القياس النفسيعلم النفس الاجتماعي

مقياس بوغاردوس للمسافة الاجتماعية: تأصيله النظري، بنيته السيكومترية، وتطبيقاته في علم النفس الاجتماعي

مقياس بوغاردوس للمسافة الاجتماعية هو أداة سيكومترية كلاسيكية طورها إيموري بوغاردوس لقياس الاتجاهات والمواقف النفسية والتحيز نحو الجماعات الاجتماعية والإثنية والدينية المختلفة.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 30 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 30 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُمثّل مقياس بوغاردوس للمسافة الاجتماعية (Bogardus Social Distance Scale) أحد أقدم وأبرز الابتكارات المنهجية في تاريخ العلوم السلوكية والاجتماعية؛ إذ يعود تأسيسه إلى عشرينيات القرن العشرين على يد عالم الاجتماع الأمريكي إيموري بوغاردوس. ينبثق هذا المقياس من الحاجة العلمية الماسة لقياس المواقف النفسية الكامنة والاتجاهات التمييزية، لا سيما تلك المرتبطة بالعرق والإثنية والدين والطبقة الاجتماعية، بأسلوب كمي يتجاوز مجرد الانطباعات الذاتية السطحية. وقد استطاع هذا الأنموذج أن يؤسس لتقاليد رصينة في سيكولوجيا العلاقات بين الجماعات، موفراً أداة تجريبية تتسم بالبساطة والعمق التحليلي في آنٍ واحد لمسح درجات التقارب أو التنافر الوجداني والاجتماعي بين الأفراد والجماعات المتمايزة.

مدخل نظري ومفاهيمي: ماهية مقياس بوغاردوس للمسافة الاجتماعية

يُعرَّف مفهوم «المسافة الاجتماعية» في الأدبيات السيكولوجية والاجتماعية بأنه الدرجة النسبية من التفاهم والتعاطف والقبول المتبادل التي يشعر بها الفرد أو الجماعة تجاه أفراد أو جماعات أخرى. لا تُشير هذه المسافة إلى بُعد فيزيائي أو مكاني، بل إلى حاجز نفسي-اجتماعي ينعكس في استعداد الفرد للانخراط في أشكال متعددة ومتفاوتة من التفاعل الإنساني. وتتدرج هذه الأشكال من أقصى درجات الألفة والاندماج، مثل الروابط الأسرية والمصاهرة، وصولاً إلى أقصى درجات الإقصاء والنبذ المكاني والقانوني.

يستند مقياس بوغاردوس بالأساس إلى فكرة مفادها أن المواقف الاجتماعية تتسم بوجود بنية هرمية تراكمية؛ فالفرد الذي يُبدي استعداداً لقبول شخص من جماعة معينة في دائرة اجتماعية وثيقة (كالزواج أو الصداقة الحميمة)، يُفترض نظرياً وسيكولوجياً أن يقبله في الدوائر الأكثر اتساعاً والأقل حميمية (كالجوار في السكن أو الزمالة المهنية أو مجرد العيش في الدولة ذاتها). ويُعد هذا الافتراض جوهر البعد الأحادي التراكمي الذي شكل لاحقاً الأساس الرياضي لمقاييس التدرج التراكمي في السيكومتريا المعاصرة.

وعلى مدار عقود من التوظيف البحثي، استقر المقياس بوصفه مقياساً للمواقف والاتجاهات نحو الجماعات الخارجية (Out-groups)، كاشفاً عن تموضعات التحيز النفسي والوصم الاجتماعي، والمسافة الشعورية الفاصلة بين «الأنا الجمعية» و«الآخر». ومن هذا المنطلق، لم يعد المقياس مجرد أداة مسحية إحصائية، بل تحول إلى نافذة تشخيصية بالغة الحساسية لقراءة مستويات الاندماج الاجتماعي، والتسامح، والتماسك الثقافي في المجتمعات التعددية، فضلاً عن قدرته على تتبع التغيرات القيمية والاجتماعية عبر الأجيال والحقب التاريخية المختلفة.

