تمثل دافعية الكينونة واحدة من أعمق المفاهيم التي صاغها علم النفس الإنساني لتفسير الغايات القصوى للوجود الإنساني وتجاوز النماذج الحتمية والبيولوجية الضيقة. يُعد هذا المفهوم نقلة نوعية في فهم السلوك البشري؛ إذ يفكك الارتباط التقليدي بين الدافع والشعور بالحرمان، مؤكداً أن الإنسان كائن لا تحركه نوازع البقاء البيولوجي فحسب، بل يتوق بطبيعته الجوهرية إلى تجسيد المعنى والارتقاء نحو قيم الكمال الوجودي. تنبثق هذه الرؤية من الافتراض القائل بأن التحقق الكامل لإنسانية الفرد لا يتوقف عند نقطة الاستقرار والتوازن الحيوي، بل يبدأ فعلياً حين تنفتح بصيرته على ما وراء الذات الفردية ليعيش من أجل قيم عليا تمنح الحياة ثراءها وأصالتها.
السياق التاريخي والفكري لنشوء دافعية الكينونة
نشأت دافعية الكينونة في منتصف القرن العشرين بالتزامن مع انبثاق حركة علم النفس الإنساني، والتي عُرفت تاريخياً بـ “القوة الثالثة” لمواجهة الهيمنة الفكرية لكل من التحليل النفسي الكلاسيكي والاتجاه السلوكي الصارم. رأى عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو أن التحليل النفسي الفرويدي غرق في دراسة الأمراض والعصاب والانحرافات السلوكية، ما جعله يقدم نظرة مشوهة ومختزلة للطبيعة الإنسانية تحصرها في إطار الدوافع اللاشعورية والصراعات التدميرية. في المقابل، انتقد ماسلو بشدة النماذج السلوكية التي تعاملت مع الكائن البشري بوصفه آلة ميكانيكية تستجيب للمثيرات الخارجية طلباً للمكافأة أو تفادياً للعقاب، متجاهلة الوعي الذاتي والإرادة الحرة والتطلعات الروحية والفلسفية.
سعياً لتصحيح هذا المسار، اتجه ماسلو إلى دراسة عينات غير مألوفة في تاريخ البحث السيكولوجي، حيث انتقى شخصيات تاريخية ومعاصرة تتمتع بأعلى درجات الصحة النفسية والتوازن والإبداع، من أمثال ألبرت أينشتاين وإليانور روزفلت وباروخ سبينوزا. قاد هذا الاستقصاء الرائد إلى اكتشاف أن هؤلاء الأفراد لا يخضعون في سلوكياتهم وتطلعاتهم لنفس القوانين الديناميكية التي تحكم الأفراد العاديين أو المضطربين؛ إذ لا تحركهم رغبات تعويض النقص أو التهدئة العصابية، بل تسير حياتهم وفق منظومة دافعية متمايزة تماماً أطلق عليها ماسلو مصطلح “دافعية الكينونة” (Being Motivation أو B-Motivation)، والتي تتناغم مع مرحلة ما بعد تلبية الحاجات الأساسية والوصول إلى عتبة تحقيق الذات.
تأثر هذا التوجه الإنساني أيضاً بالروافد الفلسفية الوجودية والظاهراتية (الفينومينولوجيا) الأوروبية، التي ركزت على أصالة الوجود والحرية والمسؤولية الفردية واختيار المعنى في مقابل العدمية. بيد أن ماسلو أضفى صبغة سيكولوجية إيجابية ومتفائلة على الطرح الوجودي؛ فبينما غلب على الوجودية الأوروبية طابع القلق والعبثية، رأى ماسلو أن في عمق كل إنسان بذوراً فطرية للخير والنمو، وأن دافعية الكينونة هي القوة الدافعة التي تسمح لهذه الإمكانات الكامنة بأن تزهر وتصل إلى ذروة تجليها دون شروط أو قيود مفروضة من الخارج.
التمييز المفاهيمي بين دافعية الكينونة ودافعية النقص
يرتكز الإطار النظري لماسلو على تفريق حاسم بين نمطين أساسيين من الدوافع: دوافع العوز أو النقص (Deficiency Motivation أو D-Motivation)، ودوافع الكينونة (B-Motivation). تنشأ دوافع النقص استجابة لشعور الفرد بافتقار عضوي أو نفسي داخلي يحتاج إلى إشباع من البيئة الخارجية لإعادة التوازن؛ ويشمل ذلك الحاجات الفسيولوجية كالجوع والعطش، وحاجات الأمان، والحاجة إلى الحب والانتماء والتقدير الاجتماعي. تعمل هذه المنظومة وفق مبدأ الاتزان الداخلي (Homeostasis)، حيث تتولد حالة من التوتر النفسي المزعج عند غياب المثير، ويسعى السلوك جاهداً لإخماد هذا التوتر واستعادة الهدوء البيولوجي أو النفسي.
