الصرع والاضطرابات العصبيةالفسيولوجيا الكهربيةعلم النفس العصبي

النوبة السمعية المنشأ: التأصيل المفاهيمي والآليات العصبية الحيوية

تعد النوبة السمعية المنشأ نموذجاً عصبياً فريداً للصرع الانعكاسي، حيث تستثير الأصوات الحادة تفريغات تشنجية تنطلق من الأكيمة السفلية، كاشفة عن آليات الخلل المشبكي الحسي والحركي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 28 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 28 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تمثل النوبات السمعية المنشأ واحدة من أكثر الظواهر العصبية إثارة للاهتمام في مجالات علم النفس العصبي والفسيولوجيا الكهربية، حيث تقدم نموذجاً تجريبياً حاسماً لفهم التفاعل المعقد بين الإدراك الحسي وفرط الاستثارة القشرية وتحت القشرية. تشير هذه النوبات إلى استجابات تشنجية انعكاسية حادة تنجم بشكل مباشر عن التعرض لمحفزات صوتية شديدة أو ترددات نغمية متباينة تعجز الشبكات العصبية عن تثبيطها. يتيح التقصي الأكاديمي لهذه الظاهرة إضاءة فريدة على آليات الصرع الانعكاسي، فضلاً عن تقديم رؤى بالغة الأهمية حول ديناميكيات معالجة المنبهات السمعية، والمسارات الجينية الكامنة وراء القابلية للصرع والاضطرابات السلوكية المرتبطة به.

التعريف المعجمي والتأصيل المفاهيمي للنوبات السمعية

تُعرّف النوبة السمعية المنشأ (Audiogenic Seizure) في المعاجم الطبية والنفسية المتخصصة بوصفها نمطاً من أنماط الصرع الانعكاسي (Reflex Epilepsy)، حيث يؤدي منبه حسي نوعي، وهو الصوت عالي الشدة أو التردد الحاد، إلى إطلاق نشاط تفريغي عصبي غير طبيعي ومفرط التزامن في الجهاز العصبي المركزي. تاريخياً، وُظف هذا المصطلح في سياق الأبحاث السلوكية والفسيولوجية للإشارة إلى التشنجات التي تصيب سلالات معينة من القوارض ذات الاستعداد الوراثي عند تعريضها لأجراس رنانة أو أصوات صفير نفاذة تتجاوز عتبات شدة معينة، عادة ما تتراوح بين ثمانين إلى مئة وعشرين ديسيبل. بيد أن المفهوم توسع في الممارسات الإكلينيكية المعاصرة ليشمل طيفاً من التفاعلات النوبية لدى البشر التي تستثيرها مدخلات سمعية غير متوقعة أو معقدة إدراكياً.

يرتكز التأصيل المفاهيمي لهذه النوبات على اختلال التوازن الدقيق بين آليات الإثارة والتثبيط المشبكي داخل جذع الدماغ والقشرة المخية. في الحالات الطبيعية، يمتلك الدماغ البشري والحيواني آليات تصفية وتنظيم حسية دقيقة تُعرف باسم البوابات الحسية (Sensory Gating)، والتي تعمل على كبح الاستجابات الحركية المفرطة للمحفزات الصوتية الفجائية. ومع ذلك، في النوبات السمعية المنشأ، تنهار هذه البوابات كلياً، مما يقود إلى تضخيم الإشارة الصوتية الواردة وتحويلها من مجرد نبضة حسية إلى شحنة كهربائية صرعية تجتاح البنى تحت القشرية ثم تمتد إلى القشرة الحركية.

تُصنف هذه النوبات أيضاً ضمن الاضطرابات النفس-عصبية الحركية نظراً للتداخل الوثيق بين ردود الفعل الانفعالية التوترية، مثل الذعر الحركي الفجائي، وبين المظاهر التشنجية التيبسية-الارتعاشية اللاحقة. إن فهم هذه النوبة يتطلب النظر إليها ليس فقط كخلل كهربائي بحت، بل كنتاج لتكامل معيب بين المنظومة السمعية المحيطية والشبكات الانفعالية والحركية المركزية، مما يجعلها موضوعاً غنياً للدراسة في الفلسفة العصبية ونظريات الاستثارة الحسية المتطرفة.