السياق التاريخي والنشأة الأكاديمية للمقياس

نشأت فكرة المقياس في خضم التحولات الديموغرافية والاجتماعية العميقة التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع القرن العشرين، وتحديداً خلال عقد العشرينيات الذي تزامن مع تدفق موجات هجرة كبرى وصراعات عرقية وإثنية حادة. وفي تلك الأثناء، برزت مدرسة شيكاغو لعلم الاجتماع كرافد فكري محوري، وكان لعالم الاجتماع البارز روبرت إي. بارك تأثير مباشر على صياغة مفهوم «المسافة الاجتماعية» بوصفه مؤشراً سوسيولوجياً وسيكولوجياً لحالة التفاعل والاستيعاب بين الثقافات المتباينة.

تلقف إيموري بوغاردوس هذه التنظيرات وحولها من إطارها الفلسفي العام إلى قالب سيكومتري تجريبي محكم في دراسته المنشورة عام 1925 بعنوان «قياس المسافة الاجتماعية». سعى بوغاردوس إلى تصميم أداة قياس موحدة وموثوقة يمكن تطبيقها على نطاق واسع لرصد اتجاهات الطلاب والمواطنين الأمريكيين نحو عشرات المجموعات القومية والإثنية والدينية. وقد مهدت هذه المحاولة الطريق لتحويل دراسة التفرقة والتعصب من مجرد تأملات كيفية إلى رصد كمي خاضع للضبط الإحصائي والتحليل المقارن.

شهدت السنوات اللاحقة استخداماً متكرراً ومنهجياً للمقياس في الولايات المتحدة، لا سيما في الدراسات التتبعية الكبرى التي نفذها بوغاردوس نفسه في أعوام 1926، و1946، و1956، و1966. وفرت هذه الدراسات مسحاً طولياً نادراً يرصد ارتقاء أو انحسار مشاعر التحيز والتباعد الإثني تزامناً مع الأحداث التاريخية الكبرى كالحرب العالمية الثانية وحركات الحقوق المدنية. هذا التراكم المعرفي منح المقياس مكانة كلاسيكية في حقل علم النفس الاجتماعي، وجعل منه معياراً مرجعياً تتأسس عليه العديد من النماذج الحديثة في دراسة الهوية والتمييز الاجتماعي.

البنية السيكومترية ودرجات القرب والتباعد الاجتماعي

تتألف النسخة الكلاسيكية المعيارية لمقياس بوغاردوس من سبعة مستويات تمثل سيناريوهات افتراضية للعلاقات الاجتماعية المصاغة بصورة تصاعدية من حيث درجة الحميمية والتداخل النفسي. يطلب الباحث من المستجيب تحديد مدى استعداده لقبول عضو من جماعة معينة في كل مستوى من هذه المستويات السبعة، والتي تصاغ عادة وفق الترتيب التالي:

  • المستوى الأول: القبول كشريك حياة عبر الزواج، أو كقريب مصاهرة مباشر (أعلى درجات القرب الحميمي).
  • المستوى الثاني: القبول كصديق شخصي مقرب ونظير حميم في النادي أو الدائرة الخاصة.
  • المستوى الثالث: القبول كجار يقطن في الشارع نفسه أو في الحي السكني المباشر.
  • المستوى الرابع: القبول كزميل عمل يشترك في المهنة أو المؤسسة الوظيفية ذاتها.
  • المستوى الخامس: القبول كمواطن يتمتع بكامل الحقوق المدنية في الدولة نفسها.
  • المستوى السادس: القبول كزائر أو سائح مؤقت لا يستقر بشكل دائم داخل البلاد.
  • المستوى السابع: استبعاد الفرد كلياً من دخول البلاد أو حظر وجوده (أعلى درجات التباعد والإقصاء الاجتماعي).

