مجرد استجابة انعكاسية سلبية للمثيرات البارزة، بل هو عملية ديناميكية تجمع بين التوجيه الإرادي الواعي الموجه بالهدف والتوجيه التلقائي غير الإرادي الموجه بطبيعة المثير.
وقد ميز الفلاسفة وعلماء النفس الأوائل بين مفهوم الوعي الشامل ومفهوم بؤرة الانتباه؛ حيث تمثل الأخيرة نقطة الارتكاز المركزية التي تنال أعلى درجات الوضوح والحدة المعرفية في مسرح الوعي. إن تشبيه الانتباه بـ «حزمة الضوء الكاشف» (Spotlight) يعكس بدقة الطبيعة المكانية والوظيفية للتركيز، حيث تحظى العناصر الواقعة داخل نطاق الحزمة بالمعالجة العميقة والتحليل الدقيق، بينما تظل العناصر الواقعة على الهامش في حالة إدراك ضبابي أو تتلاشى تماماً دون أن تبلغ عتبة الإدراك الواعي.
وفي السياقات التطبيقية كعلم النفس الرياضي وعلم النفس العصبي، يتجاوز التركيز الانتباهي كونه عملية أحادية البعد؛ إذ يشمل القدرة على الحفاظ على هذا التخصيص المعرفي عبر الزمن (الانتباه المستمر)، والانتقال المرن بين مهام أو مثيرات متباينة (التحويل الانتباهي)، وتوزيع الموارد عند الحاجة بين أكثر من متطلب سلوكي (الانتباه المقسم). ومن ثم، فإن بؤرة الانتباه هي المحصلة النهائية لتفاعل معقد بين أنظمة التوجيه، واليقظة، والتحكم التنفيذي.
التطور التاريخي والنظري لبحوث الانتباه
تعود الإرهاصات الأولى لتنظير التركيز الانتباهي إلى الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي وليم جيمس (William James)، الذي كتب في مؤلفه التأسيسي «مبادئ علم النفس» (1890) عبارته الخالدة: «الجميع يعرف ما هو الانتباه؛ إنه استيلاء الذهن بصورة واضحة وحية على شيء واحد من بين عدة أشياء تبدو ممكنة الحدوث في وقت واحد». مهد جيمس بذلك الطريق لفصل مفهوم الانتباه الانتقائي عن مجرد الإدراك الحسي الخام، مؤكداً على الطبيعة التوزيعية والانتقائية للموارد العقلية.
ومع بزوغ فجر الثورة المعرفية في منتصف القرن العشرين، تحول النموذج التفسيري للانتباه من التوصيف الظاهراتي إلى نماذج معالجة المعلومات الرياضية والحاسوبية. اقترح دونالد برودبنت (Donald Broadbent) في عام 1958 «نموذج المرشح المبكر» (Filter Model)، مفترضاً وجود عنق زجاجة مادي في الجهاز العصبي يسمح فقط للمعلومات المختارة بناءً على خصائصها الفيزيائية بالمرور إلى مرحلة المعالجة المعرفية الدلالية، في حين تُهمل المثيرات غير المنتبه إليها كلياً.
سرعان ما خضع نموذج المرشح للتعديل على يد آن تريسمان (Anne Treisman) عام 1964 من خلال «نموذج التوهين» (Attenuation Model)، الذي جادل بأن المثيرات غير الموجه إليها التركيز لا تُحجب تماماً، بل يتم إضعاف شدتها الصوتية أو الدلالية، مما يسمح للمثيرات ذات الدلالة الشخصية العالية (مثل سماع اسم المرء في غرفة صاخبة) باختراق عتبة الوعي. تلا ذلك نماذج «الانتقاء المتأخر» لكل من ديوتش وديوتش (Deutsch & Deutsch)، ثم النماذج السعوية لدانيال كانيمان (Daniel Kahneman, 1973)، الذي نظر إلى التركيز الانتباهي ككمية محدودة من الجهد المعرفي القابل للتخصيص المرن وفقاً لمتطلبات المهمة وحالة الاستثارة الفسيولوجية للفرد.
