الفلسفة والتحليل النفسيعلم النفس الوجوديمفاهيم نفسية

الكينونة في العالم: المفهوم الفلسفي والتحليل النفسي الوجودي

الكينونة في العالم (In-der-Welt-sein): مفهوم فلسفي ونفسي وجودي يصف الوجود البشري كوحدة لا تنفصل عن سياقها، ويشكل أساس التحليل الوجودي والعلاج النفسي المعاصر.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 30 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 30 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل مفهوم الكينونة في العالم (بالألمانية: In-der-Welt-sein) أحد أعمق المنعطفات الأنطولوجية والإبستمولوجية في الفكر المعاصر، حيث أعاد صياغة فهم الطبيعة البشرية بعيداً عن الثنائيات الديكارتية التقليدية التي فصلت الذات عن الموضوع. لا يعبر هذا المفهوم عن مجرد وجود فيزيائي لكائن حي داخل حيز جغرافي، بل يصف البنية التأسيسية للوعي والوجود البشري بوصفه كلاً لا يتجزأ من التفاعل والانغماس في سياق مادي، واجتماعي، وثقافي ومعنوي. في ميدان علم النفس والتحليل النفسي الوجودي، شكل هذا المفهوم حجر الزاوية لإعادة تعريف الصحة النفسية، والاضطراب، والعلاقة العلاجية، من خلال النظر إلى الإنسان ليس كآلة بيولوجية أو جهاز نفسي مغلق، وإنما ككينونة منفتحة تتشكل وتتكشف باستمرار عبر علاقتها بالعالم.

السياق التاريخي والفلسفي لنشأة مفهوم الكينونة في العالم

نشأ المفهوم بصيغته النسقية الأكثر نضجاً في كتاب الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر المنشور عام 1927 بعنوان «الوجود والزمان» (Sein und Zeit). كان هايدغر يسعى إلى تجاوز المأزق الإبستمولوجي الذي ورثته الفلسفة الغربية منذ رينيه ديكارت، والذي حصر التجربة الإنسانية في “أنا مفكرة” (Res cogitans) معزولة تقف في مواجهة “عالم ممتد” (Res extensa) خارجي وموضوعي. رأى هايدغر أن هذه الثنائية تشوه حقيقة التجربة المعاشة؛ فالإنسان لا يدرك ذاته أولاً ثم يبدأ في البحث عن العالم الخارجي والارتباط به، بل إن الوجود الإنساني هو بطبيعته وجود-في-العالم منذ البداية وبشكل مسبق قبلي.

استند هايدغر في صياغته لهذا المفهوم إلى الفينومينولوجيا التي أسسها أستاذه إدموند هوسرل، والتي نادت بالعودة إلى “الأشياء ذاتها” وفحص الظواهر كما تتجلى للوعي المباشر. غير أن هايدغر وجه الفينومينولوجيا وجهة أنطولوجية؛ فالوعي عند هوسرل يتسم بالقصدية، أي أنه دائماً وعيٌ بشيء ما، لكن هايدغر مدّ هذه القصدية لتشمل الوجود بأسره، واصطلح على تسمية الكينونة الإنسانية المتميزة بـ “الدازاين” (Dasein)، والتي تعني حرفياً “الوجود-هناك”. الدازاين ليس جوهراً ثابتاً، بل هو إمكانية وانفتاح وعلاقة، والعالم ليس مجرد مجموع الأشياء، بل هو أفق المعنى الذي يتحرك فيه هذا الوجود.

لقد تطلب هذا التحول اللغوي والمفاهيمي استخدام الواصلات (In-der-Welt-sein) للدلالة على أن الكلمات الثلاث لا تمثل عناصر منفصلة تم جمعها معاً، بل تعبر عن ظاهرة موحدة وأساسية لا تقبل التجزئة. هذا التأسيس الفلسفي لم يلبث أن أحدث ثورة جذرية في فهم العلوم الإنسانية، ولا سيما في علم النفس والطب النفسي، حيث وجد فيه رواد المدرسة الوجودية بديلاً صلباً ومقنعاً عن النماذج الميكانيكية والاختزالية التي كانت تسود الأوساط العلمية في بدايات القرن العشرين، فاتحاً الباب أمام فهم أشمل للاضطرابات النفسية كاضطراب في نمط الكينونة في العالم برمته.

