اضطرابات الإدراك البصريطب الأعصاب السلوكيعلم النفس العصبي

عمى الشقين الصدغيين: الأسس العصبية التشريحية، والتظاهرات الإكلينيكية، والتداعيات النفسية العصبية

عمى الشقين الصدغيين هو اضطراب بصري عصبي ينتج عن تضرر الألياف البصرية المتصالبة في التصالب البصري، ويؤدي إلى فقدان النصف الخارجي من المجال البصري لكلا العينين، مع تداعيات نفسية ومعرفية وسلوكية بالغة الأثر.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 30 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 30 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل الإبصار إحدى أكثر الوظائف الحسية تعقيداً وتشابكاً مع البنية النفسية والمعرفية للإنسان، حيث لا يقتصر دوره على مجرد استقبال المنبهات الضوئية، بل يشكل الركيزة الأساسية لبناء الإدراك المكاني والتفاعل الاجتماعي والتوازن الوجداني. وعندما يتعرض المسار البصري لأي اعتلال وظيفي أو تركيبي، تتداعى هذه المنظومة الإدراكية مخلفةً اضطرابات عميقة تتجاوز حدود العجز الحسي الظاهري لتصل إلى جوهر الأداء المعرفي والسلوكي. ويُعد عمى الشقين الصدغيين (Bitemporal Hemianopia) أحد أبرز وأدق الاضطرابات البصرية ذات المنشأ العصبي التي تجسد هذا التداخل الحرج بين طب الأعصاب وعلم النفس العصبي، حيث يفقد المريض القدرة على رؤية النصف الخارجي من المجال البصري في كلتا العينين نتيجة آفة مركزية تصيب منطقة حيوية في الدماغ تُعرف باسم التصالب البصري.

المفهوم والتعريف الأكاديمي لعمى الشقين الصدغيين

يُعرَّف عمى الشقين الصدغيين في الأدبيات الطبية والنفسية العصبية بأنه فقدان جزئي أو كلي للرؤية يقتصر على الشقين الخارجيين (الصدغيين) للساحة البصرية في كلتا العينين، مع احتفاظ المريض، في الحالات النموذجية، بالرؤية المركزية وقدرته على الإبصار في الشقين الداخليين (الأنفيين). يترتب على هذا التوزيع الخاص للعجز البصري تقليص حاد في المدى البصري المحيطي الأفقي، مما يجعل الفرد يبصر العالم وكأنه ينظر من خلال نفق ضيق، وهي الحالة التي يُطلق عليها مجازاً في بعض السياقات الإكلينيكية تضيّق المجال البصري أو الرؤية النفقية المتماثلة جانبياً.

إن الطبيعة المتناظرة والمميزة لهذا النمط من فقدان الرؤية تجعله علامة عصبية موضعية حاسمة (Pathognomonic Sign)؛ فالإصابة لا تكمن في مقلة العين أو الشبكية بحد ذاتها، ولا تعود إلى اعتلال في عضلات العين الخارجية، بل تنشأ حصرياً عن آفة تؤثر ميكانيكياً أو بنيوياً على ألياف بصرية محددة بدقة بالغة. في علم النفس العصبي، يكتسب هذا الاضطراب أهمية استثنائية لأن الشق الصدغي للساحة البصرية يمثل النافذة التي يستكشف عبرها الإنسان البيئة المحيطية، ويتحسس من خلالها الحركة المفاجئة، ويوجه انتباهه الانتقائي نحو المثيرات ذات الدلالة الحيوية والاجتماعية.

يتفاوت عمى الشقين الصدغيين في شدته ومداه؛ فقد يظهر كعجز كامل يشمل تسعين درجة من المجال الخارجي في كل عين، أو يتبدى في صورة عجز رباعي علوي غير متناظر (Bitemporal Superior Quadrantanopia) في المراحل المبكرة من نمو الآفات الانضغاطية، أو عجز خفي لا يُكشف إلا بالاختبارات السيكوفيزيائية الدقيقة. هذا التباين يعكس بدقة الديناميكية المكانية للآفة الضاغطة على البنى العصبية، ويحدد بدوره حجم الإعاقة الوظيفية والمعاناة النفسية التي يختبرها المريض في حياته اليومية.