النماذج المعرفية الكبرى المفسرة للتركيز الانتباهي
تطورت النظريات المعاصرة لتصنيف أنماط وأبعاد التركيز الانتباهي بطرق تتيح التنبؤ بالسلوك الإنساني في المواقف المعقدة. من أبرز هذه النماذج نموذج روبرت نايدفر (Robert Nideffer, 1976) ثنائي الأبعاد، والذي يحدد بؤرة الانتباه عبر تقاطع بُعدين رئيسيين: الاتجاه (داخلي مقابل خارجي) والاتساع (واسع مقابل ضيق). ينتج عن هذا التقاطع أربعة أنماط انتباهية متميزة:
- التركيز الواسع-الخارجي: يُستخدم لتقييم البيئة المحيطة وقراءة الموقف الإجمالي بسرعة (مثل صانع الألعاب في كرة القدم الذي يمسح تحركات زملائه والمنافسين).
- التركيز الضيق-الخارجي: يُوجه مباشرة نحو مثير بيئي محدد بدقة لعزله والتفاعل معه (مثل لاعب الرماية الذي يركز حصرياً على مركز الهدف).
- التركيز الواسع-الداخلي: يُستخدم للتحليل الاستراتيجي ودمج المعلومات والذكريات وصياغة الخطط الذهنية المجردة.
- التركيز الضيق-الداخلي: يُعنى برصد حالة فسيولوجية محددة، مثل تنظيم ضربات القلب أو فحص إحساس عضلي معين أو استحضار صورة ذهنية منفردة.
وعلى صعيد آخر، برزت نظرية شبكات الانتباه لمايكل بوسنر (Michael Posner)، والتي تفكك التركيز الانتباهي إلى ثلاث شبكات وظيفية وعصبية مستقلة تشريحياً ولكنها متكاملة وظيفياً: شبكة اليقظة (Alerting Network) المسؤولة عن تحقيق حالة الاستعداد واستدامتها، وشبكة التوجيه (Orienting Network) المسؤولة عن اختيار المدخلات الحسية المحددة في الفضاء، وشبكة التحكم التنفيذي (Executive Control Network) المنوطة بحل الصراعات بين الاستجابات والتثبيط والتخطيط الواعي.
وفي إطار الذاكرة العاملة، يؤكد نموذج آلان بادلي (Alan Baddeley) أن المنفذ المركزي (Central Executive) هو بمثابة جهاز التحكم الأعلى في بؤرة التركيز الانتباهي؛ حيث يقوم بتنسيق عمل الأنظمة الفرعية (الحلقة الفونولوجية والمفكرة البصرية المكانية) وإدارة التبديل بين تدفقات البيانات المختلفة وحماية بنية المعالجة من التداخل التراجعي أو الاستباقي.
الأسس النيوروبيولوجية وشبكات الدماغ الانتباهية
أزاح التصوير العصبي الوظيفي (fMRI) والتخطيط الدماغي الكهربائي (EEG) الستار عن الدوائر العصبية التي تدير التركيز الانتباهي وتوزع شحنته. يتضح اليوم أن التركيز ليس وظيفة متمركزة في بنية دماغية مفردة، بل هو نتاج تفاعل شبكي موزع. كشفت أبحاث كوريبيتا وشولمان (Corbetta & Shulman, 2002) عن وجود نظامين فرعيين متميزين لتوجيه الانتباه المكاني والبصري في القشرة المخية:
النظام الأول هو الشبكة الانتباهية الظهرية (Dorsal Attention Network – DAN)، وتشمل التلم داخل الجداري (IPS) وحقول العين الجبهية (FEF). تعمل هذه الشبكة بطريقة «من الأعلى إلى الأسفل» (Top-Down)، حيث تُفعَّل بصورة إرادية ومقصودة لتوجيه البؤرة الانتباهية نحو الأهداف المتوافقة مع النوايا والخطط الداخلية، وتضمن استقرار التركيز لفترات زمنية ممتدة ومقاومة المشتتات.