التطور التاريخي والمسار الاستكشافي للظاهرة

تعود الجذور الأولى لاستكشاف النوبات السمعية المنشأ إلى أوائل القرن العشرين، وتحديداً في سياق الدراسات الفسيولوجية الروسية التي انطلقت من مختبرات إيفان بافلوف وتلاميذه أثناء فحص المنعكسات الشرطية وحدود التحمل العصبي لدى الحيوانات. في ثلاثينيات القرن المنصرم، لاحظ الباحثون أن بعض الفئران والجرذان أظهرت سلوكاً غير مألوف يتسم بالجري الهستيري يتبعه شلل وتشنج عندما تعرضت لأصوات احتكاك المفاتيح أو رنين الأجراس الكهربائية، وهو ما سُمي آنذاك بالعصاب التجريبي أو الهستيريا الصوتية. فتحت هذه الملاحظات الباب أمام توصيف علمي ممنهج يربط بين المنبه السمعي الصرف والاستجابة الحركية الصرعية الصريحة.

في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، أسهمت أبحاث علماء مثل كروشينسكي (Krushinsky) في الاتحاد السوفيتي، وميلدريد مورغان وزملاؤها في الغرب، في عزل السلالات الحساسة وراثياً للصوت، مما قاد إلى تأسيس خطوط سلالية نقية مثل سلالة فئران DBA/2 وجرذان Krushinsky-Molodkina. أثبتت هذه التجارب المبكرة أن النوبة السمعية المنشأ ليست سلوكاً عشوائياً، بل تخضع لنمط وراثي متسق، وتتكرر بمراحل حركية قابلة للتنبؤ بدقة مجهرية. تحولت هذه النماذج سريعاً إلى أدوات معيارية لاختبار مضادات الاختلاج وتطوير الأدوية العصبية التي تهدف إلى السيطرة على الصرع المعمم.

مع تطور تقنيات التخطيط الكهربائي للدماغ (EEG) في النصف الثاني من القرن العشرين، انتقل الاهتمام من مجرد التوصيف السلوكي المظهري إلى التحليل الفسيولوجي الدقيق لمسارات النشاط العصبي داخل جذع الدماغ. أظهرت التسجيلات أن النوبات لا تنشأ من القشرة المخية كما كان يُعتقد في النوبات الصرعية التقليدية، بل تتولد في مستويات أدنى، وتحديداً في النواة المركزية للأكيمة السفلية. هذا الاكتشاف التاريخي غير جذرياً الفهم السائد لبؤر الصرع، وأسس لمفهوم “الصرع تحت القشري” الذي تتفرع منه الاستجابات الحركية دون الحاجة إلى تورط أولي للقشرة الحديثة.

الآليات العصبية الحيوية والمسارات التشريحية

يرتكز المسار التشريحي للنوبة السمعية المنشأ على سلسلة من المحطات السمعية والحركية المترابطة داخل جذع الدماغ. تبدأ الإشارة بالتقاط الترددات الصوتية بواسطة القوقعة، حيث تنتقل النبضات عبر العصب القحفي الثامن إلى النواة القوقعية (Cochlear Nucleus)، ثم تتصاعد عبر الجسم شبه المنحرف وشريط الفتيل الوحشي (Lateral Lemniscus) لتصل إلى المحطة المركزية الحاسمة: الأكيمة السفلية (Inferior Colliculus). تُعد الأكيمة السفلية المنظم الرئيسي ومولد التفريغ الأولي للنوبة؛ حيث وُجد أن أي فرط نشاط عصبوني أو تنبيه كيميائي بمحفزات الغلوتامات داخل نواتها المركزية يكفي لإحداث نوبة سمعية مكتملة حتى في غياب المنبه الصوتي الخارجي.

