يُشكّل مفهوم الطفل المتوسط (Average Child) حجر زاوية في مجالات علم النفس النمائي، والقياس النفسي، وعلم الاجتماع التربوي، حيث يُمثّل المعيار الإحصائي والنمائي الذي تُقاس عليه مسارات النمو البشري الطبيعي وسلوكيات التكيف الاجتماعي. وعلى الرغم من أن المصطلح قد يبدو في الظاهر وصفاً عادياً أو بديهياً، إلا أنه في الحقيقة بناء نظري وإحصائي معقد يعكس تقاطعات المعايير النمائية المتوازنة مع آليات التفاعل الجماعي داخل بيئة الأقران. إن فهم كينونة الطفل المتوسط يتطلب تفكيك الأطر الإحصائية المعيارية، وسبر أغوار الأبعاد السوسيومترية (Sociometric status)، فضلاً عن استكشاف العمليات المعرفية والوجدانية التي تتيح للطفل التموضع في منطقة التوازن السلوكي دون الانزلاق إلى التطرف الإيجابي كالموهبة الفائقة أو التطرف السلبي كالاضطرابات السلوكية أو النمائية.
التأصيل المفاهيمي والإحصائي لمصطلح الطفل المتوسط
في الفضاء النمائي والإحصائي، يشير مصطلح الطفل المتوسط إلى ذلك الفرد النامي الذي تقع مؤشرات نموه الحركي، والمعرفي، واللغوي، والاجتماعي ضمن النطاق المعياري أو ما يُعرف إحصائياً بـ التوزيع الطبيعي (Normal Distribution). يُحدد هذا النطاق عادةً بانحراف معياري واحد (±1 Standard Deviation) حول المتوسط الحسابي، وهو ما يعني نظرياً أن هذا التصنيف يشمل ما يقارب 68% من مجتمع الأطفال في فئة عمرية محددة وثقافة معينة. إن هذا التعريف يستند بالدرجة الأولى إلى المنظور السيكومتري الذي أرسى دعائمه رواد الإحصاء الحيوي الأوائل مثل أدولف كيتليه وفرانسيس غالتون، حيث يُنظر إلى المتوسط بوصفه النقطة المركزية التي تتجمع حولها الخصائص الإنسانية السوية، وتُعتبر التباينات البعيدة عنها حالات استثنائية تستدعي دراسة خاصة.
ومع ذلك، يختلف المفهوم النمائي للطفل المتوسط اختلافاً جوهرياً عن المفهوم السوسيومتري الخاص بجماعات الأقران. فبينما يركز المفهوم النمائي العام على القدرات والمهارات الفردية ومطابقتها لجداول النمو العالمية والمعيارية، ينصرف المفهوم في إطار علم النفس الاجتماعي المدرسي إلى وضع الطفل ضمن البنية العلائقية لأقرانه. يُعرّف الطفل المتوسط سوسيومترياً بأنه الطفل الذي يحظى بمستويات متوسطة ومعتدلة من القبول والرفض من قِبل زملائه؛ فهو ليس محبوباً بشكل جارف ومحط إجماع مثل «الطفل الشعبي» (Popular Child)، ولا هو مرفوض ومستبعد بحدة مثل «الطفل المرفوض» (Rejected Child)، كما أنه ليس معزولاً أو غير مرئي كـ «الطفل المهمل» (Neglected Child). إنه يمثل النمط التفاعلي الأكثر شيوعاً واستقراراً في الفصول الدراسية والبيئات التربوية اليومية.
يتسم هذا البناء المفاهيمي بأهمية بالغة في التشخيص الإكلينيكي والتقييم التربوي، إذ يمثل خط الأساس (Baseline) الذي يستند إليه المختصون لتقدير ما إذا كان السلوك الملاحظ يقع ضمن دائرة المواءمة النمائية المقبولة أو يتطلب تدخلاً علاجياً أو إرشادياً. ومن هنا، لا يُقصد بكلمة «متوسط» الدونية أو الضعف، بل تدل على التكامل التكيفي الكافي الذي يتيح للفرد الاستجابة الإيجابية لمتطلبات البيئة الاجتماعية والأكاديمية دون مواجهة أزمات تكيفية حادة. فالطفل المتوسط يمتلك ترسانة من الكفايات الذاتية التي تضمن له البقاء ضمن النسيج الاجتماعي العادي، مما يجعله نموذجاً للدراسة في بحوث المناعة النفسية والتكيف السوي.
