تُعد الشخصية التسلطية (Authoritarian Personality) واحدة من أبرز البنى النظرية والمفاهيمية التي صاغها علم النفس الاجتماعي والسياسي في منتصف القرن العشرين لفهم الأسباب العميقة الكامنة وراء صعود الأنظمة الشمولية وقابلية الجماهير للخضوع والانقياد الأعمى. تنطلق هذه المقاربة من فرضية جوهرية مؤداها أن الاستبداد والتعصب ليسا مجرد نتاج لظروف اقتصادية وسياسية عابرة فحسب، بل يستندان إلى بنية نفسية ودينامية شخصية تشكلت عبر مسارات تنشئة أسرية واجتماعية صارمة ومحددة. يتجلى هذا النمط من الشخصية في مزيج معقد من الانصياع المفرط للسلطة القائمة، والعدوانية الشديدة الموجهة ضد الجماعات الهامشية أو الخارجة عن المألوف، والتمسك الحرفي بالتقاليد والمعايير الاجتماعية السائدة.
مدخل نظري ومفهومي إلى الشخصية التسلطية
يمثل مفهوم الشخصية التسلطية نموذجاً فريداً لتلاقي التحليل النفسي الفرويدي مع علم الاجتماع النقدي، حيث سعى الباحثون إلى الإجابة عن تساؤل مركزي: لماذا يقبل أفراد عقلانيون التنازل عن حرياتهم الفردية ودعم أنظمة قمعية تنتهك حقوقهم وحقوق غيرهم؟ لا يقتصر توصيف هذه الشخصية على ميل سلوكي سطحي، بل يمتد ليشمل تنظيماً بنيوياً عميقاً في الشخصية يوجه الإدراك، والعواطف، والمواقف السياسية والاجتماعية للفرد بطريقة نمطية ومتبلدة. يتميز الفرد التسلطي بعدم قدرته على تحمل الغموض والتعقيد المعرفي، مما يدفعه إلى تبني رؤية ثنائية متطرفة للعالم قائمة على ثنائية (الخير المطلق والشر المطلق) أو (القوة والضعف).
إن الركيزة الأساسية لهذا المفهوم تكمن في افتراض أن الاتجاهات الأيديولوجية ليست مجرد أفكار مجردة يكتسبها المرء عبر التلقين العقلاني، بل هي تعبيرات رمزية عن حاجات نفسية دفينة وصراعات داخلية لم تُحل. يعاني الفرد ذو الشخصية التسلطية من ضعف بنيوي في الأنا (Ego)، الأمر الذي يجعله عاجزاً عن التوسط الفعال بين النزوات الغريزية الفطرية ومطالب الأنا العليا (Superego) الصارمة. ونتيجة لذلك، يتم إسقاط هذه التوترات الداخلية غير المحتملة نحو العالم الخارجي في صورة أحكام مسبقة، ونبذ للأقليات، وتعظيم لا مشروط للرموز السياسية ذات النزعة الأبوية القوية.
وقد أفضت الأبحاث المستمرة في هذا المجال إلى إثبات أن النزوع التسلطي لا يرتبط بالضرورة بمستوى ذكاء الفرد أو طبقته الاجتماعية بشكل حصري، بل هو متصل بأسلوب التفكير (Cognitive Style) ودرجة المرونة النفسية. فالشخصية التسلطية تميل دوماً إلى الجمود المعرفي، والاعتماد المفرط على القوالب النمطية الجاهزة، ورفض التفكير النقدي التأملي الذي قد يهدد التوازن الهش لأمنها النفسي الداخلي.
الجذور التاريخية والسياق الفكري لنظرية الشخصية التسلطية
نشأت نظرية الشخصية التسلطية في خضم الصدمة الأخلاقية والسياسية التي أحدثتها الحرب العالمية الثانية وصعود الفاشية والنازية وما تلاها من جرائم إبادة جماعية. شكلت هذه الأحداث الكارثية تحدياً جذرياً لفلسفة التنوير التي افترضت أن التقدم العلمي والتعليم كفيلان بالقضاء على البربرية والتعصب البشري. وفي هذا السياق المأساوي، تضافرت جهود نخبة من الباحثين الذين هاجروا من ألمانيا النازية إلى الولايات المتحدة للبحث عن العوامل السيكولوجية العميقة التي جعلت ملايين المواطنين العاديين يتواطؤون مع آلة القمع الوحشية.