من الأكيمة السفلية، تنتشر الشحنات الكهربائية الصرعية باتجاهين رئيسيين؛ الأول تصاعدي يغذي الأكيمة العلوية (Superior Colliculus) والمهاد الحسي، والثاني تنازلي يتجه نحو الشبكة الشبكية الجسرية (Pontine Reticular Formation) ونواة الرفاء. تلعب الأكيمة العلوية، ولا سيما طبقاتها العميقة، دور الوسيط الحركي الذي يحول النشاط السمعي المضطرب إلى سلوك حركي هائج يتجلى في مرحلة الجري الجنوني. يؤدي التنشيط المتزامن للمسارات الشوكية الشبكية إلى تفعيل العصبونات الحركية في النخاع الشوكي، مما يفسر التحول المفاجئ من الإدراك السمعي إلى الحركات الارتجاجية العنيفة.

على المستوى الكيميائي العصبي، تتمحور النوبة حول قصور جوهري في الناقل العصبي التثبيطي الرئيسي، حمض الغاما-أمينوبيوتيريك (GABA)، مقترناً بفرط فعالية النواقل الاستثارية كالغلوتامات والأسبارتات. أظهرت الفحوصات الكيموحيوية انخفاضاً حاداً في كثافة مستقبلات GABA-A وحساسيتها داخل النواة المركزية للأكيمة السفلية في السلالات المعرضة للنوبات. هذا القصور التثبيطي يحرم الدماغ من قدرته على احتواء الإشارات الصوتية عالية الشدة، مما يؤدي إلى تراكم متسارع للاستثارة، وانفتاح واسع لقنوات الكالسيوم المعتمدة على الجهد ومستقبلات NMDA، الأمر الذي يطلق موجة تفريغ كهربي عارمة تعم المراكز الحركية في جذع الدماغ.

المراحل السلوكية والتظاهرات الإكلينيكية للنوبة

تتميز النوبة السمعية المنشأ بمسار زمني وسلوكي مقنن للغاية يتألف من مراحل متمايزة يمكن رصدها بدقة إكلينيكية ومخبرية. تبدأ النوبة بما يُعرف بمرحلة الكمون الحسي (Latent Phase)، وهي فترة وجيزة تستمر لعدة ثوانٍ عقب بدء المنبه الصوتي، يبدو فيها الكائن في حالة تجمد وانتباه مفرط مصحوب بانتصاب الأذنين واتساع حدقة العين، مما يعكس نشاطاً مكثفاً داخل المسارات السمعية اللمفية في محاولة لمعالجة الدفق الحسي الكثيف.

يعقب مرحلة الكمون الانفجار السلوكي المعروف باسم مرحلة الجري الهستيري أو البري (Wild Running Phase). في هذه المرحلة، يندفع الكائن فجأة في حركات عدو دائرية أو خطية عشوائية وفائقة السرعة، متخبطاً بالحواجز المحيطة به دون أي هدف تكيفي أو توجيه بصري واضح. يعكس هذا السلوك تنشيطاً فوضوياً للمولدات النمطية المركزية (Central Pattern Generators) في الدماغ المتوسط وتشكيلات جذع الدماغ الحركية، ويمثل الانتقال الحاسم من مجرد إدراك حسي مشوه إلى تفريغ صرعي حركي كامل.

تتطور النوبة سريعاً إلى الطور التشنجي الصريح، والذي ينقسم إلى مرحلتين أساسيتين:

  • المرحلة التيبسية (Tonic Phase): وتتميز بانقباض عضلي مستمر ومتصل يؤدي إلى تمدد الأطراف الأربعة إلى الخلف وتصلب الجذع وانقطاع التنفس المؤقت، حيث تسود حالة من التوتر العضلي الهائل نتيجة التنشيط الأقصى للمسارات الحركية النازلة.
  • المرحلة الارتعاشية (Clonic Phase): تلي الطور التيبسي، وتتسم بحركات نفضية وارتجاجية إيقاعية عنيفة تشمل الأطراف والفكين، ناجمة عن التناوب السريع بين التفريغات العصبية الاستثارية والمحاولات الدماغية التثبيطية الفاشلة لاستعادة التوازن.
  • مرحلة ما بعد النوبة والوهن الكلي (Post-ictal Depression): تنتهي الحركات التشنجية بدخول الكائن في حالة عميقة من السكون وانعدام الاستجابة، مصحوبة بانخفاض في ضغط الدم وبطء التنفس، وتستمر لعدة دقائق قبل أن يستعيد وعيه تدريجياً مع وجود علامات إنهاك حركي وارتباك حسي ملحوظين.

