علم النفس المعرفيمناهج البحث النفسينظريات الذاكرة

تقنية بارتليت

تُعد تقنية بارتليت إحدى أبرز المنهجيات في علم النفس المعرفي، ابتكرها السير فريدريك بارتليت لدراسة الذاكرة البنائية ونظرية المخططات وتأثير الثقافة على استرجاع المعلومات.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 29 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 29 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُعد تقنية بارتليت (Bartlett Technique) واحدة من أبرز المنعطفات المنهجية في تاريخ علم النفس التجريبي وعلم النفس المعرفي، حيث صاغها عالم النفس البريطاني السير فريدريك بارتليت (Sir Frederic Bartlett) في ثلاثينيات القرن العشرين لدراسة العمليات التذكرية بوصفها نشاطاً ديناميكياً بنائياً لا مجرد استرجاع آلي للبيانات المخزنة. شكّلت هذه التقنية ثورة ضد النموذج الكلاسيكي الذي أرساه هيرمان إبنجهاوس، مقدمةً فهماً ثورياً يُثبت أن الذاكرة البشرية تعيد تشكيل الأحداث بما يتوافق مع الخلفيات الثقافية والمعرفية للفرد.

السياق الفكري والتاريخي لظهور تقنية بارتليت

نشأت تقنية بارتليت في سياق أكاديمي وهيمنة فكرية قادمة من النموذج الإبنجهاوسي التقليدي، والذي اعتمد بشكل شبه مطلق على استخدام المقاطع عديمة المعنى (Nonsense Syllables) في دراسة الذاكرة البشرية. كان هيرمان إبنجهاوس يرى أن دراسة الذاكرة بمعزل عن المعنى والدلالات الثقافية هي السبيل الوحيد للوصول إلى قوانين علمية نقية وموضوعية تماثل قوانين الفيزياء، الأمر الذي قاد إلى سيادة فكرة الذاكرة كوعاء سلبي يقوم بتخزين الانطباعات المباشرة ثم استرجاعها أو نسيانها وفق معدلات زمنية رياضية محددة ومنتظمة. غير أن هذا المنحى المفرط في التجريد أفرغ العملية التذكرية من وظيفتها الحيوية في الحياة اليومية، وجرد السلوك البشري من بعده الإنساني والسياقي الفريد.

في مقابل هذا التوجه الاختزالي، رأى فريدريك بارتليت في مختبر كامبريدج للعلوم النفسية أن عزل المادة المراد تذكرها عن المعنى الإنساني يُمثل تشويهاً جوهرياً لطبيعة العقل البشري. فقد أكد بارتليت أن الإنسان لا يتذكر في فراغ تجريدي، بل يسعى دائماً إلى البحث عن المعنى (Effort after Meaning)، وهو مفهوم محوري يرى أن محاولة إدراك العالم وفهمه تمثل الدافع الأساسي للعمليات العقلية العليا. ومن هذا المنطلق، انتقد بارتليت تدني مستوى “الصدق البيئي” (Ecological Validity) في التجارب المعملية السابقة، داعياً إلى تبني استراتيجيات بحثية توظف مواد واقعية وذات دلالة معقدة، مثل القصص الشعبية، والصور المركبة، والأساطير التي تتفاعل مع البنى النفسية للمفحوصين بصورة طبيعية وغير متكلفة.

تأثر بارتليت أيضاً بعلم الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية، حيث أدرك أن العقل البشري مُنغمس في سياق اجتماعي وثقافي لا يمكن فصله عنه. وقد قاده هذا التوجه إلى التساؤل حول الكيفية التي تنتقل بها المعلومات المعقدة وتتحول عبر الزمن داخل الفرد الواحد، وكيف تتناقل وتتحور عبر سلاسل من الأفراد داخل المجتمع. وكان الدافع الأساسي لابتكار تقنيته هو اختبار كيفية تأثير المعايير الثقافية والمسبقات الفكرية على الإدراك والتذكر وإعادة الإنتاج، مما أدى في النهاية إلى نشر عمله التأسيسي الضخم “التذكر: دراسة في علم النفس التجريبي والاجتماعي” (Remembering: An Experimental and Social Study) عام 1932، ليكون بمثابة وثيقة استقلال لعلم النفس المعرفي القائم على دراسة المعنى والمخططات الذهنية.

