تُعد مسألة التباين بين المبادئ الأخلاقية العامة التي يتبناها الأفراد وبين ممارساتهم السلوكية الفعلية في سياقات محددة إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في علم النفس الاجتماعي والأخلاقي. يُمثل مفهوم الأخلاق المحصورة (Bracketed Morality) مدخلاً سيكولوجياً تفسيرياً لكيفية تعليق الضمير الأخلاقي المعياري وتجميد منظومة القيم الإنسانية مؤقتاً داخل إطار زماني أو مكاني محدد، مما يتيح للأفراد ممارسة سلوكيات تتنافى جوهرياً مع منظومتهم القيمية المعتادة دون الإحساس بذنب تدميري أو فقدان لتقدير الذات الأخلاقي. ينقلنا هذا المفهوم إلى فهم دقيق لكيفية إعادة تعريف الذات لمعنى العدالة والإنصاف حين يتم عزل النشاط الإنساني داخل حدود اصطلاحية صارمة كالمنافسات الرياضية، أو البيئات المؤسسية، أو ميادين الصراع.
مفهوم الأخلاق المحصورة: التأطير النظري والدلالة الاصطلاحية
يُعرَّف مصطلح الأخلاق المحصورة بأنه عملية نفسية-اجتماعية يقوم من خلالها الفرد بوضع معاييره الأخلاقية التقليدية بين «هلالين» أو قوسين مجازيين أثناء الانخراط في بيئة نشاط محددة، بحيث تصبح القواعد الحاكمة لهذا النشاط بديلاً مؤقتاً عن الأخلاق الإنسانية الشاملة. نشأ هذا المفهوم بصورة مركزية لتفسير السلوكيات العدوانية وغير الأخلاقية الممنهجة التي تظهر في سياقات التنافس الحاد؛ حيث يبرر المشاركون أفعالاً تنطوي على الخداع، أو الإيذاء الجسدي الخفيف والمدروس، أو التلاعب النفسي، تحت ذريعة أن هذه الأفعال مقبولة ومشروعة فقط داخل هذا الإطار المغلق، في حين يعتبرونها غير مقبولة أخلاقياً على الإطلاق في حياتهم اليومية خارج ذلك الحيز.
يرتبط المفهوم ارتباطاً وثيقاً بنظرية التطور الأخلاقي ونماذج المعالجة الاجتماعية المعرفية. في الحياة الاعتيادية، يتوقع المجتمع من الفرد التمسك بمفاهيم الشفقة، والتعاطف، والعدالة التوزيعية، وصيانة كرامة الآخرين وسلامتهم. ومع ذلك، عندما يلج الفرد فضاءً محكوماً بـ «الأخلاق المحصورة»، يتم استبدال هذا المنظور الأخلاقي الناضج بمستوى أدنى من الحكم الأخلاقي، يتسم بالذرائعية والأنانية الموجهة نحو الفوز أو تحقيق المصلحة الجزئية للمجموعة المنتمي إليها. لا يعني هذا بالضرورة انعدام الأخلاق تماماً، بل يعني استبدال الأخلاق الكلية بأخلاق محلية مشروطة بقواعد اللعبة أو المعايير الضمنية للمؤسسة.
ومن المنظور النفسي، يتيح هذا «الحصر الأخلاقي» حماية مفهوم الذات الأخلاقية (Moral Identity) من التصدع؛ إذ ينجح الفرد في ممارسة سلوك مؤذٍ أو عدائي دون أن يدمج ذلك السلوك في هويته الشخصية العامة كفرد شرير أو غير نزيه. يُعامل السياق المستهدف كأنه مسرح معزول، يتم فيه تبني أدوار تمثيلية محكومة بنصوص مسبقة، وعند انتهاء الفعالية، تُغلق الأقواس، ويعود الفرد تلقائياً إلى معاييره الأخلاقية المدنية الأصيلة دون استشعار تناقض وجداني مفرط.