البنية التأسيسية للكينونة في العالم: مقومات الدازاين

لكي تتضح أبعاد الكينونة في العالم، قام هايدغر بتحليل المكونات الوجودية التي تؤلف بنية الدازاين اليومية، وهي بنيات تنعكس بشكل مباشر على الصحة النفسية والديناميات الشخصية. أولى هذه البنيات هي ما أسماه بـ المزاج الوجودي أو الحالة الوجدانية الأساسية (Befindlichkeit)، والتي تعبر عن الطريقة التي يجد بها الإنسان نفسه ملقى في العالم. المزاج هنا ليس مجرد حالة انفعالية عابرة أو إفراز كيميائي عصبي، بل هو أداة كشف أنطولوجية تحدد كيفية تجلي العالم للفرد، وتكشف له عن “إلقائيته” (Geworfenheit)؛ أي حقيقة أنه وُجد في هذا العالم بسياق لم يختره مسبقاً، محملاً بمسؤولية التعامل معه.

أما البنية الثانية فهي الفهم (Verstehen)، والذي لا يُقصد به الإدراك العقلاني النظري، بل القدرة العملية الوجودية على إسقاط الذات نحو إمكاناتها المستقبلية؛ فالإنسان كائن يتجه دائماً نحو الأمام، نحو مشاريعه وغاياته. ويتكامل الفهم مع البنية الثالثة وهي الخطاب أو النطق (Rede)، بوصفه المفصل اللغوي والمعنوي الذي يتيح للإنسان التعبير عن المعنى والتواصل ومشاركة العالم مع الآخرين. إن تضافر هذه المكونات يفرز ما يسمى بـ الاهتمام أو الرعاية (Sorge)، وهي البنية الشاملة التي تجعل وجود الدازاين مشكلة بالنسبة له وموضوعاً لعنايته واهتمامه المستمر.

تتجلى هذه المقومات في تفاعل الإنسان مع الأدوات والأشياء في محيطه اليومي؛ فالأشياء لا تُدرك أولاً كأجسام محايدة “حاضرة في اليد” (Vorhandenheit)، بل كأدوات “جاهزة في اليد” (Zuhandenheit) تكتسب معناها من شبكة الاستخدام والوظيفة ضمن سياق هموم الإنسان ومشاغله. هذا التفسير يمنح علم النفس إطاراً لفهم كيفية اختلال إدراك الواقع لدى المرضى النفسيين، حيث يفقد العالم الجاهزية والترابط المنطقي وتتحول الأدوات المألوفة إلى غربة تهدد وجود الفرد، كما يحدث في حالات الاكتئاب الذهولي والفصام.

الانتقال من الفلسفة إلى علم النفس: نشأة التحليل الوجودي

شهد العقد الثالث والرابع من القرن العشرين انتقالاً فارقاً لمفهوم الكينونة في العالم من حقل الميتافيزيقا والأنطولوجيا إلى الحقل الإكلينيكي والعلاجي. كان المحرك الرئيسي لهذا الانتقال الطبيب النفسي السويسري لودفيغ بنسفانغر (Ludwig Binswanger)، الذي تتلمذ على يد كارل يونغ وكان صديقاً مقرباً لسيغموند فرويد، غير أنه شعر بضيق الأفق الحتمي والبيولوجي في النموذج التحليلي النفسي الكلاسيكي، فوجد في فلسفة هايدغر الأساس المتين لما أسماه التحليل الوجودي (Daseinsanalysis).

لم يرغب بنسفانغر في تأسيس فرع جديد يضاف إلى نظريات الشخصية، بل سعى إلى مراجعة الأسس المعرفية التي يقوم عليها التشخيص النفسي ككل. فبدلاً من اختزال المريض في مجموعة من الأعراض أو الاضطرابات الكيميائية أو الصراعات الغريزية بين الهو والأنا الأعلى، اقترح بنسفانغر دراسة “مشروع العالم” (Weltentwurf) الخاص بكل مريض. إن هذا المشروع هو الهيكل الكلي للمعنى الذي ينظم به الفرد خبراته ومشاعره وسلوكياته، والاضطراب النفسي ليس سوى تضييق أو تشويه أو انغلاق في هذا المشروع الوجودي، يجعل من الكينونة في العالم تجربة مقيدة ومليئة بالعذاب.

تكامل عمل بنسفانغر مع إسهامات الطبيب السويسري الآخر ميدارد بوس (Medard Boss)، الذي تعاون مباشرة مع هايدغر في تنظيم ما يُعرف بـ “حلقات زوليكون” (Zollikon Seminars). ركز بوس على إزالة أي ترسبات نظرية تجريدية قد تعوق الاتصال المباشر بظاهرة المريض، مؤكداً أن الأعراض المرضية النفسية والجسدية هي تعبير عياني عن إعاقة حرية الفرد في الكينونة في العالم والانفتاح على إمكاناته الحقيقية. من خلال هذا المنظور، تحول الهدف العلاجي من محاولة “إعادة التكيف” الاجتماعي السطحي إلى تمكين الإنسان من استعادة سعة أفقه الوجودي وقدرته على استيعاب العالم ومواجهته بوعي ومسؤولية.