الأسس الإجرائية والتصميم المنهجي للتقنية

تعتمد تقنية بارتليت منهجياً على فحص الاستجابات التذكرية النوعية والتحليلية بدلاً من الاقتصار على المقاييس الكمية الإحصائية الجامدة، وقد صمم بارتليت في هذا الإطار بروتوكولين تجريبيين رئيسيين يتكاملان في الكشف عن آليات التحول التذكري: طريقة إعادة الإنتاج المتكرر (Repeated Reproduction)، وطريقة إعادة الإنتاج المتسلسل (Serial Reproduction). يقوم كلا البروتوكولين على تعريض المشارك لمثير مركب يحمل معنى معقداً ولكنه غير مألوف كلياً للبنية المعرفية للمشارك، ثم تتبع التغيرات التي تطرأ على هذا المثير بمرور فترات زمنية مختلفة، أو بانتقاله من شخص إلى آخر على شاكلة التواصل الاجتماعي البشري.

في أسلوب “إعادة الإنتاج المتكرر”، يقوم الباحث بعرض نص قصصي أو رسم غير مألوف على المشارك، ويُطلب منه قراءته مرتين بعناية لفهمه واستيعابه دون حفظه عن ظهر قلب. بعد انقضاء فترة زمنية قصيرة (عادة ما تكون خمس عشرة دقيقة)، يُطلب من المفحوص كتابة القصة أو إعادة رسم الشكل بأقصى دقة ممكنة دون الرجوع إلى الأصل. ثم تتكرر جلسات الاستدعاء نفسها مع نفس المفحوص عبر فترات زمنية متباعدة تمتد من عدة أيام إلى أسابيع وشهور، بل وحتى سنوات في بعض الحالات. يهدف هذا التصميم المنهجي الدقيق إلى مراقبة المسار الزمني الداخلي لتحولات الأثر التذكري وكيفية استقراره وتعديله تدريجياً داخل البنية العقلية للشخص نفسه بمرور الوقت.

أما في أسلوب “إعادة الإنتاج المتسلسل”، فتتخذ التجربة مساراً جماعياً يحاكي ظواهر التناقل الشفهي في المجتمعات البشرية وانتشار الشائعات. يقرأ المشارك الأول في السلسلة النص الأصلي، ثم بعد فاصل زمني محدد يعيد كتابة ما استوعبه من ذاكرته ليقدمه للمشارك الثاني. يقرأ المشارك الثاني نسخة المشارك الأول فقط (دون الاطلاع نهائياً على النص الأصلي)، ثم يُطلب منه بعد فترة زمنية إعادة إنتاج القصة ليمررها للمشارك الثالث، وهكذا تستمر السلسلة عبر عدة حلقات متتالية. سمحت هذه المنهجية لبارتليت بمراقبة ديناميات الانتقال الاجتماعي وكيف تتآكل التفاصيل تدريجياً وتتبدل لصالح الأنماط المألوفة جماعياً، مما عكس التشابه المذهل بين عمليات الذاكرة الفردية وعمليات الذاكرة الجمعية وتطور الأساطير.

تجربة “حرب الأشباح”: النموذج التطبيقي الأبرز

تُعد تجربة “حرب الأشباح” (The War of the Ghosts) التطبيق الأكثر شهرة وتأثيراً لتقنية بارتليت، حيث اختار بارتليت أسطورة من أساطير الهنود الحمر في أمريكا الشمالية كانت قد جمعها عالم الأنثروبولوجيا فرانز بواس. تميز هذا النص تحديداً بكونه غريباً تماماً ومتبايناً مع المنطق الثقافي والسياق المعرفي للمشاركين البريطانيين في كامبريدج، حيث تضمنت القصة أحداثاً غامضة، وحبكة غير خطية، واستخداماً لعناصر سحرية، ومفاهيم غير مألوفة تتصل بالأشباح والموت والروحانيات والصيد بالقوارب التقليدية (الكانو).