كانت الشرارة الأولى لهذا المشروع الفكري قد بدأت مع أبحاث معهد الأبحاث الاجتماعية المعروف تاريخياً باسم مدرسة فرانكفورت خلال ثلاثينيات القرن العشرين. فقد دشن علماء بارزون مثل ماكس هوركهايمر، وإريش فروم، وتيودور أدورنو دراسات رائدة حول العلاقة الجدلية بين بنية الأسرة البطريركية وإعادة إنتاج الخضوع في المجتمعات الصناعية الحديثة. وقد بلور إريش فروم هذا التوجه في كتابه التاريخي “الهروب من الحرية” (Escape from Freedom)، مبيناً أن عجز الإنسان المعاصر عن تحمل الوحدة والقلق الناتجين عن الفردانية دفعه للارتماء في أحضان السلطوية بحثاً عن الأمان المفقود.
توجت هذه المسيرة في مطلع خمسينيات القرن الماضي بصدور العمل الأكاديمي الموسوعي والمعياري المعنون بـ الشخصية التسلطية (The Authoritarian Personality) عام 1950، والذي أعده الفيلسوف وعالم الاجتماع تيودور أدورنو بالتعاون مع علماء النفس إلسي فرينكل-برونزفيك، ودانييل ليفينسون، ونيفينت سانفورد في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. جمع هذا العمل الضخم بين المسوح الاستقصائية الكمية الميدانية والمقابلات الإكلينيكية المعمقة واختبارات الإسقاط النفسي، مما رسخ المفهوم كأحد أهم محاور البحث في علم النفس الاجتماعي المعاصر.
الأبعاد السيكولوجية التسعة لمقياس الفاشية (F-Scale)
لتحويل المفهوم النظري إلى أداة قياس تجريبية، طور فريق بحث بيركلي ما عُرف بمقياس النزعة الفاشية أو مقياس الفاشية (F-Scale)، والذي صُمم لقياس الميول اللاشعورية نحو الأيديولوجيا التسلطية دون الحاجة إلى توجيه أسئلة سياسية مباشرة حول الفاشية ذاتها. حدد الفريق تسعة أبعاد أو سمات فرعية مترابطة تمثل العمود الفقري للشخصية التسلطية:
- الامتثالية التقليدية (Conventionalism): الالتزام الصارم والأعمى بالقيم التقليدية للطبقة الوسطى، ورفض أي سلوك أو فكر يخرج عن الإجماع الاجتماعي السائد باعتباره انحرافاً يهدد النظام العام.
- الخضوع التسلطي (Authoritarian Submission): رغبة لاشعورية جارفة في الانصياع التام والتقديس غير النقدي لأي سلطة أخلاقية أو سياسية عليا وشرعية، مع التبرير الدائم لقرارات القادة أياً كانت قسوتها.
- العدوانية التسلطية (Authoritarian Aggression): الميل لإدانة ونبذ ومعاقبة كل من ينتهك القيم التقليدية بقسوة، حيث يجد الفرد التسلطي في إدانة الآخرين متنفساً مقبولاً اجتماعياً لتفريغ نزعاته العدوانية المكبوتة.
- معاداة الاستبطان الذاتي (Anti-intraception): رفض عميق للحياة العاطفية الذاتية والخيال والتأمل الإنساني، مع احتقار الفنون والآداب، والتركيز الحصري على الجوانب المادية الصلبة والبراغماتية الفجة، تجنباً لمواجهة الصراعات النفسية الداخلية.
- الخرافة والتفكير النمطي (Superstition and Stereotypy): الاعتقاد الراسخ في القوى الغيبية والمصير المحتوم، مع عجز إدراكي عن معالجة التباينات الفردية، مما يقود إلى اختزال البشر في قوالب نمطية جاهزة وتقسيمهم إلى فئات متمايزة بصورة قطعية.
- تمجيد القوة والصلابة (Power and “Toughness”): الهوس بتصنيف العلاقات الإنسانية بناءً على ثنائية (المسيطر والتابع، القوي والضعيف)، والتوحد النفسي مع الأقوياء واحتقار الضعفاء أو إدانتهم بدعوى افتقارهم للقوة.