النماذج الحيوانية والوراثة الجزيئية

تعتبر النماذج الحيوانية للنوبات السمعية المنشأ حجر الزاوية الذي بنيت عليه معظم المعارف المتعلقة بعلم الوراثة الصرعية وقنوات الأيونات. تُعد سلالات الفئران مثل DBA/2 و129/Sv، وسلالات الجرذان مثل WAR (Wistar Audiogenic Rats) وجرذان Krushinsky-Molodkina، من النماذج الكلاسيكية التي طُورت عبر أجيال من الانتقاء الجيني المركز. تتميز هذه السلالات بقابلية شبه مطلقة للإصابة بالنوبات عند التعرض لترددات صوتية حرجة، مما جعلها أداة فريدة لدراسة الآليات الوراثية متعددة الجينات المعقدة.

كشفت الدراسات الجينية الحديثة أن الحساسية للصوت ترتبط بطفرات متزامنة في جينات مسؤولة عن تشفير قنوات البوتاسيوم والصوديوم المعتمدة على الجهد، فضلاً عن الجينات المسؤولة عن سلامة المشابك العصبية التثبيطية. على سبيل المثال، تم تحديد دور جين Kcnq2 وScn1a في تعديل عتبة الاستثارة العصبية داخل الجهاز السمعي، حيث تؤدي الطفرات التي تقلل من نشاط قنوات البوتاسيوم إلى إبقاء أغشية الخلايا العصبية في حالة زوال استقطاب مستمر، مما يجعلها تستجيب للمحفزات الصوتية العادية بتفريغات نوبية هائلة.

علاوة على ذلك، ساهم نموذج جرذان WAR في كشف العلاقة الجينية بين القابلية للصرع والاضطرابات السلوكية الوجدانية؛ حيث تظهر هذه الحيوانات مستويات مرتفعة وراثياً من القلق واضطرابات السلوك الدفاعي حتى في حال عدم تحفيز النوبات، مما يثبت وجود بنية وراثية مشتركة تجمع بين الهشاشة الصرعية الحركية وبين اضطرابات المعالجة الانفعالية في الجهاز الحوفي.

النوبات السمعية المنشأ لدى البشر: صرع المنعكسات والصرع الموسيقي

على الرغم من أن معظم الأدبيات التفصيلية تنطلق من أبحاث النماذج الحيوانية، إلا أن النوبات السمعية المنشأ تشكل ظاهرة سريرية حقيقية وذات أبعاد نفسية عميقة لدى البشر تندرج تحت مظلة متلازمات الصرع الانعكاسي السمعي. عند الإنسان، تتباين التظاهرات السريرية بين ما يُعرف بـ “صرع الإجفال” (Startle Epilepsy) الناجم عن أصوات مدوية غير متوقعة تؤدي إلى تشنج سقوطي حاد وسريع، وبين النمط الأكثر تعقيداً المعروف طبياً باسم الصرع الموسيقي (Musicogenic Epilepsy).

يعد الصرع الموسيقي ظاهرة طبية-نفسية نادرة وفريدة من نوعها؛ حيث لا تُستثار النوبة بمجرد الشدة الفيزيائية للصوت (الديسيبل)، بل بالمعنى الإدراكي والوجداني والتركيبي للمقطوعة الموسيقية. في هذه الحالات، تؤدي أنماط لحنية محددة، أو آلات موسيقية معينة، أو حتى تجارب استماع ذات حمولة عاطفية شخصية مكثفة، إلى إثارة تفريغات صرعية بؤرية تنشأ غالباً من الفص الصدغي الإنسي أو القشرة السمعية الترابطية في الفص الصدغي الجانبي، وتترافق مع أعراض وجدانية مثل الخوف الشديد، أو الانتشاء، أو الهلاوس السمعية المركبة قبل أن تتعمم النوبة حركياً.

