يُمثّل معيار المعلومات البايزي (Bayesian Information Criterion)، المعروف اختصاراً بـ BIC أو معيار شفارتز، إحدى الركائز المنهجية والإحصائية الأكثر أهمية في القياس النفسي الحديث ونمذجة المعادلات البنائية، حيث يُوفّر إطاراً كمياً صارماً للمفاضلة بين النماذج النظرية المتنافسة واختيار النموذج الأكثر مطابقة للبيانات التجريبية بأقل قدر ممكن من التعقيد الرياضي. يستند هذا المعيار إلى مبادئ الاستدلال البايزي ومبدأ نصل أوكام الفلسفي، ساعياً إلى تحقيق التوازن الدقيق بين جودة مطابقة النموذج وحجم المعالم الحرة المقدرة، الأمر الذي يجعله أداة لا غنى عنها للباحثين في علم النفس السريري والمعرفي والاجتماعي عند فحص البنى النفسية المعقدة.
التعريف المفاهيمي والأصول الفلسفية لمعيار المعلومات البايزي
يُعرَّف معيار المعلومات البايزي في سياق النمذجة الإحصائية والنفسية بأنه مؤشر نسبي لتقييم جودة النماذج الإحصائية عند معالجة مجموعة معينة من البيانات المرصودة. طُوّر هذا المعيار لأول مرة بواسطة عالم الإحصاء والرياضيات جديون شفارتز في ورقته البحثية البارزة المنشورة عام 1978، حيث انطلق من المنظور الإحصائي البايزي الذي يُقيّم احتمالية النموذج البعدية بناءً على الأدلة المستمدة من البيانات الملاحظة. وفي مجال القياس النفسي، لا يُستخدم المعيار لاختبار فرضية صفرية مطلقة، بل يُوظف كأداة مقارنة انتقائية تُحدد أي النماذج النفسية المتنافسة يمتلك التفسير الأمثل والأنسب للبنية الكامنة المقاسة، مثل قياس الذكاء، أو سمات الشخصية، أو أبعاد الاضطرابات النفسية عبر أدوات الاستبيان والاختبارات السيكومترية.
تنبثق الفلسفة الموجهة للمعيار من مبدأ البساطة العلمية والاقتصاد المعرفي؛ فالنماذج الإحصائية شديدة التعقيد التي تتضمن عدداً مفرطاً من المعالم الحرة (Parameters) قد تُظهر مطابقة ظاهرية ممتازة للبيانات العينية، إلا أنها تقع غالباً في فخ “فرط التخصيص” أو “فرط الملاءمة” (Overfitting). ويعني فرط الملاءمة أن النموذج يستوعب التباين العشوائي والأخطاء القياسية الخاصة بتلك العينة بالذات بدلاً من استيعاب النمط الحقيقي والمشترك للظاهرة النفسية المقاسة، مما يُفقد النموذج قدرته على التعميم على عينات مستقبلية مستقلة. ومن هنا، يفرض معيار المعلومات البايزي عقوبة رياضية متصاعدة تتناسب طردياً مع عدد المعالم وحجم العينة، لضمان عدم تبني نموذج معقد إلا إذا كانت الزيادة في جودة تفسيره للبيانات مبررة وكافية لتجاوز تكلفة هذه العقوبة الإحصائية.
وعلى النقيض من مقاييس الدلالة التقليدية، مثل اختبار مربع كاي لحسن المطابقة (Chi-Square Goodness of Fit)، والذي يُعد فائق الحساسية لحجم العينة مما يدفعه إلى رفض النماذج الصالحة نظرياً عند التعامل مع عينات كبيرة، يتيح معيار المعلومات البايزي ميزة ترجيح النماذج دون الاعتماد الحصري على قيم الدلالة الإحصائية (p-values). يُتيح هذا النهج لعلماء النفس تجاوز معضلات الدلالة الإحصائية الزائفة، موفراً تقديراً رقمياً مباشراً لمدى تفوق نموذج نظري ذي بعدين على نموذج آخر ذي ثلاثة أبعاد في تفسير استجابات المفحوصين، مما يرسخ دعائم الرصانة العلمية والمصداقية التجريبية في أبحاث الشخصية والاضطرابات الوجدانية وسائر حقول السيكولوجيا الحديثة.