تمتاز هذه البنية السيكومترية بأنها تقوم على منطق تراتبي صارم يعرف في القياس النفسي بالتراكمية (Cumulativeness). يفترض هذا المنطق أن الموافقة على عبارة تقع في قمة السلم التفاعلي (كالزواج) تتضمن ضمناً قبول جميع المستويات الأقل تطلباً عاطفياً واجتماعياً (كالجوار أو المواطنة). ورغم أن المقياس وُضع قبل تطوير عالم النفس والرياضيات لويس غوتمان لمنهجيته التراكمية الشهيرة، إلا أن مقياس بوغاردوس يُعد التطبيق العملي الأسبق لمبدأ مقاييس غوتمان التراكمية (Guttman Scalogram).

يتم تحويل استجابات الأفراد إلى قيم رقمية؛ ففي التطبيق الكلاسيكي يُمنح كل مستوى وزناً يتراوح عادة من 1.00 (الذي يعبر عن أدنى مسافة اجتماعية وأعلى قبول) إلى 7.00 (الذي يعبر عن أقصى مسافة اجتماعية وأدنى قبول). يتيح هذا التكميم استخراج متوسطات حسابية دقيقة لكل جماعة مُستهدَفة بالتقييم، ما يسمح بالمقارنة المباشرة بين مشاعر الفرد أو العينة البحثية تجاه جماعات مختلفة، وتحديد مؤشر كمي عام يوضح حجم الفجوة الوجدانية والاجتماعية في المجتمع المدروس.

الأسس النظرية في علم النفس الاجتماعي وسيكولوجيا التحيز

يرتبط مقياس بوغاردوس ارتباطاً وثيقاً بعدة نظريات تأسيسية في سيكولوجيا العلاقات بين الجماعات؛ ومن أبرزها نظرية الهوية الاجتماعية التي طورها هنري تاجفيل وجون تيرنر. تنص هذه النظرية على أن الأفراد يميلون فطرياً وسيكولوجياً إلى تصنيف العالم الاجتماعي إلى فئتين رئيسيتين: «جماعتنا» (In-group) التي تُمنح المحاباة والتقييمات الإيجابية، و«الجماعات الأخرى» (Out-groups) التي تُقابل بالحذر والتباعد والتقييمات النمطية. يعكس مقياس المسافة الاجتماعية بوضوح هذا الانشطار المعرفي والوجداني، حيث ترتفع المسافة طردياً مع تراجع درجة التماثل الهوياتي المدرك.

كذلك يتقاطع المقياس بصورة جوهرية مع فرضية التلامس الاجتماعي (Contact Hypothesis) التي صاغها غوردون ألبورت في كتابه العمدة «طبيعة التحيز» عام 1954. تجادل الفرضية بأن التفاعل المباشر والإيجابي بين أفراد ينتمون لجماعات مختلفة في ظل شروط معينة (مثل تكافؤ المكانة والأهداف المشتركة والدعم المؤسسي) يؤدي إلى تقويض الصور النمطية السلبية وخفض المسافة النفسية والاجتماعية. يُستخدم مقياس بوغاردوس هنا كأداة قبْلية وبَعْدية فعالة لقياس أثر برامج التداخل الاجتماعي والأنشطة المشتركة على تقليص فجوة التباعد وتكريس مشاعر التعاطف الإنساني.

من زاوية علم النفس المعرفي، يعكس المقياس آليات التصنيف العقلي والتحيزات الإدراكية اللاواعية؛ فالانزعاج أو الرفض الصريح لفكرة الزواج أو مشاركة السكن مع أفراد من خلفيات مغايرة لا ينبع بالضرورة من كراهية واعية معلنة، بل ينشأ غالباً من قوالب نمطية متجذرة ومخاوف لاواعية مرتبطة بالحفاظ على نقاء الهوية أو التهديد الثقافي والرمزي المدرك (Perceived Symbolic Threat). ومن هنا يقدم المقياس قراءة دقيقة لحالة التنافر المعرفي والوجداني التي قد يعيشها الفرد بين إيمانه النظري بالمساواة، وبين استجابته الانفعالية الحقيقية للتقارب الجسدي والاجتماعي المباشر.