يواجه المرضى المصابون بهذه المتلازمات تحديات نفسية واجتماعية هائلة تتجاوز العبء الجسدي للمرض. إذ يدخل المصاب في دوامة من الرهاب الاستباقي (Anticipatory Anxiety) وتجنب الأماكن العامة، أو الحفلات، أو البيئات الحضرية التي قد تصدر أصواتاً فجائية، مما يؤدي إلى العزلة الاجتماعية الشديدة والاضطرابات الاكتئابية الثانوية. يتطلب التشخيص السريري هنا استخدام التخطيط الكهربائي الدماغي المتزامن مع الفيديو (Video-EEG) والفحص بالرنين المغناطيسي الوظيفي لتحديد الشبكات العصبية القشرية والتحت-قشرية المنخرطة في هذا الاستجابة غير السوية.

التقاطعات النفسية والعصبية والسلوكية

تتقاطع النوبات السمعية المنشأ بشكل جوهري مع مجالات علم النفس الفسيولوجي ونظريات المعالجة الحسية، وخاصة مفهوم كبت التحفيز المسبق والتصفية الحسية (Sensory Gating). أظهرت الدراسات النفس-عصبية أن الأفراد والكائنات المعرضة لهذه النوبات يمتلكون عجزاً كبيراً في منعكس الكبت الحسي الأولي (Prepulse Inhibition – PPI)، وهي الآلية العصبية التلقائية التي يُفترض أن تثبط الاستجابة الحركية لمنبه عنيف إذا سبقه منبه ضعيف. هذا العجز يمثل قاسمًا مشتركًا بين الصرع السمعي المنشأ ومتلازمات نفسية أخرى كالفصام واضطرابات طيف التوحد.

من الناحية النفسية السلوكية، يرتبط هذا النمط الصرعي بخلل في تنظيم دائرة الخوف داخل اللوزة الدماغية (Amygdala) ومحور الغدة النخامية-الكظرية (HPA Axis). عند التعرض المزمن لمحفزات صوتية مهددة، يؤدي الإفراز المفرط لهرمونات التوتر كالكورتيزول والنورأدرينالين إلى خفض عتبة الاستثارة العصبية داخل نوى الدماغ المتوسط، مما يجعل الكائن يفسر الأصوات المحايدة كتهديد داهم يتطلب رد فعل حركي دفاعي أقصى ينحرف نحو التشنج الصرعي.

تتجلى هذه التقاطعات السلوكية في التجارب المخبرية عبر تفاعلات الهرب والذعر الشديد؛ حيث لا تمثل مرحلة الجري البري في بدايتها مجرد حركة عشوائية ميكانيكية، بل هي تظاهرة لانفجار سلوك الهروب الفطري الناتج عن فرط نشاط المادة الرمادية المركزية (Periaqueductal Gray) والأكيمة العلوية، مما يبرز التداخل الوثيق بين الآليات العصبية المولدة للانفعال الحاد وتلك المولدة للنوبة التشنجية.

الاستجابة الدوائية والآفاق العلاجية المعاصرة

شكلت النوبات السمعية المنشأ ركيزة أساسية في الفحص ما قبل السريري لمضادات الصرع الحديثة على مدار عقود. تستجيب هذه النوبات بنجاح للأدوية التي تعزز الفعالية التثبيطية للـ GABA، مثل الباربيتورات والبنزوديازيبينات، بالإضافة إلى الأدوية التي تثبط قنوات الصوديوم المعتمدة على الجهد كالكاربامازيبين والفينيتوين، مما يعكس فعاليتها في كبح الاستثارة المنتشرة عبر جذع الدماغ.