الجذور التاريخية والأطر الفكرية المؤسسة
تعود الجذور الأكاديمية لمفهوم الأخلاق المحصورة إلى أبحاث علماء النفس الرياضي في أواخر القرن العشرين، وتحديداً من خلال الأعمال الرائدة التي قدمتها الباحثة بريندا لايت بريدماير (Brenda Jo Bredemeier) وديفيد لايت شيلدز (David Light Shields) في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. سعى الباحثان إلى فهم التناقض الصارخ الذي لاحظاه بين مستويات النضج الأخلاقي للرياضيين خارج الميدان مقارنة بمستوياتهم داخله، حيث وجدا انخفاضاً ممنهجاً في كفاءة التفكير الأخلاقي حين يُطلب من الرياضيين تقييم معضلات رياضية مقابل معضلات حياتية عامة وفق مقاييس مستوحاة من نظرية لورنس كولبرغ في التطور الأخلاقي.
أكد شيلدز وبريدماير (1995) أن الرياضة التنافسية ليست مجرد نشاط بدني، بل هي سياق مبني ثقافياً يمتلك «منطقة أخلاقية خاصة» تسمح بتعليق المسؤولية الأخلاقية الفردية لمصلحة الأداء والامتثال لقواعد اللعبة. استندت أطروحاتهما إلى فكرة أن السياقات المعزولة زمنياً ومكانياً تعيد هيكلة أولويات الفرد النفسية؛ حيث يُنظر إلى التنافس الشرس والاعتداء التكتيكي ليس بوصفه شراً، بل بوصفه التزاماً ضرورياً بالدور المنوط بالرياضي كجزء من العقد الاجتماعي التنافسي غير المكتوب.
توسعت هذه الرؤية لاحقاً لتتجاوز المجال الرياضي وتلتقي مع نظريات علم الاجتماع التفاعلي، مثل نظرية تأطير الواقع (Frame Analysis) لعالم الاجتماع إرفنغ غوفمان. وفقاً لهذا الإطار، فإن «الإطار» السوسيو-نفسي يحدد للمشاركين ما الذي يعتبر حقيقياً، ومقبولاً، وذا مغزى داخل مساحة معينة. وبذلك، فإن الأخلاق المحصورة ما هي إلا نتاج تأطير نفسي يعزل الموقف عن الامتدادات الأخلاقية للحياة الواقعية، مما يسمح بإرساء «استثناء أخلاقي مؤقت» متوافق عليه جمعياً.
الآليات السيكولوجية لتفعيل الأخلاق المحصورة
لكي تعمل الأخلاق المحصورة بكفاءة دون التسبب في أزمات نفسية للفرد، تعتمد البنية الذهنية على ترسانة من الآليات الدفاعية والاستراتيجيات المعرفية المتداخلة. أولى هذه الآليات هي تقليل حدة التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance). عندما يقدم شخص يؤمن بالسلام والعدالة على ضرب خصمه متعمداً لإيقاف هجمة مرتدة في كرة القدم، ينشأ تعارض جوهري بين قناعته وسلوكه؛ وهنا يتدخل التبرير الموقفي القائل: «هذا مجرد خطأ تكتيكي تقبله قوانين اللعبة ويدركه الخصم مسبقاً»، مما يحول الفعل من سلوك عدواني مذموم إلى كفاءة احترافية مطلوبة.
الآلية الثانية تتجسد في تحوير المسؤولية وإزاحتها (Displacement of Responsibility). في بيئات الأخلاق المحصورة، يُسقط الفرد عبء المحاكمة الأخلاقية على السلطات الحاكمة للسياق، كالحكام في المباريات الرياضية، أو المديرين في الشركات، أو القيادات العسكرية في المعارك. يفترض الفرد هنا أن مسؤوليته تقتصر على الدفع بالحدود إلى أقصى مدى ممكن لتحقيق المكسب، في حين تقع مسؤولية ضبط السلوك وحماية الضحية بالكامل على عاتق المراقب الخارجي (الحكم أو القانون المنظم)، فما لم يتم ضبط الفعل ومعاقبته، فإنه يُعد ضمناً فعلاً مباحاً ومبرراً.
كما تؤدي آلية تجريد الخصم من إنسانيته الجزئية (Dehumanization of Opponents) دوراً خطيراً في تثبيت هذا الحصر الأخلاقي؛ إذ لا يعود المنافس يُرى كإنسان يمتلك مشاعر وحقوقاً وحياة أسرية خارج الحلبة، بل يُختزل إلى عقبة وظيفية، أو هدف استراتيجي يجب تحييده بأي وسيلة لتحقيق الانتصار. إن اختزال البشر إلى أدوار وظيفية مجردة يضعف إشارات التعاطف العصبي (Empathy) في الدماغ، مما يسهل إلحاق الأذى بهم دون الشعور بتأنيب الضمير المعتاد.