الأساس التشريحي العصبي ومسارات نقل الإشارات البصرية

لفهم الآلية الكامنة وراء عمى الشقين الصدغيين، يجب تفكيك الهندسة المعمارية الدقيقة للمسار البصري البشري. تبدأ الرحلة الحسية من شبكية العين، التي تنقسم وظيفياً وتشريحياً عبر خط عمودي وهمي يمر بمركز اللطخة الصفراء إلى نصفين رئيسيين: الشبكية الأنفية (Nasal Hemiretina) والشبكية الصدغية (Temporal Hemiretina). ومن القوانين الفيزيائية البصرية الثابتة أن الضوء ينتقل في خطوط مستقيمة وينعكس بصورة متصالبة؛ وبناءً على ذلك، فإن الفوتونات الضوئية المنبعثة من الشق الصدغي (الخارجي) للمجال البصري تسقط مباشرة على الشبكية الأنفية، في حين تسقط الفوتونات القادمة من الشق الأنفي (الداخلي) على الشبكية الصدغية.

تتجمع محاور الخلايا العقدية الشبكية (Retinal Ganglion Cells) لتشكل العصب البصري لكل عين، وتسير هذه الألياف باتجاه الخلف حتى تلتقي عند قاعدة الدماغ، تحديداً في منطقة السرج التركي (Sella Turcica) داخل العظم الوتدي، لتشكل بنية متقاطعة تُعرف باسم التصالب البصري (Optic Chiasm). في هذا الموقع الاستراتيجي، يحدث فرز حاسم للألياف العصبية: فالألياف الناشئة من الشبكية الصدغية لكل عين تظل غير متصالبة، وتستمر في مسارها على نفس الجانب من الدماغ (Ipsilateral)، بينما تنحرف الألياف العصبية الصادرة من الشبكية الأنفية لكلا العينين وتتصالب نحو الجانب المعاكس (Contralateral).

يترتب على هذا التصالب التشريحي نتيجة فيزيولوجية حاسمة: عندما تنشأ آفة موضعية في خط المنتصف عند التصالب البصري، فإنها تؤثر بشكل انتقائي ومباشر على الألياف الأنفية المتقاطعة دون المساس بالألياف الصدغية غير المتقاطعة التي تسير على الأطراف الجانبية للتصالب. وبما أن الألياف الأنفية هي المسؤولة عن معالجة المدخلات الضوئية الواردة من الساحات البصرية الصدغية (الخارجية)، فإن تلف هذه الألياف المتصالبة يؤدي حتماً إلى إسقاط الرؤية في النصفين الخارجيين لكلا العينين، منتجاً عمى الشقين الصدغيين الكلاسيكي.

علاوة على ذلك، تتمتع الألياف داخل التصالب البصري بترتيب طوبوغرافي دقيق؛ فالألياف القادمة من الأجزاء السفلية للشبكية الأنفية تعبر في الجزء السفلي والأمامي من التصالب، وتشكل التواءً صغيراً يُعرف تشريحياً باسم “ركبة فيلبراند” (Wilbrand’s Knee)، وهي المسؤولة عن المجال البصري العلوي الصدغي. في المقابل، تعبر الألياف القادمة من الأجزاء العلوية للشبكية الأنفية في الجزء العلوي والخلفي من التصالب، وهي المسؤولة عن المجال البصري السفلي الصدغي. هذا التنظيم الطوبوغرافي الدقيق يفسر لماذا تبدأ بعض الأورام بإحداث عجز في الربع العلوي قبل أن تتطور إلى عمى نصفي كامل، تبعاً لاتجاه الضغط الميكانيكي على التصالب.

المسببات المرضية والآليات الإمراضية

يعد عمى الشقين الصدغيين بصمة سريرية مميزة للآفات التي تصيب منطقة السرج التركي وفوق السرج التركي (Sellar and Suprasellar Lesions)، وتأتي أورام الغدة النخامية الحميدة (Pituitary Adenomas) في مقدمة المسببات المرضية بنسبة ساحقة. تقع الغدة النخامية مباشرة أسفل التصالب البصري، ولا يفصل بينهما سوى الحجاب السرجي وغشاء سحائي رقيق؛ وعندما يتضخم الورم النخامي متجاوزاً حدود السرج التركي باتجاه الأعلى (Suprasellar Extension)، فإنه يمارس ضغطاً تصاعدياً مباشراً على السطح البطني للتصالب البصري، مما يؤدي إلى انضغاط ألياف الشبكية الأنفية السفلية المتصالبة أولاً، ومن ثم ينتج عجزاً يبدأ في الربعين العلويين الصدغيين ويتطور تدريجياً ليشمل الساحة الصدغية بأكملها.