الجذور التاريخية والتطور النظري للمفهوم
تعود الجذور الأولى لصياغة فكرة الإنسان أو الطفل المعياري إلى القرن التاسع عشر مع أبحاث العالم البلجيكي أدولف كيتليه، الذي صاغ مصطلح «الإنسان المتوسط» (l’homme moyen) واعتبره النموذج المثالي للمجتمع، مجادلاً بأن الطبيعة تسعى دائماً نحو الحفاظ على هذا التوازن المركزي. انتقلت هذه الأفكار سريعاً إلى مجال التربية وعلم النفس مع مطلع القرن العشرين، لا سيما مع تأسيس حركة قياس الذكاء على يد ألفريد بينيه وثيودور سيمون. كان الهدف الأساسي لمقاييس الذكاء هو فرز الأطفال الذين يواجهون صعوبات في مواكبة المناهج التعليمية المعتادة، الأمر الذي تطلب بدوره تحديد معيار دقيق لما يمكن أن ينجزه «الطفل المتوسط» في كل سن، مما رسخ فكرة العمر العقلي المرتبط بالعمر الزمني.
مع تطور النظريات النمائية الكبرى، وخاصة نظرية جان بياجيه في التطور المعرفي، تمت صياغة مراحل النمو (المرحلة الحسية الحركية، ومرحلة ما قبل العمليات، ومرحلة العمليات المادية، ومرحلة العمليات المجردة) بناءً على ملاحظة الأداء المعرفي العام للطفل المتوسط. افترضت هذه النظريات الكلاسيكية وجود مسار نمائي كوني متسلسل يعبره غالبية الأطفال في أعمار متقاربة نسبياً، مما جعل مفهوم الطفل المتوسط معياراً عالمياً يُقاس وفقه اكتمال النضج العصبي والوظيفي. إلا أن هذه النظرة واجهت لاحقاً انتقادات واسعة لكونها أغفلت التباينات الثقافية والاجتماعية والبيئية التي قد تعيد تعريف ما هو «متوسط» أو «طبيعي» في مجتمع ما مقارنة بمجتمع آخر.
في الثمانينيات من القرن العشرين، حدث تحول نوعي بارز في دراسة هذا المفهوم على يد علماء النفس الاجتماعي والنمائي مثل جون كوي (John Coie)، وكينيث دودج (Kenneth Dodge)، وهايدي كوبوتيلي (Heidi Coppotelli)، الذين طوروا تصنيفات المكانة الاجتماعية للأقران (Sociometric Status). قدم هؤلاء الباحثون إطاراً منهجياً دقيقاً فصل بين الأنماط الاجتماعية المختلفة في بيئة الطفولة، وبرز تصنيف «الطفل المتوسط» كفئة قائمة بذاتها تتمتع بخصائص ديناميكية مميزة، وليست مجرد فئة متبقية أو هامشية. ومنذ ذلك الحين، أضحى المفهوم موضوعاً لمئات الدراسات التي تبحث في كيفية تكيف الغالبية العظمى من الأطفال داخل النظم المدرسية والاجتماعية دون لفت الأنظار السلبية أو الإيجابية المفرطة.
المكانة الاجتماعية للطفل المتوسط في شبكات الأقران
تُعد المكانة السوسيومترية للطفل المتوسط في جماعة الرفاق من أكثر الموضوعات ثراءً في دراسات التنشئة الاجتماعية؛ إذ تكشف هذه المكانة عن آليات التكيف الصامت والتوازن العلائقي. في المقابلات السوسيومترية الكلاسيكية، يُطلب من الأطفال ترشيح الأقران الذين يفضلون اللعب معهم أو أولئك الذين ينفرون منهم. يحصل الطفل المتوسط في هذه النماذج على عدد معتدل من الترشيحات الإيجابية (الإعجاب) وعدد معتدل أو منخفض نسبياً من الترشيحات السلبية (عدم الإعجاب)، مما يضعه رياضياً وسلوكياً في مركز التماسك الجماعي، بعيداً عن أضواء الشهرة أو وطأة النبذ الاجتماعي.