تجليات الأخلاق المحصورة في الميدان الرياضي
يظل الميدان الرياضي هو المختبر الكلاسيكي الأكثر وضوحاً لتجلي ظاهرة الأخلاق المحصورة، حيث تشكل الرياضات التلامسية مثل الملاكمة، وهوكي الجليد، وكرة القدم الأمريكية والرجبي نماذج حية لهذه الديناميكية. داخل حلبة الملاكمة، يُكافأ الملاكم ويثنى عليه عندما يسدد ضربة قاضية تسبب ارتجاجاً دماغياً لخصمه، ويهتف الجمهور احتفاءً ببراعته في إلحاق الضرر بالآخر. في المقابل، لو قام الملاكم نفسه بتوجيه ربع هذه الضربة لشخص في طابور المتجر، لواجه إدانة اجتماعية ساحقة وعقوبة جنائية رادعة؛ هذا التمايز هو جوهر الحصر الأخلاقي.
يمتد هذا الحصر ليشمل السلوكيات المعروفة بـ «الروح اللا رياضية الذكية» أو «الاحتيال التكتيكي» (Gamesmanship). يُعلَّم الرياضيون منذ مراحل التنشئة الأولى كيفية التلاعب برؤية الحكم، والتمثيل لادعاء التعرض لعرقلة، واستفزاز المنافسين نفسياً لإخراجهم عن طورهم، واستغلال الثغرات القانونية. يتم تطبيع هذه التصرفات بوصفها جزءاً أصيلاً من مهارات اللعبة وثقافة الفوز، بل يُنظر إلى الرياضي الذي يرفض الانخراط فيها بدافع التمسك الأخلاقي المطلق بوصفه شخصاً «ساذجاً» يفتقر إلى الرغبة في الانتصار، مما يعكس تحولاً جذرياً في القيم الأخلاقية الحاكمة للمجال.
إن الخطورة في السياق الرياضي تكمن في تلاشي الحدود الفاصلة تدريجياً بين ما هو داخل القوسين وما هو خارجهما. أظهرت العديد من الدراسات النفسية أن الرياضيين الذين يعتمدون بصورة مفرطة ومستمرة على الأخلاق المحصورة داخل الميدان قد يطورون تبلداً تدريجياً في حساسيتهم الأخلاقية العامة، حيث تتسرب النزعات العدوانية والاستحقاق الذاتي المكتسبة في اللعب إلى علاقاتهم الشخصية، وقيادتهم للسيارات، وتفاعلاتهم مع المجتمع المحيط، مما يشير إلى أن الحصر ليس منيعاً بشكل مطلق.
الأخلاق المحصورة في عالم الأعمال والممارسات الاقتصادية
على الرغم من نشأة المفهوم في الرياضة، إلا أن تطبيقاته في بيئات الشركات والأعمال المعاصرة لا تقل خطورة وكثافة. في قطاعات التجارة العابرة للقارات، وأسواق الأوراق المالية، واستراتيجيات التسويق الشرسة، غالباً ما تسود مقولة «هذا ليس عملاً شخصياً، بل هو مجرد عمل» (It’s just business). تُعد هذه العبارة الشائعة تجسيداً لغوياً نموذجياً لإعلان تفعيل الأخلاق المحصورة، حيث يتم نزع البعد الإنساني عن القرارات الاقتصادية المنهكة لحياة الملايين وعزلها في إطار النفعية الرقمية البحتة.
في هذا السياق المؤسسي، قد يتخذ مسؤول تنفيذي قرارات تؤدي إلى تسريح آلاف العمال دون تعويضات عادلة، أو نقل المصانع إلى بلدان تستغل عمالة الأطفال، أو تصنيع منتجات ذات عمر افتراضي قصير لزيادة الاستهلاك، أو التستر على عيوب تصنيعية طالما أن نسبة المخاطرة القانونية محسوبة ومجدية مالياً. هؤلاء المسؤولون قد يكونون في حياتهم الخاصة آباءً مثاليين، ومواطنين متبرعين للجمعيات الخيرية، وأشخاصاً يراعون الأخلاق بدقة متناهية مع جيرانهم وأسرهم، لكن داخل بيئة مجلس الإدارة، تُحصر الأخلاق وتُقزم لتقتصر فقط على تعظيم أرباح المساهمين وفقاً لمنظور ميلتون فريدمان النيوليبرالي الكلاسيكي.