الأبعاد الثلاثة للعالم الوجودي

لتسهيل الفهم والتحليل الإكلينيكي، طور المحللون النفسيون الوجوديون، ولا سيما بنسفانغر وتلاه روللو ماي، تصنيفاً ثلاثياً متكاملاً يصف الكيفية التي يعيش بها الإنسان كينونته في العالم. هذه الأبعاد ليست عوالم منفصلة، بل هي مستويات متزامنة ومتداخلة تنبثق في آن واحد ضمن التجربة الذاتية:

  • العالم المحيط أو الطبيعي (Umwelt): يشير إلى البعد البيولوجي والفيزيقي للوجود، وهو العالم المشترك مع جميع الكائنات الحية، متضمناً الغرائز، والدوافع الجسدية، وقوانين الطبيعة، والبيئة البيئية المحيطة، والمحدودية البيولوجية مثل المرض والشيخوخة والموت. في العلاج النفسي، يُنظر إلى هذا البعد من زاوية كيفية إدراك الفرد لجسده وتفاعله مع شروطه البيولوجية والزمنية.
  • العالم التشاركي أو الاجتماعي (Mitwelt): يعبر عن شبكة العلاقات بين-الذاتية والوجود مع الآخرين (Mitsein). هذا البعد لا يعني مجرد التواجد وسط جماعة بشرية، بل يشمل جودة اللقاءات الإنسانية، ومشاعر الحب، والانتماء، والاغتراب، والاعتراف المتبادل. يفترض النموذج الوجودي أن الإنسان لا يمكن أن يكتمل وعيه بذاته إلا من خلال وجوده مع الآخر وعبره.
  • العالم الذاتي أو الداخلي (Eigenwelt): يمثل العلاقة الحميمة والواعية للفرد مع ذاته، وقدرته على الاستبطان وإدراك أفكاره ومشاعره وقيمه الذاتية. إنه الأساس الذي تتجذر فيه الهوية والنزاهة الشخصية، والقدرة على منح المعنى للأحداث الحياتية والوقوف في وجه الحتميات الخارجية.

أضاف بعض المنظرين اللاحقين، مثل إيمي فان دورزن، بعداً رابعاً أطلقوا عليه العالم الروحي أو المثالي (Überwelt)، والذي يتعلق ببحث الإنسان عن المعنى النهائي، والمثل العليا، والمعتقدات الفلسفية أو الروحية التي تمنح حياته غاية عليا. وتكمن الصحة النفسية في تحقيق التوازن والتكامل المرن بين هذه الأبعاد جميعاً، في حين ينشأ الاضطراب العصابي أو الذهاني عندما يطغى بعدٌ معين على حساب الأبعاد الأخرى، أو عندما ينهار أحد هذه الأبعاد بالكامل، كما في حالات العزلة الشديدة أو فقدان البوصلة القيمية.

الكينونة الأصيلة والكينونة الزائفة في التشخيص النفسي

يقدم التحليل النفسي الوجودي مفهوماً جوهرياً لتقييم الشخصية وسلوكها يتمثل في التمييز بين الكينونة الأصيلة (Eigentlichkeit) والكينونة الزائفة أو غير الأصيلة (Uneigentlichkeit). في الحياة اليومية المعتادة، يميل الدازاين إلى الهروب من عبء الحرية والمسؤولية والقلق الوجودي عبر الذوبان في القطيع، أو ما أسماه هايدغر بـ “الـ هم” أو “الناس” (Das Man). في حالة الكينونة الزائفة، يفكر الفرد كما يفكر الناس، ويتصرف كما يتصرف الناس، متخلياً عن فرادته وخياراته الحقيقية لصالح الأمان الزائف الذي يوفره الامتثال الجمعي والمعايير المسبقة الصنع.