منهجية التطبيق، التصحيح، والتحليل الإحصائي

تتسم منهجية تطبيق مقياس بوغاردوس بالمرونة العالية؛ إذ يمكن توظيفه عبر استبانات ورقية تقليدية أو من خلال منصات القياس الرقمية الحديثة. يُعرض على المشارك جدول يتضمن في أعمدته المستويات السبعة للمسافة الاجتماعية، بينما تُرتب في صفوفه أسماء الجماعات المراد تقييمها (كالأقليات العرقية، والجاليات المهاجرة، والفئات ذات الاحتياجات الخاصة، والمرضى النفسيين). يُطلب من المستجيب وضع علامة في الخانة التي تعبر بدقة عن أقصى درجة من التقارب يقبل بها بدون تردد أو ضغط خارجي.

عند الشروع في تصحيح المقياس، يُحسب للمستجيب «مؤشر المسافة الاجتماعية» (Social Distance Index). يُحدد هذا المؤشر من خلال رصد الدرجة الأشد قرباً التي وافق عليها المستجيب لكل جماعة، أو عبر حساب مجموع النقاط الكلي وفق مصفوفة التوزيع الرتبي. وفي التحليلات الإحصائية المتقدمة، يُستخدم معامل إعادة الإنتاجية (Coefficient of Reproducibility) الخاص بمقاييس غوتمان للتأكد من اتساق الاستجابات واختبار مدى تحقق البنية التراكمية، حيث يشترط ألا يقل هذا المعامل عموماً عن 0.90 لاعتبار المقياس دقيقاً وخالياً من الأخطاء التدرجية العشوائية.

تخضع البيانات المستخلصة لمعالجات إحصائية متعددة، تبدأ من الإحصاء الوصفي (المتوسطات، الانحرافات المعيارية، والوسيط) لمقارنة اتساع المسافة بين مختلف الجماعات، وصولاً إلى التحليلات الاستدلالية المتقدمة. يستخدم الباحثون تحليلات التباين (ANOVA) لاكتشاف الفروق الديموغرافية (كالجنس، والعمر، والمستوى التعليمي، والخلفية الجغرافية) في مستويات التسامح، كما تُوظف النماذج الخطية ونماذج الانحدار المتعدد لاختبار الفرضيات التفسيرية التي تربط بين سمات الشخصية الاستبدادية أو الأيديولوجيات السياسية وبين اتساع هوة المسافة الاجتماعية.

التطبيقات الميدانية والسريرية والاجتماعية للمقياس

امتدت تطبيقات مقياس بوغاردوس لتتجاوز الحقل السوسيولوجي الصرف، لتغدو أداة رئيسية في الدراسات النفسية السريرية والمجتمعية المعنية بقياس الوصمة الاجتماعية (Social Stigma) الموجهة ضد الأفراد المصابين باضطرابات نفسية وعقلية، مثل الفصام، والاضطراب ثنائي القطب، والإدمان. في هذا السياق، يُعاد تكييف عبارات المقياس لرصد مدى استعداد عامة المجتمع للزواج من شخص تعافى من مرض عقلي، أو تشغيله، أو تأجير مسكن له، مما يوفر بيانات حيوية تسهم في تصميم حملات الصحة النفسية المناهضة للتمييز.

في ميدان دراسات الهجرة واللجوء، يشكل المقياس ركيزة لتقييم مستويات التكيف والمواءمة بين المجتمعات المضيفة والوافدين الجدد. يُستخدم المقياس بانتظام في استطلاعات الرأي العام العالمية والمحلية لتشخيص بؤر العداء للأجانب (Xenophobia)، ورصد استجابات السكان المحليين لسياسات إعادة التوطين. وتكشف المعطيات المستقاة من المقياس لصناع القرار عن القطاعات المجتمعية الأكثر استجابة أو ممانعة للاندماج الثقافي، موجهةً بذلك المبادرات الحكومية لإدارة التنوع والعدالة الاجتماعية.