إلى جانب الأورام النخامية، يبرز الورم القحفي البلعومي (Craniopharyngioma) كسبب رئيسي آخر، لا سيما لدى الأطفال واليافعين، حيث ينشأ هذا الورم من بقايا جيب راتكه الجنيني. ونظراً لأن الأورام القحفية البلعومية تنمو غالباً فوق السرج التركي، فإنها تميل إلى ممارسة الضغط على التصالب البصري من الأعلى والوراء، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى إصابة الألياف العلوية أولاً، متسببة في عجز بصري يبدأ في الأرباع السفلية الصدغية قبل أن يكتمل، وهو عكس النمط الشائع في أورام الغدة النخامية.

تشمل القائمة الإمراضية أيضاً الأورام السحائية (Meningiomas) الناشئة من الحديبة السرجية (Tuberculum Sellae) أو الجناح الوتدي، والتي تضغط على البنى العصبية البصرية بصورة غير متناظرة في الغالب، بالإضافة إلى أورام الدبقيات البصرية (Optic Chiasm Gliomas) التي تصيب نسيج العصب ذاته. ولا تقتصر المسببات على الأورام؛ فالأمراض الوعائية مثل تمدد الأوعية الدموية في الشريان السباتي الباطن أو الشريان الموصل الأمامي (Anterior Communicating Artery Aneurysm) يمكن أن تحدث انضغاطاً حاداً أو نابضاً على التصالب، مسببة فقداناً مفاجئاً أو مترقياً للرؤية.

كما تساهم الاضطرابات الالتهابية والمناعية الذاتية في نشوء هذا الخلل؛ حيث يمكن أن يؤدي التصلب المتعدد (Multiple Sclerosis) والتهاب النخاع والعصب البصري (Neuromyelitis Optica) إلى تشكل لويحات مزيلة للميالين داخل التصالب البصري ذاته، مما يعطل التوصيل الملحي للألياف العصبية المتصالبة. وأخيراً، يمكن لرضوض الرأس الشديدة، وخاصة كسور قاعدة الجمجمة الأمامية، أن تتسبب في تمزق مباشر أو إقفار وعائي حاد للألياف العصبية التصالبية، منتجة عمى شقين صدغيين رضحياً دائماً.

المظاهر السريرية والأعراض المصاحبة

تتسم المظاهر السريرية لعمى الشقين الصدغيين بالتعقيد، إذ نادراً ما يصف المريض حالته بدقة كفقدان للنصف الخارجي من الرؤية، بل يعبر عن معاناته من خلال شكاوى وظيفية عامة. يلاحظ المصابون صعوبة بالغة في إدراك الأشياء الموجودة على جوانبهم؛ فقد يصطدمون بشكل متكرر بإطارات الأبواب، أو يتفاجأون بأشخاص يقتربون منهم دون أن يلحظوهم، أو يواجهون عوائق خطيرة أثناء قيادة المركبات بسبب عجزهم عن رؤية السيارات القادمة في المسارات المجاورة. هذه الصعوبات تعزى إلى غياب “نظام الإنذار المبكر” الذي يوفره المجال البصري المحيطي في الحياة اليومية.

من أشد الظواهر البصرية فرادة وإثارة للاهتمام السريري في هذه الحالة ما يُعرف بـ ظاهرة انزلاق نصفي المجال البصري (Hemifield Slide Phenomenon). تحدث هذه الظاهرة عندما يفقد الجهاز العصبي التطابق التبادلي والتداخل الطبيعي بين الساحتين البصريتين؛ ففي غياب الرؤية المزدوجة المتراكبة، يفقد المخ القدرة على دمج الصورتين القادمتين من العينين بدقة، مما يؤدي إلى انفصال الساحتين المتبقيتين (الأنفيتين) وحركتهما المستقلة أو انزلاقهما رأسياً أو أفقياً بالنسبة لبعضهما البعض. يترتب على هذا الانزلاق رؤية مزدوجة حسية (Sensory Diplopia) تشوه الإدراك المكاني وتجعل تقدير المسافات والعمق أمراً في غاية المشقة والارتباك للمريض.