على الصعيد النفسي الإكلينيكي، يُعد هذا السقوط في الامتثال المطلق شكلاً من أشكال الاغتراب عن الذات، وغالباً ما يكون مرتعاً خصباً لنشوء الاضطرابات العصابية والقلق المرضي والاكتئاب المزمن. يرى الطبيب والمحلل الوجودي أن الأعراض المرضية تظهر عندما تبدأ الكينونة الزائفة بالتصدع تحت وطأة أزمات الحياة المفصلية، حيث يدرك الفرد فجأة فراغ نمط حياته وفقدانه للأصالة. هنا لا يُعامل العرض المرضي كخلل يجب محوه بسرعة، بل كإشارة تحذير وجودية تدعو الفرد لمراجعة مسار حياته والتحول نحو الكينونة الأصيلة.

تتطلب الكينونة الأصيلة الشجاعة لمواجهة ما أسماه المنظرون الوجوديون بـ “المعطيات الوجودية الأساسية” (Ultimate Concerns)، وهي: الموت، والحرية المقترنة بالمسؤولية، والعزلة الوجودية المطلقة، واللا-معنى المسبق. إن مواجهة هذه الحقائق تثير في النفس ما يُعرف بـ القلق الوجودي (Angst)، وهو قلق تأسيسي غير موجه نحو موضوع محدد بخلاف الخوف، بل ينبع من وعي الفرد باحتمالية العدم، وبأنه الصانع الوحيد لمعنى حياته ومصيره الشخصي. فالشخصية السوية لا تسعى إلى التخلص النهائي من القلق، بل تتعلم كيفية التعايش معه واستثماره كطاقة دافعة نحو النمو والحرية والتفرد الخلاق.

التطبيقات الإكلينيكية في العلاج النفسي الوجودي

أدى دمج مفهوم الكينونة في العالم إلى تحولات جذرية في الممارسة العلاجية الإكلينيكية، وكان لعالم النفس الأمريكي روللو ماي وزميله إرفين يالوم دور بارز في تكييف هذه الرؤى وتطبيقها العملي في البيئات العلاجية الغربية. لم يعد المعالج في التحليل النفسي الوجودي خبيراً موضوعياً محايداً يراقب المريض من برج عاجي كما في التحليل الكلاسيكي، بل أصبح شريكاً في رحلة استكشافية، يعيش لقاءً إنسانياً أصيلاً (I-Thou) وفق رؤية مارتن بوبر، متفاعلاً مع المريض بكينونته الكاملة داخل فضاء العلاج.

تعتمد الممارسة العلاجية على المبادئ الإكلينيكية التالية:

  • التعليق الفينومينولوجي (Epoche): تدريب المعالج على تنحية افتراضاته النظرية، وتصنيفاته التشخيصية المسبقة، وأحكامه المعيارية جانباً، للإنصات العميق إلى الكيفية التي يختبر بها المريض عالمه الخاص وفق شروطه ومفاهيمه الفردية.
  • استكشاف المعنى الشخصي: مساعدة المريض على تفكيك شبكة المعاني التي يبني من خلالها عالمه، والتعرف على النقاط التي أصابها الجمود أو التشويه، ومساعدته على اكتشاف غايات جديدة تمنح وجوده قيمة ودافعية متجددة.
  • تحمل المسؤولية والحرية: نقل المريض من موقع “الضحية السلبية” للظروف، أو الطفولة، أو الكيمياء الدماغية، إلى موقع الفاعل المختار المسؤول عن تفسيره لتلك الظروف وعن استجابته الحالية والمستقبلية لها.
  • مواجهة المحدودية والزمنية: التركيز على بعد “المستقبل” كأفق أساسي لحركة الدازاين، بدلاً من الغرق الحصري في صدمات الماضي، والاعتراف بشروط الفناء الإنساني كحافز لاتخاذ قرارات حاسمة وواعية في الحاضر.

تثبت هذه المنهجية فاعلية فائقة في التعامل مع الأزمات الحياتية الكبرى، مثل أمراض السرطان، والحداد والفقد، واضطرابات التكيف، واكتئاب منتصف العمر، وفقدان المعنى، واضطرابات الشخصية المزمنة. إنها لا تقدم حلولاً سريعة أو مهدئات مؤقتة، بل تمكن الإنسان من بناء صلابة وجودية تتيح له العيش بكرامة وأصالة على الرغم من هشاشة الشرط البشري وغموض العالم المحيط به.

الانتقادات المعاصرة والتقييم المعرفي للمفهوم

على الرغم من العمق الفلسفي والإنساني الهائل الذي أضفاه مفهوم الكينونة في العالم على النظريات النفسية، إلا أنه واجه العديد من الانتقادات من قبل المدارس الأكاديمية والتجريبية. تركزت أولى هذه الانتقادات، الصادرة بشكل خاص من رواد العلاج المعرفي السلوكي ومناصري الطب النفسي المبني على الدليل، حول غموض المصطلحات الهايدغرية وصعوبة إخضاع مفاهيم مثل “الأصالة”، و”مشروع العالم”، و”الإلقائية” للاختبار الإمبيراقي والقياس الإحصائي المعياري الصارم المستخدم في العلوم الطبيعية.