تُظهر التحليلات النفسية التنظيمية أن ثقافة المنظمة وتركيبتها تلعبان دور الحاضنة لهذه الأخلاق المحصورة عبر:
- تشتيت المسؤولية الأخلاقية: تقسيم سلاسل القرار بحيث لا يشعر أي فرد بأنه المسؤول المباشر عن الضرر النهائي الناجم عن السياسات الجشعة.
- التسميات الملطفة (Euphemistic Labeling): استبدال مصطلحات مثل «تسريح تعسفي» بـ «إعادة هيكلة ذكية»، أو «تدمير البيئة» بـ «الاستخدام الاستراتيجي للموارد».
- الضغط المعياري للنجاح: مكافأة النتائج الرقمية بصرف النظر عن الوسائل الأخلاقية المتبعة، مما يخلق بيئة تنافسية سامة تفرض الحصر الأخلاقي كشرط للبقاء المهني.
البعد الأخلاقي المحصور في السياقات العسكرية والأمنية
يمثل الحقل العسكري أقصى درجات الأخلاق المحصورة وأكثرها دراماتيكية؛ فالجيوش تُدرب أفرادها بشكل منهجي على القتل والتدمير المنظم، وهي أفعال تمثل في السياق المدني الطبيعي أبشع الجرائم الأخلاقية والجنائية على الإطلاق. لكي يتمكن الجندي الطبيعي، الذي نشأ على حرمة النفس البشرية، من إطلاق النار وتصفية شخص آخر، يتم إدخاله في إطار أخلاقي فائق الحصر، يتم تشييده عبر برامج تنشئة عسكرية تعيد تعريف الواجب، والوطنية، والمصلحة العليا.
في هذا الحيز المحصور، لا يُنظر إلى قتل جنود العدو على أنه اعتداء على الحياة، بل على أنه «واجب بطولي» و«دفاع مشروع عن البقاء». تفرض الأعراف العسكرية ومواثيق النزاع المسلح، كمعاهدات جنيف، حدوداً شكلية لهذا القوس (مثل حظر استهداف المدنيين أو تعذيب الأسرى)، ومع ذلك، غالباً ما تتمدد الأخلاق المحصورة داخل مسارح القتال لتتجاوز تلك المعاهدات تحت وطأة الخوف، وغريزة البقاء، والتجريد الممنهج للعدو من كينونته الإنسانية من خلال الدعاية الموجهة.
تتجلى المأساة النفسية لهذه الأخلاق المحصورة عقب انتهاء المعارك وعودة الجنود إلى الحياة المدنية، حيث يجد الكثير منهم صعوبة هائلة في «إغلاق القوسين» والعودة إلى التفكير الأخلاقي التقليدي. تؤدي عودة الوعي الإنساني الفطري إلى صدمة نفسية مروعة تعرف في علم النفس السريري باسم الأذى الأخلاقي (Moral Injury) واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)؛ حيث يستيقظ الجندي ليكتشف أن الأفعال التي ارتكبها داخل القوس كانت انتهاكاً صارخاً لضميره الإنساني العميق، مما يولد مشاعر حارقة بالذنب والانسلاخ عن الذات.
التقاطع بين الأخلاق المحصورة ونظرية فك الارتباط الأخلاقي
لفهم الآلية الوظيفية الدقيقة للأخلاق المحصورة، ينبغي مقارنتها بنظرية فك الارتباط الأخلاقي (Moral Disengagement) التي صاغها عالم النفس الشهير ألبرت باندورا. على الرغم من التداخل الكبير بين المفهومين، إلا أن هناك فروقاً فارقة في المدى، والسياق، والوعي الذاتي بكل منهما.
يركز فك الارتباط الأخلاقي عند باندورا على ثماني آليات نفسية يستخدمها الأفراد لإقناع أنفسهم بأن المعايير الأخلاقية لا تنطبق عليهم في موقف معين بشكل عام، مثل التبرير الأخلاقي، والمقارنة المفيدة، وإلقاء اللوم على الضحية، وتجاهل العواقب. بالمقابل، يُعد مفهوم الأخلاق المحصورة بناءً أكثر تحديداً وارتباطاً بالهيكل المؤسسي والسياقي؛ فالأخلاق المحصورة تفترض وجود «اتفاق جمعي مسبق» داخل فضاء مغلق ومقنن يعترف فيه جميع المشاركين بأن القواعد الأخلاقية العادية معلقة بصورة متبادلة لصالح قواعد النشاط القائم.