كان الهدف المنهجي من هذا الاختيار المدروس هو خلق تنافر معرفي بين النص الأصلي والأنظمة المعرفية المسبقة للمفحوصين. افترض بارتليت أن العقل الإنساني حين يواجه مادة غامضة لا تتطابق مع مفاهيمه وخبراته السابقة، فلن يعجز عن تذكرها فحسب، بل سيبذل جهداً تفسيرياً لإعادة هيكلتها لجعلها متماسكة ومقبولة منطقياً. وبالفعل، قدمت نتائج استدعاء المشاركين للقصة سجلاً غنياً بالتحولات التي عكست طبيعة العمليات الذهنية الوسيطة، حيث أظهر التحليل النوعي للنصوص أن المشاركين لم يقدموا استنساخاً حرفياً للنص الأصلي ولا عشوائياً، بل أنتجوا روايات جديدة متماسكة وفق المنظور الثقافي البريطاني السائد آنذاك.

وثّق بارتليت التغيرات التي طرأت على نص القصة عبر جلسات الاستدعاء المختلفة بدقة بالغة. ففي البداية، بدأت الأسماء والألفاظ الغريبة تتساقط وتتلاشى، وتحولت الكلمات مثل “الكانو” (Canoe) إلى كلمات مألوفة مثل “القارب” (Boat)، وتبدلت عبارات صيد الحيوانات البحرية بما يماثل صيد الأسماك المألوف، كما تم حذف العناصر الأسطورية التي بدت غير مترابطة منطقياً، مثل موت أحد المقاتلين بعد عودته لمنزله رغم أنه لم يشعر بجراحه أثناء المعركة. بيّنت هذه التجربة بوضوح لا يقبل الشك أن التقنية قادرة على عزل وتوصيف القوى النفسية والثقافية التي تحرك الذاكرة الإنسانية وتعيد توجيهها بعيداً عن الحيادية المزعومة.

التحولات المعرفية والعمليات الناتجة عن التقنية

أتاح التحليل الدقيق للنصوص الناتجة عن تقنية بارتليت استخلاص منظومة متكاملة من العمليات والتحولات المعرفية التي تخضع لها المعلومات أثناء عمليتي التشفير والاسترجاع. تُعد هذه العمليات قوانين تحويلية تحكم السلوك التذكري البنائي، وتتمثل في العمليات الرئيسية الآتية:

  • التبسيط والحذف (Leveling / Omission): يميل الأفراد بصورة لاواعية إلى إسقاط وحذف التفاصيل الدقيقة، والأسماء غير المألوفة، والحوارات المعقدة، والروابط التي تبدو غير ضرورية للبناء العام. ونتيجة لذلك، يتقلص حجم النص بمرور الوقت بصورة حادة ليتحول إلى هيكل موجز يحمل فقط الخطوط العريضة والمحاور الأساسية للقصة الأصلية.
  • العقلنة والتبرير (Rationalization): تُعد هذه العملية أهم اكتشافات بارتليت على الإطلاق، وتتمثل في إضافة تفاصيل ومبررات وروابط سببية غير موجودة في النص الأصلي لتفسير الأحداث التي بدت غامضة أو غير منطقية. فعندما يواجه المفحوص فجوة دلالية، فإنه يملؤها باستنتاجات تتوافق مع منطقه العقلي، كأن يضيف مبرراً يوضح كيف أُصيب المحارب بسهم في المعركة تسبب لاحقاً في وفاته، لتبرير موته المفاجئ الذي تركته الأسطورة الأصلية بلا تفسير.
  • التركيز والتأكيد على التفاصيل البارزة (Sharpening): على النقيض من الحذف، يخضع عدد قليل ومحدود من التفاصيل المحددة لعملية تضخيم ومبالغة في التركيز، حيث تصبح هذه التفاصيل هي المحور الأساسي الذي تُبنى حوله القصة بأكملها. وغالباً ما تكون هذه العناصر متوافقة تماماً مع انفعالات الفرد أو اهتماماته المعرفية الخاصة.
  • الملاءمة والاستيعاب الثقافي (Assimilation / Cultural Transformation): تتمثل في تحوير المصطلحات، والتقاليد، والممارسات الغريبة واستبدالها بما يطابق الإطار الثقافي والبيئي المألوف للفرد. وهذا يوضح كيف تفرض الثقافة بصمتها البيولوجية-النفسية على الجهاز الإدراكي، وتجعل الاستدعاء متوافقاً مع توقعات الجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها المستدعي.