علاوة على ذلك، استُثمر المقياس في البيئات التعليمية والأكاديمية لفحص مناخ التنوع داخل الجامعات والمدارس متسعة الثقافات. يُساعد تطبيق المقياس على مجتمعات الطلاب وأعضاء هيئات التدريس في تحديد مدى انتشار التحيزات المضمرة، وبناء برامج تدريبية موجهة لتعزيز الكفاءة الثقافية، وخفض مستويات التوجس بين الثقافات، وتنمية الذكاء العاطفي والاجتماعي لدى الناشئة لمساعدتهم على تجاوز الصور النمطية الموروثة.

التقييم النقدي: المزايا والحدود المنهجية

يتمتع مقياس بوغاردوس بمزايا منهجية استثنائية ضمنت له الديمومة لما يربو على قرن من الزمان؛ فهو يتميز بسهولة التطبيق، وقصر الوقت المستغرق في الإجابة، وانخفاض العبء المعرفي الواقع على المستجيب، إلى جانب سهولة التفسير الإحصائي لمخرجاته. كما تتيح طبيعته المعيارية الموحدة إجراء مقارنات طولية ومستعرضة بالغة الدقة عبر مختلف العصور والثقافات، مما يمنحه قيمة أرشيفية وتاريخية قلّ نظيرها في أدوات القياس السلوكي.

في المقابل، واجه المقياس انتقادات إبستمولوجية وسيكومترية جوهرية من قِبل باحثي القياس النفسي المعاصر. تتركز إحدى أبرز هذه المؤاخذات في تعرض المقياس المباشر لأثر المرغوبية الاجتماعية (Social Desirability Bias). ففي المجتمعات المعاصرة التي تُعلي من شأن الصوابية السياسية ومناهضة العنصرية علناً، قد يميل الأفراد إلى إخفاء مشاعرهم الحقيقية وتقديم إجابات متسامحة مصطنعة، مما يؤدي إلى خفض مصطنع لمؤشرات المسافة لا يعكس بالضرورة السلوك الفعلي في الواقع التفاعلي المعقد.

وثمة انتقاد منهجي آخر يطال افتراض الأحادية التراكمية الصارمة؛ إذ يرى بعض النقاد أن التراتبية الكلاسيكية التي وضعها بوغاردوس في عشرينيات القرن الماضي لم تعد متطابقة بالضرورة مع السياقات الثقافية الحديثة. ففي بعض الثقافات المعاصرة، قد يتقبل الفرد شخصاً من جماعة أخرى كزميل عمل أو شريك في السكن دون أن يقبل به كمواطن له حقوق سياسية كاملة، أو العكس، مما يكسر الترتيب الهرمي الافتراضي ويؤدي إلى حدوث أخطاء سيكومترية في معامل إعادة الإنتاجية لمقاييس غوتمان.

التعديلات المعاصرة والاتجاهات الحديثة في قياس التباعد الاجتماعي

استجابة للتحولات السوسيولوجية والتقنية الحديثة، أجرى الباحثون في علم النفس الاجتماعي جملة من التعديلات الجوهرية على مقياس بوغاردوس لمواءمة متطلبات القرن الحادي والعشرين. تضمنت هذه التعديلات إدخال مجالات تفاعلية جديدة تعكس البيئة الرقمية وشبكات التواصل الافتراضية؛ حيث أضيفت بنود تقيس، على سبيل المثال، الاستعداد لقبول الأفراد من جماعات مختلفة كـ «أصدقاء على شبكات التواصل الاجتماعي»، أو كشركاء في مشاريع ريادية عبر الإنترنت، أو كأعضاء في منصات الألعاب التفاعلية الجماعية.

إلى جانب ذلك، عمد الباحثون إلى دمج مقياس بوغاردوس مع منهجيات القياس المضمر، مثل اختبار التداعي الضمني (Implicit Association Test – IAT). يهدف هذا الدمج المنهجي إلى ردم الهوة بين المسافة الاجتماعية الصريحة التي يقر بها المفحوص طواعية عبر السلم التدرجي، وبين المسافة الوجدانية المضمرة التي تكشفها أزمنة الرجع العصبية والاستجابات الإدراكية اللاواعية، مما يوفر رؤية شمولية وأكثر مصداقية للبنية السلوكية والانفعالية للتحيز البشري.