بينما يمكن لفك الارتباط الأخلاقي أن يحدث بشكل فردي تماماً ومفاجئ لتبرير جريمة سرقة أو خيانة عاطفية في الحياة اليومية، تعمل الأخلاق المحصورة كمظلة سياقية مؤسسية؛ فالرياضي لا يحتاج إلى ابتكار تبرير أخلاقي فردي كلما عرقل خصمه، بل يجد التبرير جاهزاً ومكرساً في ثقافة اللعبة ومتطلباً من قبل المدرب والجمهور. إن الأخلاق المحصورة تمثل، بهذا المعنى، مأسسة اجتماعية لفك الارتباط الأخلاقي داخل جزر معزولة من الحياة الاجتماعية.
التداعيات النفسية والاجتماعية على هوية الفرد وسلوكه
تترك ممارسة الأخلاق المحصورة آثاراً غائرة في النفس الإنسانية والمجتمع، تتجاوز حدود الأنشطة المحددة. على المستوى النفسي الفردي، تؤدي الاستعانة المتكررة بهذه الأخلاق إلى تجزئة الذات (Self-Compartmentalization). يقسم الفرد شخصيته إلى ذوات متعددة ومعزولة: «الذات التنافسية/الشرسة» في العمل أو الملعب، و«الذات الرحيمة/الأخلاقية» في الأسرة؛ ورغم أن هذه التجزئة تمنح الفرد مرونة تكتيكية للتفوق، إلا أنها تهدد النزاهة الأخلاقية والاتساق الداخلي (Psychological Authenticity) للشخصية، مما يسبب قلقاً وجودياً وشعوراً دائماً بالنفاق المستتر.
أما على الصعيد السلوكي، فإن إغلاق الأقواس ليس عملية ميكانيكية مضمونة الإحكام. تُظهر الأدلة المستمدة من علم النفس السلوكي ما يُعرف بـ «أثر الانسكاب الأخلاقي» (Moral Spillover)؛ فالأفراد الذين يعتادون على التحايل وتبرير الأذى داخل حيز معين يطورون عادات ذهنية وسمات شخصية تتسرب تدريجياً إلى علاقاتهم الإنسانية الطبيعية. يصبح الفرد أكثر تشككاً، وأقل تعاطفاً، ومائلاً للتعامل النفعي مع الآخرين حتى في أبسط المعاملات اليومية، حيث تضعف تدريجياً فرامل الضمير الرادعة.
على المستوى الاجتماعي الشامل، يؤدي شيوع ثقافة الأخلاق المحصورة إلى تآكل الثقة المجتمعية، وتطبيع الانتهاكات، وسيادة النظرة الميكيافيلية التي تكرس مقولة «الغاية تبرر الوسيلة». عندما يرى الأجيال الصاعدة أن الأبطال الرياضيين، وقادة الأعمال، والمسؤولين يحققون النجاح والثراء عبر تعليق أخلاقهم واستغلال الثغرات، تترسخ قناعة مدمرة بأن الأخلاق والنزاهة هما عائق وظيفي في طريق النجاح الحقيقي، مما يهدد الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه التماسك الاجتماعي والعدالة المجتمعية.
المقاربات التربوية والنفسية لتجاوز الانفصال الأخلاقي
إن مواجهة المخاطر الكامنة وراء الأخلاق المحصورة لا تتطلب إلغاء التنافس الرياضي أو النشاط الاقتصادي، بل تتطلب إعادة هندسة الإدراك النفسي للأفراد والمؤسسات حول ماهية المنافسة والنجاح. تتصدر المقاربات التربوية الحديثة برامج «التفكير النقدي الأخلاقي»، التي تهدف إلى تعليم النشء والرياضيين الشباب كيفية تفكيك الحيل المعرفية والتبريرات السياقية، وتدريبهم على أن النزاهة والفروسية يجب ألا تنتهي عند خطوط التماس للملعب أو أبواب الشركات.