السياق التاريخي والأسس النظرية
شهدت سبعينيات القرن العشرين تحولاً كبيراً في نظرية القياس النفسي والإحصاء التطبيقي مع تزايد استخدام الحواسيب وظهور برمجيات تحليل البيانات المتقدمة. واجه الباحثون حينها معضلة تتمثل في أن زيادة المتغيرات المستقلة أو العوامل الكامنة تؤدي تلقائياً إلى تحسين لوغاريتم دالة الإمكان (Likelihood Function) وخفض بواقي التباين، مما يجعل تقييم النماذج بناءً على أقصى إمكانية تضليلياً في أغلب الحالات. استجاب العالم هيروتوغو أزايكي لهذه المشكلة عام 1974 بابتكار معيار معلومات آكايكي (AIC) المستند إلى نظرية المعلومات وتكميم فقدان المعلومات عبر مقياس كولباك-ليبلر، مما فتح آفاقاً جديدة لاختيار النماذج.
غير أن الأوساط الإحصائية البايزية رأت أن معيار آكايكي، بالرغم من عبقريته، لا يميل إلى أن يكون متسقاً بالمعنى الرياضي الأصيل (Asymptotically Inconsistent)؛ إذ إنه يميل إلى اختيار نماذج أكثر تعقيداً من الواقع حتى عندما يؤول حجم العينة إلى المالانهاية، نظراً لأن عقوبته الرياضية ثابتة ومستقلة عن حجم العينة. في هذا السياق، قدم جديون شفارتز عام 1978 في مجلة “حوليات الإحصاء” (The Annals of Statistics) ورقته الكلاسيكية بعنوان “تقدير بُعد النموذج”، مقترحاً صياغة تنطلق من التقريب الرياضي للوغاريتم احتمالية النموذج الحدية (Marginal Likelihood)، وهو التعبير الإحصائي الدقيق لاحتمال أن تكون البيانات قد تولدت بالفعل بواسطة نموذج معين.
أحدثت مساهمة شفارتز ثورة مفاهيمية امتدت عبر العقود اللاحقة إلى نمذجة المعادلات البنائية (Structural Equation Modeling – SEM)، ونمذجة الفئات الكامنة (Latent Class Analysis – LCA)، ونظرية الاستجابة للمفردة (Item Response Theory – IRT). لقد أدرك علماء القياس النفسي أن معيار شفارتز البايزي يقدم حلاً رياضياً متماسكاً لمعضلة مطابقة النماذج الضخمة في العينات الكبيرة، معززاً القدرة على التمييز بين النماذج الحقيقية البديلة، وتجنيب الباحثين الوقوع في استنتاجات سيكومترية وهمية ناتجة عن التباين العشوائي أو التضخم المصطنع في حجم المؤشرات المقاسة.
الصياغة الرياضية والاشتقاق الإحصائي
تستند الصياغة الحسابية لمعيار المعلومات البايزي إلى دالة الإمكان الأعظم مضافاً إليها حد العقوبة الذي يوازن بين عدد المعالم وحجم العينة. في الحسابات القياسية للنمذجة النفسية، يُكتب المعيار وفق الصيغة الرياضية التالية:
BIC = -2 ln(hat{L}) + k cdot ln(n)
حيث يُمثل الرمز hat{L} القيمة العظمى لدالة الإمكان للنموذج المقدر، وهي تعبير عن احتمالية الحصول على البيانات الملاحظة في ظل معالم النموذج المقدرة. أما k فهو عدد المعالم الحرة المقدرة في النموذج (مثل أوزان الانحدار، والتباينات، والتباينات المشتركة، والتشبعات العاملية). ويشير n إلى حجم العينة الإجمالي أو عدد المشاهدات المستقلة المشمولة في التحليل، بينما يمثل ln اللوغاريتم الطبيعي.
ينقسم هذا التركيب الرياضي بوضوح إلى شقين متنافسين:
- شق المطابقة (Goodness-of-Fit Component): ويتمثل في القيمة
-2 ln(hat{L})، والتي تُعرف في أدبيات النمذجة بالانحراف (Deviance). كلما زادت جودة مطابقة النموذج للبيانات، ارتفعت قيمة دالة الإمكان، وبالتالي انخفضت قيمة الانحراف، مما يساهم في تقليل القيمة الكلية للمعيار. - شق العقوبة الإحصائية (Penalty Component): ويتمثل في المقدار
k cdot ln(n). وتعمل هذه القيمة كعقوبة موجبة ترتفع بزيادة عدد المعالم الحرةkوبزيادة حجم العينةn. ومن ثم، فإن إضافة أي معلم جديد إلى النموذج النفسي لا يؤدي إلى خفض قيمة المعيار الإجمالية إلا إذا أحدث تحسناً في دالة الإمكان يفوق مقدار العقوبة المفروضة عليه.