كما اتجهت الدراسات المقارنة عبر الثقافات إلى إعادة ضبط وتكييف العبارات السبع بما يتطابق مع البنى الاجتماعية والقرابية الخاصة بكل مجتمع على حدة. ففي المجتمعات الجمعية (Collectivist Societies)، تأخذ قرارات الزواج والمصاهرة أبعاداً عائلية وقبلية أوسع مما هي عليه في المجتمعات الفردية، مما استوجب صياغة بدائل تقيس التقارب ضمن شبكات الالتزام الاجتماعي المحلي، مؤكدين بذلك على حيوية المقياس وقابليته المستمرة للتطور كأداة تشخيصية لا غنى عنها لفهم النسيج النفسي والاجتماعي الإنساني.

خاتمة وتوليف معرفي

يظل مقياس بوغاردوس للمسافة الاجتماعية حجر زاوية وعلامة فارقة في التطور التاريخي والمفاهيمي لعلم النفس الاجتماعي والسيكومتريا التطبيقية. فعلى الرغم من مرور قرن كامل على تدشينه وظهور العديد من التحديات المنهجية والنقدية المرتبطة بالمرغوبية الاجتماعية وتغير التراتبيات الثقافية، إلا أن المقياس برهن على صلابة استثنائية وقدرة فريدة على التكيف مع التبدلات المجتمعية المستمرة. إن توظيفه المعاصر الرصين، خصوصاً عند اقترانه بأدوات القياس الضمني والمتعدد الأبعاد، يمنح الباحثين والمهنيين وسيلة كمية لا تُضاهى لسبر أغوار العلاقات بين الجماعات، وتفكيك بنية الوصمة والتعصب، ودعم صياغة السياسات المجتمعية التي ترنو نحو ترسيخ التماسك والاندماج الإنساني العادل.

المراجع

  • Allport, G. W. (1954). The nature of prejudice. Addison-Wesley.
  • Bogardus, E. S. (1925). Measuring social distance. Journal of Applied Sociology, 9, 299–308.
  • Bogardus, E. S. (1933). A social distance scale. Sociology and Social Research, 17, 265–271.
  • Bogardus, E. S. (1967). A forty year story of social distance study. University of Southern California Press.
  • Guttman, L. (1944). A basis for scaling qualitative data. American Sociological Review, 9(2), 139–150. https://doi.org/10.2307/2086306
  • Karakayali, N. (2009). Social distance and affective orientation. Sociological Forum, 24(3), 538–562. https://doi.org/10.1111/j.1573-7861.2009.01119.x
  • Park, R. E. (1924). The concept of social distance as applied to the study of racial attitudes and racial relations. Journal of Applied Sociology, 8, 339–344.
  • Tajfel, H., & Turner, J. C. (1979). An integrative theory of intergroup conflict. In W. G. Austin & S. Worchel (Eds.), The social psychology of intergroup relations (pp. 33–47). Brooks/Cole.
  • Wark, C., & Galliher, J. F. (2007). Emory Bogardus and the origins of the social distance scale. The American Sociologist, 38(4), 383–395. https://doi.org/10.1007/s12108-007-9023-9

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 30). مقياس بوغاردوس للمسافة الاجتماعية: تأصيله النظري، بنيته السيكومترية، وتطبيقاته في علم النفس الاجتماعي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/bogardus-social-distance-scale/
looti, Mohammed. “مقياس بوغاردوس للمسافة الاجتماعية: تأصيله النظري، بنيته السيكومترية، وتطبيقاته في علم النفس الاجتماعي.” عرب سايكلوجي, 30 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/bogardus-social-distance-scale/.
looti, Mohammed. “مقياس بوغاردوس للمسافة الاجتماعية: تأصيله النظري، بنيته السيكومترية، وتطبيقاته في علم النفس الاجتماعي.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 30, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/bogardus-social-distance-scale/.