- التدميرية والتشاؤم التهكمي (Destructiveness and Cynicism): تبني نظرة سلبية، عدائية، ومظلمة تجاه الطبيعة البشرية، والاعتقاد بأن العالم تحكمه شريعة الغاب وأن الدوافع الإنسانية شريرة وفاسدة بطبيعتها.
- الإسقاطية (Projectivity): الميل الدائم لإسقاط النزوات والدوافع الغريزية المحرمة والمرفوضة ذاتياً على العالم الخارجي، وتخيل وجود مؤامرات خطيرة وأعداء متربصين يهددون وجود الفرد والجماعة.
- الهوس المفرط بالجنس (Exaggerated Concern with Sexual Goings-on): الاهتمام المبالغ فيه بالتحري حول الممارسات الجنسية للآخرين، وملاحقة السلوكيات المنحرفة ظاهرياً برغبة عقابية تنبع من كبت جنسي شديد واضطراب في إدارة اللبيدو.
تعمل هذه الأبعاد التسعة كبنية دينامية متكاملة؛ حيث يؤدي كل بعد وظيفة دفاعية محددة تهدف إلى الحفاظ على التماسك الداخلي للأنا عبر إسقاط التوترات ومصادرة الحق في النقد. ومن خلال هذا التحليل، اتضح أن التسلط ليس مجرد ميل سياسي خارجي، بل هو متلازمة نفسية (Psychological Syndrome) شاملة تصبغ كل مناحي حياة الفرد وتعامله مع محيطه الأسري والمهني والاجتماعي.
التفسير التحليلي النفسي لنشأة النزوع التسلطي
استند أدورنو وزملاؤه في تفسيرهم لظهور الشخصية التسلطية إلى آليات التحليل النفسي الفرويدي، واضعين نمط التنشئة الأسرية في مرحلة الطفولة في قلب نموذجهم التفسيري. وفقاً لهذا الطرح، تنحدر الشخصية التسلطية في الغالب من بيئة أسرية تتسم بالصرامة المفرطة، والبرود العاطفي، والتراتبية الصارمة. في هذه البيئات، يفرض الوالدان طاعة مطلقة وغير مشروطة، وتُقابل أي محاولة للتمرد أو التعبير عن الاستقلالية بالعقاب الجسدي أو التهديد بالحرمان من الحب والعاطفة.
يولد هذا النمط القمعي من التربية مشاعر غضب وعدوانية مكبوتة هائلة لدى الطفل تجاه الوالدين. ونظراً لأن التعبير المباشر عن هذا العداء مستحيل بدافع الخوف من العقاب الشديد أو الرعب من فقدان الرعاية الوالدية، يلجأ الجهاز النفسي للطفل إلى استخدام حيل دفاعية لاشعورية معقدة، أبرزها الكبت (Repression) والإزاحة (Displacement). يُكبت العداء تجاه الأب المتسلط في أعماق اللاشعور، ويتحول على السطح الواعي إلى تبجيل مفرط وخضوع مطلق للأب ولسلطته بوصفه رمزاً لا يُمس.
ومع نمو الفرد وانتقاله إلى المجتمع الأوسع، يتم إزاحة الطاقة العدوانية المكبوتة والمحرمة من الرموز الأبوية الأصلية وتوجيهها نحو أهداف بديلة أكثر أماناً؛ أي نحو الجماعات الأضعف اجتماعياً، مثل الأقليات الدينية والعرقية، والمهاجرين، والمنحرفين عن الأعراف. إن كراهية الفرد التسلطي لهذه الفئات المستضعفة هي في جوهرها انعكاس مشوه ومزاح لحقده الأصلي المكبوت ضد السلطة الأبوية الباطشة، مما يوفر له تفريغاً نفسياً تطهيرياً دون الاضطرار لمواجهة مصدر القمع الحقيقي.
كما يعاني الفرد التسلطي من أنا عليا خارجية وصارمة، لم يتم استدماجها بصورة ناضجة؛ حيث لا تحركه قيم أخلاقية ذاتية تنبع من التعاطف الإنساني، بل تحركه ضوابط خارجية محضة تتحدد بما يأمر به القائد أو يفرضه القانون الصارم. هذه الهشاشة تجعل وجوده النفسي مهدداً باستمرار في حال غياب الضابط الخارجي، مما يفسر تشبثه المستميت بالقوانين الزجرية والأنظمة القضائية القاسية لإخماد مخاوفه من انهيار السيطرة الذاتية وتفجر الرغبات الدفينة الممنوعة.