تشمل الاستراتيجيات الفعالة للحد من الأخلاق المحصورة ما يلي:
- تطوير الهوية الأخلاقية المركزية: جعل البعد الأخلاقي جزءاً محورياً في مفهوم الذات، بحيث يشعر الفرد أن كرامته واحترامه لذاته يرتبطان بمدى تمسكه بمبادئه حتى في أحلك أوقات التنافس الشديد.
- إعادة صياغة فلسفة التنافس: التحول من «التنافس التدميري الموجه نحو هزيمة الآخر بأي ثمن» إلى نموذج «التنافس البناء» (De-competition vs. True Competition)، حيث يُنظر إلى الخصم كشريك ومحفز يساعد على إبراز أفضل ما في الذات الإنسانية من كفاءة ونبل.
- الإصلاح الهيكلي للمنظومات الرقابية: تصميم بيئات مؤسسية ورياضية لا تكتفي بمراقبة الأفعال الخارجية، بل تعزز ثقافة المساءلة الذاتية وتكافئ النزاهة بوضوح يفوق مكافأة المكاسب المشبوهة، مع تجريم السلوكيات التكتيكية المخادعة وتجريدها من مشروعيتها الزائفة.
الخلاصة والتوليف النهائي
تجسد الأخلاق المحصورة ظاهرة نفسية بالغة التعقيد، تكشف عن هشاشة المعايير الأخلاقية الإنسانية وقابليتها للتشكل وإعادة التدوير وفقاً للضغوط الموقفية والتأطير الاجتماعي. عبر وضع البوصلة الأخلاقية بين قوسين مؤقتين، يمنح الأفراد أنفسهم ترخيصاً مشروطاً لممارسة التنافس الشرس، والعدوان، والخداع، تحت غطاء امتثال وظيفي لقوانين الساحات الرياضية، أو أسواق التجارة، أو ميادين الحروب. وعلى الرغم من أن هذا الحصر يمنح الأفراد تكيفاً ظرفياً ويجنبهم الصدام المباشر مع ضمائرهم، إلا أن ثمنه النفسي والاجتماعي باهظ للغاية؛ إذ يؤدي على المدى الطويل إلى تجزئة الهوية، وتآكل التعاطف الفطري، وتطبيع الانتهاكات داخل النسيج المجتمعي العام. إن الحفاظ على اتساق الذات الأخلاقية يتطلب وعياً مستمراً بهذه الفخاخ النفسية، والعمل الدؤوب على ربط السلوك الفردي في كافة الساحات بمنظومة قيمية إنسانية موحدة لا تقبل التقويس ولا ترضخ للاستثناءات الظرفية.
المراجع
- Bandura, A. (1991). Social cognitive theory of moral thought and action. In W. M. Kurtines & J. L. Gewirtz (Eds.), Handbook of moral behavior and development (Vol. 1, pp. 45–103). Lawrence Erlbaum Associates.
- Bandura, A. (1999). Moral disengagement in the perpetration of inhumanities. Personality and Social Psychology Review, 3(3), 193–209. https://doi.org/10.1207/s15327957pspr0303_3
- Bredemeier, B. J. L., & Shields, D. L. L. (1984). Divergence in moral reasoning about sport and everyday life. International Journal of Sport Psychology, 15(4), 348–357.
- Bredemeier, B. J. L., & Shields, D. L. L. (1986). Athletic aggression for dynamic evils: The bracketed morality of sport. Quest, 38(1), 32–40. https://doi.org/10.1080/00336297.1986.10483842
- Goffman, E. (1974). Frame analysis: An essay on the organization of experience. Harvard University Press.
- Kavussanu, M. (2008). Moral functioning in sport: An achievement goal perspective. Journal of Applied Sport Psychology, 20(1), 80–91. https://doi.org/10.1080/10413200701806087
- Kohlberg, L. (1984). The psychology of moral development: The nature and validity of moral stages. Harper & Row.
- Shields, D. L. L., & Bredemeier, B. J. L. (1995). Character development and physical activity. Human Kinetics Publishers.
- Shields, D. L. L., & Bredemeier, B. J. L. (2001). Moral development and behavior in sport. In R. N. Singer, H. A. Hausenblas, & C. M. Janelle (Eds.), Handbook of sport psychology (2nd ed., pp. 585–603). John Wiley & Sons.