بالإضافة إلى ذلك، تبرز متلازمة ما بعد التثبيت (Post-Fixational Blindness) كعرض معطل بشدة؛ حيث تقع نقطة عمياء واسعة خلف نقطة تثبيت النظر المركزية مباشرة. عند تركيز المريض على جسم معين على مسافة محددة، تختفي كل الأشياء الواقعة خلف هذا الجسم في الظلام الإدراكي للشقين الصدغيين المفقودين، مما يجعل مهاماً دقيقة مثل إدخال خيط في إبرة أو التقاط أدوات صغيرة في غاية الصعوبة. تترافق هذه الأعراض البصرية عادة مع أعراض عصبية صماوية عامة تمليها طبيعة الآفة المستبطنة؛ كالصداع المستمر نتيجة تمدد محفظة الغدة النخامية أو الشد على الأم الجافية، والاضطرابات الهرمونية الناجمة عن قصور النخامية الشامل أو فرط إفراز البرولاكتين وهرمون النمو.

التداعيات النفسية والسلوكية والمعرفية

يمتد تأثير عمى الشقين الصدغيين عميقاً في النسيج النفسي والانفعالي للمريض، حيث يمثل التدهور التدريجي في الساحة البصرية تهديداً مباشراً للاستقلالية الذاتية والشعور بالأمان في البيئة المكانية. تشير الدراسات النفسية العصبية إلى أن المرضى يطورون في كثير من الأحيان مستويات مرتفعة من القلق العام ورهاب الخروج (Agoraphobia)، مدفوعين بالخوف المزمن من الاصطدام بالأشياء، أو التعثر، أو الوقوع في مواقف اجتماعية محرجة ناجمة عن عدم الانتباه للمحيطين بهم. يؤدي هذا التوجس الدائم إلى سلوكيات تجنبية متزايدة، تنتهي بالانعزال الاجتماعي وتآكل شبكات الدعم الوظيفي والشخصي.

على الصعيد المعرفي، يفرض هذا الاضطراب حملاً ذهنياً زائداً (Cognitive Overload) على وظائف الانتباه التنفيذي والمعالجة البصرية المكانية. ولتعويض غياب الرؤية المحيطية، يضطر المريض إلى إجراء حركات مسح بصرية مستمرة ومعقدة عبر حركات العين الرمشية (Saccadic Eye Movements) وتحريك الرأس بشكل دائم لاستكشاف الفراغ المظلم. هذه الآلية التعويضية، رغم ضرورتها الوظيفية، تستنزف الموارد الانتباهية للمريض وتؤدي إلى إجهاد ذهني سريع وضعف في القدرة على الحفاظ على التركيز لفترات طويلة أثناء أداء المهام المعقدة، كالقراءة والعمل المكتبي.

تتأثر القراءة (Alexia Secondary to Visual Field Defect) تأثراً جوهرياً؛ فاللغات التي تُقرأ من اليسار إلى اليمين تتطلب سلامة الشق الصدغي للعين اليمنى لاستشراف الكلمات اللاحقة والتخطيط للحركات الرمشية التقدمية، في حين تتطلب اللغات المقروءة من اليمين إلى اليسار كالغة العربية سلامة الشق الصدغي للعين اليسرى لتوجيه قفزات العين نحو بداية السطور والكلمات التالية. ونتيجة لتعطل هذه المعالجة الاستباقية، تصبح القراءة بطيئة، متقطعة، ومليئة بالأخطاء الاسترجاعية، مما يشعر المريض بالإحباط المعرفي والعجز الفكري.

يزداد المشهد النفسي تعقيداً عند اقتران عمى الشقين الصدغيين بالخلل الهرموني الصماوي الناتج عن ضغط الورم على الغدة النخامية وتحت المهاد (Hypothalamus). فالاضطرابات في إفراز الكورتيزول، وهرمونات الغدة الدرقية، والهرمونات الجنسية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بظهور أعراض الاكتئاب الجسيمي، وتقلبات المزاج، والفتور العاطفي، والوهن الحركي الشديد. هنا تتداخل العوامل العصبية الكيميائية مع الضغوط النفسية التفاعلية الناجمة عن فقدان البصر، منتجة متلازمة نفسية عصبية معقدة تتطلب تدخلاً علاجياً متعدد التخصصات لا يقتصر على البعد الجراحي فقط.