النظام الثاني هو الشبكة الانتباهية البطنية (Ventral Attention Network – VAN)، التي تتألف من الملتقى الصدغي الجداري (TPJ) والقشرة الجبهية البطنية (VFC). تعمل هذه الشبكة بطريقة «من الأسفل إلى الأعلى» (Bottom-Up)، وتعمل كجهاز إنذار لاكتشاف المثيرات المفاجئة أو غير المتوقعة وذات الأهمية البيولوجية العالية في البيئة الخارجية، مما يؤدي إلى إعادة توجيه سريعة وحاسمة للتركيز الانتباهي لحماية الكائن الحي.
تلعب القشرة الجبهية الأمامية الظهرانية الجانبية (DLPFC) والقشرة الحزامية الأمامية (ACC) دوراً جوهرياً في مراقبة النزاع وإدارة التركيز التنفيذي؛ فالقشرة الحزامية تكتشف الأخطاء وتضارب المثيرات (كما في مهمة ستروب)، بينما تتدخل القشرة الجبهية لفرض السيطرة المعرفية وإعادة توجيه الطاقة الانتباهية. كما تسهم النواقل العصبية الرئيسية، لا سيما الدوبامين المنظم لدافعية التركيز والتحكم البوابي، والنورإبينفرين الصادر عن الموضع الأزرق (Locus Coeruleus) والمنظم لليقظة، والأسيتيل كولين المحسن للإشارات الحسية في القشرة، في تحديد دقة وعمق التركيز الانتباهي.
أبعاد التركيز: البؤرة الداخلية مقابل البؤرة الخارجية
شهد العقدان الأخيران اهتماماً بحثياً بالغاً بآثار توجيه التركيز الانتباهي نحو الذات (بؤرة داخلية) مقابل توجيهه نحو البيئة أو أثر الحركة (بؤرة خارجية). قادت الباحثة غابرييل وولف (Gabriele Wulf) وزملاؤها مئات الدراسات التجريبية التي تناولت تأثير نوع التركيز على كفاءة التعلم الحركي ودقة الأداء البدني.
يُقصد بـ البؤرة الانتباهية الداخلية (Internal Focus) توجيه انتباه الفرد نحو حركات جسده الذاتية أثناء تنفيذ المهارة، مثل تركيز السباح على حركة ثني مفصل الكوع أو تركيز لاعب الغولف على موضع معصم اليد أثناء التأرجح. في المقابل، تشير البؤرة الانتباهية الخارجية (External Focus) إلى تركيز الفرد على التأثير البيئي لحركته أو الأداة المستخدمة، مثل تركيز لاعب الغولف على مسار رأس المضرب أو مسار الكرة المتوقع، أو تركيز العداء على دفع الأرض بقوة للخلف.
لتفسير التفوق الثابت والمطرد للبؤرة الخارجية على البؤرة الداخلية في التعلم والأداء، صاغت وولف «فرضية الفعل المقيد» (Constrained Action Hypothesis). تفترض هذه الفرضية أن محاولة التركيز الواعي على أجزاء الجسد والحركات الميكانيكية الحيوية تؤدي إلى «تقييد» نظام التحكم الحركي الطبيعي، وتتداخل مع العمليات الحركية التلقائية واللاواعية التي صقلها التدريب، مما ينجم عنه زيادة في التوتر العضلي المشترك وانخفاض في كفاءة التنسيق العصبي العضلي واستهلاك غير اقتصادي للطاقة الأيضية.
وعلى النقيض من ذلك، فإن تبني بؤرة انتباهية خارجية يعزز الاعتماد على عمليات التحكم الذاتي والتنظيم التلقائي غير المقيد، حيث يحدد الدماغ الهدف الحركي الكلي (Goal-Action Coupling) ويترك للأنظمة الحركية تحت القشرية حرية تنظيم التآزر العضلي الدقيق للوصول إلى النتيجة المطلوبة بأقل جهد ميكانيكي ممكن. تؤكد الدراسات الفسيولوجية الكهربائية أن البؤرة الخارجية ترتبط بانخفاض نشاط العضلات غير الضرورية (Reduced EMG activity)، مما يعني دقة ميكانيكية أعلى وكفاءة أيضية متفوقة.