كما انتقد علماء النفس الثقافي والاجتماعي المفهوم في صيغته الغربية، مشيرين إلى أنه، على الرغم من تأكيده على “العالم المشترك” (Mitwelt)، يظل مشبعاً بنبرة فردانية متطرفة تمجد حرية الاختيار الفردي وتحمل المسؤولية المستقلة، وهي مبادئ قد تتصادم مع الثقافات الجمعية التي تضع التوافق الجماعي، والواجبات الأسرية، والروابط العشائرية فوق تحقيق التفرد الذاتي. بالإضافة إلى ذلك، يرى بعض نقاد علم النفس العصبي أن التركيز المفرط على البعد الأنطولوجي المعاش قد يقلل دون قصد من الأهمية الحاسمة للمحددات العصبية الجينية والبيولوجية الصلبة التي تقيد قدرة الفرد وتتحكم في حالته المزاجية وقدراته الإدراكية بشكل قهري لا تملك الإرادة الحرة حياله سلطة تامة.

ومع ذلك، تشهد العقود الأخيرة مصالحة علمية واعدة عبر ما يُعرف بنظريات الإدراك المجسد والممتد (Embodied and Extended Cognition) في علوم الأعصاب الإدراكية والفلسفة المعاصرة. هذه النظريات تؤكد علمياً ما قاله هايدغر والتحليليون الوجوديون حدسياً؛ وهو أن العقل البشري ليس محبوساً داخل صندوق الجمجمة، بل هو نظام ديناميكي معقد يتشكل بيولوجياً وجسدياً من خلال حركته وتفاعله الحسي المباشر داخل العالم المحيط. وعليه، فإن مفهوم الكينونة في العالم يظل نموذجاً رائداً تجاوز عصره، ملهماً لمقاربات نفسية متقدمة تسعى إلى توحيد علوم الأعصاب مع عمق التجربة الإنسانية المباشرة.

خاتمة

في الختام، يمثل مفهوم الكينونة في العالم استجابة فكرية وإنسانية حاسمة ضد نزعات التشييء والاختزال التي طغت على دراسة الإنسان في العصر الحديث. من خلال إثبات أن الوجود والبيئة ليسا طرفين منفصلين، بل وحدة وجودية لا تقبل التجزئة، أمدّ هذا النموذج علم النفس والتحليل النفسي بنظرة رحبة تعيد للإنسان كرامته ككائن صانع للمعنى، ومسؤول عن حريته، ومواجه لشروط فنائه بشجاعة وأصالة. إن استيعاب هذا المفهوم لا يثري الممارسة الإكلينيكية فحسب، بل يمنح كل قارئ إطاراً تأملياً عميقاً لإعادة فحص تموضعه في العالم، وتجديد جودة علاقاته مع ذاته والآخرين، والعيش بنزاهة وانفتاح في مواجهة غموض الحياة المعاصرة وتحدياتها الوجودية المتسارعة.

المراجع

  • Binswanger, L. (1963). Being-in-the-world: Selected papers of Ludwig Binswanger (J. Needleman, Trans.). Basic Books.
  • Boss, M. (1979). Existential foundations of medicine and psychology (S. Conway & A. Cleaves, Trans.). Jason Aronson.
  • Heidegger, M. (1962). Being and time (J. Macquarrie & E. Robinson, Trans.). Harper & Row. (Original work published 1927).
  • May, R., Angel, E., & Ellenberger, H. F. (Eds.). (1958). Existence: A new dimension in psychiatry and psychology. Basic Books.
  • van Deurzen, E. (2012). Existential counselling and psychotherapy in practice (3rd ed.). SAGE Publications.
  • Yalom, I. D. (1980). Existential psychotherapy. Basic Books.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 30). الكينونة في العالم: المفهوم الفلسفي والتحليل النفسي الوجودي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/being-in-the-world-concept/
looti, Mohammed. “الكينونة في العالم: المفهوم الفلسفي والتحليل النفسي الوجودي.” عرب سايكلوجي, 30 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/being-in-the-world-concept/.
looti, Mohammed. “الكينونة في العالم: المفهوم الفلسفي والتحليل النفسي الوجودي.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 30, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/being-in-the-world-concept/.