نظرية المخطط الذهني وعلاقتها بالتقنية

قادت النتائج التي أفرزتها تقنية بارتليت مباشرة إلى صياغة واحدة من أعظم النظريات في تاريخ علم النفس المعرفي، وهي نظرية المخطط الذهني (Schema Theory). استعار بارتليت مصطلح “المخطط” من عالم الأعصاب السير هنري هيد (Henry Head)، لكنه نقله من السياق الحسي الحركي إلى السياق الإدراكي المعرفي المعقد. يُعرف المخطط الذهني عند بارتليت بأنه تنظيم نشط وفعال للخبرات والردود والاستجابات السابقة، يعمل كإطار مرجعي منظم يوجه استقبال المعلومات الجديدة، وتفسيرها، وتنظيمها، واسترجاعها لاحقاً.

أكدت التقنية أن التذكر ليس استرجاعاً لمسارات عصبية جامدة وثابتة ومحفوظة كما هي، بل هو استدعاء للمخطط العام الذي ينشط في لحظة التذكر. فالإنسان حين يتذكر حدثاً ما، فإنه يستحضر المخطط الذهني العام المرتبط بذلك النمط من الأحداث، ثم يستخدم هذا المخطط لإعادة بناء وتوليد تفاصيل الحدث وفق توقعات المخطط وقواعده. هذا الفهم يُحول الذاكرة من عملية استنساخية (Reproductive Memory) إلى عملية بنائية خلاقة (Constructive / Reconstructive Memory)، حيث يتم تجميع وتوليف شظايا الذكريات الحقيقية مع افتراضات وتوقعات المخطط المعرفي السائد.

أظهرت تقنية بارتليت أن المخططات الذهنية تتميز بالمرونة والتطور المستمر، لكنها في الوقت ذاته تعمل كمرشحات وقوالب مقاومة للتغيير عندما تواجه معلومات متناقضة معها جذرياً. فإذا وردت معلومات لا تتطابق مع المخطط المعرفي للمرء، فإن المخطط إما أن يُقصي تلك المعلومات تماماً عبر التبسيط والحذف، أو يعيد تشكيلها وتأويلها عبر العقلنة والتبرير لتلائم بنيته الراسخة. وقد أرست هذه النتائج الدعائم التي بنى عليها لاحقاً علماء كبار مثل جان بياجيه وجيروم برونر وديفيد روميلهارت نظرياتهم في التعلم والإدراك والذكاء الاصطناعي.

المقارنة المنهجية: بارتليت في مواجهة إبنجهاوس

لفهم الأهمية الجذرية لتقنية بارتليت، لا بد من عقد مقارنة منهجية عميقة بينها وبين تقنية هيرمان إبنجهاوس، فالتقنيتان تمثلان قطبين إبستمولوجيين مختلفين تماماً في مقاربة دراسة العقل البشري، كما يتضح في الجدول والتحليل الآتيين:

طبيعة المثير التجريبي: بينما استخدم إبنجهاوس المقاطع عديمة المعنى (مثل ZOK, TUV) لعزل أثر المعنى تماماً وضمان الحياد، اعتمد بارتليت على مواد ذات دلالة ومعنى إنساني ثري، مثل القصص الأسطورية والشعبية والرسومات المعقدة، انطلاقاً من إيمانه بأن المعنى هو جوهر السلوك البشري ولا يمكن دراسة الذاكرة بإلغائه.

نوعية البيانات والتحليل: اتسم منهج إبنجهاوس بالطابع الكمي الإحصائي الصارم، حيث قام بقياس عدد التكرارات اللازمة للحفظ، وحساب معدلات التوفير في زمن إعادة التعلم، ورسم منحنيات النسيان الرياضية الدقيقة. في المقابل، قدم بارتليت تحليلاً نوعياً كيفياً، يركز على تتبع التغيرات الصياغية، والتحولات الدلالية، والتحريفات المقصودة وغير المقصودة في بنية السرد والمضمون الفكري للمادة المسترجعة.

النموذج المفاهيمي للذاكرة: نظر إبنجهاوس إلى الذاكرة بوصفها مستودعاً سلبياً يخزن الآثار الحسية بصورة ميكانيكية وتضعف روابطها بفعل التقادم الزمني الخالص، بينما تصورها بارتليت كعملية بنائية واعية ومعقدة، تنطوي على إعادة تشكيل مستمرة للمعلومات وفق المخططات المعرفية والدوافع الانفعالية والثقافية للشخص، مما جعل من تقنية بارتليت الأساس الفعلي الذي تأسس عليه المنظور المعرفي الحديث لعلم النفس.