إعادة الصياغة الحديثة: التسلطية اليمينية لبوب ألتماير (RWA)
على الرغم من الأثر العميق لدراسة بيركلي، إلا أنها واجهت مآزق قياسية ونظرية دفعت علماء النفس في أواخر القرن العشرين إلى إعادة صياغة المفهوم على أسس علم النفس المعرفي والاجتماعي التجريبي. ويبرز هنا الإسهام المحوري الذي قدمه عالم النفس الكندي بوب ألتماير (Bob Altemeyer) في ثمانينيات القرن الماضي من خلال تطويره لنظرية التسلطية اليمينية (Right-Wing Authoritarianism – RWA)، متجاوزاً التفسيرات التحليلية النفسية الكلاسيكية والعيوب المنهجية لمقياس الفاشية الأصلي.
أعاد ألتماير تعريف النزوع التسلطي بوصفه متغيراً في المواقف الاجتماعية (Social Attitudinal Variable) يتشكل بفعل التعلم الاجتماعي والخبرات المعرفية المتراكمة، واختزل الأبعاد التسعة المعقدة لأدورنو في ثلاثة تكتلات سلوكية وموقفية محكمة ومترابطة تجريبياً:
- الخضوع التسلطي: استعداد نفسي مرتفع للامتثال الأعمى للسلطات المعترف بها شرعياً في المجتمع، والتعامل مع توجيهاتها باعتبارها مقدسة وملزمة أخلاقياً دون مناقشة.
- العدوانية التسلطية: الجاهزية العالية لممارسة العدوان والتمييز اللفظي أو المادي ضد أفراد أو جماعات متعددة، بشرط أن يكون هذا العدوان مصرحاً به من قبل السلطات القائمة أو متوافقاً مع رغباتها.
- التقليدية: الالتزام الصارم بالأعراف والتقاليد الاجتماعية والتاريخية المقرة، والنفور الشديد من أي تجديد ثقافي أو تحرر أخلاقي قد يُنظر إليه على أنه تهديد للهوية الجمعية.
يجدر التأكيد على أن كلمة “اليمين” في مصطلح ألتماير لا تشير حصراً إلى الانتماء الحزبي أو الاقتصادي، بل تدل من الناحية السيكولوجية على الإصرار على دعم المنظومة الحاكمة القائمة والتقاليد المكرسة والامتثال لها (Rightness/Legitimacy of Authority). وقد برهنت دراسات ألتماير المقارنة على أن الأفراد الحاصلين على درجات عالية في مقياس (RWA) يُظهرون مستويات مرتفعة من التفكير المزدوج (Double Standards)، واستعداداً مذهلاً لتقبل التناقضات المنطقية، وميلاً متزايداً للموافقة على تقييد الحريات المدنية، والتجسس على المواطنين، وقمع الحركات الاحتجاجية السلمية متى ما قامت بها حكوماتهم المفضلة.
ارتبطت هذه المقاربة لاحقاً بنظرية الهيمنة الاجتماعية (Social Dominance Orientation – SDO) التي صاغها جيم سيدانيوس وفيليسيا براتو. وبينما يركز التسلطي اليميني على التهديد الأمني والخضوع لتماسك الجماعة، يسعى صاحب النزوع نحو الهيمنة الاجتماعية إلى تكريس التفاوت الطبقي والتفوق الهرمي لجماعته على باقي الجماعات؛ ليشكل التفاعل بين هذين المسارين السيكولوجيين التفسير الأكثر دقة اليوم لجذور الشعبوية، والعنصرية، والتعصب الحزبي الأعمى في المجتمعات المعاصرة.
الانتقادات المنهجية والأيديولوجية للمفهوم
واجه مشروع الشخصية التسلطية منذ نشأته موجة واسعة من الانتقادات الأكاديمية الصارمة التي تناولت أبعاده المنهجية وتوجهاته الأيديولوجية. كان من أبرز الانتقادات الفنية الموجهة لمقياس الفاشية (F-Scale) هو وقوعه في فخ “انحياز الإذعان” (Acquiescence Bias)؛ حيث صيغت جميع فقرات المقياس في اتجاه واحد إيجابي يؤيد الفكر التسلطي، مما جعل النتيجة المرتفعة قد تعبر أحياناً عن مجرد ميل المشارك للموافقة السطحية على العبارات العامة دون أن يمتلك بالضرورة بنية شخصية فاشية حقيقية، وهو ما كشف عنه لاحقاً الباحثان هايمان وشيتسلي (Hyman & Sheatsley, 1954).