في المقابل، فتحت الاكتشافات الحديثة في البيولوجيا الجزيئية آفاقاً علاجية مبتكرة تتجاوز مجرد كبت الأعراض الظاهرية، وذلك من خلال استهداف مستقبلات محددة بدقة جزيئية:

  • معدلات مستقبلات الغلوتامات الأيضية (mGluRs): أظهرت المركبات التي تثبط مستقبلات mGluR1 وmGluR5 قدرة ملحوظة على حماية الحيوانات من التشنجات السمعية عبر تقليص فرط الاستثارة المشبكية في الأكيمة السفلية.
  • العلاج الجيني وقنوات الأيونات: تركز الأبحاث المعاصرة على استخدام النواقل الفيروسية الغدية المرتبطة (AAV) لإعادة التعبير الجيني الطبيعي لقنوات البوتاسيوم ومستقبلات GABA-A داخل النوى السمعية في جذع الدماغ، مما يعد بعلاج جذري دائم للسلالات المعرضة صبغياً.
  • التعديل العصبي بالتحفيز العميق (Deep Brain Stimulation – DBS): تبرز تقنيات التحفيز الكهربائي الموجه لنواة الأكيمة السفلية أو المادة السوداء الشبكية كخيار واعد للحالات المستعصية دوائياً، حيث يعمل التحفيز عالي التردد على مقاطعة التيارات التفريغية غير المتزامنة وإعادة فرض النمط التثبيطي الطبيعي.

خاتمة وتلخيص تكاملي

تظل النوبة السمعية المنشأ نموذجاً فسيولوجياً وسريرياً بالغ الأهمية يكشف التداخل المعقد بين الأنظمة الحسية المحيطية والدوائر العصبية الحركية في الدماغ. من خلال مسارها الفريد الذي ينطلق من النواة المركزية للأكيمة السفلية وصولاً إلى التظاهرات التشنجية الشاملة، تقدم هذه النوبات درساً حيوياً حول هشاشة التوازن المشبكي بين الإثارة والتثبيط، وتوضح كيف يمكن لإشارة حسية صوتية أن تتحول إلى اضطراب عصبي حركي عنيف في ظل وجود بيئة وراثية مهيأة. إن التطبيقات المستمرة المستمدة من دراسة هذه الظاهرة لا تسهم فقط في تطوير أدوية جديدة للصرع المقاوم، بل تعمق فهمنا لآليات التصفية الحسية والتقاطعات النفس-عصبية التي تكمن وراء سلوكيات الذعر ومعالجة الضغوط، مؤكدة على الوحدة الوظيفية التي تجمع بين الإدراك الحسي، والانفعال، والحركة في الجهاز العصبي المركزي.

المراجع

  • Faingold, C. L. (1999). Neuronal networks in the genetically epilepsy-prone rat. Epilepsy Research, 37(3), 203–221.
  • Garcia-Cairasco, N., Doretto, M. C., Prado, R. P., Jorge, B. R., Terra, V. C., & Oliveira, J. A. (1996). New insights into behavioral evaluation of audiogenic seizures in Wistar Audiogenic Rats (WAR strain). Physiology & Behavior, 60(3), 985–992.
  • Jobe, P. C., Mishra, P. K., Ludvig, N., & Dailey, J. W. (1994). Scope and limits of the genetically epilepsy-prone rat (GEPR) model of audiogenic seizures. Epilepsy Research, 17(1), 1–19.
  • Marescaux, C., Vergnes, M., & Depaulis, A. (1992). Genetic absence epilepsy in rats from Strasbourg (GAERS): A model for absence seizures. Journal of Neural Transmission, 35, 37–69.
  • Maguire, M. (2015). Musicogenic epilepsy. In Reflex Epilepsies: Progress in Research (pp. 171–178). Springer.
  • Ross, D. L., & Coleman, R. E. (2000). Developmental aspects of audiogenic seizure susceptibility. Brain Research Reviews, 32(1), 242–251.
  • Simler, S., Vergnes, M., & Marescaux, C. (1999). Audiogenic seizures: Anatomical and neurochemical substrates. Cellular and Molecular Neurobiology, 19(5), 629–644.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 28). النوبة السمعية المنشأ: التأصيل المفاهيمي والآليات العصبية الحيوية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/audiogenic-seizure/
looti, Mohammed. “النوبة السمعية المنشأ: التأصيل المفاهيمي والآليات العصبية الحيوية.” عرب سايكلوجي, 28 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/audiogenic-seizure/.
looti, Mohammed. “النوبة السمعية المنشأ: التأصيل المفاهيمي والآليات العصبية الحيوية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 28, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/audiogenic-seizure/.