يمتلك الأطفال في هذه الفئة كفاءة اجتماعية (Social Competence) كافية تمكنهم من الحفاظ على صداقات متبادلة وثيقة، حتى وإن كانت هذه الصداقات مقتصرة على عدد قليل ومحدد من الأقران مقارنة بالأطفال الشعبيين. تشير الدراسات إلى أن الطفل المتوسط قادر على فهم الإشارات الاجتماعية غير اللفظية، وحل النزاعات البسيطة بالحوار أو الانسحاب الهادئ، وتطبيق استراتيجيات التفاوض الاجتماعي دون اللجوء إلى السلوكيات العدوانية الصريحة أو الرضوخ الانفعالي غير المبرر. هذه الكفاءة البراغماتية تجعل شبكة علاقاتهم تمتاز بالاستقرار والانخفاض النسبي في معدلات الصراع، مما يوفر لهم بيئة نفسية آمنة للنمو الاجتماعي الخالي من الضغوط الحادة.
إضافة إلى ذلك، يلعب الأطفال المتوسطون دور «العمود الفقري» في ديناميات المجموعات المدرسية؛ فهم يمثلون الجمهور الذي يدعم القادة الاجتماعيين وفي الوقت نفسه يشكلون خط الحماية للأطفال الأكثر هشاشة. وعلى النقيض من التصور الشائع بأن الطفل المتوسط شخصية باهتة تفتقر إلى السمات المميزة، تؤكد الأبحاث النفسية أن هؤلاء الأطفال يمتلكون مرونة سلوكية عالية تجعلهم قادرين على التكيف مع مختلف المواقف الاجتماعية دون إثارة توترات، وتسمح لهم هذه المرونة بالانتقال بسلاسة بين الأدوار القيادية والتابعة حسب مقتضيات الموقف الجماعي.
الخصائص النمائية والمعرفية للطفل المتوسط
على الصعيد المعرفي والأكاديمي، يتميز الطفل المتوسط بقدرات ذهنية تقع ضمن المعدلات المتوقعة للمرحلة العمرية، حيث تتراوح درجات نسبة الذكاء (IQ) لديه عادةً بين 90 و109 نقاط على المقاييس المعيارية مثل مقياس وكسلر لذكاء الأطفال (WISC). تتسم العمليات المعرفية كالانتباه، والذاكرة العاملة، وسرعة المعالجة الذهنية، والتفكير المنطقي بكونها كافية وفعالة لأداء المهام التعليمية القياسية بنجاح، مما يسمح للطفل باستيعاب المفاهيم المجردة وتطبيق القواعد الحسابية واللغوية دون حاجة ملحة إلى برامج تربية خاصة أو تدخلات إثرائية مكثفة.
في إطار الأبعاد المعرفية، تتجلى خصائص الطفل المتوسط في الجوانب التالية:
- الكفاءة التنفيذية المعتدلة: يمتلك القدرة على تنظيم مهامه اليومية وإدارة وقته ضمن إشراف تربوي طبيعي، مع قدرة متوازنة على كبح الاستجابات الاندفاعية وتوجيه الانتباه المستمر نحو الواجبات المدرسية.
- التعلم المتدرج والمستقر: يستفيد بصورة مثالية من طرائق التدريس التقليدية والأنشطة التعاونية، حيث يحقق تقدماً تراكمياً متصاعداً يتماشى بدقة مع مخرجات المناهج الدراسية المصممة لعموم الطلاب.
- مهارات لغوية تواصلية سليمة: يتمتع بحصيلة لغوية ملائمة تسمح له بالتعبير عن احتياجاته، وأفكاره، ومشاعره بوضوح، فضلاً عن فهم استعارات الكلام والسياقات الاجتماعية المحيطة باللغة.
- الدافعية المتوازنة للإنجاز: يُظهر مستويات دافعية كافية للنجاح وتجنب الفشل، دون الوقوع تحت وطأة القلق العصابي من عدم الوصول إلى الكمال، مما يعزز استقراره الأكاديمي والصحي.
إن هذا النمط النمائي المعرفي يضمن للطفل مستويات أداء دراسي تتراوح بين المقبول والجيد جداً، وهي نتائج توفر له أرضية صلبة للانتقال السلس عبر المراحل التعليمية المتعاقبة. ورغم أن هؤلاء الأطفال قد لا يتصدرون قوائم الشرف الأكاديمي أو يحصدون الجوائز الكبرى، إلا أنهم يشكلون الكتلة الأكثر رسوخاً وثباتاً في التحصيل الدراسي، ويمتلكون القابلية لتطوير اهتمامات متخصصة في مراحل المراهقة والشباب بناءً على ميلهم الشخصي وتوجيههم السليم.