تُفسر القيمة الناتجة وفق قاعدة عامة في التحليل السيكومتري: النموذج ذو القيمة الأقل من BIC هو النموذج الأفضل والأكثر كفاءة. وعند مقارنة نموذجين متنافسين (النموذج أ والنموذج ب)، يُحسب الفارق بين قيمتيهما (ΔBIC). وقد وضع عالم الاجتماع والإحصاء أدريان رافتري (Adrian Raftery) دليلاً إرشادياً معتمداً لتفسير حجم هذا الفارق، حيث يعتبر أن فارقاً يتراوح بين 0 و2 يعبر عن دليل ضعيف لصالح النموذج الأقل، بينما يشير الفارق بين 2 و6 إلى دليل إيجابي معتدل، والفارق بين 6 و10 يعبر عن دليل قوي، في حين يُعد أي فارق يتجاوز 10 دليلاً قاطعاً وحاسماً يرجح النموذج ذا القيمة الأخفض.
تطبيقات معيار المعلومات البايزي في القياس النفسي
يحتل معيار المعلومات البايزي مكانة محورية في صميم البحوث السيكومترية التجريبية والميدانية، وتتعدد استخداماته بتعدد أدوات النمذجة وتنوع التصاميم البحثية. ويمكن تفصيل أبرز هذه المجالات التطبيقية على النحو التالي:
1. التحليل العاملي التوكيدي (Confirmatory Factor Analysis – CFA)
يُستخدم المعيار على نطاق واسع للمفاضلة بين البنى العاملية البديلة للاختبارات النفسية. فعلى سبيل المثال، عند تطوير مقياس جديد للاكتئاب، قد يختلف الباحثون حول ما إذا كانت الأعراض تعبر عن عامل عام أحادي البعد، أم تنقسم إلى بعدين معرفي وجسدي، أم تنتظم في بنية هرمية ثلاثية الأبعاد. من خلال تطبيق معيار المعلومات البايزي على النماذج الثلاثة، يمكن تحديد أي تلك البنى تقدم التمثيل الإحصائي الأمثل والأكثر اقتصاداً دون التضحية بالدقة التفسيرية، مما يمنع اعتماد مقاييس ذات عوامل مشبعة زائدة لا تضيف قيمة تشخيصية فعلية.
2. تحليل الفئات الكامنة والملامح الكامنة (LCA & LPA)
في علم النفس الإكلينيكي وعلم نفس النمو، يسعى الباحثون غالباً إلى تصنيف الأفراد إلى مجموعات فرعية متجانسة نوعياً بناءً على أنماط استجاباتهم للأعراض المرضية أو المهارات السلوكية. تُعد مسألة تحديد العدد الأمثل للفئات الكامنة (Classes) من أصعب المشكلات المنهجية، لأن المؤشرات التقليدية مثل اختبار مربع كاي لا تنطبق بصورة مباشرة في هذا السياق. وهنا يبرز معيار المعلومات البايزي، إلى جانب نظيره المعدل بحجم العينة (SABIC)، كمعيار حاسم للمقارنة؛ حيث يُقارن نموذج الفئتين بنموذج الفئات الثلاث والأربع، ويُعتمد عدد الفئات الذي يتوقف عنده انخفاض قيمة المعيار ويبدأ في الارتفاع أو الاستقرار، مما يحمي الباحثين من استنتاج فئات وهمية تعبر عن ضجيج عشوائي.
3. نظرية الاستجابة للمفردة (Item Response Theory – IRT)
تتطلب معايرة مفردات الاختبارات النفسية والتحصيلية الاختيار بين نماذج استجابة متعددة التعقيد، مثل نموذج راش (1PL) الذي يفترض تساوي قدرة التمييز بين المفردات، والنموذج ثنائي المعلم (2PL) الذي يُقدر معلم التمييز بشكل مستقل لكل مفردة، والنموذج ثلاثي المعلم (3PL) الذي يضيف معلم التخمين. يُسهم معيار المعلومات البايزي في تقييم ما إذا كان تعقيد النموذج ثلاثي المعلم مبرراً رياضياً في ضوء استجابات عينة التقنين، أم أن الانتقال إلى نموذج أبسط وأكثر ثباتاً يمنح القياس النفسي موثوقية أعلى وأقل عرضة لخطأ التقدير العيني.