العوامل المحددة لكفاءة التركيز الانتباهي
تتأثر استدامة التركيز الانتباهي ودقته بشبكة متداخلة من المتغيرات الداخلية والخارجية التي قد تسهم في تدعيم بؤرة الانتباه أو الدفع بها نحو التشتت والانهيار. من أبرز هذه العوامل:
- القلق والاستثارة الفسيولوجية: وفقاً لنظرية التحكم الانتباهي (Attentional Control Theory) لإيزنك وزملاؤه (Eysenck et al., 2007)، فإن القلق يضعف التحكم الانتباهي الموجه بالهدف (Top-down) ويعزز الاستجابة للمثيرات التهديدية عبر النظام الموجه بالمثيرات (Bottom-up). يؤدي القلق إلى تقليص كفاءة المعالجة (Processing Efficiency) بدرجة أكبر من تأثيره على جودة الأداء ذاته، إذ يضطر الفرد لبذل جهد تعويضي هائل للحفاظ على ذات المستوى من التركيز.
- الحمل المعرفي وتشتت الذاكرة العاملة: تفرض المهام المتزامنة ضغطاً على سعة المنفذ المركزي، مما يقلل من القدرة على كبح المشتتات المحيطة ويقود إلى انزلاق الانتباه نحو مثيرات لا ترتبط بالمهمة الأساسية.
- الإجهاد الذهني واستنزاف الأنا: يؤدي العمل المتواصل في مهام تتطلب سيطرة معرفية صارمة إلى نضوب الموارد التنفيذية، مما يظهر عصبياً في هبوط كفاءة الاتصال بين الفص الجبهي والمناطق الجدارية، ويزيد من وتيرة «شرود الذهن» (Mind-Wandering).
- الدافعية والأهمية الذاتية: يحدد الجهاز الحوفي، وبخاصة النواة المتكئة واللوزة الدماغية، القيمة التنبؤية للمثيرات؛ مما يفرز شحنات دوبامينية تزيد من حدة البؤرة الانتباهية وتزيد مقاومتها للإحباط والتعب عندما يُدرك الهدف بوصفه ذا مكافأة عالية.
التركيز الانتباهي في الأداء الحركي والرياضي
يبرز التركيز الانتباهي في علم النفس الرياضي بوصفه الفارق النوعي الحاسم بين الرياضيين النخبويين والرياضيين المبتدئين؛ فالرياضي المتمرس لا يتميز بقوة عضلية مجردة فحسب، بل بامتلاك استراتيجيات بصرية وانتباهية متفوقة. يظهر ذلك جلياً في ظاهرة «العين الهادئة» (Quiet Eye)، وهي المدة الزمنية التي يستقر فيها تثبيت البصر على هدف حاسم قبل بدء الحركة النهائية (مثل تسديد ضربة جزاء أو رمية حرة في كرة السلة)؛ حيث ترتبط مدة التثبيت الأطول والأكثر ثباتاً بأداء حركي استثنائي ناتج عن برمجة حركية دقيقة في القشرة الدماغية قبل التنفيذ.
كما يعاني الرياضيون في المواقف الحرجة من ظاهرة «الاختناق تحت الضغط» (Choking Under Pressure). تفسر «نظرية إعادة الاستثمار المعرفي» (Reinvestment Theory) التي طورها ماسترز (Masters, 1992) هذه الظاهرة بأنها انتكاسة انتباهية؛ حيث يدفع الخوف من الفشل الرياضي إلى نقل بؤرة الانتباه من النمط التلقائي الخارجي إلى النمط الداخلي الصارم، محاولاً التحكم الواعي في مهارات تم ترويضها لتصبح آلية، مما يفكك السلاسل الحركية المنسابة ويؤدي إلى أخطاء فادحة.