التشخيص والتقييم العصبي النفسي والبصري

يعتمد التشخيص الدقيق لعمى الشقين الصدغيين على مصفوفة متكاملة من الفحوصات الإكلينيكية، والأجهزة البصرية السيكوفيزيائية، وتقنيات التصوير العصبي المتقدمة. يمثل تخطيط الساحة البصرية الآلي (Automated Perimetry)، وعلى وجه الخصوص اختبار همفري (Humphrey Visual Field Test) أو اختبار غولدمان الحركي (Goldmann Perimetry)، المعيار الذهبي لتشخيص وتحديد نمط وعمق العجز البصري. يتيح هذا الفحص رسم خرائط سيكوفيزيائية دقيقة تحدد عتبات الحساسية الشبكية في مختلف نقاط المجال البصري، مما يكشف عن أي انخفاض نوعي في حساسية الشقين الصدغيين بدقة متناهية حتى قبل أن يشعر المريض بالعجز وظيفياً.

بمجرد توثيق العجز البصري الصدغي، يصبح التصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ (MRI)، وتحديداً بروتوكول السرج التركي باستخدام المقاطع الدقيقة مع المادة المتباينة (الجادولينيوم)، الفحص الإلزامي الحاسم. يمكّن الرنين المغناطيسي الأطباء من التحديد المورفولوجي الدقيق لطبيعة الآفة الضاغطة، وقياس أبعادها، وتحديد علاقتها التشريحية بالتصالب البصري، وشرايين الدائرة السباتية (دائرة ويليس)، والجيوب الأنفية والكهفية المجاورة، فضلاً عن تقييم وجود أي انضغاط على البطين الثالث قد يؤدي إلى استسقاء الرأس.

بالتوازي مع التقييم البصري والتشريحي، تبرز أهمية التقييم النفسي العصبي الشامل، الذي يقيس الوظائف التنفيذية، والذاكرة العاملة البصرية، والقدرات البصرية المكانية، ومستوى الإدراك الذاتي للعجز (Anosognosia أو Lack of Insight). تُستخدم في هذا السياق اختبارات نفسية مقننة مثل:

  • اختبار توصيل المسارات (Trail Making Test – Parts A & B): لتقييم سرعة المعالجة البصرية، والبحث البصري المحيطي، والمرونة الإدراكية المعرفية تحت شروط قيود المجال البصري.
  • اختبار شطب الخطوط أو الأشكال (Cancellation Tasks): لتقييم الانتباه البصري الانتقائي واستبعاد وجود إهمال حيزي نصفي مرتبط بالآفة العصبية، والتمييز بين العجز الحسي الخالص والعجز الإدراكي المركزي.
  • مقاييس الاكتئاب والقلق المعيارية: مثل مقياس بيك للاكتئاب (BDI) ومقياس قلق الحالة والسمة (STAI)، للكشف عن التداعيات الوجدانية المبكرة والتكيف النفسي العام للمريض مع الإعاقة البصرية.

التدخلات العلاجية وإعادة التأهيل النفسي العصبي

يرتكز المسار العلاجي لعمى الشقين الصدغيين في المقام الأول على إزالة السبب الجذري المؤدي لانضغاط التصالب البصري. في حالات الأورام النخامية متزايدة الحجم والأورام الأخرى فوق السرجية، يُعد التدخل الجراحي هو الخيار العلاجي الأساسي؛ حيث تُجرى الجراحة المجهرية أو التنظيرية عبر العظم الوتدي (Endoscopic Endonasal Transsphenoidal Surgery) لتفريغ الورم وتخفيف الضغط الميكانيكي عن الألياف البصرية المتصالبة بأقل قدر من التدخل الجراحي للأنسجة المحيطة.

أما في الأورام المفرزة للبرولاكتين (الورم البرولاكتيني)، فإن العلاج الدوائي بواسطة مناهضات مستقبلات الدوبامين مثل الكابيرجولين (Cabergoline) أو البروموكريبتين يمثل الخط العلاجي الأول؛ حيث تؤدي هذه العقاقير إلى انكماش ملحوظ وسريع في حجم الكتلة الورمية خلال أسابيع معدودة، مما يترتب عليه تخفيف الضغط واستعادة وظيفة التوصيل العصبي عبر التصالب وتحسن الساحة البصرية بشكل لافت دون الحاجة لجراحة.