في المقابل، تتجاوز دافعية الكينونة مبدأ الاتزان وتخفيف التوتر، لتستند إلى السعي الإيجابي نحو النمو والتوسع المعرفي والجمالي والروحي دون غاية خارجية مادية. فالإنسان الخاضع لدافعية الكينونة لا يستمتع بإنهاء التوتر بل بزيادته الخلّاقة، مثل الفنان الذي يغرق في عمله الإبداعي بشغف لا ينتهي، أو الباحث الذي لا يروي شغفه بالمعرفة سوى الغوص في مزيد من الأسئلة المعقدة. لا ترتبط هذه الدوافع بوجود فجوة يسعى الفرد لرأبها، بل هي تعبير حر وتلقائي عن ثراء الوجود الداخلي للشخص وكينونته الأصيلة التي تبحث عن النماء لذاته.
يتجلى هذا التمايز أيضاً في طبيعة العلاقات الإنسانية؛ إذ ينظر الشخص المدفوع بالعوز إلى الآخرين باعتبارهم أدوات أو وسائل لتلبية حاجاته الفردية للأمان أو الاهتمام أو الجنس أو الاعتراف الاجتماعي، وهو ما أسماه ماسلو بـ “حب النقص” (D-Love). أما من يتحرك بدافعية الكينونة فإنه ينخرط في “حب الكينونة” (B-Love)، وهو حب غير أناني يتسم بالإعجاب والتقدير للطرف الآخر كما هو، بذاته واستقلاليته دون محاولة تغييره أو استغلاله لسد نقص عاطفي ذاتي. هذا الحب يقبل الآخر بعيوبه وميزاته ويتسم بالسكينة والتعالي عن التملك والرغبة في الهيمنة.
كما ينعكس التمييز بين النمطين على المنظومة الإدراكية للأفراد؛ فدافعية النقص تفرض على العقل إدراكاً مجتزأً ونفعياً للبيئة، حيث لا يرى الجائع في التفاحة سوى طعام يُسكت جوعه، ولا يرى المفتقر إلى التقدير في الناس سوى أدوات للتصفيق والثناء. أما دافعية الكينونة فإنها تطلق العنان لما أسماه ماسلو “إدراك الكينونة” (B-Cognition)، وهو إدراك كلي شامل وموضوعي يرى الظواهر والأشياء في قيمتها المتأصلة والفريدة دون إسقاط أي حاجات نفعية ذاتية عليها.
قيم الكينونة (B-Values): الجواهر المحركة للنمو المتسامي
حدد ماسلو مجموعة من القيم الجوهرية التي تمثل المحتوى الأساسي والوقود المحرك لدافعية الكينونة، وأطلق عليها اسم “قيم الكينونة” (Being-Values أو B-Values) أو “الدوافع الفائقة” (Metaneeds). هذه القيم ليست مجرد مفاهيم فلسفية تجريدية، بل هي ضرورات نفسية وجودية تمثل الجوانب المتعددة لواقع حقيقي يسعى الأفراد المحققون لذواتهم للاندماج معه والتعبير عنه في ممارساتهم اليومية:
- الحقيقة (Truth): الرغبة الصادقة في رؤية الأشياء كما هي وتجنب التزييف والجهل، والنزوع الدائم لكشف الزيف حتى لو كان مريحاً.
- الخير (Goodness): الميل الأخلاقي الطبيعي نحو التعاطف والرحمة والتصرف المستقيم لصالح الوجود الإنساني ككل دون انتظار مكافأة.
- الجمال (Beauty): الاستجابة الحية للتناغم والأناقة والروعة في الطبيعة والفنون والسلوك البشري ورفض القبح والابتذال.
- الوحدة والتكامل (Wholeness): السعي نحو دمج المتناقضات ورؤية الترابط العميق بين الكائنات، وتجاوز التقسيمات الثنائية المصطنعة.
- الحيوية والعفوية (Aliveness / Spontaneity): التدفق الداخلي والعيش التلقائي الكامل مع اللحظة الحاضرة والتمتع بالمرونة النفسية.