لذلك، تعتمد التدخلات النفسية الرياضية الحديثة على إعادة هيكلة البؤرة الانتباهية؛ حيث يتم تدريب الرياضي على تثبيت تركيزه على إشارات محددة، مثل ملمس الأداة، أو صوت التنفس الإيقاعي، أو موضع المساحة الفارغة في الملعب، مع توظيف الحديث الذاتي التعليمي والتوجيهي لضبط اتجاه بؤرة الانتباه وتجنب استنزاف الموارد في مشاعر الشك أو ترقب النتيجة قبل الأوان.
الاضطرابات النفسية وتصدع البؤرة الانتباهية
لا تنفصل دراسة التركيز الانتباهي عن السيكوباثولوجيا؛ إذ يعد اختلال السيطرة الانتباهية قاسمًا مشتركًا لأطياف واسعة من الاضطرابات النفسية والوجدانية والعصبية المعرفية. في اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، لا يكمن الخلل في الغياب التام للانتباه، بل في عجز شبكة التحكم التنفيذي عن كبح المشتتات والتحكم في إطلاق بؤرة التركيز وتوجيهها؛ وقد يختبر المصابون به حالة «التركيز المفرط» (Hyperfocus) غير التكيفي على موضوعات ذات جاذبية عالية مع عجز عن تحويل التركيز نحو المهام الواجبة.
وفي اضطرابات القلق، مثل اضطراب الهلع والقلق العام واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، يعاني المرضى من «التحيز الانتباهي للتهديد» (Attentional Bias towards Threat)؛ حيث يُظهر الجهاز العصبي حالة من اليقظة المفرطة، وتكون البؤرة الانتباهية أسيرة المسح البيئي المستمر لرصد أي إشارة خطر محتملة، مما يؤدي إلى استنزاف حاد في الطاقة المعرفية وتشويه الإدراك الموضوعي للأمان.
أما في اضطراب الاكتئاب الجسيم، فإن التركيز الانتباهي ينغلق في حلقة مفرغة من «الاجترار العقلي الداخلي» (Depressive Rumination). تصبح بؤرة الانتباه داخلية ضيقة، وتتجه حصراً نحو الأفكار المتعلقة بالذنب، والنقص، واليأس، والمشاعر السلبية، مع صعوبة شديدة في فك الارتباط (Disengagement) بهذه المثيرات الداخلية، وهو ما يتطابق عصبياً مع فرط نشاط «شبكة الوضع الافتراضي» (Default Mode Network – DMN) وفشلها في إفساح المجال لشبكة المهام الإيجابية المعنية بالتفاعل مع العالم الخارجي.
الاستراتيجيات والتدخلات لضبط وتطوير التركيز الانتباهي
نظراً لأن المرونة المعرفية وقوة التركيز ليست سمات جينية غير قابلة للتغيير، فقد طُوّرت ترسانة واسعة من التدخلات القائمة على الأدلة العلمية لتدريب وتعديل البؤرة الانتباهية، مستفيدة من مبدأ المرونة العصبية (Neuroplasticity):
- ممارسات التيقظ الذهني (Mindfulness Meditation): تدرب تمارين التأمل القائم على الانتباه الواسع (Open Monitoring) والتركيز البؤري (Focused Attention) الفرد على مراقبة تدفق المثيرات وتثبيت الانتباه على مرساة حسية كالتنفس. أثبتت الدراسات أن الممارسة المنتظمة تزيد من سمك القشرة الجبهية الحزامية وتحسن الاتصال الوظيفي لشبكات الانتباه التنفيذي وتقلل نشاط شبكة الوضع الافتراضي المسؤولة عن شرود الذهن.
- تقنية التدريب الانتباهي (Attention Training Technique – ATT): صاغها أدريان ويلز (Adrian Wells) ضمن إطار العلاج الماوراء معرفي (Metacognitive Therapy)، وتعتمد على تمارين استماع سمعية منظمة تتطلب من المريض تركيز انتباهه على أصوات متزامنة، ثم التبديل السريع بينها، وأخيراً توسيع نطاق الاستماع ليشمل جميع الأصوات معاً، مما يعيد بناء السيطرة الإرادية ويقلل التمركز المفرط حول الذات.