المقارنة التحليلية بين معيار BIC ومعيار AIC ومؤشرات المطابقة الأخرى
تُمثل المقارنة المنهجية بين معيار المعلومات البايزي (BIC) ومعيار معلومات آكايكي (AIC) أحد أهم الموضوعات في فلسفة الإحصاء التطبيقي وعلم القياس النفسي. ينبع الاختلاف الجوهري بينهما من الغاية الفلسفية والصياغة الرياضية لمعامل العقوبة المفروض على تعقيد النموذج، ويمكن تلخيص ذلك الفارق عبر النقاط التالية:
- معامل العقوبة الرياضي: في معيار آكايكي (AIC)، تُحسب العقوبة بالقيمة
2k، وهي عقوبة خطية ثابتة تعتمد حصراً على عدد المعالم ولا تتأثر نهائياً بحجم العينة. في المقابل، يفرض معيار BIC عقوبة بمقدارk cdot ln(n). وبما أن اللوغاريتم الطبيعي لأي عينة يزيد حجمها عن ثمانية أفراد (ln(n) > 2عندماn ge 8) يتجاوز القيمة 2، فإن عقوبة BIC تكون دائماً أشد قسوة وصرامة على تعقيد النماذج مقارنة بعقوبة AIC في جميع الدراسات النفسية الواقعية تقريباً. - الاتساق الإحصائي مقابل الكفاءة التنبؤية: يتميز معيار BIC بخاصية الاتساق الإحصائي (Statistical Consistency)؛ فإذا كان “النموذج الحقيقي” المولد للبيانات النفسية موجوداً بالفعل ضمن مجموعة النماذج المتنافسة المفحوصة، فإن احتمالية اختيار BIC لهذا النموذج الحقيقي تقترب من اليقين التام (1.0) كلما اقترب حجم العينة من المالانهاية. أما معيار AIC، فهو معيار يتسم بالكفاءة الصغرى (Minimax Efficiency)؛ حيث يهدف إلى تعظيم القدرة التنبؤية بالاستجابات المستقبلية حتى لو أدى ذلك إلى اختيار نموذج أكثر تعقيداً بقليل من الواقع النفسي الفعلي.
- مقارنته بمؤشرات المطابقة في المعادلات البنائية (SEM): تختلف معايير المعلومات عن مؤشرات المطابقة الشائعة مثل جذر متوسط مربعات خطأ الاقتراب (RMSEA) ومؤشر المطابقة المقارن (CFI). فبينما تقيس المؤشرات الأخيرة جودة مطابقة نموذج فردي بالنسبة إلى نموذج الصفر أو بيانات التباين المشترك المطلقة، توفر معايير BIC مقارنة تفاضلية نسبية مباشرة بين نماذج لا يُشترط فيها أن تكون متداخلة (Non-nested Models)، مما يمنح الباحث مرونة فائقة لاختبار أطر نظرية متنافسة جذرياً.
حساسية حجم العينة وقوة معامل العقوبة الإحصائية
تُعد علاقة معيار المعلومات البايزي بحجم العينة (n) من القضايا الإحصائية بالغة الدقة والحساسية في تصميم البحوث السيكومترية. فعندما يتضاعف حجم العينة عشرات المرات، يزداد حد العقوبة k cdot ln(n) بشكل مضطرد، مما يجعل المعيار شديد الحذر إزاء إضافة أي معلم إضافي ما لم يقدم تحسيناً هائلاً في دالة الإمكان. وفي العينات النفسية الضخمة للغاية، كالتي تتجاوز عشرات الآلاف في المسوح الوطنية ومشاريع البيانات النفسية المفتوحة، قد تصبح هذه العقوبة بالغة الشدة إلى الحد الذي قد يؤدي إلى تفضيل نماذج بالغة البساطة قد تُغفل تأثيرات نفسية فرعية حقيقية ولكنها ذات حجم أثر ضئيل.