الأبعاد الانفعالية وإدارة الذات
تعد الأبعاد الانفعالية والوجدانية لدى الطفل المتوسط من الركائز التي تدعم توافقه النفسي العام؛ فالصحة النفسية لهؤلاء الأطفال ترتبط بقدرتهم المعتدلة على تنظيم المشاعر والانفعالات السلبية، والتعامل مع الإحباطات اليومية التي تفرضها البيئة المدرسية والأسرية. يتمتع الطفل المتوسط بمستوى متوازن من تقدير الذات (Self-Esteem)؛ فهو يدرك نقاط قوته دون غرور أو استعلاء، ويعي جوانب ضعفه وقصوره دون السقوط في مشاعر الدونية أو العجز المكتسب، الأمر الذي يحميه من الوقوع في فخ المقارنات الاجتماعية المدمرة التي تستهدف في العادة الأطفال الواقعين على الأطراف الإحصائية.
على صعيد التنظيم الانفعالي (Emotional Regulation)، يظهر الطفل المتوسط استجابات انفعالية متناسبة مع حجم المثيرات المحيطة. في حالات الغضب أو الحزن أو الخوف، لا يلجأ عادةً إلى تفريغ انفعالي حاد أو سلوكيات نكوصية غير مبررة، بل يستعين بآليات دفاعية أولية ناضجة كإعادة التقييم المعرفي للحدث، أو البحث عن مساندة من أحد الوالدين أو الأصدقاء المقربين، أو الانخراط في اللعب لتفريغ الشحنات الوجدانية. هذه المرونة تجعله أقل عرضة للإصابة باضطرابات القلق الشديد أو نوبات الاكتئاب في مرحلة الطفولة، كما تجنبه الانخراط في اضطرابات المسلك والسلوك المعارض الشارد.
علاوة على ذلك، يتميز الطفل المتوسط بقدرة تعاطفية كافية (Empathy) تمكنه من مشاركة زملائه مشاعرهم وتقديم العون عند الحاجة، مما يعزز مكانته الإيجابية في بيئة الأقران. إن غياب الضغوط الهائلة المرتبطة بالحاجة المستمرة إلى إثبات التفوق أو الخوف من فقدان المكانة الرفيعة يمنح هذا الطفل راحة بال واستقراراً نفسياً يتيحان له الاستمتاع بطفولته بصورة عفوية وصحية، وهو ما يمثل أحد أوجه القوة الصامتة التي غالباً ما تغفل عنها الأدبيات المهتمة بالظواهر الاستثنائية وحدها.
السياق الأسري وأساليب التنشئة الاجتماعية
تلعب التنشئة الأسرية دوراً حاسماً في تشكيل مسار الطفل المتوسط وتأكيد استقراره النفسي. ينشأ غالبية هؤلاء الأطفال في بيئات أسرية تمارس نمط الوالدية الحازمة المتوازنة (Authoritative Parenting)، وهو النمط الذي يجمع بين التقبل العاطفي الدافئ ووضع الحدود والضوابط الواضحة للسلوك. هذا النمط يوفر للطفل بنية تنبؤية آمنة يتعلم من خلالها القواعد الاجتماعية ويتدرب على المسؤولية الذاتية دون تعرض لضغوط تسلطية مدمرة أو تدليل مفرط يسلب منه القدرة على التكيف مع متطلبات الواقع الخارجي.
في المقابل، قد يواجه الطفل المتوسط تحدياً نفسياً خاصاً يُعرف في بعض الأدبيات الإرشادية بـ «متلازمة التلاشي أو الإهمال غير المقصود» داخل الأسرة، لا سيما إذا كان لديه إخوة استثنائيون، كأخ موهوب جداً يستحوذ على فخر الأسرة ومديحها، أو أخ يعاني من إعاقة أو صعوبات تعلم تستنزف وقت الوالدين وطاقتهما العاطفية والمادية. في هذه السيناريوهات، يُفترض الوالدان تلقائياً أن الطفل المتوسط «بخير» ولا يحتاج إلى دعم خاص، نظراً لغياب المشاكل الصارخة في مسلكه، مما قد يدفعه إلى كبت مشاعره أو الشعور بالوحدة والتهميش داخل محيطه الأسري.