من الناحية الأيديولوجية والسياسية، تعرض أدورنو ورفاقه لانتقاد لاذع يرى أنهم تعاملوا مع النزوع التسلطي بوصفه حكراً على اليمين المتطرف، وتجاهلوا كلياً إمكانية وجود تسلطية يسارية (Left-Wing Authoritarianism). وقد جادل عالم الاجتماع السياسي إدوارد شيلز (Edward Shils) بأن الهوس التسلطي، والدوغمائية، والاستعداد لسحق الخصوم، وتقديس الزعيم ليست خصائص حصرية للفاشية، بل هي متطابقة بنيوياً ونفسياً في حركات أقصى اليسار والشيوعية الستالينية. دفع هذا النقد باحثين لاحقين مثل هانز آيزنك إلى محاولة دراسة التسلط كبعد يمس أسلوب التفكير المتصلب (Tough-mindedness) بصرف النظر عن المحتوى العقائدي، يميناً كان أم يساراً.
علاوة على ذلك، اتُهمت النظرية بإغفال العوامل الاجتماعية، والسياسية، والمؤسسية المباشرة لصالح إرجاع الظواهر الكبرى إلى علم النفس الفردي (Psychologism). إذ يرى علماء الاجتماع أن تحول المجتمعات نحو الفاشية لا يتطلب بالضرورة وجود غالبية من الأفراد المرضى نفسياً أو ذوي الشخصيات التسلطية العميقة؛ بل إن الضغوط التضخمية، والهزائم العسكرية، والانهيار المؤسسي، والدعاية الإعلامية الممنهجة قادرة على دفع أفراد أسوياء ومعتدلين للانخراط في سلوكيات تسلطية ووحشية دون الحاجة إلى تاريخ أسري مضطرب، وهو ما دعمته لاحقاً دراسات التوافق والانصياع الميدانية كتجارب سولومون آش وتجربة ميلغرام الشهيرة حول الانصياع للسلطة.
تجليات الشخصية التسلطية في السلوك الاجتماعي والسياسي الحديث
على الرغم من التعديلات النظرية والجدل المنهجي المتواصل، لا يزال مفهوم الشخصية التسلطية يتمتع بقدرة تفسيرية استثنائية في تحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية الراهنة في القرن الحادي والعشرين. تتجلى سمات هذه الشخصية بوضوح في استجابة الجماهير للخطابات الشعبوية والديماغوجية التي توظف مشاعر الخوف الوجودي وتطرح حلولاً استئصالية مبسطة لمشاكل مجتمعية معقدة، متكئة على ثنائية مقدسة تفصل بين “الشعب النقي” و”النخب الخائنة” أو “الأعداء الدخلاء”.
تُظهر الدراسات السلوكية الحديثة ارتباطاً وثيقاً بين الدرجات المرتفعة على مقاييس التسلطية والميل لتبني نظريات المؤامرة المتطرفة؛ فالشخصية التسلطية تعجز عن تقبل عشوائية الأحداث التاريخية أو الاعتراف بمسؤوليتها الذاتية عن الفشل، وتبحث دوماً عن كيانات خفية وشريرة تُسقط عليها مشاعر القلق والعجز. كما يبرز هذا النزوع بوضوح في أوقات الأزمات الصحية والأوبئة أو الحروب والركود الاقتصادي، حيث ترتفع رغبة حاملي هذه السمات في فرض قيود بوليسية باطشة على الحريات، وشيطنة المعارضين، والمطالبة بإعدام الخارجين عن النسق العام دون محاكمات عادلة.
أما على الصعيد الأسري والتربوي، فإن الشخص التسلطي يعيد بشكل لا واعٍ إنتاج النمط الصارم الذي عانى منه في طفولته؛ فيمارس أساليب تنشئة قهرية تستند إلى السيطرة المطلقة على أطفاله، وقمع فضولهم المعرفي، ورفض استقلاليتهم العاطفية، مما يسهم في إعادة إنتاج الدورة الخبيثة للتسلط عبر الأجيال ونقل المرض السيكولوجي من المحيط المنزلي الصغير إلى المجال العام.