وعلى النقيض تماماً، في العينات الصغيرة نسبياً (مثلاً، أقل من 100 أو 150 مشاركاً، كما هو الحال في بعض الدراسات السريرية النادرة وتجارب علم النفس العصبي)، قد لا تكون العقوبة كافية لموازنة أخطاء المعاينة العشوائية، أو قد يعاني لوغاريتم دالة الإمكان من عدم استقرار رياضي، مما يؤدي إلى نتائج متذبذبة في اختيار النماذج. ولذلك، يؤكد علماء الإحصاء النفسي على ضرورة عدم الاعتماد الحصري على رقم مجرد لـ BIC بمعزل عن حجم العينة والسياق النظري، والاهتمام بقوة القوة الإحصائية للتصميم البحثي لضمان كفاءة التمايز بين النماذج المقترحة.
الصيغ المتقدمة والمعدلة لمعيار المعلومات البايزي
لمواجهة التحديات المرتبطة بحساسية معيار BIC لحجم العينة والتعقيد المنهجي في الدراسات متعددة المستويات، طور علماء القياس النفسي والإحصاء الرياضي صياغات بديلة متقدمة تعالج القيود الأصلية لصيغة شفارتز. وتشتمل أبرز هذه الصيغ المطورة على الآتي:
معيار المعلومات البايزي المعدل بحجم العينة (Sample-Size Adjusted BIC – SABIC)
اقترح سكلوف عام 1987 تعديلاً محورياً على حجم العينة المستخدم في حد العقوبة، حيث يتم استبدال n بالقيمة المعدلة n^* = (n + 2) / 24. يؤدي هذا التعديل إلى تخفيف حدة العقوبة في العينات الكبيرة، مع تعزيز استقرار المعيار في العينات المتوسطة والصغيرة. وقد أثبتت دراسات المحاكاة الحاسوبية المكثفة أن مؤشر SABIC يتفوق على BIC التقليدي وعلى معيار AIC في تطبيقات نمذجة الفئات الكامنة (LCA) ونمذجة النمو الخطي، وهو المؤشر المفضل والمعتمد افتراضياً في العديد من البرمجيات الرائدة مثل برنامج Mplus.
معيار المعلومات المعرفي والانتروبي (dIC & ABIC)
في إطار النمذجة البايزية الصرفة باستخدام خوارزميات سلسلة ماركوف ومونت كارلو (MCMC)، طُوّر معيار معلومات الانحراف (Deviance Information Criterion – DIC) ليتعامل مع النماذج التي تحتوي على معالم عشوائية وتوزيعات مسبقة غير منتظمة. كما يُستخدم مقياس الإنتروبيا (Entropy) كمعيار إضافي مكمل لمؤشر BIC في النماذج الخليطة لتقييم مدى وضوح ونقاء فرز الحالات والمشاركين ضمن الفئات المحددة، مما يضمن أن النموذج الفائز لا يمتلك مجرد مؤشر رياضي منخفض، بل يقدم تصنيفاً سيكومترياً قاطعاً وقابلاً للتفسير السريري.
التحديات المنهجية وإرشادات التطبيق العملي في البحوث النفسية
على الرغم من المكانة الرفيعة التي يحظى بها معيار المعلومات البايزي كأحد أكثر المقاييس موضوعية ورصانة، فإن تطبيقه غير الحذر في الأبحاث النفسية قد يُفضي إلى مشكلات منهجية جسيمة. يتطلب الاستخدام الرشيد للمعيار وعياً دقيقاً بعدد من الاعتبارات والمحاذير التي ينبغي على الباحثين مراعاتها:
- الاشتراط الصارم لتطابق البيانات والمشاهدات: لا يجوز بأي حال من الأحوال مقارنة قيم BIC بين نماذج تعتمد على مجموعات بيانات مختلفة، أو نماذج تختلف في عدد الحالات المفقودة (Missing Data). يجب أن يُحسب المعيار لنفس العينة تماماً وبنفس عدد المفردات الخاضعة للتحليل؛ فأي حذف لبيانات مشاركين بين نموذج وآخر يُفسد المقارنة الرياضية ويجعلها غير صالحة إحصائياً.