لتفادي هذا الأثر السلبي، يشدد خبراء الإرشاد الأسري على ضرورة الانتباه إلى الاحتياجات الفردية للطفل المتوسط، والاعتراف بإنجازاته اليومية الصغيرة، وتخصيص وقت نوعي له لا يرتبط بالأداء الأكاديمي أو التنافسي. إن إشعار الطفل بقيمته الذاتية المستقلة، بمعزل عن مقارنته بأقرانه أو إخوته، يرسخ لديه شعوراً بالأمان الانفعالي، ويحول دون لجوئه إلى سلوكيات سلبية ملفتة للنظر كالمعارضة أو التراجع الدراسي المصطنع لجذب اهتمام الوالدين ورعايتهما.
التحديات المنهجية والنقد المعاصر للمفهوم
شهد مفهوم الطفل المتوسط في العقود الأخيرة نقداً ابستمولوجياً ومنهجياً واسعاً من جانب التيارات البنائية وما بعد البنيوية في علم النفس والتربية. ينصب النقد الأساسي على خطر الوقوع في فخ «التنميط الإحصائي» وتجريد الطفل من فرادته الشخصية؛ إذ يُنظر إلى «المتوسط» ككيان تجريدي غير موجود واقعياً بصورة مطلقة. يجادل العالم تود روز (Todd Rose) في كتابه الشهير «نهاية المتوسط» (The End of Average) بأن الاعتماد على المقاييس المعيارية التجميعية يطمس التباينات الفردية الدقيقة، حيث لا يوجد في الواقع إنسان متوسط في جميع أبعاده، بل إن كل طفل يمتلك ملفاً نمائياً متعرجاً (Jagged Profile) يجمع بين نقاط قوة فائقة ونقاط ضعف واضحة عبر المهارات المختلفة.
علاوة على ذلك، يواجه المفهوم تحديات تتعلق بـ الانحياز الثقافي (Cultural Bias). إن المعايير التي يُبنى عليها توصيف الطفل المتوسط في المجتمعات الغربية الفردية (مثل الاستقلالية، والمبادأة الفردية، والتعبير اللفظي المباشر) قد لا تعبر بالضرورة عما يُعد سلوكاً سوياً أو مرغوباً في المجتمعات الجماعية التي تقدر التضامن، والانضباط، ومراعاة المجموع، والامتثال للتقاليد. وبالتالي، فإن تعميم جداول النمو ومقاييس الكفاءة الاجتماعية المعيارية عبر الثقافات قد يؤدي إلى تصنيف أطفال عاديين ومتكيفين في ثقافاتهم الأصلية على أنهم دون المستوى المتوسط أو فوقه بصورة مضللة وغير دقيقة علمياً.
من زاوية أخرى، أدى صعود حركة التنوع العصبي (Neurodiversity) إلى إعادة النظر في مفهوم «السواء النمائي» ذاته؛ حيث يرى الباحثون المعاصرون أن التركيز المفرط على إنتاج وقبول الطفل المتوسط كمعيار أوحد للصحة النفسية يهمش الأطفال الذين تختلف أسلاكهم العصبية وأنماط معالجتهم للعالم (مثل ذوي طيف التوحد عالي الأداء، أو ذوي اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه). إن هذا النقد يدعو إلى استبدال النظرة الأحادية للمتوسط بنماذج أكثر مرونة تحتفي بالتنوع المعرفي والسلوكي الإنساني وتوفر بيئات تعليمية واجتماعية تتسع لكافة أطياف النمو البشري.
التطبيقات التربوية والإكلينيكية
في الميدان التربوي والعيادي، يُعتبر الوعي بديناميات الطفل المتوسط أمراً جوهرياً لتصميم السياسات التعليمية وبرامج الوقاية النفسية الأولية. غالباً ما تصمم المناهج المدرسية القياسية والسياسات التربوية العامة لتلائم قدرات واحتياجات هذه الشريحة العريضة من الطلاب، مما يجعلهم الأكثر استفادة من البيئات الصفية العامة. بيد أن هذا التوافق قد يتحول إلى سيف ذي حدين إذا ما أدى الاطمئنان إلى متوسطية أدائهم إلى إهمال تطوير مواهبهم الكامنة أو إغفال التراجع الطفيف في درجاتهم الذي قد ينبئ بصعوبات لاحقة.