سبل القياس والتشخيص الإكلينيكي والاجتماعي
تنوعت الأدوات السيكومترية المخصصة لقياس النزعة التسلطية بتطور المدارس النفسية؛ فبعد مقياس (F-Scale) التاريخي الذي عانى من الانتقادات، أصبح مقياس التسلطية اليمينية لبوب ألتماير (Altemeyer’s RWA Scale) بنسخه المتعددة هو الأداة الأكثر موثوقية وثباتاً في البيئات البحثية والأكاديمية، لا سيما بعد تصحيح اتجاهات الأسئلة لتلافي أثر انحياز الإذعان وضمان التوازن في استجابات المبحوثين.
إلى جانب المقاييس الكمية القائمة على التقرير الذاتي (Self-Report Inventories)، تعتمد التشخيصات الإكلينيكية المعمقة على اختبارات إسقاطية متعددة، مثل اختبار بقع الحبر لـ رورشاخ (Rorschach Inkblot Test) واختبار تفهم الموضوع (TAT)، للكشف عن الصراعات الدفينة، ومستوى القلق المكبوت، ودرجة تماسك الأنا، وآليات الدفاع الموظفة كالإسقاط والإنكار. تسهم هذه الأدوات النوعية في تتبع الفجوة بين الخطاب الواعي للفرد الذي يظهر احتراما فائقا للقانون والمثل الأخلاقية، وبين دوافعه اللاشعورية المحملة بنزعات تدميرية ورغبات عدوانية غير مهذبة.
كذلك وظفت الدراسات السيكوبيولوجية الحديثة تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وتحليل الاستجابات الفسيولوجية (مثل موصلية الجلد واستجابة الجفلان)، والتي أظهرت أن الأفراد ذوي التوجهات التسلطية والدوغمائية المرتفعة يمتلكون نشاطاً عصبياً أكثر حساسية وحدة في اللوزة الدماغية (Amygdala) عند التعرض لمنبهات توحي بالخطر أو الغموض، مما يقدم دليلاً حيوياً على أن ردود أفعالهم العدوانية والامتثالية هي آليات دفاعية مفرطة ضد عجز بيولوجي-نفسي عن معالجة التهديد البيئي المحيط بكفاءة ومرونة.
خاتمة
تظل نظرية الشخصية التسلطية علامة فارقة في تاريخ الفكر الإنساني والعلوم السلوكية؛ إذ نزعت الغطاء عن الآليات النفسية اللاشعورية التي تجعل الأفراد العاديين أدوات طيعة في أيدي الاستبداد والطغيان. لقد كشفت الأبحاث الممتدة منذ أدورنو إلى ألتماير وسيدانيوس أن الدفاع عن الديمقراطية والحرية لا يمكن أن يقتصر على صياغة الدساتير وبناء المؤسسات السياسية المجردة فحسب، بل يقتضي بالأساس تفكيك البنى النفسية الداعمة للاستبداد عبر ممارسات تربوية تحترم استقلالية الطفل وتنمي التفكير النقدي المتزن، وتعزز الشجاعة الأخلاقية والقدرة على تقبل التعددية والاختلاف الإنساني الخلاق كحصانة منيعة ضد الانزلاق المستمر نحو هاوية الفاشية والتعصب.
المراجع
- Adorno, T. W., Frenkel-Brunswik, E., Levinson, D. J., & Sanford, R. N. (1950). The Authoritarian Personality. Harper & Row.
- Altemeyer, B. (1981). Right-Wing Authoritarianism. University of Manitoba Press.
- Altemeyer, B. (1996). The Authoritarian Specter. Harvard University Press.
- Fromm, E. (1941). Escape from Freedom. Farrar & Rinehart.
- Hyman, H. H., & Sheatsley, P. B. (1954). “The authoritarian personality”: A methodological critique. In R. Christie & M. Jahoda (Eds.), Studies in the scope and method of “The authoritarian personality” (pp. 50–122). Free Press.
- Pratto, F., Sidanius, J., Stallworth, L. M., & Malle, B. F. (1994). Social dominance orientation: A measure of individual differences in dominance and equality. Journal of Personality and Social Psychology, 67(4), 741–763.
- Shils, E. A. (1954). Authoritarianism: “Right” and “left”. In R. Christie & M. Jahoda (Eds.), Studies in the scope and method of “The authoritarian personality” (pp. 24–49). Free Press.