- الابتعاد عن التفسير الآلي الميكانيكي: لا ينبغي أن يتحول البحث النفسي إلى مجرد سباق حسابي لتقليل قيمة BIC دون النظر إلى المعنى النظري والمنطق السيكولوجي. فالنموذج الذي يحقق أدنى قيمة للمعيار ولكنه يفرز معاملات مسار غير منطقية (مثل تشبعات سالبة للذكاء، أو معاملات تباين سالبة والمعروفة بتقديرات هيوود Heywood cases) هو نموذج مرفوض علمياً، ويجب استبعاده مهما بلغت جودة مؤشراته الرياضية.
- تحديد حجم العينة الفعلي في التصاميم الهرمية: عند إجراء تحليلات النمذجة متعددة المستويات (Multilevel Modeling) كالبيانات المجمعة من طلاب داخل فصول دراسية، يثور تساؤل جوهري: هل يُمثل
nفي معادلة العقوبة عدد الأفراد (المستوى الأول) أم عدد المدارس والفصول (المستوى الثاني)؟ أظهرت الدراسات الحديثة أن استخدام حجم عينة المستوى الأول بصورة مطلقة يفرض عقوبة مبالغاً فيها، مما يتطلب استخدام صيغ BIC المتخصصة في البيانات الهرمية لضمان دقة التقدير. - الجمع بين المؤشرات المتعددة: يُوصى دائماً في التقارير السيكومترية بعدم الاكتفاء بمؤشر BIC بمفرده، بل عرضه جنباً إلى جنب مع معيار AIC، ومؤشر SABIC، واختبارات النسبة البوتسترابية (Bootstrapped Likelihood Ratio Test – BLRT)، ومؤشرات المطابقة المطلقة، لتقديم صورة بصرية متكاملة وشاملة لصناع القرار الإكلينيكي والباحثين.
الخاتمة
يُمثّل معيار المعلومات البايزي (BIC) نقلة نوعية في منهجية العلوم النفسية والاجتماعية المعاصرة، إذ يجسد التوليف الرياضي المحكم بين النزعة التجريبية الصارمة والمطلب الفلسفي للاقتصاد والبساطة المعرفية. ومن خلال فرضه لعقوبة محسوبة بدقة على التعقيد الإحصائي الزائد للنماذج وتفاديه لعثرات اختبارات الدلالة الصفرية في العينات الكبيرة، منح هذا المعيار الباحثين في القياس النفسي أداة معيارية فائقة لتفكيك تعقيدات الشخصية والقدرات المعرفية والاضطرابات النفسية بنماذج دقيقة ومستقرة قابلة للتعميم؛ ليظل فهم أسس هذا المعيار، وحساباته، وحدوده المنهجية متطلباً جوهرياً لكل باحث يسعى إلى بناء مقاييس سيكومترية ونماذج بنائية تتسم بالرصانة والنزاهة العلمية.
المراجع
- Schwarz, G. (1978). Estimating the dimension of a model. The Annals of Statistics, 6(2), 461–464. https://doi.org/10.1214/aos/1176344136
- Akaike, H. (1974). A new look at the statistical model identification. IEEE Transactions on Automatic Control, 19(6), 716–723. https://doi.org/10.1109/TAC.1974.1100705
- Raftery, A. E. (1995). Bayesian model selection in social research. Sociological Methodology, 25, 111–163. https://doi.org/10.2307/271063
- Burnham, K. P., & Anderson, D. R. (2004). Multimodel inference: Understanding AIC and BIC in model selection. Sociological Methods & Research, 33(2), 261–304. https://doi.org/10.1177/0049124104268644
- Kline, R. B. (2023). Principles and practice of structural equation modeling (5th ed.). Guilford Press.
- Nylund, K. L., Asparouhov, T., & Muthén, B. O. (2007). Deciding on the number of classes in latent class analysis and growth mixture modeling: A Monte Carlo simulation study. Structural Equation Modeling: A Multidisciplinary Journal, 14(4), 535–569. https://doi.org/10.1080/10705510701575396
- Sclove, S. L. (1987). Application of model-selection criteria to some problems in multivariate analysis. Psychometrika, 52(3), 333–343. https://doi.org/10.1007/BF02294360
- Vrieze, S. I. (2012). Model selection and psychological theory: A discussion of the differences between the Akaike information criterion (AIC) and the Bayesian information criterion (BIC). Psychological Methods, 17(2), 228–243. https://doi.org/10.1037/a0027127