- تعديل التحيز الانتباهي (Attentional Bias Modification – ABM): بروتوكولات حاسوبية تعتمد على نماذج مثل مهمة مجس النقطة (Dot-Probe Task)، وتهدف إلى إعادة تدريب الدماغ لا شعورياً على تجنب المثيرات التهديدية أو الحزينة وتوجيه بؤرة التركيز بدلاً من ذلك نحو المثيرات المحايدة أو الإيجابية، وهي تقنية ذات فاعلية واعدة في علاج الرهاب الاجتماعي والقلق العام.
- التغذية الراجعة العصبية (Neurofeedback): توظيف التخطيط الدماغي لقياس الموجات الدماغية في الوقت الحقيقي (مثل خفض موجات ثيتا وزيادة موجات بيتا في القشرة الجبهية) لمساعدة الأفراد المصابين باضطرابات التركيز على تعلم كيفية الوصول ذاتياً إلى الحالات الدماغية المرتبطة بأقصى درجات التركيز والانتباه والاحتفاظ بها.
خاتمة وتقييم آفاق البحث المستقبلي
يقف مفهوم التركيز الانتباهي عند تقاطع حاسم بين علم النفس المعرفي، والعلوم العصبية، والعلوم الحركية، وعلم النفس الإكلينيكي. لقد أثبتت عقود من البحث التجريبي أن كفاءة توجيه هذا المورد المحدود ليست فقط معياراً للتفوق الرياضي أو التحصيل الأكاديمي، بل هي صمام أمان للصحة النفسية والاستقرار الانفعالي؛ حيث يحدد اتجاه وطبيعة بؤرة الانتباه ماهية الواقع النفسي الذي يعيشه الفرد لحظة بلحظة.
تتجه آفاق البحث المستقبلي نحو فك شفرات التفاعل بين البيئات الرقمية فائقة التحفيز والقدرة البشرية على الاستقرار الانتباهي، بالإضافة إلى تطوير واجهات الدماغ والحاسوب (BCIs) القادرة على رصد تشتت البؤرة الانتباهية وتصحيحها لحظياً في بيئات العمل المعقدة، مثل قيادة الطائرات والعمليات الجراحية الدقيقة. إن تعميق فهمنا للتركيز الانتباهي يظل المدخل الأهم لتمكين الإنسان من استعادة السيطرة على وعيه في عالم يتنافس بضراوة على الاستحواذ على كل جزء من انتباهه.
المراجع
- Baddeley, A. (2000). The episodic buffer: A new component of working memory?. Trends in Cognitive Sciences, 4(11), 417-423.
- Broadbent, D. E. (1958). Perception and communication. Pergamon Press.
- Corbetta, M., & Shulman, G. L. (2002). Control of goal-directed and stimulus-driven attention in the brain. Nature Reviews Neuroscience, 3(3), 201-215.
- Eysenck, M. W., Derakshan, N., Santos, R., & Calvo, M. G. (2007). Anxiety and cognitive performance: Attentional control theory. Emotion, 7(2), 336-353.
- James, W. (1890). The principles of psychology. Henry Holt and Company.
- Kahneman, D. (1973). Attention and effort. Prentice-Hall.
- Masters, R. S. (1992). Knowledge, knerves and know-how: The role of explicit versus implicit knowledge in the breakdown of a complex motor skill under pressure. British Journal of Psychology, 83(3), 343-358.
- Nideffer, R. M. (1976). The inner athlete: Mind over muscle in sport. Thomas Y. Crowell Company.
- Posner, M. I., & Petersen, S. E. (1990). The attention system of the human brain. Annual Review of Neuroscience, 13(1), 25-42.
- Treisman, A. M. (1964). Selective attention in man. British Medical Bulletin, 20(1), 12-16.
- Wells, A. (2000). Emotional disorders and metacognition: Innovative cognitive therapy. John Wiley & Sons.
- Wulf, G. (2013). Attentional focus and motor learning: A review of 15 years. International Review of Sport and Exercise Psychology, 6(1), 77-104.