- العدالة والنظام (Justice and Order): كراهية الفوضى والظلم والجور والحرص على إرساء القوانين المنصفة والانسجام الهيكلي.
- البساطة والغنى الداخلي (Simplicity and Richness): القدرة على تجريد الأمور للوصول إلى جوهرها النقي، مع الإحساس في الوقت ذاته بتركيبها وثراء دلالاتها.
- المرح والطفو (Playfulness): البهجة الفكرية وخفة الروح والاستمتاع بالمفارقات والدعابة النقية المبرأة من الإيذاء أو السخرية من الآخرين.
- الاكتفاء الذاتي والاستقلال (Self-Sufficiency): الاعتماد على التوجيه الداخلي والقيم الذاتية بدلاً من الانقياد الأعمى للمعايير الاجتماعية السائدة.
- المعنى والأصالة (Meaningfulness): التوق المستمر للعيش في سياق غائي يتجاوز التفاهة والسطحية والتطابق الشكلي مع القطيع.
يرى ماسلو أن هذه القيم مترابطة عضوياً بحيث يعكس كل منها الآخر بصورة من الصور؛ فالجمال يتضمن الحقيقة، والعدالة تنطوي على النظام والخير. الأفراد الذين يبلغون هذا المستوى من التطور النفسي يختبرون هذه القيم بوصفها هويتهم الذاتية، فلا يعود هناك حاجز بين “أنا” و”القيم التي أؤمن بها”؛ بل يصبح الشخص هو الحقيقة وهو الخير وهو الجمال في أفعاله وعلاقاته، وتغدو خسارة إحدى هذه القيم بمثابة خسارة لجزء حيوي من ذاته.
إدراك الكينونة (B-Cognition) وتجارب الذروة
يرتبط العمل بدافعية الكينونة ارتباطاً وثيقاً بنمط إدراكي متفرد يُعرف بـ “إدراك الكينونة” (B-Cognition)، والذي يمثل حالة عقلية وشعورية يختبر فيها الفرد العالم دون أحكام تقييمية مسبقة، ودون تجزئة، ودون إسقاط لرغباته ومخاوفه الذاتية على الموضوعات المدركة. في هذا النمط، يُدرك الكائن أو الشيء لذاته في كماله واكتماله، وكأنه الشيء الوحيد القائم في الكون، فيتحرر المدرِك من إحساسه الحاد بالزمان والمكان، ويندمج تماماً في حضور نقي يستحضر الدهشة والتبجيل والانخطاف الحسي والروحي.
يقود إدراك الكينونة في كثير من الأحيان إلى ما أسماه ماسلو تجارب الذروة (Peak Experiences)، وهي لحظات نادرة ومكثفة يشعر فيها الإنسان بالسعادة الغامرة والسكينة والاتحاد الكامل مع الوجود. قد تحدث هذه التجارب عند التأمل في مشهد طبيعي ساحر، أو الاستماع إلى عمل موسيقي استثنائي، أو أثناء التفكير الإبداعي الملهم، أو عند ممارسة الحب العميق، أو خلال الولادة ورعاية كائن جديد. في هذه اللحظات، تزول كل الشكوك والمخاوف، ويشعر الفرد بيقين مطلق حول معنى الحياة وقيمتها، وتنعدم الحاجة لأي تبرير فلسفي خارجي للوجود.
تترك تجارب الذروة والعيش تحت مظلة إدراك الكينونة آثاراً علاجية وتحولية بعيدة المدى على بنية الشخصية؛ إذ تؤدي إلى إزالة التمزقات الداخلية وتزيد من قبول الذات والآخرين، كما تعزز الإحساس بالامتنان والتواضع المعرفي والوجودي. يخرج الفرد من هذه التجارب ولديه مناعة أكبر ضد مشاعر العبث والإحباط، إذ تُرسخ في وجدانه حقيقة مفادها أن الحياة تحتوي على أبعاد ساحرة تستحق أن تُعاش وتُصان، مما يعيد تنشيط دافعية الكينونة باستمرار لمواصلة النمو وتجاوز العوائق اليومية.