التطبيقات المعاصرة لتقنية بارتليت في علم النفس

لم تتوقف قيمة تقنية بارتليت عند حدود دراسة النصوص الأدبية والحكايات الشعبية في بدايات القرن العشرين، بل امتدت لتصبح أداة تأسيسية اعتمدت عليها العديد من الفروع التطبيقية الحديثة في علم النفس. ولعل أبرز هذه المجالات هو علم النفس الجنائي والقضائي، وتحديداً دراسة شهادة شهود العيان (Eyewitness Testimony). فقد استندت أبحاث العالمة الأمريكية إليزابيث لوفتس (Elizabeth Loftus) في سبعينيات القرن العشرين وما بعدها إلى مبادئ بارتليت في الذاكرة البنائية، لتثبت تجريبياً قابلية الذاكرة للتطويع والتضليل عبر إدخال معلومات لاحقة مضللة تؤدي إلى خلق ما يُعرف بـ “الذكريات الكاذبة” (False Memories).

في مجال علم النفس الاجتماعي، وفّرت تقنية بارتليت لـ “إعادة الإنتاج المتسلسل” الأساس المنهجي المعتمد في دراسة سيكولوجية الشائعات وتناقل الأخبار. فقد وظّف الباحثان جوردون ألبورت وليو بوستمان تقنية السلاسل المتسلسلة لبارتليت لدراسة الكيفية التي تتشوه بها الأخبار أثناء انتقالها من شخص إلى آخر في المجتمع، مؤكدين أن الشائعات تخضع تماماً لقوانين التبسيط والتبرير والتأكيد التي استنتجها بارتليت في دراسته لحرب الأشباح، حيث تسقط الحقائق تدريجياً ويُعاد تشكيل الخبر ليتماشى مع الأحكام المسبقة والمخاوف الجمعية والتعصب العرقي والطبقي للجماعة.

علاوة على ذلك، أثرت منهجية بارتليت بعمق على أبحاث الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغات الطبيعية (NLP)، ولا سيما في النماذج المعرفية التي تسعى لمحاكاة الفهم الإنساني للنصوص. فقد أدرك علماء الحاسوب واللسانيات المعرفية، مثل روجر شانك وروبرت أبيلسون في نظريتهما الشهيرة عن “السيناريوهات الذهنية” (Scripts Theory)، أن الحواسيب لا يمكنها فهم القصص البشرية بمجرد استخلاص الكلمات المفردة، بل تحتاج إلى بنى معرفية عليا ومخططات مسبقة تملأ الفجوات الدلالية بين الجمل، تماماً كما تفعل العقول البشرية وفق ما برهنت عليه تقنية بارتليت قبل قرن من الزمان تقريباً.

الانتقادات الموجهة لتقنية بارتليت والجدل المنهجي

على الرغم من المكانة التاريخية والريادية الفائقة لتقنية بارتليت، إلا أنها واجهت انتقادات منهجية وإبستمولوجية حادة من قِبل الباحثين المنتمين إلى المدرسة التجريبية الصارمة. كان الاعتراض الأكثر شيوعاً يدور حول غياب الضبط التجريبي الدقيق والمعايير الإحصائية المقننة. فقد اتُهم بارتليت بأنه لم يقدم تعليمات موحدة وثابتة لجميع المشاركين في تجاربه، كما لم يحدد أوقاتاً زمنية موحدة بدقة متناهية بين جلسات الاستدعاء، واعتمد بصورة كبيرة على أحكامه الذاتية وانطباعاته التحليلية في تفسير النصوص المسترجعة بدلاً من الاعتماد على مقاييس تصحيح موضوعية معماة.

أثار باحثون آخرون، مثل هاري باور وجيمس زوتشيلو، تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت التحريفات التي لاحظها بارتليت ناتجة فعلياً عن تشوه وتغير حقيقي في الذاكرة ذاتها أثناء التخزين، أم أنها مجرد نتاج لاستراتيجيات التخمين الإرادي والامتثال لمتطلبات التجربة (Demand Characteristics). فالمشارك الذي يُطلب منه استرجاع قصة غير مترابطة بعد أشهر من قراءتها، قد يدرك بوعيه الكامل أنه لا يتذكر التفاصيل بدقة، ولذلك يقرر عمداً تخمين أحداث منطقية ومترابطة لتقديم نص لائق لغوياً للباحث، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن المخطط الذهني قد حوّر الأثر التذكري المخزن بيولوجياً في دماغه.