ومع ذلك، لا تنتهي إدارة الحالة بالتدخل الجراحي أو الدوائي، إذ تكتسب إعادة التأهيل النفسي العصبي أهمية قصوى لتعويض العجز المستديم ومساعدة الدماغ على استعادة التوازن الوظيفي. تستند هذه البرامج إلى تعزيز المرونة العصبية (Neuroplasticity) وإعادة تدريب استراتيجيات المسح البصري (Visual Search and Scanning Training)؛ حيث يتعلم المرضى بشكل منهجي القيام بحركات عين استكشافية استباقية نحو الجانبين الصدغيين لتوسيع مجال استيعابهم للمعلومات البيئية وتعويض انعدام الرؤية المحيطية.

كما تلعب الوسائل البصرية المساعدة دوراً تكنولوجياً هاماً؛ كاستخدام النظارات المزودة بموشورات خاصة (Prism Glasses)، مثل موشورات بيلي (Peli Prisms)، التي تعمل على كسر مسار الضوء ونقل الصور الواقعة في الشقين الصدغيين المفقودين إلى الأجزاء الأنفية الوظيفية الحية من الشبكية، مما يمنح المريض وعياً محيطياً نسبياً بالحركة والأجسام العابرة. يترافق ذلك بصورة لا غنى عنها مع العلاج النفسي المعرفي السلوكي (CBT) الذي يهدف إلى معالجة القلق والاكتئاب الناجمين عن التغير المفاجئ في جودة الحياة، وتعديل الأفكار الكارثية حول فقدان البصر، وبناء استراتيجيات تكيف إيجابية تعزز الاستقلالية الوظيفية والأمان النفسي للمريض في شتى ميادين حياته اليومية والمهنية.

خاتمة

يمثل عمى الشقين الصدغيين نموذجاً كلاسيكياً يتقاطع فيه علم التشريح العصبي مع الممارسة الإكلينيكية وعلم النفس المعرفي؛ فالخلل الذي يصيب تقاطعاً تشريحياً دقيقاً في قاعدة الدماغ ينعكس في صورة انهيار حاد في الاتساع الإدراكي المكاني للإنسان، ملقياً بظلاله المعقدة على قدرته على التوجيه، والقراءة، والحفاظ على التوازن النفسي والاجتماعي. إن الفهم المعمق للأسس الفيزيولوجية المرضية لهذا الاضطراب، والتشخيص المبكر بواسطة الرنين المغناطيسي وتخطيط الساحة البصرية، والتدخل الجراحي أو الدوائي السريع، مقترناً ببرامج التأهيل النفسي العصبي المستمرة، يمثل الركيزة الجوهرية لمنع التلف العصبي المستديم، وتحقيق التعافي الوظيفي، وضمان استعادة المريض لنوعية حياة تتسم بالاستقلال والتوازن النفسي.

المراجع

  • Adler, F. H., Kaufman, P. L., & Alm, A. (2011). Adler’s Physiology of the Eye: Clinical Application (11th ed.). Saunders/Elsevier.
  • Foroozan, R. (2003). Chiasmal syndromes. Current Opinion in Ophthalmology, 14(6), 325-331. https://doi.org/10.1097/00055735-200312000-00002
  • Kaufman, D. I. (2014). Chiasmal and retrochiasmal lesions. In Clinical Neuro-Ophthalmology (pp. 245-280). Springer, New York, NY.
  • Miller, N. R., Newman, N. J., Biousse, V., & Kerrison, J. B. (Eds.). (2005). Walsh and Hoyt’s Clinical Neuro-Ophthalmology (6th ed.). Lippincott Williams & Wilkins.
  • Peli, E. (2000). Simple visual aids for patients with bitemporal hemianopia. Archives of Ophthalmology, 118(1), 147-148. https://doi.org/10.1001/archopht.118.1.147
  • Zihl, J., & Dutton, G. N. (2015). Cerebral Visual Impairment in Children: Visuoperceptive and Visuocognitive Disorders. Springer-Verlag.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 30). عمى الشقين الصدغيين: الأسس العصبية التشريحية، والتظاهرات الإكلينيكية، والتداعيات النفسية العصبية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/bitemporal-hemianopia/
looti, Mohammed. “عمى الشقين الصدغيين: الأسس العصبية التشريحية، والتظاهرات الإكلينيكية، والتداعيات النفسية العصبية.” عرب سايكلوجي, 30 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/bitemporal-hemianopia/.
looti, Mohammed. “عمى الشقين الصدغيين: الأسس العصبية التشريحية، والتظاهرات الإكلينيكية، والتداعيات النفسية العصبية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 30, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/bitemporal-hemianopia/.