يبرز في هذا الصدد عدد من التوصيات الإكلينيكية والتربوية الهامة:
- التقييم الديناميكي الفردي: الامتناع عن الاكتفاء بتصنيف الطفل كـ «متوسط»، والعمل على تحليل بروفايله المعرفي والانفعالي بدقة لاكتشاف مجالات التميز الكامنة ودعم المهارات الأضعف قبل أن تتفاقم.
- الوقاية من ضغوط التهميش: تدريب المعلمين على توزيع الاهتمام الصفي بعدالة، بحيث لا يستأثر الطلاب المتفوقون جداً أو المشاغبون جداً بكامل وقت الحصة، مع منح الطفل المتوسط فرصاً عادلة للمشاركة وإبراز الذات.
- تطوير برامج المهارات الحياتية: استثمار الاستقرار الانفعالي والاجتماعي لدى الأطفال المتوسطين وتدريبهم على مهارات القيادة، والتفكير النقدي، والحل الابتكاري للمشكلات، لتمكينهم من تجاوز حدود التكيف العادي إلى آفاق التميز الإبداعي.
- الرصد الوقائي طويل المدى: متابعة التغيرات السوسيومترية عبر المراحل الانتقالية (مثل الانتقال من الابتدائية إلى الإعدادية)؛ حيث قد يفقد الطفل المتوسط استقراره العلائقي ويتحول إلى فئات أكثر هشاشة كالعزلة أو القلق.
تؤكد هذه التطبيقات أن رعاية الطفل المتوسط ليست ترفاً تربوياً، بل هي استثمار استراتيجي في النسيج الأكبر لأي مجتمع؛ فالأطفال المتوسطون هم الذين سيشكلون في المستقبل القوة العاملة، والمواطنين الفاعلين، وحماة التماسك الاجتماعي، مما يجعل الحفاظ على سلامتهم النفسية ونموهم المتوازن أولوية تنموية كبرى لا تقل أهمية عن رعاية الموهوبين أو معالجة ذوي الاحتياجات الخاصة.
الخاتمة
يمثل مفهوم الطفل المتوسط حقيقة إحصائية ونمائية واجتماعية بالغة الأثر في فهم التطور البشري وسلوكيات الأفراد داخل المجتمع. ورغم بساطة التسمية في التداول اللغوي اليومي، فقد كشفت التحليلات النمائية والسوسيومترية عن بنية معقدة من التوازن المعرفي، والمرونة الانفعالية، والكفاءة الاجتماعية العملية التي تحمي هؤلاء الأطفال من التطرف السلوكي وتمنحهم توافقاً نادراً مع متطلبات الحياة اليومية. ورغم النقد المستحق للمفهوم عند استخدامه كأداة للتنميط أو طمس الفروق الفردية، يظل الطفل المتوسط معياراً علمياً لا غنى عنه في التشخيص التربوي وتخطيط السياسات العامة. إن التحدي الحقيقي أمام التربويين والمعالجين النفسيين يكمن في النظر إلى ما وراء المتوسط الحسابي، وتقدير التفرد الإنساني الكامن في كل طفل يبدو عادياً في مظهره الخارجي، لضمان بيئة تحتضن التنوع وتتيح للجميع النمو في مسارات سوية وإيجابية.
المراجع
- Coie, J. D., Dodge, K. A., & Coppotelli, H. (1982). Dimensions and types of social status: A cross-age perspective. Developmental Psychology, 18(4), 557–570. https://doi.org/10.1037/0012-1649.18.4.557
- Rose, T. (2016). The end of average: How we succeed in a world that values sameness. HarperOne.
- Piaget, J. (1952). The origins of intelligence in children. International Universities Press.
- Wentzel, K. R., & Asher, S. R. (1995). The academic lives of neglected, rejected, popular, and controversial children. Child Development, 66(3), 754–763. https://doi.org/10.2307/1131948
- Berk, L. E. (2013). Child development (9th ed.). Pearson.
- Rubin, K. H., Bukowski, W. M., & Bowker, J. C. (2015). Children in peer groups. In M. H. Bornstein & T. Leventhal (Eds.), Handbook of child psychology and developmental science: Ecological settings and processes (Vol. 4, pp. 175–222). John Wiley & Sons.