بالإضافة إلى ذلك، واجهت تقنية بارتليت صعوبات في التكرار والتكرارية التجريبية (Replication Crisis)، حيث حاولت بعض الدراسات اللاحقة تكرار تجربة “حرب الأشباح” بضوابط إحصائية مشددة، فتوصل بعضها إلى مستويات أعلى من الدقة التذكرية وأدلة أقل دراماتيكية على التحريف الثقافي الصريح. ومع ذلك، فإن هذه الانتقادات لم تنتقص من البصيرة المنهجية الكبرى التي قدمها بارتليت، بل دفعت الباحثين اللاحقين إلى تطوير تقنيات قياس هجينة تجمع بين الصدق البيئي الغني لمنهج بارتليت وبين الصرامة الإحصائية للتقاليد المعملية الحديثة.

الخاتمة: الإرث الدائم لمنهجية بارتليت

خلاصة القول، شكّلت تقنية بارتليت حجر الزاوية الذي غيّر مسار دراسة العمليات العقلية العليا إلى الأبد، منتقلةً بعلم النفس من منظور يختزل الإنسان في مجرد آلة تسجيل وتفريغ للبيانات الصامتة، إلى نموذج معرفي متقدم يرى الإنسان كائناً يبحث عن المعنى، ويعيد تشكيل وتأويل واقعه وتاريخه من خلال نسيج معقد من المخططات الثقافية والاجتماعية المسبقة. لقد نجحت المنهجية في إثبات أن النسيان ليس مجرد اضمحلال سلبي للآثار العصبية، وأن التذكر ليس استنساخاً فوتوغرافياً للماضي، بل هما عمليتان إبداعيتان تخضعان لقوانين التنظيم المعرفي البنائي.

إن الأثر العلمي العميق لتقنية بارتليت لا يزال حاضراً بقوة في الأوساط الأكاديمية والبحثية المعاصرة؛ إذ يمتد نفوذها من مختبرات العلوم العصبية الإدراكية التي تدرس مسارات إعادة تجميع الذكريات في الحصين والقشرة الدماغية، إلى نظريات علم النفس الثقافي والاجتماعي التي تفسر كيفية تشكل السرديات التاريخية والذاكرة الجمعية للشعوب. لقد أثبت فريدريك بارتليت عبر تقنيته العبقرية أن دراسة العقل البشري في أقصى درجات حريته وواقعيته المعقدة هي الطريق الأصيل والوحيد لفهم كنه النفس الإنسانية وتركيبتها الإدراكية الفريدة.

المراجع

  • Bartlett, F. C. (1932). Remembering: An experimental and social study. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Brewer, W. F. (2000). Bartlett's concept of the schema and its impact on modern cognitive psychology. In A. Saito (Ed.), Bartlett, culture and cognition (pp. 69-89). Psychology Press.
  • Loftus, E. F., & Palmer, J. C. (1974). Reconstruction of automobile destruction: An example of the interaction between language and memory. Journal of Verbal Learning and Verbal Behavior, 13(5), 585-589.
  • Allport, G. W., & Postman, L. (1947). The psychology of rumor. Henry Holt & Co.
  • Roediger, H. L., & McDermott, K. B. (1995). Creating false memories: Remembering words not presented in lists. Journal of Experimental Psychology: Learning, Memory, and Cognition, 21(4), 803-814.
  • Schacter, D. L. (2001). The seven sins of memory: How the mind forgets and remembers. Houghton Mifflin Harcourt.
  • Kashima, Y. (2000). Maintaining cultural stereotypes in the serial reproduction of narratives. Personality and Social Psychology Bulletin, 26(5), 594-604.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 29). تقنية بارتليت. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/bartlett-technique/
looti, Mohammed. “تقنية بارتليت.” عرب سايكلوجي, 29 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/bartlett-technique/.
looti, Mohammed. “تقنية بارتليت.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 29, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/bartlett-technique/.