العلل النفسية الفائقة (Metapathologies): مآلات إحباط دافعية الكينونة
لم يغفل ماسلو عن دراسة الجانب السلبي الناتج عن حرمان الإنسان من إشباع حاجات الكينونة العليا. فكما يؤدي الحرمان من الحاجات الفسيولوجية الأساسية (كالطعام أو الماء) إلى المرض الجسدي، ويؤدي الحرمان من حاجات الأمان والانتماء إلى العصاب واضطرابات الشخصية، فإن الحرمان من قيم الكينونة العليا يقود حتماً إلى ما أطلق عليه ماسلو “العلل النفسية الفائقة” أو “أمراض الكينونة” (Metapathologies). هذه الاضطرابات لا تنبع من نقص مادي أو صراع بيولوجي، بل من فراغ وجودي ناتج عن العيش في بيئة تفتقر إلى المعنى والصدق والعدالة والجمال.
تتخذ أمراض الكينونة أشكالاً متعددة في المجتمعات المعاصرة؛ فحرمان الفرد من قيمة “الحقيقة” يولد لديه الشك المزمن والارتياب وانعدام الثقة في أي خطاب (Cynicism) وفقدان الإيمان بإمكانية معرفة الصواب. كما أن حرمان الإنسان من “الجمال” وإحاطته بالبيئات القبيحة والمبتذلة والخانقة يؤدي إلى نوع من التبلد الحسي والاضطراب المزاجي والكآبة الخفية. وبالمثل، فإن العيش في سياق يفتقر إلى “العدالة” ويعتمد على المحسوبية والتمييز يدفع الإنسان نحو اليأس والانعزال والعدوانية النابعة من انعدام الشعور بجدوى الاستقامة.
يعد “الخواء الوجودي” و”فقدان المعنى” (Nihilism) من أبرز العلل الفائقة التي درسها ماسلو وتلاقت فيها رؤاه مع أطروحات فيكتور فرانكل في العلاج بالمعنى. عندما يُجبر الإنسان على حصر نشاطه في إشباع الغرائز المادية والاستهلاك الشره والترقي الاجتماعي الزائف، مع قمع تطلعاته للكينونة والنمو الروحي، فإنه يصاب بحالة من الاغتراب العميق عن ذاته الجوهرية. تتجلى هذه الحالة في صورة ملل دائم، وشعور بعبثية الإنجازات اليومية، وافتقار إلى الحماس الحقيقي، والبحث المحموم عن متع مؤقتة أو اللجوء إلى الإدمان لملء هذا الفراغ الروحي المتنامي.
التطبيقات الإكلينيكية والتربوية والقيادية لدافعية الكينونة
تلقي دافعية الكينونة بظلالها الوارفة على الممارسات الإكلينيكية والعلاج النفسي؛ حيث تتحدى المنظور الطبي التقليدي الذي يختزل الشفاء في إزالة الأعراض المرضية الظاهرة. في ضوء مفاهيم الكينونة، يصبح هدف العلاج مساعدة المسترشد على تحرير طاقاته المعطلة وإشعال دوافعه العليا، والانتقال به من مرحلة التكيف الدفاعي الهش مع آلام النقص إلى مرحلة التسامي وتحقيق الذات واكتشاف المعنى الأصيل. يركز المعالج الإنساني هنا على ترسيخ “حب الكينونة” غير المشروط داخل فضاء الجلسة، مما يتيح للعميل استكشاف كينونته بحرية دون خشية النبذ أو الإدانة.
وفي الحقل التربوي، تقدم دافعية الكينونة نموذجاً ثورياً يُعرف بـ “التعليم المتمركز حول الإنسان”. يرفض هذا النمط أساليب التلقين القائمة على الحفظ الآلي واختزال التعليم في نيل الدرجات والشهادات بهدف تلبية حاجات الأمان الوظيفي فقط (دوافع النقص). بدلاً من ذلك، يدعو إلى خلق بيئات تعليمية تنمي الفضول الإنساني الفطري وحب الاستطلاع لذاته، وتجعل من اكتشاف الحقيقة وتذوق الجمال والتفكير النقدي المستقل غايات سامية في حد ذاتها. إن التربية القائمة على دوافع الكينونة تسعى إلى صقل “إنسان كامل” يعي مسؤوليته الأخلاقية تجاه كوكبه ومجتمعه.
أما في علم النفس التنظيمي والإداري، فقد أحدثت أفكار ماسلو حول دوافع الكينونة ثورة في نظريات القيادة والإدارة الإنسانية. أدركت المنظمات الحديثة أن تحفيز الموظفين عبر الرواتب والمكافآت وتجنب العقاب (دوافع العوز) له سقف محدود ولا يضمن الولاء والإبداع الاستثنائي. لذا، اتجهت الإدارات المعاصرة نحو صياغة بيئات عمل تتبنى “القيم العليا”، من خلال تعزيز الشفافية والعدالة، ومنح الأفراد الاستقلالية ومساحات للابتكار والشعور بأن عملهم يخدم غاية نبيلة تتجاوز الربح المادي المباشر، وهو ما يجسد دافعية الكينونة في صورتها المؤسسية.
النقد المنهجي والاتجاهات المعاصرة في دراسة دافعية الكينونة
على الرغم من الأثر الإيجابي الواسع الذي أحدثته دافعية الكينونة في مسار الفكر السيكولوجي، إلا أنها واجهت انتقادات منهجية وعلمية مكثفة من قبل علماء النفس التجريبيين. تركزت أبرز هذه الانتقادات على صعوبة إخضاع مفاهيم مثل “الكينونة” و”الجمال” و”الذروة” للاختبار الإمبيريقي والقياس الإحصائي الدقيق، واتُّهم ماسلو بالاعتماد على ملاحظات ذاتية واستبطانية لعينات غير عشوائية تحيزت لأشخاص ينتمون إلى الطبقة المتوسطة والعليا الغربية، مما قد يحد من شمولية هذه المفاهيم وتعميمها على ثقافات وظروف بيئية مغايرة.
كذلك انتقد علماء الاجتماع الطابع النخبوي المفرط في الترتيب الهرمي الذي اشترط فيه ماسلو -في مراحله الأولى- الإشباع شبه التام لحاجات النقص للتمكن من بلوغ دافعية الكينونة، مؤكدين أن التاريخ الإنساني حافل بنماذج لأفراد عانوا من الفقر المدقع وغياب الأمان والاضطهاد لكنهم استطاعوا إبداع أعظم روائع الفن والأدب وقدموا نماذج استثنائية في التضحية والتمسك بالقيم الأخلاقية العليا. وقد دفع هذا النقد ماسلو في كتاباته المتأخرة إلى تعديل صرامة هذا التدرج، معترفاً بأن دافعية الكينونة قد تنبثق أحياناً من قلب المعاناة والمخاضات القاسية.
مع مطلع القرن الحادي والعشرين، استعادت دافعية الكينونة بريقها وتألقها العلمي بفضل ولادة حركة علم النفس الإيجابي التي قادها مارتن سليغمان وميهالي تشيكسينتميهالي وغيرهم. عمل هؤلاء العلماء على مأسسة أفكار ماسلو من خلال تطوير أدوات قياس دقيقة لمفاهيم السعادة الحقيقية (Eudaimonia)، ونظرية التدفق الذهني (Flow)، ونقاط القوة والفضائل الإنسانية، وأظهرت الأبحاث البيولوجية العصبية المعاصرة وجود تغيرات واضحة في كيمياء الدماغ ومناطقه المسؤولة عن الهدوء والتعاطف عند الانخراط في تجارب الذروة والبحث عن المعنى، مما أضفى سنداً علمياً تجريبياً على البصائر الإنسانية الملهمة التي قدمها ماسلو حول دافعية الكينونة.
خاتمة
تظل دافعية الكينونة علامة فارقة في تاريخ علم النفس؛ إذ نقلت النظرة إلى الإنسان من مجرد كائن مدفوع بنوازع النقص والتعويض والامتثال الغريزي، إلى كائن متسامٍ يتغذى وجدانه على قيم الحق والخير والجمال. إن فهم هذا المفهوم لا يقتصر على أهميته الأكاديمية المجردة، بل يمثل دليلاً وجودياً ودافعاً حقيقياً لإعادة بناء الفلسفات الإنسانية، وتطوير الأنظمة التعليمية والصحية والمؤسسية لتصبح أكثر احتضاناً لكرامة الإنسان وتطلعه الدائم نحو الكمال والتسامي بالذات.
المراجع
- Frankl, V. E. (2006). Man’s Search for Meaning. Beacon Press.
- Maslow, A. H. (1968). Toward a Psychology of Being (2nd ed.). Van Nostrand Reinhold.
- Maslow, A. H. (1970). Motivation and Personality (2nd ed.). Harper & Row.
- Maslow, A. H. (1971). The Farther Reaches of Human Nature. Viking Press.
- Rogers, C. R. (1961). On Becoming a Person: A Therapist’s View of Psychotherapy. Houghton Mifflin.
- Seligman, M. E., & Csikszentmihalyi, M. (2000). Positive psychology: An introduction. American Psychologist, 55(1), 5-14.